الْبَاب الثَّانِي فِيمَا يَقْتَضِي الْبر والحنث وَفِيه فصلان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جزي الكلبي
- الكتاب
- القوانين الفقهية
- المؤلف
- أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الْفَصْل الأول) فِي الْبر والحنث الْبر هُوَ الْمُوَافقَة لما حلف عَلَيْهِ والحنث مُخَالفَة مَا حلف عَلَيْهِ من نفي أَو إِثْبَات فَكل من حلف على ترك شَيْء أَو عَدمه فَهُوَ على بر حَتَّى يَقع مِنْهُ الْفِعْل فَيحنث وَمن حلف على الْإِقْدَام على فعل أَو وجوده فَهُوَ على حنث حَتَّى يَقع الْفِعْل فيبر ثمَّ إِن الْحِنْث فِي الْمَذْهَب يدْخل بِأَقَلّ الْوُجُوه وَالْبر لَا يكون إِلَّا بأكمل الْوُجُوه لمن حلف أَن يَأْكُل رغيفا لم يبر إِلَّا بِأَكْل جَمِيعه وَإِن حلف أَن لَا يَأْكُلهُ حنث بِأَكْل بعضه وَمن حلف أَن لَا يفعل فعلا فَفعله حنث سَوَاء فعله عمدا أَو سَهوا أَو جهلا إِلَّا إِن نسي فَفعل نَاسِيا فَاخْتَارَ السيوري وَابْن الْعَرَبِيّ أَنه لَا يَحْنَث وفَاقا للشَّافِعِيّ فَلَو فعله جهلا كَمَا لَو حلف أَن لَا يسلم على زيد فَسلم عَلَيْهِ فِي ظلمَة وَهُوَ لَا يعرفهُ حنث خلافًا للشَّافِعِيّ وَأما إِن أكره على الْفِعْل لم يَحْنَث كَمَا لَو حلف أَن لَا يدْخل دَارا فَأدْخلهَا قهرا لَكِن إِن قدر على الْخُرُوج فَلم يخرج حنث وَإِن حلف أَن يفعل شَيْئا فَتعذر عَلَيْهِ فعله فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه (الأول) أَن يمْتَنع لعدم الْمحل كمن حلف أَن يضْرب عَبده فَمَاتَ أَو أَن يذبح حمامة فطارت فَلَا حنث عَلَيْهِ إِن لم يفرط (الثَّانِي) أَن يمْتَنع شرعا كمن حلف ليطأن زَوجته فَوَجَدَهَا حَائِضًا فَإِن لم يَطَأهَا فَاخْتلف هَل يَحْنَث أم لَا وَإِن وَطئهَا فَقيل إِثْم وبر يَمِينه وَقيل لم يبر لِأَنَّهُ قصد وَطأهَا مُبَاحا (الثَّالِث) أَن يمْتَنع لمَانع غير ذَلِك كالسارق وَالْغَاصِب فَإِنَّهُ يَحْنَث عِنْد ابْن الْقَاسِم خلافًا لأَشْهَب (الْفَصْل الثَّانِي) فِيمَا تحمل عَلَيْهِ الْيَمين وَهِي أَرْبَعَة أُمُور (الأول) النِّيَّة إِذا كَانَت مِمَّا يصلح لَهَا اللَّفْظ سَوَاء كَانَت مُطَابقَة لَهُ أَو زَائِدَة فِيهِ أَو نَاقِصَة وَهِي بِالْقَلْبِ دون تَحْرِيك لِسَانه بِشَرْط أَن يعْقد عَلَيْهَا الْيَمين فَإِن استدركها بعد الْيَمين لم ينْتَفع بِهِ وَيعْتَبر فِي ذَلِك نِيَّة الْحَالِف إِلَّا فِي الدعاوي فَتعْتَبر نِيَّة المستحلف فِي الْمَشْهُور (الثَّانِي) السَّبَب المثير للْيَمِين وَهُوَ بِسَاط الْحَال وَبِه يسْتَدلّ على النِّيَّة إِذا غَابَتْ (الثَّالِث) الْعرف أَعنِي مَا قصد النَّاس من عرف إِيمَانهم (الرَّابِع) مُقْتَضى اللَّفْظ لُغَة وَشرعا وَفِي تَرْتِيب هَذِه الْأُمُور أَرْبَعَة أَقْوَال وَالْمَشْهُور أَن هَذِه الْأُمُور على مَا ذَكرْنَاهُ من التَّرْتِيب فَينْظر أَولا إِلَى النِّيَّة فَإِن عدمت نظر إِلَى الْبسَاط فَإِن عدم نظر إِلَى الْعرف فَإِن عدم نظر إِلَى مُقْتَضى اللَّفْظ وَقيل ينظر إِلَى النِّيَّة ثمَّ إِلَى مُقْتَضى اللَّفْظ وَلَا يعْتَبر الْبسَاط وَلَا الْعرف وَقيل ينظر إِلَى النِّيَّة ثمَّ إِلَى الْبسَاط ثمَّ إِلَى مُقْتَضى اللَّفْظ وَلَا يعْتَبر الْعرف وَقَالَ الشَّافِعِي يعْتَبر وضع اللَّفْظ لَا النِّيَّة وَلَا الْبسَاط قَالَ ابْن رشد وَهَذَا الْخلاف إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ الْعرف وَالْمَقْصُود فِيهِ مظنونا أما مَا كَانَ فِيهِ مَعْلُوما فَلَا خلاف فِي اعْتِبَاره كَقَوْل الْقَائِل وَالله لأرين فلَانا النُّجُوم فِي القائلة والمعلوم أَنه أَرَادَ خلاف اللَّفْظ فَيحمل عَلَيْهِ وَيتَفَرَّع على هَذَا الأَصْل عشرُون فرعا ترجع كلهَا إِلَى مَا ذكرنَا (الْفَرْع الأول) من
حلف أَن لَا يدْخل دَارا فرقى سطحها حنث خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الثَّانِي) من حلف أَن لَا يدْخل دَار فلَان فَدخل دَارا مكتراة عِنْده حنث إِن لم يكن نِيَّة الْملك خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الثَّالِث) إِذا من رجل على آخِره بِطَعَام أَو كسْوَة أَو غير ذَلِك فَحلف أَن لَا يشرب لَهُ مَاء حنث بِشرب مَائه وبأكل طَعَامه ولباس كسوته وَغير ذَلِك من الْمَنَافِع خلافًا لَهما فَلَا يَحْنَث عِنْدهمَا إِلَّا بِشرب المَاء وَمثل ذَلِك لَو وهب لَهُ شَاة ثمَّ من عَلَيْهِ بهَا فَحلف أَن لَا يَأْكُل من لَحمهَا وَلَا يشرب من لَبنهَا فَإِن انْتفع بِثمنِهَا حنث (الْفَرْع الرَّابِع) من حلف أَن لَا يَبِيع شَيْئا أَو لَا يَشْتَرِيهِ أَو أَن يُطلق امْرَأَته أَو أَن لَا يعْتق عَبده فَأمر من يفعل ذَلِك حنث إِلَّا أَن تكون نِيَّته مُبَاشرَة ذَلِك بِنَفسِهِ خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الْخَامِس) إِذا حلف أَن لَا يدْخل دَار فلَان فانتقلتعن ملكه لم يَحْنَث بِدُخُولِهَا وَإِن قَالَ هَذِه الدَّار حنث وَإِن حلف إِلَّا يدْخل عَلَيْهِ بَيْتا حنث بالحمام لَا بِالْمَسْجِدِ وَإِن دخل عَلَيْهِ مَيتا فَقَوْلَانِ وَإِن حلف أَلا يساكنه وهما فِي دَار فَجعل بَينهمَا حَائِطا فَقَالَ ابْن الْقَاسِم يَحْنَث وَشك مَالك وَإِن حلف أَن لَا يدْخل دَار فلَان فهدمت وَصَارَت طَرِيقا فَدَخلَهَا لم يَحْنَث خلافًا لأبي حنيفَة (الْفَرْع السَّادِس) من حلف أَن لَا يَأْكُل طَعَاما يَشْتَرِيهِ فلَان فَاشْتَرَاهُ فلَان وَآخر مَعَه فَأكل مِنْهُ وَلم تكن لَهُ نِيَّة حنث خلافًا لَهما (الْفَرْع السَّابِع) من حلف أَن لَا يَأْكُل فَاكِهَة حنث بالعنب والتفاح وَالرُّمَّان وَغير ذَلِك حَتَّى بالفول الْأَخْضَر وَقَالَ أَبُو حنيفَة يَحْنَث بذلك كُله إِلَّا الْعِنَب وَالرُّمَّان وَلَو حلف أَن لَا يَأْكُل تَمرا حنث بالرطب خلافًا لأبي حنيفَة (الْفَرْع الثَّامِن) من حلف أَن لَا يَأْكُل أداما فَأكل لَحْمًا أَو شويا حنث كَمَا لَو أكل زيتا أَو خلا وَيرجع فِي ذَلِك إِلَى الْعَادة فِيمَا يؤتدم بِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّمَا الأدام مَا يساغ بِهِ كالزيت والخل وَالْعَسَل (الْفَرْع التَّاسِع) من حلف أَن لَا يَأْكُل خبْزًا فَاخْتلف هَل يَحْنَث بِأَكْل مَا صنع من الْقَمْح كالهريسة والأطرية والكعك قَالَ ابْن بشير الكعك أقرب إِلَى الْحِنْث إِلَّا أَن خصص أَو عمم بنية أَو بِسَاط فيزول الْخلاف وَمن حلف أَن لَا يَأْكُل رؤوسا فَأكل رُؤُوس الْحُوت أَو الطير حنث إِن لم يكن قد خصص بعض الْأَشْيَاء بِالنِّيَّةِ أَو الْبسَاط وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَحْنَث إِلَّا بِأَكْل رُؤُوس الْغنم وَالْبَقر فَقَط وَزَاد الشَّافِعِي الْإِبِل وَالطير وَكَذَلِكَ لَو حلف أَن لَا يَأْكُل بيضًا حنث عِنْد ابْن الْقَاسِم حَتَّى ببيض الْحُوت وَلم يَحْنَث عِنْد أَشهب إِلَّا ببيض الدجاح وَمَا جرت الْعَادة بِأَكْلِهِ من الْبيض وَمن حلف أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا حنث بِأَكْل جَمِيع اللحوم وَالْحِيتَان وَحنث أَيْضا بالشحم بِخِلَاف الْعَكْس (الْفَرْع الْعَاشِر) إِذا قَالَ وَالله لأقضيتك حقكغدا فقضاه الْيَوْم لم يَحْنَث خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع الْحَادِي عشر) إِذا قَالَ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِلَى حِين فَعِنْدَ مَالك أَنه سنة وَعند أبي حنيفَة سِتَّة أشهر وَعند الشَّافِعِي الْأَبَد (الْفَرْع الثَّانِي عشر) من حلف أَن يضْرب عَبده مائَة سَوط فجمعها ضغثا ثمَّ ضربه بهَا ضَرْبَة وَاحِدَة لم يبر خلافًا لَهما (الْفَرْع الثَّالِث عشر) من حلف أَن لَا يسكن دَارا وَهُوَ ساكنها أَو أَن لَا يلبس ثوبا وَهُوَ عَلَيْهِ أَو أَن لَا يركب حلف دَابَّة وَهُوَ عَلَيْهَا لزمَه النُّزُول أول أَوْقَات الْإِمْكَان فَإِن ترَاخى مَعَ الْإِمْكَان حنث وَفِي الْوَاضِحَة لَا حنث عَلَيْهِ (الْفَرْع الرَّابِع عشر) من حلف أَن لَا يكلم إنْسَانا فَكتب
إِلَيْهِ أَو أرسل رَسُولا فَقيل يَحْنَث بهما وَقيل لَا يَحْنَث بهما وَقيل يَحْنَث بِالْكتاب لَا بالرسول وَإِذا قُلْنَا بِالْكتاب فوصل فَلم يقرأالمكتوب إِلَيْهِ فَفِي وُقُوع الْحِنْث قَولَانِ وَكَذَلِكَ لَو حلف أَلا يكلم إنْسَانا فَكَلمهُ فَلم يسمعهُ وَإِن حلف أَن يكلمهُ لم يبر بِالْكتاب وَلَا بالرسول وَإِن حلف أَن لَا يكلمهُ فَسلم عَلَيْهِ فِي غير الصَّلَاة حنث وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة لم يَحْنَث إِذا كَانَ مَأْمُوما والمحلوف عَلَيْهِ هُوَ الإِمَام (الْفَرْع الْخَامِس عشر) من حلف أَلا تخرج زَوجته إِلَّا بِإِذْنِهِ فَأذن لَهَا وَلم تعلم أَو لم تسمع وخرجتحنث خلافًا للشَّافِعِيّ (الْفَرْع السَّادِس عشر) من حلف أَن لَا يُفَارق غَرِيمه إِلَّا بِحقِّهِ لم يبر بِالرَّهْنِ وَلَا بِالضَّمَانِ وَلَا بالإحالة وَإِن كَانَت نِيَّته تَوْثِيق حَقه بر بِكُل وَاحِد مِنْهَا (الْفَرْع الثَّامِن عشر) من حلف أَن يهجر فلَانا بر بهجران ثَلَاثَة أَيَّام لِأَنَّهَا نِهَايَة الهجران الْجَائِز شرعا وَقيل لَا يبر إِلَّا بِشَهْر لِأَنَّهُ كثيرا مَا تقع عَلَيْهِ الْأَيْمَان فِي الْعَادة فَإِن حلف أَن يهجره أَيَّامًا أَو أشهرا أَو سِنِين لزمَه أقل الْجمع وَهُوَ ثَلَاثَة (الْفَرْع التَّاسِع عشر) إِذا حلف على فعل فَهَل يحمل على أقل مَا يحْتَملهُ اللَّفْظ أَو على الْأَكْثَر وَهُوَ الْمَشْهُور قَولَانِ وَعَلِيهِ الْخلاف فِيمَن حلف أَن يَأْكُل رغيفا فَأكل بعضه فَإِنَّهُ يَحْنَث فِي الْمَشْهُور وَلَو حلف أنيأكله لم يبر إِلَّا بِأَكْل جَمِيعه وَكَذَلِكَ لَو حلف على الْوَطْء يَحْنَث بمغيب الْحَشَفَة على الْمَشْهُور وعَلى الآخر لَا يَحْنَث بِدُونِ الْإِنْزَال وَلَو حلف أَن لَا يَأْكُل خبْزًا وزيتا فَأكل أَحدهمَا فَفِيهِ الْخلاف وَذَلِكَ كُله عِنْد فقد النِّيَّة (الْفَرْع الموفي عشْرين) من حلف على فعل شَيْء ينْتَقل حنث بِمَا ينْتَقل إِلَيْهِ كالحاف على الْقَمْح فَأكل خبزه أَو على اللَّبن فَأكل جبنه أَو على الْعِنَب فَأكل زبيبه وَقيل لَا يَحْنَث (تَنْبِيه) إِنَّمَا الْأَحْكَام الَّتِي ذكرنَا فِي هَذِه الْفُرُوع مَعَ عدم النِّيَّة والبساط فَإِذا كَانَ للْحَالِف نِيَّة أَو بِسَاط حمل عَلَيْهِ