الْبَاب الثَّانِي فِي أَرْكَان الطَّلَاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جزي الكلبي
- الكتاب
- القوانين الفقهية
- المؤلف
- أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَهِي ثَلَاثَة الْمُطلق والمطلقة والصيغة وَهِي اللَّفْظ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَأَما الْمُطلق فَلهُ أَرْبَعَة شُرُوط الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْبُلُوغ والطوع فَلَا ينفذ طَلَاق مَجْنُون وَلَا كَافِر اتِّفَاقًا وَلَا صبي غير بَالغ وَقيل ينفذ طَلَاق الْمُرَاهق وفَاقا لِابْنِ حَنْبَل وَأما السَّكْرَان فمشهور الْمَذْهَب نُفُوذ طَلَاقه وفَاقا لأبي حنيفَة خلافًا للظاهرية وَقَالَ ابْن رشد إِن كَانَ بِحَيْثُ لَا يعرف الأَرْض من السَّمَاء وَلَا الرجل من الْمَرْأَة فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ وَإِن كَانَ سكره دون ذَلِك فَهُوَ الَّذِي ينفذ طَلَاقه وَأما من أكره على الطَّلَاق بِضَرْب أَو سجن أَو تخويف فَإِنَّهُ لَا يلْزمه عِنْد الْإِمَامَيْنِ وَابْن حَنْبَل خلافًا لأبي حنيفَة وَكَذَلِكَ إِن أكره على الْإِقْرَار بِالطَّلَاق أَو على الْيَمين أَو على الْحِنْث فِي الْيَمين بِهِ بَيَان لَا يلْزم الْمُكْره حكم فِي الْمَذْهَب قَالَ سَحْنُون وَابْن حبيب إِنَّمَا ذَلِك فِي القَوْل لَا الْفِعْل وَمن أكره على فعل يَفْعَله فِي غَيره فِي بدنه أَو مَاله فَحكم ذَلِك الْفِعْل لَازم لَهُ لَا يسْقطهُ الْإِكْرَاه وَمن أكره على الْكفْر أَو شرب الْخمر أَو أكل الْخِنْزِير أَو شبه ذَلِك فَلَا يَفْعَله إِلَّا من خوف الْقَتْل خَاصَّة وَإِن صَبر للققتل كَانَ أفضل قَالَه سَحْنُون وَمن أكره على وَاجِب كَالزَّكَاةِ فَلَا ضَمَان على من أكرهه فرع ينفذ طَلَاق الْمَحْجُور إِذا كَانَ بَالغا بِخِلَاف نِكَاحه فَإِن لوَلِيِّه أَن يُجِيزهُ أَو يردهُ وَكَذَلِكَ ينفذ طَلَاق العَبْد فرع طَلَاق الْمَرِيض نَافِذ كَالصَّحِيحِ اتِّفَاقًا فَإِن مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض ورثته
الْمُطلقَة خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَا يَنْقَطِع مِيرَاثهَا وَإِن انْقَضتْ عدتهَا وَتَزَوَّجت وَقَالَ أَبُو حنيفَة تَرثه مَا دَامَت فِي الْعدة وَقَالَ ابْن حَنْبَل مَا لم تتَزَوَّج وَيشْتَرط فِي ثُبُوت مِيرَاثهَا ثَلَاثَة شُرُوط فِي الْمَذْهَب (أَحدهَا) أَن لَا يَصح من ذَلِك الْمَرَض وَإِن مَاتَ مِنْهُ بعد مُدَّة (الثَّانِي) أَن يكون الْمَرَض مخوفا يحْجر عَلَيْهِ فِيهِ (الثَّالِث) أَن يكون الطَّلَاق مِنْهُ لَا مِنْهَا وَلَا بِسَبَبِهَا كالتمليك والتخيير وَالْخلْع فَفِي توريثها بذلك رِوَايَتَانِ وَأما الْمُطلقَة فَهِيَ الزَّوْجَة سَوَاء كَانَت فِي الْعِصْمَة أَو فِي عدَّة من طَلَاق رَجْعِيّ فَينفذ طكلاقها اتِّفَاقًا وَلَا ينفذ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ الْبَائِن وَلَو أضَاف الطَّلَاق إِلَى نصفهَا أَو عُضْو من أعضائها نفذ خلافًا للظاهرية وَاخْتلف فِي إِضَافَته إِلَى شعرهَا وكلامها وَزوجهَا وَلَو قَالَ نصف طَلْقَة أَو ربع طَلْقَة كملت عَلَيْهِ وَأما أَلْفَاظ الطَّلَاق فَهِيَ أَرْبَعَة أَنْوَاع (النَّوْع الأول) الصَّرِيح وَهُوَ مَا فِيهِ لفظ الطَّلَاق كَقَوْلِه طَالِق أَو طالقة أَو مُطلقَة أَو قد طَلقتك أَو طلقت مني لزمَه الطَّلَاق بِهَذَا كُله وَلَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة وَإِن ادّعى أَنه لم يرد الطَّلَاق لم يقبل مِنْهُ ذَلِك إِلَّا إِن اقترنت بِقَرِينَة تدل على صدق دَعْوَاهُ مثل أَن تسأله أَن يطلقهَا من وثاق فَيَقُول أَنْت طَالِق وَألْحق الشَّافِعِي بِالصَّرِيحِ لفظ التسريح والفراق (النَّوْع الثَّانِي) الْكِنَايَة الظَّاهِرَة وَهِي الَّتِي جرت الْعَادة أَن يُطلق بهَا فِي الشَّرْع أَو فِي اللُّغَة كَلَفْظِ التسريح والفراق وَكَقَوْلِه أَنْت بَائِن أَو بتة أَو بتلة وَمَا أشبه ذَلِك فَحكم هَذَا كَحكم الصَّرِيح وَقَالَ الشَّافِعِي يرجع إِلَى مَا نَوَاه وَيصدق فِي نِيَّته (النَّوْع الثَّالِث) الْكِنَايَة المحتملة كَقَوْلِه الحقي بأهلك واذهبي وابعدي عني وَمَا أشبه ذَلِك فَهَذَا لَا يلْزمه الطَّلَاق إِلَّا إِن نَوَاه وَإِن قَالَ أَنه لم ينْو الطَّلَاق قبل قَوْله فِي ذَلِك (النَّوْع الرَّابِع) مَا عدا التَّصْرِيح وَالْكِنَايَة من الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا تدل على الطَّلَاق كَقَوْلِه اسْقِنِي مَاء أَو مَا أشبه ذَلِك فَإِن أَرَادَ بِهِ الطَّلَاق لزمَه على الْمَشْهُور وَإِن لم يردهُ لم يلْزمه وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة كَمَا تتَصَوَّر فِي وُقُوع الطَّلَاق على الْجُمْلَة حَسْبَمَا ذكرنَا كَذَلِك تتَصَوَّر فِي الْبَيْنُونَة بِالطَّلَاق وَفِي عدد الطَّلَاق فَإِن قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فَهَذَا صَرِيح فِي الْبَيْنُونَة وَالْعدَد وَإِن قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق أَنْت طَالِق لَزِمته الثَّلَاث إِلَّا إِن نوى التَّأْكِيد فَتلْزمهُ وَاحِدَة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أَو عطف بِالْوَاو أَو الْفَاء لَزِمته الثَّلَاث خلافًا لَهما فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنَّمَا يَصح الإرداف فِي الطَّلَاق الرَّجْعِيّ اتِّفَاقًا وَأما الْبَائِن فيرتدف إِن كَانَ مُتَّصِلا خلافًا للشَّافِعِيّ وَإِن قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق فَهِيَ وَاحِدَة رَجْعِيَّة إِلَّا أَن يَنْوِي أَكثر من ذَلِك فَيلْزمهُ مَا نَوَاه من اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَقع بذلك إِلَّا وَاحِدَة لِأَن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِي الْعدَد وَإِن قَالَ لَهَا أَنْت بَائِن أَو بتة أَو بتلة فَهَذَا صَرِيح فِي الْبَيْنُونَة مُحْتَمل فِي الْعدَد فَإِن قَالَ لَهَا مَعَ خلع فالبينونة تصح بِطَلْقَة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ إِن قَالَهَا لغير الْمَدْخُول بهَا وَإِن قَالَهَا لمدخول بهَا مَعَ غير الْخلْع فَقيل أَنَّهَا تكون ثَلَاثًا لِأَن بهَا تحصل الْبَيْنُونَة الشَّرْعِيَّة وَقيل تكون وَاحِدَة على القَوْل بِأَنَّهَا تبين بالطلقة المملكة وَأما التسريح والفراق فَاخْتلف أَيْضا هَل يقبل قَوْله أَنه أَرَادَ بهما مَا دون الثَّلَاث أَولا وَأما التَّحْرِيم كَقَوْلِه أَنْت عَليّ حرَام
فمشهور مَذْهَب مَالك أَنَّهَا ثَلَاث فِي الْمَدْخُول بهَا وَيَنْوِي فِي غير الْمَدْخُول بهَا هَل أَرَادَ الثَّلَاث أم مَا دونهَا وَيقبل قَوْله فِيمَا دون ذَلِك وَقَالَ ابْن الْمَاجشون لَا يَنْوِي فِي أقل من ثَلَاث وَإِن لم يدْخل وَقيل فِي الْمَذْهَب أَنَّهُمَا طَلْقَة وَاحِدَة بَائِنَة وَإِن دخل وَمذهب أبي بكر وَعمر وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم أَنه يلْزم فِيهَا كَفَّارَة يَمِين لقَوْله عز وَجل فِي سُورَة التَّحْرِيم ((قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم)) وَقَالَ الشَّافِعِي يَنْوِي فِي الطَّلَاق وَفِي عدده وَإِن أَرَادَ تَحْرِيمهَا بِغَيْر طَلَاق فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين وَقَالَ أَبُو حنيفَة يَنْوِي فِي الطَّلَاق وَفِي عدده فَإِن لم ينْو شَيْئا لم يلْزمه شَيْء فروع ثَمَانِيَة (الْفَرْع الأول) إِذا طلق بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّة نفذ إِجْمَاعًا وَإِن طلق بِالنِّيَّةِ دون اللَّفْظ لم ينفذ فِي الْمَشْهُور خلافًا لَهُم وَقيل ينفذ وَإِن طلق بِاللَّفْظِ دون نِيَّة كمن سبق لِسَانه إِلَى الطَّلَاق وَلم يردهُ لم ينفذ وَكَذَلِكَ لَو كَانَ اسْم امْرَأَته طَالِق فناداها باسمها لم ينفذ (الْفَرْع الثَّانِي) الْهزْل فِي الطَّلَاق نَافِذ كالجد وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاح وَالْعِتْق (الْفَرْع الثَّالِث) إِشَارَة الْأَخْرَس بِالطَّلَاق كَالصَّرِيحِ وَإِشَارَة الْقَادِر على الْكَلَام بِالْكِنَايَةِ (الْفَرْع الرَّابِع) من كتب الطَّلَاق عَازِمًا عَلَيْهِ لزمَه بِخِلَاف المتردد ليشاور نَفسه (الْفَرْع الْخَامِس) من بَاعَ امْرَأَته فَهِيَ طَلْقَة بَائِنَة وَقيل تحرم عَلَيْهِ وَقيل لَا شَيْء عَلَيْهِ (الْفَرْع السَّادِس) قَالَ ابْن حَارِث من أَرَادَ أَن يحلف على شَيْء فَقَالَ لزوجته أَنْت طَالِق ثمَّ أمسك على الْيَمين وحالت نِيَّته عَنهُ لم يلْزمه شَيْء (الْفَرْع السَّابِع) الشَّك فِي الطَّلَاق فَإِن شكّ هَل طلق أم لَا لم يلْزمه شَيْء وَإِن حلف بِالطَّلَاق ثمَّ شكّ هَل حنث أم لَا أَمر بالفراق وَاخْتلف هَل هُوَ على الْوُجُوب أَو على النّدب وَإِن تَيَقّن الطَّلَاق وَشك فِي الْعدَد لم تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره لِأَنَّهَا تحْتَمل ثَلَاثًا خلافًا لَهما (الْفَرْع الثَّامِن) إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة أَن زَوجهَا طَلقهَا وَأنكر هُوَ فَإِن أَتَت بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ نفذ الطَّلَاق وَإِن أَتَت بِشَاهِد وَاحِد حلف الزَّوْج وبريء وَإِن لم يحلف سجن حَتَّى يقر أَو يحلف وَإِن لم تأت بِشَاهِد فَلَا شَيْء على الزَّوْج وَعَلَيْهَا منع نَفسهَا مِنْهُ جهدها وَإِن حلف بِالطَّلَاق وَادعت أَنه حنث فَالْقَوْل قَول الزَّوْج وَكَذَا إِذا حلف بِالْعِتْقِ وَادّعى العَبْد أَنه حنث