قلت: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله - عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، ففرق بين الخلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مخلوق، فقلت: يا سبحان الله، أمخلوق يخلق مخلوقًا!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق، قال: فسكت" 1.
ولا ريب أن الإمام أحمد إنما امتحن من أجل ذلك، لكن ورد في استجواب إسحاق ابن إبراهيم النائب على بغداد تنفيذًا لأمر المأمون: أن الإمام اكتفى بالقول: بإن القرآن كلام الله لم يزد على ذلك، كما ذكرناه فيما سبق 2.
ولنا أن نجمع ببساطة بين الموقفين، فنقول: إنه كان يحب في البداية أن لا يخاض في القرآن الكريم، بأي قول لم يثبت عن السلف، وقد كان ذلك واضحًا في كلامه مع المعتصم حينما قال له: "إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.... إلخ" 3 وذكر قصة وفد عبد القيس، فكأنه يريد أن يقول: إن هذه المسألة مما ينبغي أن تطوى عن أن يخاض فيها أو تمتحن بها عقائد الناس استنانًا بالسلف.
لكن لما أصبحت تناقش في مجالس العلم ويتناظر الناس في شأنها خاف الإمام أحمد أن يتشوش الأمر على أهل السنة، فقال: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، على أنه روي عن السلف أنهم كانوا يقولون ذلك.
لكن الموضوع لا ينتهي عند هذا الحد، فقد استجر الجدل في هذا الموضوع إلى ضرورة الإجابة عن الأسئلة التالية:
1 - ما حكم من يعتقد أن القرآن مخلوق، ويخالف الحق في ذلك؟
2 - ما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة هل هو مخلوق أم لا؟
3 - هل يجوز وصف القرآن بأنه قديم، باعتبار أنه وصف مناقض لكونه مخلوقًا ومساو لكونه غير مخلوق؟
• فأما اعتقاد أن القرآن مخلوق:
فقد نقل ابن الجوزي 1 من وجوه مختلفة عن الإمام أحمد: أنه استفتي في ذلك فأجاب بأن قائل ذلك كافر.
لكن لم يذكره اللالكائي في زمرة من أفتوا بتكفير من قال ذلك، على أنه استوعب عددًا كبيرًا منهم، وعده في جملة من قالوا: لا ينكحون ولا يُصلى خلفهم، ولا تعاد مرضاهم، ولا تشهد جنائزهم، وأن موالاة الإسلام انقطعت بينهم وبين المسلمين 2.
فعلى هذا يكونون عنده معدودين في جملة البتدعة.
والذي يستوي عليه النظر، ويليق بمذهب الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، أنه ممسك عن القول في شيء لم يجد له فيه سلفًا من السنة ومذاهب الصحابة والتابعين، وأنه يكتفي بتقرير: أن كلام الله غير مخلوق دون أن يزيد على ذلك حكمًا بالكفر على من يعتقد خلاف الحق، وإن رسالته إلى المتوكل في هذا الموضوع لتدل على هذا المسلك، فقد جاء في خاتمتها ما يلي:
"وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" 3.
• وأما حكم التلفظ بكلام الله وتلاوته بالألسنة:
فقد اختلفت الرواية في ذلك عن إمام السنة وترجمة مذهبه: قال ابن قتيبة: واختلفت عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الروايات، ورأينا كل فريق منهم يدعيه، ويحكي عنه قولًا، فإذا كثر الإختلاف في شيء ووقع التهاتر في الشهادات به، أرجأناه مثل أن ألغيناه.
ومن عجيب ما حكي عنه مما لا يشك فيه أنه كذب عليه، إذ كان موفقا بحمد الله رشيدًا أنه قال: من زعم أن القراءة مخلوقة، فهو جهمي، والجهمي كافر، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو مبتدع، وكل بدعة ضلالة 1. واستمر في تحقيق المسألة.
ونكتة الأمر أنه قد التبس على الناس كون القرآن غير مخلوق، وكونه حين يتلى بالألسنة لا يتجلى إلا في حروف وأصوات لا يمترى في كونها مخلوقة، فلابد من الذب عن الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللهُ- فيما نسب إليه من القول: بأن أوعية القرآن العزيز صارت غير مخلوقة بمجرد تجسد القرآن فيها، وذلك كالحروف والأصوات، والحبر والأوراق.
قأل الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص 43):
أما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كلٌّ لنفسه، فليس بثابت كثيرٌ من أخبارهم، وريما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم: أنَ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا الكلام والخوض والتنازع إلّا فيما جاء فيه العلم، وبيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر ابن كثير عن البيهقي: أنه لما ترجم عقيدة الإمام أحمد في القرآن أنكر على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن.
قال: وفيما حكى أبو عمارة وأبو جعفر، أخبرنا أحمد -شيخنا- السراج، عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث، واستدل بقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
قال: فاللفظ كلام الآدميين.
وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيفما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة 2.
وقال الذهبي: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع 3. ثم قال:
الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق؛ لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراجُ الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يُحدث حروفَ القرآن ولا معانيه، وانما أحدث نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يُجوِّز الإمام أحمد: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا: غير مخلوق؛ إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم.
والله أعلم 1.
• وأما وصف القرآن بأنه قديم:
فمن المعلوم أن كلمة "قديم" اصطلاح فني استخدمه علماء الكلام للتعبير عن عدم السابقية أو عدم الأولية، فهم يقولون: الله قديم، على معنى: ليس لأوليته بداية، وأنه تعبير عن معنى قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد: 2].
ومعلوم أن علم الله -عَزَّ وَجَلَّ- صفة يصدق عليها هذا الحكم، أعني كون علمه -عَزَّ وَجَلَّ- قديمًا لأنه صفة لذاته تعالى.
وأما كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- فإنه قديم أيضًا، إذ لم يزل سبحانه متكلمًا لا أولية لذلك.
وأما القرآن الذي هو كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- المنزل على قلب نبينا المصطفى محمد - عليه الصلاة والسلام -، فهل يصدق عليه هذا الوصف باعتبار أنه من ذات الكلام القديم، أو لا يجوز أن يوصف بذلك، نظرًا لما تميز به من النزول والوحي به من السماء وغير ذلك؟.
فالذي ينسجم معه مذهب إمام السنة أن لا يوصف القرآن الكريم بأنه قديم على اعتبار أنه من لازم القول بكونه غير مخلوق، وذلك لأمرين:
الأول: أن السلف وصفوا القرآن بأنه غير مخلوق، ولم يصفوه بأنه قديم، ومذهب الإمام أحمد ينتهي عند السلف، لا يتجاوزهم.
الثاني: أن هذا الإطلاق فلسفي مستحدث عند علماء الكلام، والإمام أحمد لم يكن بالذي يتعاطى الكلام ويتسارع في استخدام مصطلحاته ليستغني بها عما عنده من الأثر الذي لا يحتاج معه إلى غيره.
وفي الختام نقول، كما قال الذهبي -رَحِمَهُ اللهُ-:
لقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث، خوفًا من أن يُتذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى.
آمنا بالله تعالى، وبملائكته، ويكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على الله يوم الدين.
ولو بُسط هذا السطر، وحُرر وقُرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحُسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.
فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين، إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
والله أعلم 1.
المبحث الخامس
وفاة الإمام أحمد
ومجمل مناقبه وعلمه
وفاة الإمام أحمد:
لما استكمل الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 77 سنة من العمر، ودخل في الثامنة والسبعين أصابته حمى، وذلك في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة 241 هـ، فكثر عواده وتردد عليه الأطباء منذ ذلك الحين، وكان قد كتب وصيته قبل ذلك، على عادة العلماء العاملين، وهذا نص تلك الوصية المباركة:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى: أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته: أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى: أني رضيت بالله -عَزَّ وَجَلَّ- ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا.
وأوصى: أن لعبد الله بن محمد، المعروف بفُورَان عليّ نحوًا من خمسين دينارًا، وهو مصدق فيما قال، فيقضى ماله علي من غلة الدار، إن شاء الله، فإذا استوفى أُعطي ولدُ صالح وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل كل ذكر وأنثى عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد.
شهد أبو يوسف، وصالح وعبد الله ابنا أحمد بن محمد بن حنبل" 1.
فلما كانت صبيحة يوم الجمعة 12/ رييع الأول/ 241 هـ، حين ارتفع النهار بنحو ساعتين سلم الإمام أحمد الروح إلى بارئها، وأجاب دعوته المقررة على كل إنسان: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
وكانت الشوارع والسكك المحيطة بمسكنه ضائقة بالناس.
وحضر غسله نحو من مائةٍ من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبّلون بين عينيه، ويدعون له، ويترحمون عليه.
وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكان النائب على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر، فتقدم وأم الناس في الصلاة عليه على الرغم من عدم موافقة أولاده على ذلك، وقد كانوا صلوا عليه قبل ذلك في داخل بيته.
ولم يستطيعوا دفنه إلا بعد العصر من شدة الزحام 1.
مجمل مناقب الإمام أحمد وصفاته
:
عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَضَّر الله امرأً سمع منّا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رُبّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه" 1.
ولا غرو أن إمام السنة كان محلًا لذلك الدعاء المبارك، فقد قال ناعتوه: إنه كان حسن الوجه، رَبْعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، أبيض الثياب، وإن كانت غليظة خشنة، يعتمُّ ويلبس إزارًا.
وكان أسمر شديد السمرة، طويل القامة 2.
وكان -عليه رحمة الله- يجلس جلوس المتواضعين في خشوع باد على تقاسيم وجهه، يفضل التربع، وهو القرفصاء، وهي جِلسةكانت تحكيها الصحابية قيلة بنت مخرمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها رأته يجلس كذلك 3.
وكان رجلًا مهيبًا لا يجرؤ أحد على انتهاك المهابة التي تكون في مجلسه، وهي مهابة جاء بها الورع والسمت والخشوع لله باستمرار، وليست تلك المهابة التي يفرضها المتجبرون على الناس ظلمًا وعلوًا، فكان الإمام أحمد كما قال مصعب بن عبد الله الزبيري في مالك ابن أنس:
يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَعُ هَيْيةَ... والسائلونَ نواكسُ الأذْقَانِ
عِزُّ الوَقَار ونُورُ سُلطانِ التُّقَى... فهو المَهيبُ وليس ذا سُلْطان 4
وكان كما يقول واصفوه: لا يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم، شديد الحياء، كريم النفس، حسن العشرة والأدب، كثير الإطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين
والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَر به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه 1.
• ثناء العلماء عليه:
وقد أثنى العلماء عليه ثناء لا يتسع لنا أن نسجله في هذه المسطورات، لكثرته، فقد أثنى عليه شيوخه وهو صغير، ووصفوه بالعقل والنباهة، وغير ذلك، وأثنى عليه أقرانه الذين صحبهم، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم وجودة القريحة والتفوق على النظراء، مع أن العادة قد جرت بوجود التحاسد بين الأقران والأنظار، لميل النفوس إلى حب التفوق والإنفراد بالفضائل.
وأثنى عليه تلاميذه الذين لازموه ورووا عنه العلم 2.
قال شيخه عبد الرزاق فيه: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع 3.
وقال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل 4.
وقال محمد بن الحسين الأنماطي: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل، فقال رجل: فبعضَ هذا، فقال يحيى: وكثرة الثناء على أحمد تستنكر! فلو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكاملها 5.
ومن تلامذته: قال النسائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه والورع والزهد والصبر.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط 6.
وأثنى عليه الذهبي بكلمة جامعة فقال:
"إن أحمد عظيم الشأن، رأسًا في الحديث، وفي الفقه، وفي التألُّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن لإخوانه وأقرانه؟ وكان مهيبًا في ذات الله، حتى لقال أبو عبيد: ما هبت أحدًا في مسألة ما هبت أحمد بن حنبل" 1.
وكتب الله للإمام أحمد الإحترام حتى في قلوب أهل الذمة الذين كانوا يعيشون مع المسلمين في بغداد.
فقد قال المرّوذي:
رأيت طبيبًا نصرانيًا خرج من عند أحمد ومعه راهب، فقال: إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله.
وأدخلتُ نصرانيًا على أبي عبد الله، فقال له: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.
فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار.
فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟ 2
علم الإمام أحمد
(1)
يتجلى لنا علم هذا الإمام المؤسس للمذهب الرابع من المذاهب الفقهية المشهورة في ثلاث نواح رئيسة:
• في شهادة الناس له بذلك، وقد مضى بعض ذلك في الثناء عليه.
• في الرواية عنه.
• في مؤلفاته.
أولاً: شهادة الناس له بالعلم:
ليس أزكى للإنسان، بعد توفيق الله -عَزَّ وَجَلَّ- له، ورضاه عنه من شهادة أفضل أهل زمانه له بالعلم والتفوق في الفضائل وحيازة السبق في الفنون، وكم يلهث أكثر أهل زماننا وراء الإجازات ونيل التزكيات، ولكن هيهات فقد أدركنا ما وراء الأكمة! والحق كما قال الراجز:
والحقُّ أن لا تُفتي حتَّى ترى... نفسك أهلاً ويرى ذاكَ الورَى
فمالكٌ أجازه سَبْعونَ... محنَّكاً للصَّحْب يتبعونَ 2
وإمامنا أحمد لا يسأل عنه، كما يقول علماء الرجال، فقد انعقدت له الإمامة في العلم بالإستفاضة والشهرة، ولو ذهبنا ننقل شهادات الأعيان له لظن الظانون أن الرجل بحاجة إلى ذلك، ولكننا سنكتفي ببعض ذلك ليدلك على غيره.
فقد قال قرينه أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث!! فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
وعلق الذهبي على ذلك بقوله:1
فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشر معشار ذلك 1.
وقد تقدم: أن الإمام أحمد أتى على ما عند شيخه هشيم من مسموعات وهو لا يزال حياً، وكان الشافعي يسترشده في معرفة ما ثبت من صحيح الأحاديث ليعمل به.
كما تقدم أنه لم يكن عنده ترجمة على ظهور الأجزاء المروية عن شيوخه، وكان يعرفها مع ذلك ويميزها، مما أذهل أبا زرعة الرازي.
وتقدم أن عبد الرحمن بن مهدي كان يعتبر الإمام أحمد وارث علم سفيان الثوري، حتى إنه يُذكِّره به وكأنه نسخة ثانية من شخصيته، وكان عبد الرحمن واسطة بين الرجلين تلميذاً لهذا وشيخا لهذا.
وزاد محمد بن إبراهيم البوشنجي على ذلك فقال: هو -أي أحمد- عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، وذلك أن سفيان لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن أحمد بن حنبل، ولا عِلْم سفيان ومن تقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمع لها وأبصر بمتقنيهم وغالطيهم، وصدوقهم وكذوبهم منه 2.
فهذه الشهادات تعطينا صورة عن حفظ الإمام أحمد، وسعة اطلاعه على السنن والآثار وفتاوى التابعين، وأنه كان لا يشق له غبار في ذلك، حتى قال أبو بكر ابن أبي شيبة: لا يقال لأحمد بن حنبل: من أين قلت؟! 3. وقال عبد الوهاب الوراق: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، فقالوا له: وأي شيء بأن لك من فضله وعلمه؟ قال: رجل سئل ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: حدثنا وأخبرنا 4.
ثانياً. في الرواية عنه:
روى الناس عن اللإمام أحمد الحديث بسنده، ورووا عنه الفقه الذي نُسج منه مذهبه وتألف فيما بعد.
وكان إذ ذاك في صورة مسائل أجاب عنها، ثم دوَّنها الأصحاب من بعده وجمعوها، وصارت هي أم المذهب.
• فأما الحديث:
فهو الإمام فيه، والمفتاح لخزائن كنوزه، والجهبذ في معرفة علله ورجاله، وصحيحه وسقيمه، بل يعتبر فقهه وليداً من حديثه، لا يكاد يسأل عن مسألة إلا ويجيب فيها بحديث مسند، أو أثر لصحابي، أو فتوى لتابعي.
قال عبد الوهاب الوراق:
"ما رأيت مثل أحمد بن حنبل.
قالوا له: وأيش الذي بأن لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال: "أخبرنا" و"حدثنا" 1.
وقد روى عنه الناس في مسانيد الصحابة، وخرجوا أحاديثه في مصنفاتهم، ورووا عنه في علل الأحاديث، كلما رووا عنه في معرفة الرجال فيما يتعلق بأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وجرحهم وتعديلهم، وغير ذلك.
وحدث عنه جماعة من مشايخه ومن الأكابر منهم، قد استوفاهم ابن الجوزي بأسمائهم، فذكر منهم (19) شيخاً؛ كإسماعيل ابن علية، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وتقدم أنه يذكره في مروياته بوصفه لا باسمه، فيقول: حدثني الثقة 2.
وحدث عنه من تلامذته جماعة لا يحصون كثرة، جرد ابن الجوزي أسماءهم في "المناقب" والمزي في "تهذيب الكمال".
• أحمد في الكتب الستة:
ومن جملة تلاميذه المباشرين وبواسطة، أصحاب الأصول الستة.
قال الذهبي: "حدث عنه البخاري حديثاً، وعن أحمد بن الحسن عنه حديثاً آخر في المغازي، وحدث عنه مسلم، وأبو داود بجملة وافرة، وروى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن رجل عنه" 1.
وإليك ذلك الحديث المذكور في مغازي "الجامع الصحيح":
"حدثني أحمد بن الحسن، حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست عشرة غزوة" 2.
وأما الحديث الثاني، فهو موقوف على ابن عبَّاس في كتاب النكاح.
قال البخاري: وقال لنا أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني حبيب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع.
ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الآية.
وذكر الآثار بطولها 3.
• قلة أحاديث أحمد في صحيح البخاري وسببها:
ذكر الحافظ ابن حجر سبب إقلال البخاري من التخريج للإمام أحمد في "صحيحه"، فقال:
وليس للمصنف في هذا الكتاب رواية عن أحمد إلا في هذا الموضع -إشارة إلى الحديث السابق- وأخرج عنه في آخر المغازي حديثا بواسطة -وقد أوردناه آنفا- وكأنه لم يكثر عنه، لأنه في رحلته القديمة لقي كثيراً من مشايخ أحمد فاستغنى بهم، وفي رحلته الأخيرة كان أحمد قطع التحديث، فكان لا يحدث إلا نادراً، فمن ثَمّ أكثر البخاري عن علي بن المديني دون أحمد 4.
وقد خلف لنا الإمام أحمد ذلك الديوان العظيم المسمى: "المسند"، وقد صُنِّف في جمع السنة ما يزيد على المائة مسند 1، فكان لابد من قرن اسم المصنِّف بالمسند الذي صنفه كـ"مسند عبد بن حميد" و"مسند أبي يعلى الموصلي".. حتى يتميز عن غيره، ولكن لشهرة مسند أحمد، وتفوقه على غيره أصبح هذا الإسم المجرد -أعني "المسند"- علماً عليه بالغلبة، فإذا أطلق فهو المقصود به حصراً، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في ذكر المؤلفات في الحديث.
• وأما الفقه:
فقد روي عنه -رَحِمَهُ اللهُ- في صيغة أسئلة وأجولة على غرار الفتاوي المسموعة، ولم يدوّن كتاباً في ذلك قط، لأنه كان يكره حتى التعليقات المكتوبة بإزاء السنن والآثار، كما هو صنيع مالك في "الموطأ"، بَلْهَ الفقه المجرد الذي ليس فيه إلا الإجتهاد الخالص.
فيكون المذهب الحنبلي قد ولد أول ما ولد في صورة أسمعة كتبها الأصحاب، بعضها في حياته وبعضها بعد وفاته، فكان بهذا شبيهاً بالمذهب المالكي.
فقد تَكوَّن هو الآخر بهذه الطريقة، وبزغ فجره في كتاب "الموطأ" وأسمعة الأصحاب لمسائل الفقه التي أجاب عنها، فعبد الرحمن بن القاسم له سماع من مالك بلغ عشرين كتاباً، وأبو محمد عبد الله بن وهب له سماع من مالك بلغ ثلاثين كتاباً، وأشهب بن عبد العزيز له سماع من مالك يقول عنه سحنون: حدثني المتحري في سماعه: اْشهب... وكان ورعاً في سماعه.
وعدد كتب سماعه عشرون كتاباً.
وأبو محمد عبد الله بن عبد الحكم كان له سماع من مالك، "الموطأ" نحو ثلاثة أجزاء.
وصنف كتباً اختصر فيها أسمعته 2.
وكذلك الإمام أحمد دون أصحابه مذهبه في مرحلته المبكرة، فيما عرف واشتهر بـ "المسائل".
قال الذهبي:
"وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدة مجلدات، كالمرّوذي، والأثرم، وحرب، وابن هانئ، والكوسج، وأبي طالب، وفوران، ويدر المغَارلي، وأبي يحيى الناقد.. " وسرد نحواً من خمسين راوية، ثم قال: "وخلق سوى هؤلاء، سماهم الخلال في أصحاب أبي عبد الله، نقلوا المسائل الكثيرة والقليلة" 1.
وجرد ابن أبي يعلى في مقدمة "الطبقات" عدداً من نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ثم قال: وهم مائة ونيف وعشرون نفساً.
ويتميز هذا الكتاب -يعني كتاب الطبقات- بالعناية برواية المترجمين عن الإمام أحمد وذكر مصنفاتهم 2.
ويعتبر جرد العلامة علاء الدين المرداوي (ت 885 هـ) أحسن جرد في هذا الموضوع، فقد عقد في آخر كتاب "الإنصاف" فصلاً في ذكر أسماء نقلة الفقه عن الإمام أحمد، ورتبهم على حروف المعجم، وعرَّف بكل واحد منهم تعريفاً موجزاً مبيناً ما لكل واحد منهم من الرواية على وجه الإجمال، فتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة جداً حساناً" وتارة يقول: "نقل مسائل كثيرة" وتارة يقول: "نقل مسائل" وتارة يقول: "نقل أشياء".. فأحصى نيفاً وثلاثين رجلاً.
وقال في أوله: "فصل في ذكر من نقل الفقه عن الإمام أحمد، - رضي الله عنه - من أصحابه ونقله عنه إلى من بعده، إلى أن وصلت إلينا، فمنهم المقل، ومنهم المكثر، وهم كثيرون جداً، لكن نذكر جملة صالحة منهم يحصل المقصود بها إن شاء الله" 3.
وقال في خاتمته: "وهذا آخر ما قصدنا ذكره من أئمة أصحاب الإمام أحمد - رضي الله عنهم -، ممن نقل الفقه عنه، مما لا يستغني عنه طالب العلم.
وهم نيف على ثلاثين ومائة نفس.
ومن نقل عنه الفقه وغيره جماعة كثيرون جداً، ذكرهم أبو بكر الخلال، وأبو بكر بن عبد العزيز -يعني غلام الخلال- في "زاد المسافر" والقاضي أبو الحسين بن أبي يعلى في "الطبقات" وقد زادوا فيها على الخمسمائة.
وذكر ابن الجوزي بعضهم في "مناقب الإمام أحمد" وغيرهم.
فإن من طالع في هذا الكتاب وغيره
من كتب الأصحاب يحتاج إلى معرفة الناقلين عنه، فإن بعضهم تارة يذكرهم بكناهم، ويعضهم يذكرهم بألقابهم، ويعضهم يذكرهم بأسمائهم.
وهم أيضاً متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد - رضي الله عنه -، والنقل عنه والضبط والحفظ" 1.
وينبغي أن نعلم أن كلمة "فقه" الواردة في مثل هذه المواطن تعني أوسع من مدلولها الإصطلاحي المستقر.
فكتب "المسائل" هي عبارة عن دواوين لفقه الدين بمعناه الواسع، فنجد فيها الفقه والاعقاد والتفسير والأصول والزهد ومناحي من الفنون لا تحصى كثرة، يتجلى لنا ذلك في أعمال أبي بكر الخلال (ت 311 هـ). فقد قال عنه ابن الجوزي: "صرت عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتباً، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء, ولم يقارب أحد من أصحاب أحمد في ذلك" 2.
وهو يعد في الطبقة الثانية من الأصحاب، فلذلك يعتبر متلقياً لعلم الإمام أحمد بواسطة أصحابه، فيكون هو جامع شتات تلك "المسائل" من مدونيها، كما يدل عليه عنوان كتابه الكبير.
قال الذهبي:
"وجمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسنة والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة" 3. ثم قال:
"وألف كتاب "الجامع" في بضعة عشر مجلدة أو أكثر، وقد قال في كتاب "أخلاف أحمد بن حنبل": لم يكن أحدٌ علمتُ عُنِيَ بمسائل أبي عبد الله قط، ما عُنيت بها أنا".
وقد طبع من هذه المسائل:
رواية ابنيه صالح وعبد الله، وأبي داود السجستاني صاحب "السنن"، وإسحاق ابن هانئ، وعبد الله البغوي المشهور بابن بنت منيع، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومسائله ممزوجة بمسائل إسحاق بن راهويه، حقق منه: الطهارة، والصلاة، والصيام، والمعاملات.
ثالثاً: في مؤلفاته:
قال ابن الجوزي: "كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات" (1).
وهذه إشارة مهمة جداً في تصوير المنحى العام لمصنفات الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، فقد كانت تصانيفه المنقولات، على معنى أنه -رَحِمَهُ اللهُ- كان يجمع في مؤلفاته الأحاديث المرفوعة، والموقوفة، وفتاوى التابعين، وتفاسيرهم التي تلقوها عن الصحابة فيما يتعلق بتأويل القرآن وعلومه المختلفة.
فكونه يذهب الى كراهة وضع الكتب لا يتنافى إذن مع تأليفه لمجموعة من الكتب والمصنفات، والرسائل، ما دام يروي في تلك المصنفات ولا يرى، ويتبع ولا يبتدع، ويحيل ولا يتكفل.
وإليك جريدة ب
ما نسب إلى الإمام أحمد من كتب
:
1 - المسند.
طبع مراراً
2 - العلل ومعرفة الرجال.
ذكر العقيلي في "الضعفاء" أنه قرأه على عبد الله غن أبيه.
طبع منه جزءان.
3 - فضائل الصحابة.
فيه زيادات لابنه عبد الله وأبي بكر القطيعي.
طبع في (مجلدين) بتحقيق وصي الله بن محمد عباس سنة (1403) هـ، مؤسسة الرسالة ببروت.
4 - التفسير.
ذكره ابن النديم وابن الجوزي، ونقل عن الزجاج في "معاني القرآن" حيث قال فيه (4/ 166): أكثر ما رويتُ في هذا الكتاب من التفسير فهو من كتاب "التفسير" عن أحمد بن حنبل.
وقال في موضع آخر منه (4/ 8): روينا عن أحمد بن حنبل -رَحِمَهُ اللهُ- في كتابه "كتاب التفسير"، وهو ما أجازه لي عبد الله ابنه عنه.
ومع ذلك فقد أنكره الذهبي في "السير" (11/ 332 و 13/ 325).1
5 - الناسخ والمنسوخ.
مصورته في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة المنورة.
6 - الزهد.
قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة": إنه كتاب كبير في قدر ثلث "المسند" مع كبر "المسند" وفيه من الأحاديث والآثار مما ليس في "المسند" شيء كثير.
فعلى هذا يكون المطبوع منه جزءاً يسيراً فقط.
7 - الفرائض.
ذكره ابن النديم.
وقال الذهبي في "السير" (11/ 228): رأيت له ورقة من هذا الكتاب.
وفي "المناقب" (613) لإبن الجوزي ما يشير إلى أنه كان عند إبراهيم الحربي يرويه للناس.
8 - الأسامي والكنى.
ذكره الوادي آشي في "برنامجه" ضمن مسموعاته.
وقد طبع.
9 - حديث شعبة.
ذكره ابن الجوزي والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (9/ 375).
10 - التاريخ.
ذكره ابن الجوزي.
11 - الورع.
نُسب إليه، وليس من تأليفه بل هو من تأليف أبي بكر المرّوذي (تلميذه).
وقد طبع.
12 - الرد على الزنادقة والجهمية.
وقد طبع مراراً.
13 - كتاب أهل الردة والزنادقة.
يوجد في مكة في حوزة محمد حمزة، ومنه نسخة مصورة بالقاهرة.
انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 225). وهو مطبوع.
14 - الإيمان.
ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 353) وتوجد منه مخطوطة في المتحف البريطاني.
انظر "تاريخ التراث العربي" لسزكين (3/ 229).
15 - طاعة الرسول.
ذكره ابن النديم.
16 - الإمامة.
ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: مجلدة صغيرة.
17 - نفي التشبيه.
ذكره الذهبي في السير (11/ 335) وقال: مجلدة.
18 - المقدم والمؤخر في القرآن.
ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 375). وفي ترجمة المروذي من "الطبقات" (1/ 62) لإبن أبي يعلى شيء من مضمونه.
19 - جوابات القرآن.
ذكره الخطيب في "التاريخ" (9/ 375).
20 - المناسك الكبير.
ذكره ابن النديم.
21 - المناسك الصغير.
ذكره ابن الجوزي.
22 - الأشربة.
ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/ 303). وهو مطبوع.
23 - الوقوف والوصايا.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع.
24 - أحكام النساء.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع.
25 - الترجل.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
وهو مطبوع،
26 - الإرجاء.
وصل إلينا ضمن "الجامع" للخلال.
27 - الفتن.
توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق.
وهو مطبوع.
28 - فضائل أهل البيت.
ذكره الحاكم في "المستدرك" (3/ 157).
29 - مسند أهل البيت.
مُستلّ من "المسند".
وهو مطبوع.
رسائل الإمام أحمد
وتنسب إلى الإمام أحمد الرسائل التالية:
1 - رسالة "السُّنة" المعروفة برسالة الإصطخري: رواها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 24 - 36).
2 - رسالة كتبها إلى المتوكل في مسألة خلق القرآن: أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (9/ 216 - 219) ومن طريقه رواها ابن الجوزي والذهبي، وأثنى على إسنادها ثناء حسناً.
3 - رسالة الحسن بن إسماعيل الربعي: قصيرة جداً، أوردها ابن أبي يعلى في "الطبقات" (1/ 130).
4 - رسالة عبدوس بن مالك العطار: مطولة، أوردها ابن أبي يعلى أيضاً (1/ 241 - 246).
5 - رسالة محمد بن عوف الطائي: مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 311 - 313).
6 - رسالة محمد بن يونس السرخسي: أوردها ابن أبي يعلى (1/ 329 - 330).
7 - رسالة إلى مسدد بن مسرهد البصري (ت 228 هـ): مطولة، نقلها ابن أبي يعلى (1/ 341 - 345).
8 - رسالة في الصلاة: كتبها إلى مهنا بن يحيى الشامي، كما في "الطبقات" (1/ 348 - 380) وهي موضوعة على الإمام أحمد، كما قال الذهبي (11/ 287، 330)، والذي يقرؤها يجد أنها تتجافى مع أسلوبه وطريقته، مما يؤكد قول الذهبي.
وتوجد منها نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (2/ 13853 مجاميع) مؤلفة من (9) ورقات، ونسخة أخرى برقم (1/ 6786 مجاميع) مؤلفة من (12) ورقة.
وهي مطبوعة بمصر بعنوان "الرسالة السنية في الصلاة وما يلزم فيها للإمام".
المسند
ديوان السنة النبوية
لا يذكر الإمام أحمد إلا ويذكر معه ذلك الديوان العظيم "المسند" والذي غابت في ضياء شمسه لوامع كتبه ومصنفاته الأخرى، لقد انتشر هذا الكتاب في الآفاق وسارت به الركبان، وكان له من المنزلة بين كتب الإسلام ما كان للإمام أحمد من المنزلة بين أئمة الإسلام الكبار.
وسيكون الحديث عن المسند في المباحث التالية:
- تاريخ تأليفه.
- وصفه.
- روايته.
- مكانته.
- الأعمال التي تمت عليه.
•
تاريخ تأليف المسند
:
لقد مر تاريخ تدوين السنة النبوية بعدة مراحل، فكانت في زمن الصحابة محفوظة في صدور الرجال إلا بعض الصحائف التي كانت بأيدي ثلة قليلة من الصحابة... وكذلك كان الحال في صدر زمن التابعين، إلى أن عهد عمر بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- إلى حافظ زمانه ابن شهاب الزهري (ت 124 هـ) بجمع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدأ الجمع من يومئذ وبزغ
فجر التدوين، فدونت السنة في تلك المرحلة الأولى في "جوامع" كجامع سفيان الثوري، وجامع سفيان بن عيينة، وجامع ابن جريج، وجامع فلان وفلان...
وكانت تلك "الجوامع" لا تتميز بأي نظام تصنيفي، وإنما كانت تجمع أحاديث فلان على حدة وأحاديث فلان على حدة، وهكذا، ويسمى المجموع الكلي لتلك المسموعات المترجمة على الشيوخ: الجامع.
ثم جاء دور"التصنيف"، والتصنيف يختلف عن التدوين؛ إذ إنه يعتمد على منهج محدد وترتيب منسق داخل الكتاب المؤلف.
فهناك من صنف الأحاديث التي رواها عن شيوخه على أبواب الفقه، فوضع كل حديث في كتابه المناسب وبابه المناسب.
وهذا ما عرف "بالسنن"، كسنن أبي داود والترمذي وهناك من توسع أكثر فأضاف إلى أبواب الفقه علوماً أُخر، كالمغازي والتفسير والإيمان والتوحيد والفضائل، وغير ذلك، فكان كتاباً جامعاً، وذلك كـ: "صحيح الإمام البخاري" و"صحيح الإمام مسلم".
وهناك من سلك مسلكاً آخر وكان غرضه تجميع أحاديث الصحابة صحابياً صحابياً، وإفراد مرويات كل صحابي في كتاب، وتكوين ديوان جامع من ذلك كله، وهو ما سمي بـ"المسند".
فالمسند: هو الكتاب الذي يكون فيه حديث كل صحابي على حدة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، من غير التفات إلى الموضوعات والأبواب، ويتبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائق عدة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحايي واحد، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصف واحد، كمسند المُقلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك 1.
وهكذا كان "مسند الإمام أحمد" الذي يقع إلى جانبه ما يزيد على مئة كتاب بهذا العنوان، مثل: مسند الحميدي، ومسند أسد بن موسى، ومسند عَبد بنِ حُميد، ومسند الطيالسي.
متى بدأ الإمام أحمد بتصنيف مسنده؟
يرى الشيخ محمد أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن الإمام أحمد بدأ في تصنيف "المسند" مع بداية الطلب، أي في حدود سنة (180 هـ) قبل خروجه من بغداد 2.
وهذا الرأي بعيد، فأما أن يكون الإمام أحمد بدأ بجمع مادة "المسند" مع بداية الطلب فذلك ما لا يجادل فيه أحد، وأما أن يكون فكَّر في "المسند" وأخذ في تصنيفه منذ ذلك الحين فهناك من الأدلة ما يخالفه، وذلك أن أحاديث الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد كانت في ذلك الوقت عبارة عن "جوامع" لمرويات الشيوخ على ما وصفنا آنفاً، وبالتالي فتصنيف "المسند" لا يمكن أن يخصل لأحد إلا بعد استشراف ما عند الشيوخ من الأحاديث ليرتبها بعد
ذلك على مسانيد الصحابة، وهذا مالم يكن قد توفر للإمام أحمد وهو في بداية الطريق.
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من النقل ما يصرح بأن بداية تصنيف "المسند" كانت على رأس المئتين حينما رجع الإمام أحمد من رحلاته التي كان آخرها رحلته اليمنية إلى عبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ). فقد روى الحافظ أبو موسى المديني بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: صنف أبي السند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق (1).
فالإمام أحمد لما أنهى تلك الرحلات التي رحلها إلى الأمصار الإسلامية التي كانت فيها الأحاديث، ويستوطنها الحفاظ والرواة، وجد نفسه قد دوَّن ما يتجاوز ثلاثة أرباع المليون 750.000) من الأحاديث، فجاءت فكرة تصنيف مسند يجمع أحاديث كل صحابي على حدة، وينتقي من ذلك العدد الهائل الأحاديث ذات الأسانيد المعروفة المشهورة.
•
وصف المسند
:
يتكون المسند من عدد كثير من الأحاديث التي رواها الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 2؛ بعضها رواه الإمام أحمد بأسانيده إلى أولئك الصحابة، وهي تشكل معظم المسند، بالإضافة إلى زيادات رواها ابنه عبد الله عن عوالي شيوخه وأدرجها ضمن مسند أبيه، كما توجد زيادات لأبي بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد عن أبيه.
ويتطلب البحث أن نتفحص السند وهو في الوضع الذي كان عليه قبل أن يتصرف فيه عبد الله ابن الإمام بالترتيب والإضافات.
ثم نتعرف على عدد أحاديثه إجمالاً وكيفية توزيعها على مسانيد الصحابة، وزوائد عبد الله والقطيعي.1
• المسند في صورته التي تركه عليها أحمد:
يقول ابن الجزري -رَحِمَهُ اللهُ-:
إن الإمام أحمد شرع في هذا "المسند"، فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسوّدة، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله، وضم إليه من مسموعاته، ما يشابهه ويماثله 1.
وهكذا كان "المسند" في بدايته؛ عبارة عن مجموعة من الأجزاء المنفردة بعضها عن بعض، وكل جزء يحتوي على مجموعة من الأوراق المنفردة هي الأخرى بحيث لا تربطها أرقام ولا يهتدى فيها إلى تسلسل معين.
• المسند بين يدي عبد الله بن أحمد:
وقد رتب عبد الله بن الإمام "المسند" ترتيباً لم يخرجه في حقيقة الأمر عن الصورة التي كان عليها عند أبيه، وقد وقع فيه خلل في جملة مواضع لا تمس جوهر الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرار الحديث الواحد بإسناده ومتنه لغير فائدة في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان.
وقد نبه على ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه: "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند".
ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله -رَحِمَهُ اللهُ- فإن محله في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذييه، ونزل به أجله قبل تلفيقه وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفاً من حلول عائق موته دون بلوغ مقصوده فيما يرتضيه 2.
• عدة أحاديثه:
قال الحافظ أبو موسى المديني -وهو من جملة من وقع له المسند كاملاً عن شيخه ابن الحصين-:
فأما عدد أحاديث "المسند" فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زُريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحدٌ أروى عن أبيه منه؛ يعني: عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير، وهو مئة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وجادةٌ.
فلا أدري: هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره؟ ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى 1.
وعلق الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- على ذلك بقوله: "هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفاً، وقد لا يبلغ الأريعين ألفاً.
وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله".
اهـ. ولكنه عاجلته المنية قبل تحقيق الأمنية -رَحِمَهُ اللهُ- وقد عمل في "المسند" نحو الربع، ولو أتمه لكوشف بعين الحقيقة، ولصار اليقين الذي قطع به إلى المراجعة، فقد كشفت الطبعة الجديدة الصادرة عن "مؤسسة الرسالة" في (50) مجلداً؛ أن عدد أحاديث "المسند" (27647) حديثاً، بما في ذلك المكررات وزوائد عبد الله.
والله أعلم.
= الصحابة" بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
وقال الحافظ ابن حجر: وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- لم يرتب مسانيد المقلين فرتبها ولده عبد الله فوقع فيه إغفال كبير من جعل المدني في الشامي ونحو ذلك.
اهـ. مقدمة تحقيق "أطراف المسند" ص 55، نقلاً عن "المعجم المفهرس" لإبن حجر.
• ترتيب الصحابة في المسند:
لقد توخَّى الإمام أحمد ترتيب الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها: الأفضلية، والسابقة في الإسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية.
وذلك أنه بدأ "مسنده" بمسانيد الخلفاء الأربعة، وثنى بمسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، وثلث بمسند أهل البيت، ثم تلاهم بمسانيد المكثرين من الرواية، كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسانيد الأمصار: مسند المكيين، ثم المدنيين, ثم الشاميين، ثم الكوفيين, ثم البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء 1.
• زوائد المسند:
وتعتبر زوائد عبد الله على أصل "المسند" من جملة آثاره التي أكمل بها عمل أبيه في هذا الديوان العظيم.
وذلك أن عبد الله لما تلقى "المسند" عن أبيه على الصفة التي مرت23456789101112131415161718
آنفاً، قام بعد ذلك بترتيبه وتهذيبه، وفي ذلك يقول الذهبي: وهذا كتاب "المسند" لم يصنفه هو -يعني الإمام أحمد- ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخاً وأجزاء، ويأمره أن: ضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان 1 اهـ. فالمسند بالصورة الحالية من عمل عبد الله، وإلى جانب العمل الفني في الترتيب والتهذيب أضاف عدداً غير قليل من الأحاديث بأسانيده عن شيوخ أُخَر غير أبيه، قال الذهبي: وله زيادات كثيرة في "مسند" والده واضحة عن عوالي شيوخه 2 اهـ. وجملة الشيوخ الذين روى عنهم الإمام أحمد في "المسند" (283) شيخاً، وجملة شيوخ عبد الله في زوائده (173) شيخاً، وذلك على ما أحصاه ابن الجزري 3. وأما زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (ت 368 هـ) فقد صرح بوجودها أكثر من واحد من العلماء 4. فقد قال ابن الجزري في سياق إسناده في تلقي "المسند": فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر القطيعي الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد وجامع لواء الإسناد وملحق الأحفاد بالأجداد اللإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين... إلى أن قال: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات القطيعي أيضًا، وهي في مسند الأنصار - رضي الله عنهم - 5. اهـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الزيادات: ثم زاد ابن أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات، وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة موضوعة 6. اهـ.
•
رواية المسند
:
انفرد عبدُ الله بن أحمد بن حنبل برواية "المسند" عن أييه، مع أنه سمعه مع أخيه صالح وابن عم أبيه حنبل بن إسحاق، وصالح -وهو أكبر أولاد الإمام - كان كثيراً ما يتغيَّبُ عن السماع سعياً وراء عياله 1، ولعلَّ حنبلَ بن إسحاق اهتمَّ بفقه الإمام أحمد أكثر من اهتمامه بحديثه 2، ومن ثَمَّ انفرد عبد الله بسماع سائر "المسند" عن أبيه 3، بل إن بعض الأحاديث سمعها منه مرتين وثلاثاً 4، وقد روى لنا "المسند" كما سمعه وزاد عليه أحاديث عن عوالي شيوخه وقد بلغ عددهم مئة وثلاثةً وسبعين شيخاً.
وعبد الله وثَّقه النسائي والدارقطني والخطيب وغيرهم، وحدَّث عنه النسائي وابن صاعد، وأبو علي بن الصواف، وأبو بكر بن النجاد، وأبو بكر القطيعي، وخلق كثير.
كانت ولادته سنة (213 هـ)، وتوفي سنة (290 هـ) عن سبع وسبعين سنة 5.
وقد نقل "المسند" برواية ابن الحُصين عن ابن المُذْهب، عن القطيعي، عن عبد الله بن أحمد، عن الإمام أحمد.
• ترجمة القطيعي (الراوي عن عبد الله):
هو أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيُّ، ولد سنة (274 هـ)، وسمع "المسند" مع عمِّ أمه عبد الله بن الجصَّاص، وكان لأبيه جعفر اتصالٌ بالدولة، وكان عبد الله ابن الإمام أحمد يقرأ "المسند" لإبن ذلك السلطان، فحضر القطيعيُّ أيضاً، وسمعه منه 6.
وقد اتهمه ابنُ أبي الفوارس، فقال: لم يكن بذاك، له في بعض "المسند" أصولٌ فيها نظر، ذُكر أنه كتبها بعد الغرق 7. وكانت القطيعة -موطن سكناه- قد غرقت، فغرق فيها
بعض كتبه، فغمزه الناس لاستحداث نسخها من كتاب لم يكن فيه سماعه 1. وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة بقوله: ومثلُ هذا لا يُطعنُ به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب التي غرقت قد قُرئت عليه، وعورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني وأبي نعيم والحاكم 2.
وقال الخطيب البغدادي: لم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا ترك الإحتجاج به 3.
وقال الحاكم: ثقة مأمون 4.
توفي أبو بكر سنة (368 هـ) وله خمس وتسعون سنة 5
• ترجمة ابن المُذهِب (الراوي عن القطيعي):
هو أبو علي الحسنُ بن علي ابن المُذْهِب، البغدادي الواعظ.
ولدَ سنة (355 هـ).
قالَ الخطيب البغدادي: كَتَبْنا عنه، وكان يروي عن ابن مالك القَطيعي "مسند" أحمد ابن حنبل بأسره، وكان سماعه صحيحاً إلا في أجزاء منه، فإنه ألْحقَ اسمَه فيها 6.
وقد دافع ابن الجوزي عن هذه التهمة أيضاً بقوله: هذا لا يوجب القدح، لأنه إذا تيقن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه 7.
وقال أبو بكر ابن نقطة: ليتَ الخطيب نبَّه في أيِّ مسند تلك الأجزاء التي استثنى، ولو فعل لأتى بالفائدة، وقد ذكرنا أن مسندي فضالة بن عبيد، وعوف بن مالك لم يكونا في
نسخة ابن المذهب، وكذلك أحاديث من مسند جابر، لم توجد في نسخته، رواها الحرَّاني عن القطيعي، ولو كان ممن يُلحقُ اسمه كما قيل لألحق ما ذكرناه أيضاً، والعجب من الخطيب يَرُدّ قوله بفعله 1.
وقد روى الحافظ ابن عساكر "المسند" من طريق ابن المذهب وليس في نسخته مسند فضالة بن عبيد وعوف بن مالك، قال في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة": عوفُ بن مالك الأشجعي في جزءٍ فيه فضالة بن عبيد، ولم يقع إلينا مسموعاً 2.
وقال ابن حجر في "أطراف المسند": وهو فوتٌ لإبن المُذهب على القطيعي لم يسمعه منه، وقد رواه عن القطيعي أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران، وحدَّث به عنه أبو الحسن علي بن العلاف، وهذا العلاّف قد أجاز لأبي القاسم بن عساكر ولأبي موسى المديني وطائفة، فيمكن اتصاله بالإجازة من طريق بعضهم 3.
توفي ابن المُذهب سنة (444 هـ) 4.
• ترجمة ابن الحصين (الراوي عن ابن المُذْهب):
هو أبو القاسم هبةُ الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصين الشيباني البغدادي.
ولد سنة (432 هـ).
قال ابن الجوزي؛ كان ثقةً، صحيح السماع، وسمعتُ منه "مسند" الإمام أحمد جميعه 5.
وقال السمعاني: شيخٌ، ثقة، دَيِّنٌ، صحيح السماع، واسعُ الرواية 6.
وقد حدَّث عن ابن الحُصين أيضاً أبو القاسم بن عساكر، وأبو موسى المديني، وحنبل ابن عبد الله المكبِّر.
وعن ابن الحصين اشتهرت روايةُ "المسند" وذاع في جميع البلدان، ورواه العددُ الجمُّ من الحفاظ الثقات، وتصدوا لإسماعه وروايته.
توفي ابن الحُصين سنة (525 هـ) 1.
• طريق أخرى في رواية المسند:
وللحافظ أبي موسى المديني 2 طريقٌ آخر للمسند ينتهي إلى القطيعي، قال عنه في كتابه "خصائص المسند": فإن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب المسند للإمام الكبير، إمام الدين أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني -رَحِمَهُ اللهُ- تعالى - فحصّل لي والدي -رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه عني خيراً - إحضاري قراءته سنة خمس وخمس مئة على الشيخ المقرئ بقية المشايخ أبي علي الحسن بن الحداد، وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد ابن عبد الله الحافظ -وما فاته منه قرئ عليه بإجازته له- وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، على ما تنطقُ فهرست مسموعاتي بخط والدي -رَحِمَهُ اللهُ- 3:
1 - أما أبو علي ابن الحدّاد، فهو مسند العصر، الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن مهرة الأصفهاني، شيخ أصبهان في القراءات والحديث جميعاً.
ولد سنة (419 هـ)، وبدأ بالسماع سنة (424 هـ) وبعدها، وأكثر عن أبي نعيم الحافظ، ومن جملة ما سمع منه "مسند" الإمام أحمد.
قال السمعاني: هو أجلُّ شيخٍ أجاز لي، رَحَل الناس إليه، وكان خيراً صالحاً ثقة.
توفي سنة (515 هـ) 4.
2 - وأما أبو نعيم: فهو الحافظ، الثقة، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الأصبهاني، صاحب كتاب "حلية الأولياء"، و"تاريخ أصبهان"، و"معرفة الصحابة"، و"المستخرج على الصحيحين".
ولد سنة (336 هـ).
كان حافظاً مبرِّزاً، عاليَ الإسناد، تفرَّد في الدنيا بشيء كثيرٍ من العوالي، وهاجر إلى لُقِيِّهِ الحفاظ.
توفي سنة (430 هـ) 1.
3 - وأما أبو علي ابن الصواف: فهو الشيخ، المحدث، الثقة، الحجة، محمد بن أحمد ابن الحسن بن إسحاق البغدادي.
ولد سنة (270 هـ).
قال الدارقطني: ما رأت عيناي مثلَ أبي علي ابن الصواف.
وقال ابن أبي الفوارس: كان أبو علي ثقة مأموناً، ما رأيتُ مثله في التحرز.
توفي سنة (359 هـ) وله تسع وثمانون سنة 2.
وممن سمع "المسند" من ابن الحصين: المسند، المعمَّر، الصالح، أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة، الواسطي البغدادي، الرُّصافي، المكبِّر، وهو آخرُ من روي "المسند" عنه، فالحق الصغار بالكبار 3.
ولد سنة (511 هـ)، فبادر والدُه إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، فأعلمه أنه ولد له ولدٌ ذكر فقال: سمِّ ابنك حنبلاً، وأسمعه "المسند" فإنه يُعمَّر ويُحتاج إليه 4. فسمَّعه أبوه وهو في الثانية عشرة من عمره جميعَ "المسند" من ابن الحصين بقراءة نحويِّ عصره أبي محمد بن الخشَّاب، وذلك في رجب وشعبان سنة (523 هـ) 5.
قال ابن الأنماطي 6: تتَّبعتُ سماع حنبل للمسند من عدة نُسخ وأثبات، وخطوط أئمة أثبات، إلى أن شاهدتُ بها أصول سماعه لجميع "المسند" سوى أجزاء من مسند ابن عباس، شاهدت بها نقل سماعه بخط من يوثق به.
وسمعتُ منه جميع "المسند" ببغداد في نيف وعشرين مجلساً، ثم أخذتُ أرغِّبه في السفر إلى الشام، وقلتُ له: يحصُلُ لك من
الدنيا شيء، وتُقْبلُ عليك وجوه الناس، فقال: دعني، فوالله ما أسافرُ من أجلهم، ولا لما يحصُل منهم، إنما أسافر خدمةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أروي أحاديثه في بلد لا تروى.
قال: ولما علم الله تعالى نيته الصالحة، أقبل بوجوه الناس عليه، وحرك الهمم
للسماع عليه، فاجتمع عليه جماعةٌ ما اجتمعوا بمجلس بدمشق.
قال ابن الجزري: وذلك في مجالس، آخرها في صفر سنة ثلاث وست مئة.
قال ابن الأنماطي: فحدَّث بالمسند بالبلد (يعني دمشق) مرة، وبالجامع المظفري (أي: بالصالحية) أخرى، وازدحم عليه الخلقُ، وسمع منه السلطان الملك المعظم وأقاربه، وأبو عمر الزاهد، وسائر المقادسة، وحدّث عنه الكبار بالمسند، كالشيخ الفقيه ببعلبك (ت: 617 هـ) 1، وقاضي الحنفية شمس الدين عبد الله بن عطاء (ت: 673 هـ) 2، والشيخ تقي الدين بن أبي اليسر (ت: 672 هـ) 3، والشيخ شمس الدين ابن قدامة (ت: 682 هـ) 4، والشيخ شمس الدين أبي الغنائم ابن علّان (ت: 631 هـ) 5، والشيخ أبي العباس ابن شيبان (ت: 685 هـ) 6، والشيخ فخر الدين ابن البخاري (ت: 690 هـ) 7، والمرأة الصالحة زينب بنت مكِّي (ت: 688 هـ) 8.
وأما من حدَّث عنه ببعض "المسند" فعددٌ كثير، ورجع إلى وطنه، فمرّ على حلب، فحدَّث بالمسند بها، ثم بالمَوْصل، فحدث بالمسند بها أيضًا ويإربل، ودخل إلى بغداد بخيرٍ كثير.
فتوفي بالرصافة في نصف المحرَّم سنة (604 هـ) عن نحو ثلاث وتسعين سنة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- 9.
• طرق المتأخرين في رواية المسند:
وعن حنبل روى "المسند" الإمامُ، العالم، المحدِّث، الفقيه، الصَّالح، الثقة، الأمين، فخر الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد، السَّعدي، المقدسى، الحنبلي، الشهير بابن البخاري، المتوفى سنة (690 هـ) بجبل قاسيون.
قال ابن الجزري: وقد قرئ عليه "المسند" مرات، آخرها في سنة (689 هـ)، سمعه منه جماعات بقراءة الإمام كمال الدين أحمد بن أحمد بن محمد ابن الشريشي (ت: 718 هـ) 1، منهم شيختنا أم محمد ست العرب بنت محمد (ت: 767 هـ) 2، وآخرهم شيخنا صلاح الدين محمد بن أحمد 3.
وصلاح الدين: هو الشيخ الصالح، الصدوق، الدَّيِّن، الخيِّر، المُسْنِد، محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامة، المقدسي، الحنبلي.
قال ابن الجزري: أخذتُ عنه "المسند" كاملاً بقراءتي وقراءة غيري في نحو سبع سنين.
وسببه أن نسخة أصل سماعه كانت بخط الحافظ الضياء -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فوُجد بعضها، وكان شيخنا الحافظ الكبير شمس الدين أبو بكر ابن المحب يُحرضنا على سماع "المسند" منه، ويقول: لا تشكُّوا في أنه سمعه كاملاً، فكنا نقرؤه من نسخة وَقْفِ الباذرائية (مدرسة لا تزال إلى يومنا هذا بمحلة العمارة الجُوَّانية في الشمال الشرقي من جامع بني أمية) لوضوحها، وكان بعض المحدثين قد احتاط عليها، ولا يُعطي منها شيئاً إلا بعد تعب كثير فطالت المدة لذلك.
وسمعه أيضاً كلاملاً الشيخُ صدرُ الدين سليمان الياسوفي (ت: 789 هـ) 4، والشيخ بدر الدين محمد بن مكتوم، والشيخ شهاب الدين أحمدُ بن شيخنا عماد الدين بن الحُسباني (ت: 815 هـ) 5، والشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ علاء الدين حِجِّي
(ت: 816 هـ) 1، والمُحدِّث شمس الدين محمد بن محمود بن إسحاق الحلبي، والشيخُ الإمام ناصرُ الدين محمد بن ظُهيرة المكي (ت: 817 هـ) 2، وصاحبنا أبو عبد الله محمد ابن محمد بن ميمون البَلوي الأندلسي (ت: بعد التسعين وسبع مئة) 3، والفقيهُ الفاضل شمس الدين محمد بن عثمان بن سعد بن السَّقَّا المالكي وغيرهم.
وسمع بعضه عليه جماعة كثيرون.
ولم يظهر سماعُه بالمجلد الثاني من مسند أبي هريرة، ولا بمسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رِمثة نحو ثلاث أوراق، ولا بمسند الكوفيين، ومسند ابن مسعود، ومسند ابن عمر، ومسند الشاميين، ومسند المكيين، لعدم وقوفنا على ذلك من نسخة الحافظ الضياء، فكنا نقرأ ذلك عليه إجازةً إن لم يكن سماعاً، فظهر قبل موته مجلدان من ذلك بخطِّ الحافظ الضياء، وفيهما أصلُ سماعه، فقال لنا الحافظ ابن المحبِّ: ألم أقل لكم: إنه سمع جميع "المسند".
ثم بعد وفاة الشيخ صلاح الدين ظهر تتمَّةُ "المسند" بخط الحافظ الضياء، وظهر سماعُه فسُرَّ طلبةُ الحديث بذلك.
وكانت وفاته سنة (780 هـ) بمنزله بدَيْر الحنابلة بسَفْح قاسيون 4.
وذكر المُحَدِّثُ المتقنُ الشيخ أبو بكر محمدُ بن خير الإشبيلي، التوفى سنة (575 هـ)، في "فهرسته" 5 من مروياته "مسند" الإمام أحمد، وقال: حدثني به الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازةً، قال: حدثنا به أبو عمر بنُ عبد البر إجازةً، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بن جعفر بن حمدان بن مالك، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي -رَحِمَهُ اللهُ-.
ثم قال: قال ابن عبد البر: وكذلك ناوَلَنيه وأجازه لي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوَهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه -رَحِمَهُ اللهُ-.
قال أبو محمد ابن عتاب: وحدثني به أيضاً أبو عمر أحمد بن محمد بن الحذَّاء، وأبو القاسم حاتِمُ بن محمد الطرابُلسي، قالا: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه.
وذكر أيضاً إسناده من طريق ابن الحُصين.
وقال القاسم بن يوسف التُّجيبيُّ السبَّتي المتوفى سنة (735 هـ) في "برنامجه" 1 ص 121 - 122: سمعتُ يسيراً من "المسند"، وذلك جميع مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، على الشيخ الفقيه المفتي علاء الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان بن سالم بن سلامة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن العطار، وأجازنا جميعه بحقِّ سماعه من أبي علي حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرُّصافي البغدادي المكبِّر بجامع المهدي بالرصافة، بحقّ سماعه لجميعه من أبي علي الحسن بن علي بن المذهب التميمي، بسماعه من الإمام أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، بسماعه من أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، بسماعه من أبيه أحمد بن محمد بن حنبل، -رَحِمَهُمْ اللهُ أَجْمَعِينْ-.
وأخبرنا أيضًا به الشيخُ الفقيهُ الإمامُ -جار الله تعالى ونزيل حَرَمه- الأمين فخر الدين أبو عمرو عثمان بن محمد المالكي فيما شافهنا به من إذنه، وأقرَّ لنا بروايته، قال: قرأتُه على سفير الخلافة العباسية نجيب الدين أبي الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني في سنة إحدى وستين وست مئة بمنزله من القاهرة، بحقِّ سماعه من أبي محمد عبد الله بن أحمد الحربي في سنة ست وتسعين وخمس مئة ببغداد، بسماعه من أبي القاسم ابن الحصين المذكور بالسند المذكور.
وكتب إلينا عامّاً المسنِدُ الأجلُّ، فخر الدين، أبو الحسن عليُّ بن اللإمام أبي العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي،
المعروف بابن البخاري، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سمعتُ جميع هذا "المسند" على حنبل المذكور، وهو آخرُ من روي عنه في الدنيا.
وقال العلامة المحدث محمد بن جابر الوادي آشي الأصل، التونسي مولداً وإقامة، المتوفى سنة (749 هـ)، في "برنامجه" (1): ناوَلَني "مسند الإمام أحمد" الشيخ جمال الدين أبو يعقوب يوسف المِزّي بدمشق، وكان في أربعة وعشرين سفراً، وأجازنيه، وحدثني به بحق سماعه لجميعه على أبي الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علّان القيسي، ويجميعه إلا مسند بني هاشم على أبي العباس أحمد بن شيبان بن تغلب، بسماعهما من حنبل بن عبد الله الرصافي، عن أبي القاسم هبة الله بن محمد بن الحُصين، عن أبي علي ابن المذهب، عن أبي بكر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، مع ما فيه من زيادات عبد الله عن شيوخه.
وقد ذكر الوادي آشي (2) أن صفي الدين محمود بن أبي بكر بن محمود الأُرْمَوي القرافي المتوفى سنة (723 هـ) قرأ "المسند" على المسلَّم بن علان.
وذكر أيضاً أن الإمام المحدِّث البارع المتقن شهاب الدين أحمد بن فرْح بن محمد الإشبيلي الأندلسي الشافعي المتوفى سنة (699 هـ) سمع "المسند" على شرف الدين عبد العريز بن محمد الأنصاري، بسماعه من عبد الله بن أحمد بن أبي المجد الحربي، بسماعه من ابن الحُصين.
•
منزلة المسند بين كتب الحديث
: كان الإمام أحمد يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا "المسند" فإنه سيكون للناس إماماً 3. وقال الحافظ أبو موسى المديني (581 هـ): وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً 4.12
إن "مسند الإمام أحمد" هو أجلّ كتاب في الحديث في عصر المؤلف وما بعده، وهو المورد الثجاج لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم، بل البخاري، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة.
وقد شهد لهذا "المسند" المحدثون في القديم والحديث بأنه أجمع كتب السنة للحديث، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في زاده ومعاده، فهو كتاب لا تزال بركاته شاملة، يقدره من يعرف قدر السنة النبوية الفاضلة، ولا يزال هذا العمل مشكوراً للإمام أحمد، فجزاه الله خير الجزاء.
وهو الكتاب النفيس الذي يُرغب في سماعه وتحصيله، وكان يرحل إليه، إذ كان مصنفه الإمام -المقدم- في معرفة هذا الشأن، والمعترف بفضله عند الفرق في سائر الأزمان.
ومع جلالة قدر كتاب "المسند" وحسن موقعه عند ذوي الألباب، فالوقوف على المقصود منه متعسر، والظفر بالمطلوب منه بغير تعب متعذر، لأنه غير مرتب على أبواب السنن، ولا مهذب على حروف المعجم لتقريب السنن، وإنما هو مجموع على مسانيد الرواة من الرجال والنساء، لا يسلم من طلب منه حديثاً من نوع من الملال والعناء 1.
وفي هذا المضمار يقول الشيخ عبد القادر بن بدران: واعلم أيها الطالب للحق أن البحر الزاخر في هذا الموضوع، والمورد العذب، والوابل الصَّيِّب، إنما هو مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - رضي الله عنه - وأرضاه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه، وإنما منع من الإشتغال به اشتغالاً كالإشتغال بالسنن أمور:
أحدها: كونه مرتباً على أحاديث الصحابة، وهذا الترتيب أصبح غير مألوف عند المتوسطين والمتأخرين، فصار بحيث لو أراد محدث أن يجمع أحاديث باب منه احتاج إلى مطالعته من أوله إلى آخره، وهذا أمر عسير جداً.
ثانيها: عزة وجوده لطوله؛ فإنه قد ضمّ ثلاثين ألف حديث، وزاد عليه ولده الإمام عبد الله عشرة آلاف حديث، فصار أربعين ألفاً.
ثالثها: أن عزة وجوده كانت سبباً لعدم خدمته كما خُدمت السنن وغيرها من كتب الحديث 2.