الْبَاب الْعَاشِر فِي التَّعَدِّي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جزي الكلبي
- الكتاب
- القوانين الفقهية
- المؤلف
- أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ)
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَهُوَ أَعم من الْغَصْب لِأَن التَّعَدِّي يكون فِي الْأَمْوَال والفروج والنفوس والأبدان فَأَما التَّعَدِّي فِي النُّفُوس والأبدان فنذكره فِي بَاب الدِّمَاء وَالْقصاص وَنَذْكُر هُنَا فصلين فِي الْأَمْوَال والفروج (الْفَصْل الأول) فِي التَّعَدِّي فِي الْأَمْوَال وَهُوَ على أَرْبَعَة أَنْوَاع (الأول) أَخذ الرَّقَبَة وَهُوَ الْغَصْب الَّذِي تقدّمت أَحْكَامه فِي الْبَاب قبل هَذَا (الثَّانِي) أَخذ الْمَنْفَعَة دون الرَّقَبَة وَهُوَ ضرب من الْغَصْب وَيجب فِيهِ الْكِرَاء مُطلقًا (الثَّالِث) الإستهلاك بِإِتْلَاف الشَّيْء كَقَتل الْحَيَوَان أَو تحريق الثَّوْب كُله أَو تخريقه وَقطع الشّجر وَكسر الفخار وَإِتْلَاف الطَّعَام وَالدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَشبه ذَلِك وَيجْرِي مجْرَاه التسبيب فِي التّلف كمن فتح حانوتا لرجل فَتَركه مَفْتُوحًا فَسرق أَو فتح قفص طَائِر فطار أَو حل دَابَّة فهربت أَو حل عبدا موثقًا فأبق أَو أوقد نَارا فِي يَوْم ريح فأحرقت شَيْئا أَو حفر بِئْرا بِحَيْثُ يكون حفره تَعَديا فَسقط فِيهِ إِنْسَان أَو بَهِيمَة أَو قطع وَثِيقَة فَضَاعَ مَا فِيهَا من الْحُقُوق فَمن فعل شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ ضَامِن لما اسْتَهْلكهُ أَو أتْلفه أَو تسبب فِي إِتْلَافه سَوَاء فعل ذَلِك كُله عمدا أَو خطأ إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ لَا يضمن الطَّائِر من فتح قفصه فطار وَعَلِيهِ غرم الْمثل فِي الْمكيل والمعدود وَالْمَوْزُون وَغرم الْقيمَة يَوْم الْإِتْلَاف فِيمَا سوى ذَلِك فرعان (الْفَرْع الأول) إِذا خيف على الْمركب الْغَرق جَازَ طرح مَا فِيهِ من الْمَتَاع أذن أربابه أَو لم يأذنوا إِذا رجا بذلك نجاته وَكَانَ الْمَطْرُوح بَينهم على قدر أَمْوَالهم وَلَا غرم على من طَرحه (الْفَرْع الثَّانِي) إِذا اصطدم مركبان فِي جريهما فانكسر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا ضَمَان فِي ذَلِك (الرَّابِع) الْإِفْسَاد هُوَ على نَوْعَيْنِ (أَحدهمَا) أَن يذهب الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة من الشَّيْء كمن قطع يَد عبد أَو رجل دَابَّة فَيُخَير صَاحبه بَين أَن يَأْخُذ قيمَة مَا نَقصه ذَلِك الْفساد أَو يُسلمهُ للمفسد وَيَأْخُذ قِيمَته مِنْهُ كَامِلَة وَالْآخر أَن يكون يَسِيرا فَيُصْلِحهُ من أفْسدهُ وَيَأْخُذ صَاحبه قيمَة مَا نقص كثقب الثَّوْب وَقطع ذَنْب الدَّابَّة إِلَّا أَن تكون لركوب ذَوي الهيئات فَقطع ذنبها كتعطيل مَنْفَعَتهَا بَيَان وَهَذَا كُله إِذا تعمد إِنْسَان مُكَلّف فَإِن كَانَ غير بَالغ فَيحكم عَلَيْهِ فِي التَّعَدِّي فِي الْأُمُور بِحكم الْبَالِغ إِذا كَانَ يعقل فَيغرم مَا أتْلفه إِن كَانَ لَهُ مَال فَإِن لم يكن لَهُ مَال أتبع بِهِ وَأما الصَّبِي الَّذِي لَا يعقل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِيمَا أتْلفه من نفس أَو مَال كالعجماء وَقيل المَال هدر والدماء على الْعَاقِلَة كَالْمَجْنُونِ وَقيل المَال فِي
مَاله وَالدَّم على عَاقِلَته إِن بلغ الثُّلُث وَأما مَا أفسدت الدَّوَابّ فَإِن كَانَ لَهَا رَاكب أَو سائق أَو قَائِد فَهُوَ ضَامِن لما تفسده فِي النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَأما مَا أفسدت الْمَوَاشِي من الزَّرْع وَالشَّجر فَإِن كَانَ بِاللَّيْلِ على أَرْبَاب الْمَوَاشِي وَإِن كَانَ بِالنَّهَارِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم إِلَّا إِن فرطوا فِي حفظهَا وَلم يمنعوها من الزَّرْع وَالضَّمان فِي ذَلِك على الرَّاعِي لَا على صَاحب الْمَاشِيَة وَمَا أتلفت الْمَوَاشِي سوى الزَّرْع وَالثِّمَار من النُّفُوس وَالْأَمْوَال فَلَا شَيْء فِيهِ (الْفَصْل الثَّانِي) فِي التَّعَدِّي فِي الْفروج فَمن اغتصب امْرَأَة وزنى بهَا فَعَلَيهِ حد الزِّنَى وَإِن كَانَت حرَّة فَعَلَيهِ صدَاق مثلهَا وَإِن كَانَت أمة فَعَلَيهِ مَا نقص من ثمنهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَلَا يلْحق بِهِ الْوَلَد وَيكون الْوَلَد من الْأمة الَّتِي اغتصبها أَو زنى بهَا عبدا لسَيِّد الْأمة وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا صدَاق على المستكره فِي الزِّنَى وَهَذَا كُله إِذا ثَبت عَلَيْهِ ذَلِك باعترافه أَو بمعاينة أَرْبَعَة شُهُود أَو ادَّعَت ذَلِك مَعَ قيام الْبَيِّنَة على غيبته عَلَيْهَا فَإِن ادَّعَت عَلَيْهِ أَنه استكرهها فَغَاب عَلَيْهَا وَوَطئهَا وَأنكر هُوَ وَلم يكن لَهَا بَيِّنَة فَلَا يجب عَلَيْهِ حد الزِّنَى وَإِنَّمَا النّظر هَل يجب عَلَيْهِ يَمِين على نفي دَعْوَاهَا أَو هَل لَهَا عَلَيْهِ صدَاق وَهل تحد هِيَ حد الْقَذْف أَو حد الزِّنَى فَفِي ذَلِك تَفْصِيل وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو أَن تَدعِي ذَلِك على رجل صَالح أَو طالح يتهم بذلك أَو مَجْهُول الْحَال فَإِن ادَّعَت ذَلِك على رجل صَالح لم يجب عَلَيْهِ يَمِين وَلَا صدَاق وَوَجَب عَلَيْهَا حد الْقَذْف وَأما حد الزِّنَى لاعترافها على نَفسهَا فَإِن كَانَت قد جَاءَت مستغيثة متمسكة بِهِ قد فضحت نَفسهَا وَهِي تدمي إِن كَانَت بكرا سقط عَنْهَا حد الزِّنَى وَإِن كَانَت قد جَاءَت على غير ذَلِك حدت حد الزِّنَى وَأما إِن ادَّعَت ذَلِك على رجل يتهم بذلك فَلَيْسَ عَلَيْهَا حد قذف وَلَا زنى وَيجب على الرجلَيْن الْيَمين فَإِن حلف بَرِيء وَإِن نكل عَن الْيَمين حَلَفت الْمَرْأَة واستحقت صَدَاقهَا عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد أَن يسجن ليكشف عَن أمره وَأما إِن ادَّعَت ذَلِك على من كَانَ مَجْهُول الْحَال اسْتحْلف فَإِن نكل عَن الْيَمين حَلَفت هِيَ وَأخذت صَدَاقهَا