وقد عاش الحنابلة في عهدهم الأول في عاصمة الخلافة الإسلامية العباسية، وكانت لهم مع الخلفاء مواقف تستحق أن نشير إلى شيء منها.
ويعتبر الزهد عند الحنابلة وصفاً أساسياً، يندر أن نجد منهم من تقلل منه، حتى إنهم زهاد الأمة، ومتمثلو هذا الجانب من الإسلام في حياة المسلمين ومرآة واقعهم.
وفي الأخير يكاد يكون شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وما تركه من آثار علمية وعملية من خيرة ما أنعم الله به على الأمة، وساق إليها من الخير مما أنجبته الأسرة الحنبلية، ولا مرية في أن اجتهاداته التي تفرد بها، واختياراته التي ذهب إليها تكون سمة جديدة في المذهب، تعكس مدى الحرية الإجتهادية التي عُرف بها فقهاء الحنابلة، فهذه الإختيارات خليقة بأن نتوقف عندها ونسلط الضوء على جوانبها.
هذه من أهم سمات الحنابلة في نظرنا، والتي سنأتي عليها بالبيان والإيضاح واحدة تلو الأخرى بالقدر الذي تحتاجه من البحث.
المبحث الأول
أثر سيرة الإمام أحمد على الحنابلة
لقد أتينا على سيرة الإمام المبجل بالقدر الذي يستدعيه البحث في السابق، ونتصور أننا قد وضعنا أمام القارئ مرآة جلية تنعكس عليها الصورة الكاملة لهذا الإمام العظيم، ويمكنه بسهولة أن يطالع تلك السيرة الحافلة بالأمجاد والمواقف التي صارت فيما بَعدُ معالم للعالم الرباني والإمامِ القدوةِ لغيره.
والآن نحاول أن نمهد للقارئ شيئاً جديدًا مما هو من نتائج تلك السيرة الجليلة، فيما يخص الأثر الذي تركته في نفوس أصحابه، ومقلدة مذهبه إلى عهود وقرون متطاولة.
لقد كان إمام السنة مدرسة لأصحابه يتعلمون فيها الزهد والورع، والإقتداء بالسلف، والإخلاص في العلم، وغير ذلك من الفضائل والمناقب التي دون حصرها خرط القتاد.
فلا تعجب إذا وجدت في تاريخنا الثقافي أو في مكتبتنا الإسلامية ذلك العدد الكبير من الأئمة والحفاظ والمؤرخين، يفردون سيرة هذا الإمام بالدراسة، ويدبجون الصحف في جمع مناقبه وتسجيل فضائله، ناهيك عفا كُتب عنه ضمن المجاميع والدواوين المخصصة لتواريخ البلدان وطبقات المحدثين والفقهاء أو غير ذلك.
فقد كانت أخلاق الإمام أحمد جذابة للطلاب ليلتفوا حوله، ويأخذوا من مشكاته المضيئة، فقد وصفا المرّوذي -وهو من ألصق أصحابه به- تلك الأخلاق الجذابة، فقال:
كان أبو عبد الله لا يجهل، كان جُهل عليه حَلُم واحتمل، ويقول: يكفي الله.
ولم يكن بالحقود ولا العجول، كئير التواضع، حسن الخلق، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وإذا كان في أمر من الدين، اشتد له غضبه.
وكان يحتمل الأذى من الجيران 1.
فانظر وتأمل في هذا الوصف، وقارنه مع ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أليس حقاً إذا قلنا: إنه مجدد سنة الأخلاق النبوية الشريفة؟ وأظن أنك وقفت على ذلك القلب الكبير الذي أعفى المعتصم ومن معه ممن شاركوا في تلك المحنة، وحلَّلهم من تبعاتها إلا مبتدعاً مضلاً، وأعقب ذلك بقوله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك 1.
هذه الجاذبية أفاءت على أصحابه وملازميه قدوة في السلوك، ومثالاً يحتذى في الأخلاق التي يجب على العالم أن يلتزم بها، ولا ريب أن الإنسان يتأثر بالشعاع المسلط عليه، والخلة والصحبة تنقل السجايا والأخلاق والصفات، كما قالوا:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وإن المتقلب بين صفحات تراجم أئمة المذاهب الفقهية، مطالعةً ودراسةً، ليجد تميزاً واضحاً لدى الحنابلة، يتمثل بتأثير سيرة الإمام على المنهج العلمي والعملي على سواء.
فاهتمام الحنابلة الكبير بالسنة والآداب، والإقتداء بالسلف لم يكن إلا صورة منعكسة لما كان عليه أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في هذا الجانب، فقد ألزم نفسه أن لا يكتب حديثاً إلا وقد عمل به، حتى مر به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطى الحجام ديناراً حين احتجم 2.
قال الذهبي: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علماً وعملاً، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأساً في الزهد والورع والعبادة والصدق 3.
وهكذا كان الإمام أحمد يفضل لنفسه أن يعيش حياة سلفية خالصة، مع أنه كان في عاصمة الحضارة الإسلامية التي قد تجمعت فيها كل أسباب النعيم والرفاهية، وقد تجرد من جميع ملابسات العصر، ومناحراته، وما يجري من منازلات فكرية وسياسية أو اجتماعية أو حريية، واختار أن يحلق في جو الصحابة والصفوة من التابعين، ومن جاء بعدهم، ممن نهج نهجهم، واختار سبيلهم.
ولأجل ذلك كان علمه وفقهه هو السنة بعينها، لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه، فإن علم بذلك اتبع رأيهم، ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه، واستعصم متوقفاً حذراً، فلا يقفو ما ليس له به علم،
لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف، وإلحاد في دين الله سبحانه وتعالى، لا يتكلف التعمق في مسائل عقلية قد تكون متاهات للعقل البشري، وإن خرج من وعثائها سالمًا، فقد جهد نفسه في غير طائل، وشغل فكره في غير جدوى.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح، لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء، أدركنا الناس، وما يعرفون هذا الكلام، عاقبة الكلام لا تكون إلى خير 1.
والخلاصة: أن الإمام أحمد تميز عن غيره: بأن كانت له شخصية جد مؤثرة، قد لاح أثرها في مرآة طبقات علماء المذهب بجلاء لمن تصفحها تصفح المتأمل البصير.
وفي هذا السياق يقول الأستاذ سعدي أبو جيب:
لقد وقفت على سيرة علماء الحنابلة من أصحاب الإمام أحمد، ومن جاء بعدهم، حتى منتصف القرن الثامن الهجري، فوجدت أحمد في كل واحد منهم فكراً، ومنهجاً، ونظرة للحياة... بل إني وجدت جانباً أو أكثر، من جوانب شخصية الإمام أحمد، حيا يتجول بين الأسطر..
تلك ظاهرة لم أجدها عند علماء مذهب من المذاهب... أسجلها للتاريخ... ليس إلا..
وعن عمد لم أجعل ميدان دراستي أصحاب الإمام أحمد، وتلاميذهم، من الذين ترجم لهم القاضي أبو يعلى 2، حتى لا تذهب بك الظنون إلى أن هؤلاء لقربهم من الإمام ربما كانوا أشد تأثراً به من سواهم.. وأنت محق في ذلك بلا شك، لأن طبيعة الأمور، وواقع الحياة يؤكد ما ذكرت..
ولهذا اخترت العلماء الذين ترجم لهم ابن رجب، وهم الذين أدركهم الأجل خلال انفترة الممتدة من 460 هـ إلى 751 هـ 3.
ثم مضى في تسجيل النتائج التي ألّفت ما بين الإمام وأتباعه بتأليف محكم على الرغم من بعد الزمن وتطاول القرون.
المبحث الثاني
الإعتناء بعلوم الحديث الشريف
إذا كانت السمة الأولى للحنابلة متمثلة بالإستمداد من سيرة الإمام - رضي الله عنه -، ومواقفه وعلمه، تدوة في السلوك الفردي، ومنهجاً في الإصلاح الإجتماعي، وأصولاً في البحث العلمي، فإن الميزة الثانية التي تميز بها الحنابلة قد تمثلت بالعناية الواضحة بعلوم الحديث، والعمل على نشرها وخدمتها بإتقان.
لقد أسهم الحنابلة بجهد جهيد في خدمة السنة في شتى فنونها، فإذا فتشنا في أحاديث الأحكام وجدناهم من المشاركين في تجريدها، وإذا فتشنا في الأحاديث المتعلقة بالعقيدة وجدناهم حازوا فيه القدح المعلّى في جمعها وترتيبها، وكذلك في الشروح الحديثية، وعلم الرجال، وغير ذلك.
فهذا عبد الرحمن بن أبي حاتم (327 هـ) الرازي 1 الحافظ، نموذجاً حيا من تلك العناية بالحديث والسنة، وكتابه "الجرح والتعديل" لا يخفى على طالب حديث، كما أن كتابه في "التفسير" يعد مادة علم التفسير بالمأثور لمن جاء بعده، فقد جمع فيه الأحاديث المتعلقة بتأويل الكتاب العزيز، بالإضافة إلى موقوفات الصحابة، وأسباب النزول.
وصنف كتباً أخرى متنوعة، بالإضافة إلى ذلك قال الحافظ يحيى بن مندة: صنف ابن أبي حاتم "المسند" في ألف جزء، وكناب "الزهد" وكتاب "الكنى" وكتاب "الفوائد الكبير" و"فوائد أهل الري" وكتاب "تقدمة الجرح والتعديل".
زاد الذهبي: قلت: وله كتاب "العلل" مجلد كبير.
وهو مطبوع بالقاهرة في مجلدين، وعامة ما فيه أجوبة أبيه -أبي حاتم- وأبي زرعة عن علل الأحاديث المتعلقة بالأحكام.
وفي الجملة يعد هذا الرجل -كما قال أبو يعلى الخليلي- مستوعباً لعلم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال.
صنف في الفقه، وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار 1.
فمن أين جاءت هذه العناية الشديدة؟ إنها القدوة التي كان يترسمها من شيخ شيخه؛ الإمام أحمد، يدل على ذلك شيئان اثنان:
الأول: متابعته للإمام أحمد في أسماءْ المصنفات التي صنفها ومحتوياتها، "كالزهد"، و"الرد على الجهمية"، و"المسند"، و"العلل"، و"الكنى"، فهذه كلها عناوين لمؤلفات هذا وهذا.
الثاني: ذلك الثناء العطر الذي جمعه في "تقدمة الجرح والتعديل" عن الإمام أحمد وفضائله وعلمه وإمامته في الدين، مما يدل على إعجاب ابن أبي حاتم وتأثره البالغ بإمام السنة علماً وعملاً.
وإذا كان ابن أبي حاتم نموذجاً من المتقدمين، فأمامنا نموذج من المتأخرين متمثل ببيت كامل تسلسل فيه الإختصاص بالحديث وعلومه أباً عن جد، إنه بيت ابن منده العبدي الأصبهاني.
ففي ترجمة الحافظ يحيى ابن مندة (511 هـ)، قال ابن رجب 2: الحافظ "المحدث ابن المحدث، ابن المحدث ابن المحدث ابن المحدث ابن المحدث"!! فلاحظ كيف تشرف هذا البيت على الأقل بتوارث الحديث على مدى ستة أعقاب، فهو كما قال أبو بكر اللَّفْتَواني: بيت ابن مندة بُدئ بيحيى، وخُتم بيحيى.
قال ابن السمعاني: يريد في معرفة الحديث والفضل والعلم 3.
ويعتبر الحافظ عبد الوهاب الأنماطي (538 هـ) محدث بغداد، بل حافظ عصره فيها، كما قال أبو موسى المديني في "معجمه".
وكان مختصاً بجمع الأجزاء الحديثية التي كانت قد بلغت ذروتها في ذلك الزمان، وكان جمَّاعتها من قبله أبو الحسن ابن الطُيُوري، فقرأ الأنماطي ما عنده من تلك الأجزاء، حتى قال ابن السمعاني فيه: جمع الفوائد وخرج التخاريج، لعله ما بقي جزء مروي إلا وقد قرأه وحصل نسخته 4!!
وكان مع ذلك شيخًا لحفاظ زمانه من أمثال: ابن ناصر، والسَّلَفي، وابن عساكر، وأبي موسى المديني، وابن السمعاني، وابن الجوزي.
وكذلك كان في المقادسة حفاظ وجهابذة، منهم حافظ الإسلام عبد الغني المقدسي (541 هـ - 600 هـ) صاحب "العمدة" و"الكمال في أسماء الرجال" وغيرهما، الذي كان رفيقاً للموفق في رحلته إلى بغداد، وطلب العلم بها، والحافظ ضياء الدين المقدسي (569 هـ - 643 هـ) مؤرخ الأسرة المقدسية، صاحب كتاب "الأحاديث المختارة" وغيرها.
• بعض مشاهير محدثي الحنابلة:
وفيما يلي نجرد أسماء بعض الحنابلة الذين غلب عليهم في سيرتهم العلمية الإشتغال بالصناعة الحديثية وفنونها، مرتبين على تواريخ الوفيات:
- أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال (311 هـ) مؤلف كتاب "السنة" و"العلل" وغيرهما.
- أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (316 هـ) صاحب كتاب "الطهور" و، المصاحف" وغيرهما.
- أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد (348 هـ) صاحب كتاب "السنن".
- أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (360 هـ) صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها.
- أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ) صاحب "الكنى" و"معرفة الصحابة" وغيرهما.
- أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس (412 هـ) صاحب "الفوائد" وغيرها.
- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده (470 هـ) صاحب "المستخرج" و"المسند" وغيرهما.
- أبو الحسين علي بن الحسن بن أحمد الحنبلي (471 هـ) المقرئ الفقيه صاحب التصانيف التي بلغت مئة وخمسين كتاباً.
- أبو زكريا يحيى بن عمرو بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده
(511 هـ) الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ ابن المحدث وهو خاتمة المحدثين في بيت ابن منده.
- أبو موسى محمد بن عمر المديني (581 هـ) الأصبهاني الحافظ.
- أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي (600 هـ) صاحب التصانيف.
- أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي (612 هـ) صاحب "الأربعين المتباينة".
- أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (643 هـ) صاحب "المختارة".
- أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (728 هـ) شيخ الإسلام.
- شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (744 هـ) صاحب "المحرر في أحاديث الأحكام".
- أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب (795 هـ) البغدادي، صاحب "شرح علل الترمذي" و"شرح جامع الترمذي"، وغيرهما.
وإذا كان البيت الحنبلي هو بيت الحديث، فلا جرم أننا نجد ذلك منعكساً على الفقه الحنبلي، فإنه فقه الحديث والسنة.
وما السبب فى تلك العناية الفائقة بالحديث عند الحنابلة يا ترى؟ إن السبب يعود في جوهره إلى التأثر بأمام المذهب ومؤسسه، إذ لا يخفاك أن الإمام أحمد قد اشتهر بشدة تمسكه بالحديث والأثر، ونزعته السلفية في ذلك.
حيث وقف جزءاً كبيراً من حياته على تتبع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما أُثر عن صحابته، حتى أصبح حجة في علم الحديث، وعلم الرجال.
وطغى ذلك على بقية العلوم لديه، مما جعل بعض العلماء يعده من المحدثين دون الفقهاء.
وإجلال السنة والوقوف عندها، وطلب تفسير القرآن منها أمر واضح في منهج أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، وفيمن تأثر به من أتباعه وأصحابه.
ولذلك كان الفقه الحنبلي فقه السنة
والأثر، أو بالأخص ما روي عن الإمام أحمد من مسائل وفتاوى.
فكان يكره أن يتكلم في شيء لم يكن له فيه سلف، وكان قد اجتمعت لديه مجموعة ضخمة من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفتاوي صحابته الكرام، حتى كان من شدة تمسكه ومتابعته للأثر إذا نقل عن الصحابة في المسألة قولان، روي عنه فيها روايتان 1.
وللسنة مقام كبير في فقه الإمام أحمد، ومن تبعه من أصحابه، ويحق للدارس في ذلك أن يعتبر ذلك الفقه هو فقه السنة لوقوفه عندها، وحرصه على الإستشهاد بها، وتقصيه لا ورد منها، حتى لقد كان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يتوقف في الإفتاء، وفي المسائل حتى يجد لها سنداً من السنة، وأقوال الصحابة، وقول الصحابي يرتفع لديه إلى درجة قوية في الإستدلال 2.
المبحث الثالث
الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
روى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
وخرّج مسلم أيضاً من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
هذه الأحاديث، وغيرها كثير، تعلن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقرر مسؤولية حراسة الرأي العام داخل المجتمع المسلم على العام والخاص.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة محكمة ماضية في الأمة إلى يوم القيامة، وهي من أهم ميزات هذه الأمة المحمدية التي قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- في شأنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
ولايخفى ما تتطلبه هذه الفريضة من صبر وشجاعة واحتساب، وعلم بالمأمور به والمنهي عنه، بالإضافة إلى الآداب المطلوبة في القيام بالأمر والنهي.
هذه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما مدى تقيد الحنابلة بها؟
إن التاريخ الإسلامي ليصدع بما حفظ من وقائع للحنابلة في شأن هذه الفريضة، وتطبيقها، فقد كانت أصداء الحنابلة في بغداد على وجه الخصوص، وفي الشام، وغير ذلك، قوية لائحة في الآفاق، وإنك لتجد في طبقات ابن أبي يعلى هذه العبارة متكررة في تراجم كثير من أعلام الحنابلة: "الأمّار بالمعروف النّهّاء عن المنكر".
ففي ترجمة الحسن بن علي البربهاري (329 هـ) نجده موصوفاً بأنه: "شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان" 1.
وقد مر معنا 2 أن الخرقي (334 هـ) توفي بالشام متأثراً بآثار الضرب الذي ناله في سبيل إنكار منكر رآه هناك.
وفي ترجمة علي بن الحسين العُكبَري: "الأمَّار بالمعروف النَّهاء عن المنكر" 3.
وفي ترجمة طاهر بن الحسين: "كان زاهداً أمَّاراً بالمعروف نهَّاء عن المنكر" 4.
ومن صور تلك الوقائع التي سجلها التاريخ في مدينة السلام بشأن القيام الجماعي بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما حصل مع الشريف أبي جعفر (470 هـ) الذي انتهت إليه الرحلة في وقته لطلب مذهب الإمام أحمد.
قال المؤرخون عن تلك الواقعة الشهيرة:
"وفي سنة 464 هـ اجتمع الشريف أبو جعفر ومعه الحنابلة في جامع القصر، وأدخلوا معهم أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه.
وطلبوا من الدولة قلع المواخير 5 وتتبع المفسدين والمفسدات، ومن يبيع النبيذ، وضرب دراهم تقع بها المعاملة عوض القراضة.
فتقدم الخليفة بذلك، فهرب المفسدات، وكُبست الدور، وأريقت الأنبذة، ووعدوا بقلع المواخير، ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب الدراهم التي يتعامل بها، فلم يقنع الشريف ولا أبو إسحاق بهذا الوعد، وبقي الشريف مدة طويلة متعتباً مهاجراً لهم" 6.
ويقيت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف الحنابلة محفوظة إلى يومنا هذا، ولأجل ذلك كان من أوائل الهيئات الحكومية تكويناً في المملكة العربية السعودية "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليحتسب على الناس في شؤون العبادات والمعاملات الظاهرة العامة.
وإذا كان الحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- قد أبلوا في إعطاء الأمر بالمعروف أهميته التنفيذية، وإقامة جانبه العملي، فقد قاموا برسم معالمه الفقهية وأحكامه الشرعية، حتى لا يكون
الآمر والناهي ماشياً في عماية، ولا متعاطياً لمضلات الفتن في غير هداية.
فقد ألف الحنابلة في ذلك التآليف المفردة، منها:
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر الخلال (311 هـ).
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأبي بكر بن أبي الدنيا (281 هـ)
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للقاضي أبي يعلى (458 هـ).
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للحافظ عبد الغني القدسي (600 هـ).
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للحافظ ابن تيمية (728 هـ (.
بالإضافة إلى ذلك، فقد أودعوا في ضمن المجاميع بحوثاً مطولة في تناول هذا الموضوع، كما نجد أبا عبد الله ابن مفلح (763 هـ) صاحب "الفروع" قد خصص لبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجزء الأول من كتابه "الآداب الشرعية" زهاء مئة وعشرين صفحة، وهو مليء بالفوائد، مشحون بالعلم، ينبغي الإطلاع عليه.
كما ألفوا تآليف موجهة إلى الحكام والأمراء في بيان ما عليهم من الفرائض الشرعية في هذا الجانب، وذلك مثل: "الأحكام السلطانية" للقاضي أبي يعلى، و"السياسية الشرعية" لإبن تيمية، و"الطرق الحكمية" لإبن القيم.
ومن شدة الإهتمام بهذه الفريضة أدخل بعض الحنابلة تقريرات عنها في مصنفات العقيدة ورسائل التوحيد والسنة، ففي كتاب "شرح السنة" للبربهاري (329 هـ) نجد العبارة التالية: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خِفْتَ سَيْفَه وعصاه.. " ثم قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باليد واللسان والقلب بلا سيف" 1.
وهكذا "بلا سيف" حتى يتمايز أهل السنة عن أهل البدعة في أنهم لا يتجاوزون حدود الطاعة لسلطان المسلمين، ولا يخرجون عليه بالسيف، بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أهل البدع يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم، أو ما ظنوه هم ظلماً، ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 2.
المبحث الرابع
الإتباع للسلف ومناهضة البدع
لا يخفى ما بين الإتباع للسلف والمناهضة للبدع من التلازم والتوافق، فإن الرجل لا يستطيع أن يكون مستمسكاً بمنهاج السلف - رضي الله عنهم -، دون أن يذب البدع عن دين الله -عَزَّ وَجَلَّ- بأقواله وأفعاله.
فالمنهج الصحيح القويم الذي يستقيم عليه دين العالم المسلم الصادق، إنما ينهض على ركنين:
ركن القيام بشأن السنة علماً وتعليماً ودعوة وعملاً.
وركن المناهضة للبدع في الإعتقاد والعمل وإنكارها، والتشديد على أهلها.
والبدع: هي ما أحدثه الناس واخترعوه في أمر الدين.
وهي نوع من المحرمات أخطر من المعاصي العادية، فإن فاعلها يتقرب بها إلى الله تعالى، ويعتقد ببدعته أنه يطيع الله ويتعبد له، وهذا هو خطرها.
والبدعة تكون:
إما باعتقاد خلاف الحق، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه.
وهذه هي البدعة الاعتقادية، أو القولية، ومنشؤها من القول على الله بلا علم.
وهذا من أعظم المحرمات، بل هو -كما يقول ابن القيم- أعظمها.
كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وإما أن تكون بالتعبد الله تعَالى بما لم يشرعه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
وفي الحديث: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية.
والبدعتان -كما قال العلامة ابن القيم- متلازمتان، قلّ أن تنفك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنى يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة، فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة 1.
وإذا كان هذا هو شأن البدع في الميزان الشرعي، فما هو موقف الحنابلة القولي والفعلي من ذلك؟
لا مرية في أن الحنابلة كانوا تبعاً لإمامهم في هذا الشأن، فقد كان الإمام أحمد زينة بغداد ومنارتها اللامعة في الإستمساك بالسنة ومواجهة البدع التي كانت مدينة السلام مرتعا لها، ومسرحاً لترويجها، حيث إن عاصمة الخلافة أقوى من غيرها في اجتذاب الطلاب والزائرين وأصحاب الشؤون المختلفة من أقاصي البلدان وأدانيها.
فكلام الإمام أحمد في المحافظة على السنة والإقتداء بالسلف، وذم البدع والتنفير من أهلها كثير جداً.
قال ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة، لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير 2.
ومن أجل ذلك ألّف الإمام أحمد كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية"، وبث في رسائله إلى أصحابه نصوصاً واضحة بشأن هذا الموضوع الخطير، فقد قال في رسالته إلى عبدوس بن مالك العطار:
"أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين" 3.
وقال في رسالته إلى مسدد بن مسرهد:
"أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، ولزوم السنة، فقد علمتم ما حلّ بمن خالفها، وما جاء فيمن اتبعها، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها".
إلى أن قال: ولا تشاور أحداً من أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك" 1.
ولئن كان الإمام أحمد في أول أمره يحض أصحابه وينصح طلابه بعدم الخوض مع أهل البدع، وينهاهم أن يجادلوهم، باعتبار أن ذلك من الجدال المذموم في دين الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والمراء الممقوت في القرآن الكريم.
فإنه قد عدل عن ذلك في آخر أمره، ورأى أن فريضة الذب عن الشريعة في أصولها وفروعها قد وجبت بعد ما استفحل أمر الزنادقة والجهمية والمرجئة، وصارت فتنهم تنفذ إلى قلوب الخواص والعوام في بغداد.
قال ابن مفلح -رَحِمَهُ اللهُ-:
"وقد صنف الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- ورضي عنه، كتاباً في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره، واحتج بدلائل العقول.
وهذا الكتاب رواه ابنه عبد الله، وذكره الخلّال في كتابه 2، وما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ.
قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نُأمر بالسكوت، فلما دُعينا إلى أمرٍ ما كان بدٌّ لنا أن ندفع ذلك، ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه.
ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] 3.
ومن صور ذلك الجدال العلمي الذي حُفظ لنا عن إمام أهل السنة قوله: "من قال، القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله، وفيه أسماء الله... [و] إذا قال الرجل: العلم مخلوق فهو كافر، لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه" 4.
وبهذا فتح الإمام أحمد أمام أصحابه باباً للدفاع عن السنة ومحاججة المبتدعة باللسان والقلم، فتتابعوا يناظرون، ويؤلفون، حتى ملأت مآثرهم في ذلك سمع التاريخ وبصره.
قال ابن مفلح نقلاً عن حفيد القاضي أبي يعلى:
"والصحيح في المذهب أن علم الكلام مشروع مأمور به، وتجوز المناظرة فيه.
والمحاجة لأهل البدع، ووضع الكتب في الرد عليهم، وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق: القاضي، والتميمي، في جماعة المحققين، وتمسكوا في ذلك - مع استغنائه عن قول يسند إليه - بقول الإمام أحمد في رواية المرّوذي: إذا اشتغل بالصوم والصلاة، واعتزل وسكت عن الكلام في أهل البدع، فالصوم والصلاة لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل" 1.
هذا هو موقفهم من الناحية العلمية.
وأما من الناحية العملية، فقد كان عِلمُهم عَمَلهم، يعملون بالسنة ويقتدون بالسلف، لا يبالون بما يصيبهم في سبيل ذلك من النبز بالألقاب، فيوصفون تارة بالتشديد، وتارة بالتجسيم، وتارة بالحشوية، وتارة بالمشبّهة الذين يشبّهون الله بخلقه، وهم في كل ذلك صابرون محتسبون.
بالإضافة إلى التقيد العملي بالسنة وما أثر عن السلف، فقد أخذوا على أنفسهم أن يقاطعوا أهل البدع، ويجانفوهم، لما في ذلك من الإيحاش لقلوبهم والزجر لهم عما هم فيه، وكان قدوتهم في ذلك الإمام أحمد، فإنه لم يكلم أولئك الذين أجابوا في المحنة بخلق القرآن حتى مات.
قال ابن مفلح: وقد اشتهرت الرواية عنه في هَجْرِهِ من أجاب في المحنة إلى أن مات 2.
وكذلك كان الصف الحنبلي نقياً -في جملته- على مدى الدهور.
بقي علينا في ختام هذا المبحث أن نميط اللثام عن صلة رجلين من أكابر الحنابلة بأهل البدع، والتحقيق في مدى صحة تلك الصلة وأثرها.
وهذان الرجلان هما: أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي (513 هـ)، ونجم الدين الطوفي الصرصري، ثم البغدادي (716 هـ).
فأما ابن عقيل:
فعلى الرغم من المكانة السامية التي بلغها، والمنزلة الرفيعة التي تبوَّأها، فإن بعض أصحابه من الحنابلة قد تكلَّم فيه، لتردُّده على بعض المشايخ من المعتزلة، وتلقيه عنهم علم الكلام.
يقول ابن عقيل عن ذلك: "وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء -يعني شيوخه من المعتزلة- وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً" 1.
وقد علَّق الحافظ الذهبي -الذي نقل هذا الكلام- عليه بقوله: "قلت: كانوا ينهونه عن مُجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة" 2.
وقد اشتدت نقمةُ الحنابلة عليه نتيجة تجاسُرِه على تأويل نُصوص الصفات، ودفاعه عن الحلّاج، واعتذاره له، حتى طلبوا دمه، وأهدروه، إلى أن أعلن توبته عن آرائه الإعتزالية، ورجوعه عن ترحُّمِه على الحلّاج، فانطفأت بذلك نار الفتنة.
ولم يكتف -رَحِمَهُ اللهُ- بإعلان التوبة، بل أخذ يُصنِّفُ في الردِّ على المعتزلة، هاتكاً أستارهم، وكاشَفاً عن عوارِهم عن علم ودراية.
يقول الحافظُ ابن حجر: "نعم، كان مُعتزلياً، ثم أشهد على نفسه أنه تاب على ذلك، وصحَّتْ توبتُهُ، ثم صَنَّفَ في الردِّ عليهم، وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم، وأطْراهُ ابنُ الجوزي، وعَوَّلَ على كلامه في أكثر تصانيفه" (2)
ونَقل الحافظ ابن رجب قصة توبة ابن عقيل، ورجوعه عمّا كان عليه، فقال: "فمضى ابن عقيل إلى بيتِ الشريف، وصالحهُ، وكتب خطَّهُ:
يقولُ عليُّ بن عقيل بن محمد: إني أبرأُ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعةِ الإعتزال، وغيره، ومن صُحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والتَّرحُّمِ على أسلافهم، والتكثُّر بأخلاقهم، ومما كنتُ عَلَّقْتُه ووُجِد بخطِّي من مذاهبهم وضلالتهم، فأنا تائبٌ إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحلُّ كتابتُه، ولا قراءتُه، ولا اعتقاده، وإنني علَّقتُ مسألة الليل في جملة ذلك، وإنَّ قوماً قالوا: هو أجسادٌ سود.
وقلتُ: الصحيحُ: ما سمعتُه من الشيخ
أبي علي، وأنه قال: هو عدمٌ، ولا يُسمى جسماً، ولا شيئاً أصلاً، واعتقدتُ أنا ذلك، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منهم.
واعتقدتُ في الحلّاج: أنه من أهل الدين والزُّهد والكرامات، ونصرتُ ذلك في جزء عملتُه، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه، وأنه قُتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا في ذلك، وأخطأ هو، ومع ذلك فإني أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة والمبتدعة وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم، فإن ذلك كله حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلمٍ فعله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عَظَّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام".
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ والأتباع ساداتي وإخواني - حرسهم الله تعالى- مصيبين في الإنكار عليَّ، لما شاهدوه بخطي من الكتب التي أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقَّقُ أني كنتُ مخطئاً غير مصيبٍ.
ومتى حُفِظ عليَّ ما ينافي هذا الخط وهذا الإقرار، فلإمام المسلمين مكافأتي على ذلك، واشهدتُ الله وملائكته وأولي العلم على ذلك سواءٌ.
قال تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: 95].
وكتب يوم الأربعاء، عاشِر مُحرّم سنة خمس وستين وأربع مئة" 1.
هكذا تاب ابن عقيل -رَحِمَهُ اللهُ- ورجع عمّا كان عليه، والله سبحانه يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها، ومن أتبع السيئة بحسنةٍ محتها.
وهذا ما فعله ابنُ عقيل، فقد عاد بعد توبته الى نصِّ السنَّة، وردَّ على من مشى بُرهة في ركابهم من المبتدعة.
يقول ابن قُدامة المقدسي عنه: "ثُم عاد بعد توبته إلى نصِّ السُّنة والردِّ على من قال بمقالته الأولى بأحسن الكلام، وأبلغ نظام، وأجاب على الشُّبه التي ذُكِرت بأحسن جوابٍ، وكلامه في ذلك كثيرٌ في كتبٍ كبارٍ وصغارٍ، أجزاءٍ مفردةٍ، وعندنا من ذلك كثير، فلعلَّ إحسانهُ يمحو إساءته، وتوبته تمحو بدعته، فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات" 2.
وأما الطوفي:
فقد اتُّهم بالتشيّع، بل بالرفض، وأُظْهر من شِعره ما يدلُّ على ذلك.
وقد وصفه الذهبيّ بـ"ـالشيعي"، وقال فى "ذيل العبر".
"وكان على بدعته كثيرَ العلم، عاقلاً متديناً"، وعن الذهبيّ نقل اليافعي في "مرآة الجنان".
وقال الصفدي: "كان فقيهاً... شيعياً، يُظاهر بذلك، وُجِدَ بخطه هجْوٌ في الشيخين، ففُوِّض أمرُه الى بعض القضاة، وشُهِدَ عليه بالرفض، فضُرب ونُفِيَ إلى قُوص، فلم يُرَ منه بعد ذلك ما يَشِين، ولازم الإشتغال وقراءة الحديث".
نقل ذلك عنه السيوطي، في "بغية الوعاة"، والخوانساري، في "روضات الجنات".
وهذا الذي أجمله الصفدي، فصَّله ابن رجب، في نَقْله عن ابن مكْتُوم قوله: "واشتهر عنه الرفض، والوقوع في أبي بكر وابنته عائشة، - رضي الله عنهما -، وفي غيرهما من جملة الصحابة، - رضي الله عنهم -، وظهر له في هذا المعنى أشعارٌ بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه، ويُظْهِر موافقةً له، منها قوله:
كَمْ بَينْ مَن شُكَّ في خلافتِه... وبَيْن مَن قِيل إنه الله
فرُفع أمرُ ذلك الى قاضي الحنابلة سعد الدين الحارثي، وقامت عليه بذلك البّيِّنةُ، فتقدَّم الى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره، وطِيف به، ونُوِديَ عليه بذلك، وصُرف عن جميع ما كان من من المدارس، وحُبِس أيَّاماً ثم أُطْلِق، فخرج من حينه مسافراً، فبلغ قوص من صعيد مصر... ".
وقد شغلت هذه القضية ابنَ رجب، فزادها بياناً، حيث قال: "وكان مع ذلك كله شيعياً، منحرفاً في الإعتقاد عن السنة، حتى إنه قال عن نفسه:
حنبليٌّ رافضِيٌّ ظاهِري... أشْعريٌّ إنها إحْدَى الكُبَرْ 1
ووُجِد له في الرفض قصائد، وهو يَلوحُ في كثير من تصانيفه، حتى إنه صنَّف كتاباً سماه "العذاب الواصب على أرواح النواصب".
وعندما ذكر البغدادي كتابه هذا قال: "يُقال: إنه حُبِس وطِيف به لأجل ذلك" 1.
ثم زاد ابنُ رجب: "ومن دسائسه الخبيثة أنه قال في شرح الأربعين للنووي: اعلم أنَّ من أسباب الخلاف الواقع بينَ العلماء تعارضَ الروايات والنصوص، وبعضُ الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم من ذلك، وقال: لا أكتب مع القرآن غيرَه.
مع عِلْمِه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اكتبوا لأبي شاه خطبة الوداع".
وقال: "قيِّدوا العلم بالكتابة".
قالوا: فلو ترك الصحابة يُدَوِّنُ كلُّ واحد منهم ما روى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لانضبطت السنة، ولم يبقَ بين آخر الأمة وبينَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في كل حديث إلا الصحابي الذي دَوَّن روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما".
قال ابن رجب: "فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه هو الذي أضل الأمة، قصداً منه وتعمداً، ولقد كذب في ذلك وفجر.
ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها وتواترها، وقد صحَّت بحمد الله تعالى، وحصل العلمُ بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها -أو أكثرها- لأهل الحديث العارفين من طرق كثيرة، دونَ من أعمى الله بصيرتَه، لإشتغاله عنها بشُبَهِ أهل البدع والضلال.
والإختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها، وهذا أمر موجود، سواء دونت وتواترت أم لا، وفي كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، وهذا جهل عظيم" 2.
ونقل ابن حجر، عن الكمال جعفر -قرأه بخطه-: "كان القاضي الحارثي يكرمه ويبجله ونزَّله في دروس، ثم وقع بينهما كلام في الدرس، فقام عليه ابن القاضي، وفوضوا أمره إلى بعض النواب، فشهدوا عليه بالرفض، فضُرب، ثم قدم قوص، فصنف تصنيفاً أنْكَرتُ عليه فيه ألفاظاً فغيَّرها، ثم لم نَرَ منه بعدُ ولا سمعنا شيئاً يَشِينُ، ولم يزل ملازماً للإشتغال، وقراءة الحديث والمطالعة، والتصنيف، وحضور الدروس معنا إلى حين سفره إلى الحجاز" 3.
جواب هذه الدعوى:
هذه هي النقول التي وردت في اتهام الطوفي بالتشيع والرفض في مصادر ترجمته، وبنظرة فاحصة إليها يتضح أن نجم الدين الطوفي كان قد احتل منزلة سامية بين علماء القاهرة، جعلت أستاذه سَعد الدين الحارثي يكرمه، وينزله في دروس، ويبدو أن الطوفي في هذه الفترة كان كثيرَ الهموم العلمية، تشغلُه مسائل لم يصل في دراستها إلى مرحلة النضج، ويُلهِبُ الشك فكرَه في بعض الأمور، وكان يرى وقوف العلماء على أنماط ثابتة، ورسوم موروثة، فلا يُعجبه هذا.
وهو ما يفسر ما وقع بينه ويينَ أستاذه الحارثي من كلام في الدرس، اقتضى أن يقومَ عليه ابن أستاذه، واستطاع خصومُه أن يجمعوا من البيِّنات، مِن فَلَتات لسانه، ويعضِ شعره، وربمَا زادوا فيه إلى الحد الذي أدى إلى تعزيره وحبسه، والتشهير به، ثم نفيه، وقد ذكر ابن رجب 1 عن المطري، حافظ المدينة ومؤرخها، أن الطوفي بعد سجنه نُفِيَ إلى الشام، فلم يمكنه الدخولُ إليها، لأنه كان قد هجا أهلَها وسبَّهم، فخشي منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجَّه إلى الصعيد، إلا أن الدلائل كُلَّها تشير بعد ذلك إلى استقامة فكره، ونضوج علمه، فلم يَرَ منه الناسُ ولم يسمعوا ما يَشِين، كما تقدَّم نقلُه.
وأمَّا ما ذكر ابنُ رجب أنه من دسائسه الخبيثة، فليس فيه ما يقومُ دليلاً على اتهامه، وهو يحكي عن قوم رأيهم في نتائج تأخُّر تدوين السنة، ولو كان رافضياً، لما تحدث عن رواية الصحابة لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالشيعةُ لا يُقرون من الحديث إلا.
ما جاء عن أئمتهم.
وأما قولُه عن اتهامه بالرفض: إنه يلوح في كثير من تصانيفه.
فكلام بغير بينة، وقد عقد الدكتور مصطفى زيد فصلاً نفى فيه عن الطوفي تهمة التشيع، ودرس كتبه الموجودة، ونقل منها نصوصاً كثيرة تنفي عنه التشيع والرفض، بل تقول في الرافضة أعْنَفَ مما يقول أعداؤهم 2.
وعلى الرغم مما تقدم من أن الطوفي استقام أمرُه حين وصل إلى قوص، ولم ير منه الناس أو يسمعوا ما يَشيِن، إلا أن ابنَ رجب يرفض ذلك كلَّه، ويقول: "وقد ذكر بعضُ
شيوخنا، عمن حدثه عن آخر، أنه أظهر التوبة وهو محبوس.
وهذا من تَقيَّته ونفاقه، فإنه في آخر عمره، لما جاور بالمدينة، كان يجتمع هو والسكاكيني شيخ الرافضة، ويصحبه، ونظم في ذلك ما يتضمن السب لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -".
وهكذا لا يصدق ابن رجب توبته، ويحملها على التَّقيَّة، ويتهمه في صحبته للسكاكيني.
والسكاكيني هذا: هو محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمذاني ثم الدمشقي، المتوفى سنة 721 هـ، وقد قال في حقه الذهبيّ -وهو من هو بُغْضاً للرافضة-: "ومات شيخ الشيعة بدمشق وفاضلهم محمد... في صفر عن ست وثَمانين سنة، وكان لا يغلو ولا يسب معيناً، ولديه فضائل.
روى عن ابن مسلمة، والعراقي، ومكي بن عَلَّان.
وتلا بالسبع، وله نظم كثير.
وأخذ عن أبي صالح الحلبيّ الرافضي.
وأخذه معه منصور صاحب المدينة، فأقام بها سنوات، وكان يتشَيَّعُ به سُنَّةٌ، وَيتسَنَّنُ به رافضَةٌ.
وفيه اعتزال" 1.
والخوانساري الشيعي، حين ترجمه في "روضات الجنات" قال: "ولم نجد في تراجم الشيعة، ومعاجم الإمامية، ما يدل على كَوْنِ الرجل منهم، فضلاً عن كونه من جملة فقهائهم ومجتهديهمَ، ولو كان ما ذكره الصفدي في حقه صحيحاً لما خَفِيَ ذكرُه عن أهل الحق، ولَما ناسب وصف الحافظ السيوطي إيَّاه بالحنبلية، مع أنها أبعدُ مذاهب العامة 2 عن طريقة هذه الطائفة الخاصة، كما أشير إلى ذلك في ترجمة أحمد بن حنبل، فليتأمل".
ومن جهة أخرى، يعتبر كتابه "شرح مختصر الروضة" في أصول الفقه ميزاناً لمعرفة مذهبه، ومرآة للكشف عن مكمن معتقده، فهو في هذا الكتاب على العكس مما نُسب إليه، نجده يترضى عن الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم -، وبخاصة الشيخين، ويصرح في أماكن مختلفة باعتقاده بما يعتقده أهل السنة والجماعة، ويرد على الشيعة، ويبيّن أن الحق بخلافها.
ويستعمل في بعض العبارات ما يستعمله الذين عندهم ميول صوفية، مما يُبعد كونه شيعياً، فالشيعة لا ينحون ذلك المنحى.
إلا في مواضع ثلاثة من كتابه المتقدم، قد يفهم منها ميوله للتشيع، ولكن الأمر غيرُ صريح، وهي:
1 - كلامه على المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - في الجزء الثاني ص 130، واستنتاجه أن أبا بكر - رضي الله عنه - توقف في خبره، وأنه تفرس فيه نوع ضعف أو تهمة.
كما أنه يلاحظ أن الطوفي لا يترضى عن المغيرة - رضي الله عنه - عند ذكره، وقد أفاض فيمَا قيل عنه، ونقله من مصدر غير موثوق، وذلك في الجزء الثاني من ص 169 إلى ص 173.
2 - كلامه على إجماع أهل البيت والإعتداد به في الجزء الثاني من ص 107 إلى ص 117، وقد توسع في ذكر أدلة الشيعة ومناقشتها، وإجاباتهم على الأسئلة الموجهة إليهم، وقواها في بعض الأماكن، ولكنه لم يظهر منه بشكل واضح ترجيحه للإعتداد بإجماع أهل البيت.
3 - كلامه على خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - في الجزء الثالث ص 262، وأنها تمت من باب القياس على الإمامة في الصلاة، لا بالنص عليها، وتجويزه - الطوفي - أنه كشف للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بوحي أو إلهام أن الخليفة بعده أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بحكم المقدور السابق، وأنه لم يوص بالتغيير عليهما لذلك، ولا يلزم من ذلك رضاه... إلخ.
وهذا كلام غير صحيح، ولا يستقيم مع القول الحق في ذلك 1.
المبحث الخامس
الحنابلة والسلطة السياسية
الموقف الذي نسجله للحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- إزاء السلطة السياسية ينقسم بطبيعة الحال إلى موقف نظري مبني على فقه المسألة السياسية، وتقويمها من الوجهة الشرعية، وإلى موقف عملي يتمثل بممارسة الحنابلة الميدانية لما يفقهون في هذا الموضوع، وإعطائه الجانب العملي في خصوص الصلة بينهم وبين الخلفاء.
ثم إن كلا القسمين النظري والعملي يتوزعان في البحث على الإمام أحمد باعتباره إمام المذهب وراسم معالم طريقه، ثم على فقهاء المذهب على مختلف العصور.
وسننتقي منهم جماعة كان لهم الأثر الواضح في بلورة الموقف العام من السلطة السياسية والتعامل معها.
• آراء الإمام أحمد في السياسة:
يذهب الإمام أحمد إلى ما اقتضته السنة المأثورة عنده في مناصحة الأئمة والإلتفاف حولهم، وعدم نزع يدٍ من طاعتهم، والصبر على ما كان منهم، وعدم جواز الخروج عليهم بالسيف... إلى غير ذلك من الأحكلام التي آثر علماء السنة أن يلحقوها بمباحث التوحيد ومصنفات العقيدة.
ويحسن بنا أن نترجم رأي الإمام المبجل من لسانه وقلمه في هذا الموضوع، فقد وصل إلينا مبثوثاً في كثير من أجويته وكلامه المسموع، بالإضافة إلى كلامه المكتوب، ومن جملة ذلك المكتوب، ما أودعه في بعض الرسائل التي كتب بها إلى أصحابه، فقد جاء في رسالته إلى عبدوس بن مالك العطار حظٌّ وافر من الآراء السياسية، وإليك نصها:
"... والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين: البر والفاجر، ممن ولي الخلافة، واجتمع الناس عليه، ورضوا به، ومن خرج عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمي
أمير المؤمنين.
والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، لا يترك.
وقسمة الفيء، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة؛ ومن دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً.
وصلاة الجمعة خلفه، وخلف من وَلَّى جائزة تامة ركعتان، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل جمعته شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم.
فالسنة أن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكنْ في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين -وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا والغلبة- فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" 1.
ونلاحظ كيف يبني أحمد الإمام رأيه في الموضوعات السياسية، على الآثار والاتباع للسنة والسلف، وذلك واضح في قوله: "... فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة... "
وقوله: "... فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... ".
ويقول الشيخ أبو زهرة في هذا الصدد:
ولقد كان مسلك أحمد في دراسته لبعض النواحي المتصلة بالسياسة رجلاً يتبع الأثر، ولا يتجانف عن مسلكه، وكان بالنسبة لآرائه في الصحابة، يتبع المنقول، وما كان عليه الكثرة من الصحاية والتابعين، - رضي الله عنهم - أجمعين، فهو في هذا أثري، كشأنه في كل ما كان يتجه إليه من دراسات.
وفي شأن الخلافة والخليفة، وممن يختار، وكيف يختار، كان رجلاً واقعياً يتجنب الفتن، ويجتهد في أن يكون شمل المسلمين ملتئماً، ويؤثر الطاعة لإمام متغلب، ولو كان ظالماً، على الخروج على الجماعة 2.
ومن هنا يتضح لنا أن الإمام أحمد لا يتوقف في كون علي عليه رضوان الله رابع الخلفاء الراشدين المهديين، عملاً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 1.
فإنه يتناول فترة خلافة علي - رضي الله عنه -، فلا حجة لمن توقف في ذلك معللاً بافتراق الناس عليه 2.
وكذلك يعتبر الخلافة الأموية صحيحة شرعاً، وكذلك الخلافة العباسية.
فقد ثبتت بطريق الغلبة والقهر في بدايتها، ثم توالى الخلفاء عليها بطريق ولاية العهد من السابق للاحق.
وانعقاد الإمامة بطريق الغلبة والقهر، مقرر بالإجماع.
فهذه آراء الإمام أحمد السياسية في الجملة، أو بالأحرى فقه السلطة السياسية، فما هو موقفه الواقعي من السلطة التي كان تحت إمرتها؟
• موقف الإمام أحمد من الخلفاء العباسيين:
عاش الإمام أحمد في خلافة سبعة خلفاء من البيت العباسي، وهم على الترتيب: الهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.
لكنه في فترة الثلاثة الأُول كان صغيراً، ثم شغل بطلب العلم والرحلة فيه، فلم يعش حياته السياسية وتجربته مع الخلفاء إلا مع الأربعة الأخر، فما موقفه منهم؟
كان الإمام أحمد متمسكاً بمبدئه العلمي تجاه العباسيين، في السمع والطاعة، والتزام الجماعة، يؤدي الذي عليه، ويسأل الله الذي له، كما هو اعتقاد سائر علماء أهل السنة والجماعة.
وعلى الرغم من أنه ابتلي بتلك المحنة العظيمة -محنة القول بخلق القرآن- على يدي المأمون، فالمعتصم، فالواثق، إلا أنه لم يخرج عليهم بالسيف، ولا أذن لأحد بذلك.
فكان بلا ريب ملتزماً بتلك النصائح التي كتب بها إلى عبدوس بن مالك العطار، والتي تترجم فقه المسألة تماماً.
ومما يدل على صدق ما نقوله ما رواه المؤرخون في موقفه من الواثق لما أمعن في القول بخلق القرآن والدعوة إليه، واجتمع إلى أحمد فقهاء بغداد ليروا رأيه فيما يجب أن يفعل:
قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم، وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم، ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر.
وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار 1.
فأنت ترى كيف يرجح الإمام أحمد مصلحة الطاعة والجماعة، وحقن دماء المسلمين على مصلحة المواجهة والخروج والثورة على الخليفة.
وأن هذا الموقف إنما هو الإلتزام بالوصية النبوية الغالية، والوقوف عند حدود ما دلت عليه الآثار، وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمناصحة للخلفاء ولغيرهم، على الوجه المشروع، وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالة الله إليهم، وأنه لا يترك ذلك جبناً، ولا بخلاً، ولا خشية لهم، ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله، ولا يفعل ذلك أيضاً للرئاسة عليهم، ولا على العامة، ولا للحسد، ولا للكبر، ولا للرياء لهم، ولا للعامة.
ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يخرج عليهم بالسلاح، وتظهر الفتن، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، وكما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي يربي على فساد ما يكون من ظلمهم، بل يطاع الله فيهم، وفي غيرهم، ويفعل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه 2.
وإذا كان هذا موقف أحمد من الواثق الذي كان أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً 3، فكيف يكون من المأمون والمعتصم اللذَّيْن كانا أهون، لولا أنهما فتحا باب الفتنة، وبدأا بالمحنة؟ قال القاضي أبو يعلى: وقد روي عنه -أي الإمام أحمد- في كتاب "المحنة" أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، في غير موضع، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه 4.
• مواقف فقهاء الحنابلة من السلطة السياسية:
سجل فقهاء الحنابلة مواقفهم من السلطة السياسية علمياً وعمليّاً من بعد الإمام أحمد، ولا ريب أنهم كانوا يقتبسون من مشكاته.
فأما الناحية العلمية، فهي التي نطالعها في مرآة الفقه الحنبلي تحت مباحث "الأحكام السلطانية" و"السياسة الشرعية" و"الخلافة والملك" و"أحكام الإمامة"، وغير ذلك من العناوين التي تدل على هذا الموضوع.
وأما الناحية العملية، فإننا نقرؤها في السير الذاتية لعلماء الحنابلة، وما سُجل لهم من الصلة بالخلفاء، وتولي بعض المناصب في الدولة، كالوزارة والسفارة، والقضاء، وغير ذلك.
• الموقف العلمي:
لا يكاد يفترق موقف الحنابلة عن موقف الإمام أحمد تجاه الإمامة، في كيفية انعقادها، ومن يتولاها، ووجوب الطاعة في غير معصية، والمناصحة في غير فتنة، وتحريم الخروج بالسيف، وهذا موقف أهل السنة والجماعة الذين يعتبر الحنابلة في مقدمتهم وعلى رأسهم.
وقد أدّى القاضي أبو يعلى -رَحِمَهُ اللهُ-، فرض الكفاية بجمع شتات أحكام الإمامة في كتابه "الأحكام السلطانية".
قال في مقدمته 1:
أما بعد، فإني كنت صنفت كتاب "الإمامة"، وذكرته في أثناء كتاب "المعتمد"، وشرحت فيه مذاهب المتكلمين وحجاجهم، وأدلتنا، والأجوبة عما ذكروه.
وقد رأيت أن أفرد كتابا في الإمامة، أحذف فيه ما ذكرت هناك من الخلاف والدلائل، وأزيد فيه فصولاً أُخر، تتعلق بما يجوز للإمام فعله من الولايات وغيرها، وأسال الله الكريم العون على ذلك، والنفع به إن شاء الله.
اهـ.
ومن خلال كتاب الفرّاء يمكننا أن نطلع على جملة صالحة من كتاب "الإمامة" للخلال، الذي يعتبر مصدراً رئيساً من مصادر "الأحكام السلطانية".
كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية جلى السياسة الشرعية، والأحكام السلطانية في مباحث رائعة بثها في مصنفاته ورسائله وفتاويه، وقد جمع الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، من فتاوي شيخ الإسلام قسماً كبيراً رسمه بعنوان "الخلافة والملك وقتال أهل البغي" 1.
ويقسم ابن تيمية الحكام إلى قسمين: خلفاء النبوة، وملوك.
ويستدل بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكاً عضوضاً".
والأولون، وهم خلفاء النبوة هم الذين استوفوا شروط الخلافة، وأن ذلك لم يتحقق إلا في الخلفاء الراشدين، ثم تحولت الخلافة من بعدهم إلى ملك، على أن ذلك لا يقدح في شرعيتهم، وجواز تسميتهم "خلفاء" وإن كانوا ملوكاً، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء.
واستدل على ذلك بحديث الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر".
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
فقوله: "تكثر" دليل على من سوى الراشدين، فإنهم لم يكونوا كثيراً 2.
ويقرر -رَحِمَهُ اللهُ- أيضاً: أن الميزان المحكم في تقويم أعمال الناس -ومنهم الملوك- إنما هو الموازنة بين مجموع حسناتهم ومجموع سيئاتهم، فمن ترجحت حسناته على سيئاته كان مقبولاً مرضياً.
ولما كانت مصالح الملك وحسنات الإمامة والخلافة لا تتحقق في الغالب إلا ببعض المفاسد والسيئات، كان لابد من عدم الإلتفات إلى تلك المفاسد والسيئات المرجوحة في جانب المصالح والحسنات 3، فهناك من الخلفاء من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الإمارة من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأمن السبل، وجهاد العدو، وقسمة المال، إلا بحظوظ منهي عنها، من الإستئثار ببعض المال، والرياسة على الناس، والمحاباة في القسم، وغير ذلك من الشهوات... فهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر
سيئاً، وحكم الشريعة: أنهم لايؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات، ولا يؤمرون به، ولا يجعل حظ أنفسهم عذراً لهم في فعلهم، إذا لم تكن الشريعة عذرتهم، لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات، ويحضون على ذلك، ويرغبون فيه، وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة، كما يؤمر الأمراء بالجهاد، وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم، الذي تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد 1.
• الموقف العملي:
والموقف العملي من السلطة السياسية القائمة يوضحه جماعة من كبار علماء الحنابلة الذين كانت لهم أصداء وأيام مشهورة في الحياة الإجتماعية والسياسية الواسعة، فضلاً عن جهودهم ومآثرهم الجليلة في إثراء الفقه، وبلورة أصوله وسائر العلوم الشرعية الأخرى.
ومن أولئك الكبار:
القاضي أبو يعلى:
فقد كان -رَحِمَهُ اللهُ- ورعاً نزيها عفيفاً زاهداً، لا ترنو عينه إلى ما عند الخلفاء والأمراء من أعراض الدنيا الزائلة، بل لا يشغل نفسه أصلاً بذلك، ولا يفكر فيه.
وهذا يظهر جليا في شروطه على الخليفة القائم بأمر الله، عندما عرض عليه القضاء، فقد نفّذ ما اشترطه فعلاً، وكان يكره الأمراء الظَّلَمة ويقاطعهم، ويأمر تلامذته بمقاطعتهم (1).
وعلى الرغم من أنه كان قد استُقضي لدى الخليفة القائم بأمر الله في الدماء والفروج والأموال بحريم دار الخلافة، إلا أن ذلك لم يؤثر عليه في علمه ورأيه ومواقفه، فلم يكن بالذي يقف في صف العباسيين في النقمة على الأمويين الذين كانت لا تزال لهم بقية في الأندلس في ذلك الوقت، خصوصاً وأن الدولة العباسية في ذلك الوقت كانت في يد الأمراء البويهيين الذين كانوا يميلون إلى الشيعة والرافضة.
ومما يؤيد هذا في القاضي أبي يعلى، أنه قد صنف كتابا سماه "تبرئة معاوية" دافع فيه عن معاوية - رضي الله عنه -، ورد الشبهات والإفتراءات التي وجهها خصومه إليه، ويعضهم
كان من بني العباس.
فدل ذلك على أنه كان جريئاً إذ صنف هذا الكتاب في قلب العاصمة العباسية، وإن تصنيفه هذا لدليل على أنه عاش مستقلاً في تفكيره، عزيزاً في نفسه، رافعاً هامته، لا يخاف في الله لومة لائم.
ومنهم:
أبو الوفاء ابن عقيل:
فقد سجل مواقف سياسية رائعة، وهو تلميذ القاضي أبي يعلى.
فقد كان ابن عقيل عظيم المكانة عند الخلفاء والملوك، وكان جريئاً في الإنكار بلسانه وقلمه لما يراه من المنكرات التي يقع فيها الأمراء فضلا عن العامة.
فقد كتب رسالة بعث بها إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير، وكانت شديدة اللهجة، لما ظهرت المنكرات في بناء سور بغداد على يديه 1.
وكتب رسالة أخرى إلى السلطان جلال الدولة "ملكشاه" ينقذه من براثن الباطنية، الذين أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع، وجاء في مقدمة تلك الرسالة:
أيها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها، لقيام دلالة العقل على إثباتها 2.
ومع هذا لم ينزع يداً من طاعة، ولا خرج عن الجماعة، وكانت له قيمة كبيرة عند الخلفاء، فقد تولى غسل الخليفة المستظهر بالله، ولما تولى المسترشد بالله بايعه ابن عقيل على شرطه الخاص، وقد قال في ذلك:
ولما تولى المسترشد تلقاني ثلاثة من المستخدمين، يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فلما صرتُ بالحضرة، وقال لي قاضي القضاة -وهو قائم بين يديه- طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ثم مددت يدي، فبسط لي يده الشريفة،
فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة مني 1.
ومنهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية:
فقد عاش حالة سياسية جد حرجة، عاشتها أمتنا الإسلامية في تلك الأيام، فقد انقسم المسلمون إلى دويلات وحوزات ملوك ينظر بعضهم إلى بعض نظر العدو المفترس، ثم جاءت هجمة التتار الساحقة فكسرت الشوكة واستباحت البيضة وعاثت فساداً في بغداد، ثم الشام، وإن خير وصف لتلك الحال القاتمة ما ذكره ابن الأثير في أول غارات التتار، إذ قال:
لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر، فمنهم من أقبلوا من المشرق، ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الفرنج -لعنهم الله- من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وامتلاكهم ثغرها، أي دمياط، وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوا لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، ومنها أن السيف بينهم مسلول والفتنة قائمة 2.
هذا كلام ابن الأثير، الذي كان يؤرخ لتلك الأيام العصيبة عن مشاهدة ومعاينة ومعاصرة، فالإسلام قد هوجم من ثلاث جهات: من شرقه بالتتار، ومن غربه بالصليبين، ومن داخله بالعداوة المستحكمة بين الأمراء والفرق، وموالاة أهل الذمة للأعداء أياً كان لونهم 3.
وقد ذكرنا فيما مضى أن أسرة الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- قد انتقلت من حرَّان مهاجرة إلى دمشق بسبب غارة التتار على بلادهم.
وإننا لنجد لشيخ الإسلام مواقف جليلة مع أمراء عصره وبلده، ومع التتار المحتلين
الغاشمين على السواء.
وكانت تلك المواقف قد أثمرتها شجاعته النادرة، وجرأته في الحق التي امتحن بسببها عدة مرات في الشام ومصر، وفَوقَّت إليه سهام النقد من أعدائه وخصومه، كما قال الشاعر 1:
حَسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سَعْيَه... فالقومُ أعداءٌ له وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قُلْنَ لوجهِهَا... حسداً وبَغْياً إنه لدَميمُ
فمن مواقفه مع بعض حكام عصره:
أنه بلغه في سنة 693 هـ أن نصرانياً سب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وآوى إلى أحد العلويين، فحماه من غضب العامة، فثارت حمية الشيخ وغيرته على سيد الخلق، فاصطحب معه شيخ دار الحديث، وذهب إلى نائب السلطنة بدمشق 2، فكلماه في ذلك، فأرسل إلى النصراني، فحضر ومعه بدوي، فأغلظ القول للعامة المتجمعين، فحصبوهما بالحجارة، فأوذي الشيخ وصاحبه من قبل النائب بدعوى التحريض على ذلك.
وانتهت القصة بإسلام ذلك النصراني، واعتذر نائب السلطنة من الشيخين، وبهذه المناسبة ألف الشيخ كتابه المشهور "الصارم المسلول على ساب الرسول" 3.
فهذه القصة تدل على أن الشيخ لم يكن قابعاً في زوايا التدريس والتعليم، غافلاً عن شؤون المجتمع، بل كان حارساً للرأي العام الإسلامي، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ملتزماً في ذلك ضوابط الشرع وحدوده من تبليغ أولي الأمر ما يحدث في سلطتهم مما هو من مسؤولياتهم، ولا يخشى في ذلك لومة لائم.
ولما غزا التتار الشام سنة 699 وهزموا عساكر الناصر بن قلاوون، وشتتوهم شذَر مذَر، بعد أن أبلى الجميع بلاء حسناً، فولى جند مصر والشام الأدبار، واجتازوا دمشق إلى مصر لائذين بالفرار، ومعهم أعيان العلماء والقضاة والوجهاء، حتى صار البلد شاغراً من الحكام والكبار 4.
لما استولت تلك الحالة المأساوية الذاعرة على الشام جمع ابن تيمية جماعة من الأعيان، واتفق معهم على ضبط الأمور، وأن يذهب على رأس وفد منهم يخاطبون قائد التتار (قازان) في الإمتناع عن دخول دمشق.
قال ابن كثير: وكلمه الشيخ تقي الدين كلاماً قوياً شديداً، فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين، ولله الحمد 1.
ويروي لنا بعض أصحابه صورة من ذلك اللقاء، فيقول:
كنت حاضراً مع الشيخ، فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل، ويرفع صوته، ويقرب منه... والسلطان مع ذلك مقبل عليه، مصغ لا يقول، شاخص إليه، لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من الهيبة والمحبة سأل: من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله، ولا أَثبَتَ قلباً منه، ولا أَوْقَع من حديثه في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه، فأُخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل 2.
وكان لذلك اللقاء أثره في دمشق إلى حين، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، إلا أن الأمور تغيرت بعد ذلك بسبب همجية التتار وإيغالهم في الفساد والتخريب، ففعلوا في دمشق الأفاعيل المنكرة الشهيرة 3، مما أثار غيرة ابن تيمية على الإسلام وأهله، فصار يحث على القتال قولاً وفعلاً، وأصدر بذلك عدة فتاوى مطولة في شأن التتار، والحكم فيهم، بعد أن علم من حالهم الداخلية أنهم ينتسبون إلى الإسلام بالإسم فقط 4.
وقد استمرت جهود ابن تيمية في تلك الأيام قوية، لأن العامة رأوا فيه ناصرهم، وولاة الأمور رأوا فيه قوة لهم، وقد استمر على درسه يلقيه، ولم يكن طالب منصب يبتغيه 5، بل استمر مبتعداً عن المناصب، ولكن كان يؤخذ رأيه في تولية المناصب العلمية آنذاك، فإنه لما توفي ابن دقيق العيد سنة 702 هـ، وكان شيخاً لدار الحديث، أشار ابن تيمية بتعيين الشيخ كمال الدين الشريشي في محله، كما أشار بتعيين من اختارهم للخطابة ولرياسة المدارس المختلفة 6.
فكان في الجملة -كما وصفه ابن رجب - قد أعلى اللهُ منارَهُ، وجَبَل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالباً، وعلى طاعته، وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأبّ النفاق، وأبدى صفحته 1.
المبحث السادس
أضواء على الإجتهاد عند فقهاء الحنابلة
يتميز مذهب الإمام أحمد عن بقية المذاهب الأخرى بأنه دُوِّنَ، وحُرِّرَ، ونُقّحَ، في فترة زمنية شملت عدة طبقات من أصحابه، لذلك نجد هذا المذهب غنيًا بالمجتهدين الذين عاشوا في القرون: السادس والسابع والثامن، فضلاً عن المتقدمين، وذلك من أمثال: أبي الخطاب، وابن عقيل، وابن الجوزي، وموفق الدين ابن قدامة المقدسي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم 1.
فهؤلاء أثروا المذهب بالتأليف والترجيح للروايات، والإستدلال عليها، والتفريع والتخريج.
والسبب في تمدد عمل التدوين والتحرير والتنقيح على مدى تلك الفترة الطويلة التي كان لها فضلٌ كبير في توفر عدد كبير من المجتهدين في هذا المذهب الجليل، السبب في ذلك يعود إلى نشأة المذهب في ذاته، وكيفية تكوّنه في أيامه الأولى.
وفحوى ذلك: أن الإمام أحمد كان لا يرضى لنفسه ولا لأحدٍ من تلامذته أن يُدوّن كلامه، بل كان يفضّل أن لا تُدون آراء الرجال، وأن الإكتفاء بتدوين السنة بما فيها من المرفوع والآثار الموقوفة على الصحابة، بالإضافة إلى اجتهادات التابعين، كان يرى أن ذلك يُغني عن آراء الرجال الذين جاءوا من بعدهم.
فكان من شأن موقف الإمام أحمد هذا أن اختلفت الرواية في نقل فتاويه واجتهاداته وسائر آرائه اختلافاً أدى إلى تميز هذا المذهب بتعدد الأقوال المنصوصة، ونما المذهب فيما بعد في طي هذا التعدد، بالإضافة إلى الوجوه المخرجة للأصحاب، الأمر الذي أتاح لمجتهدي الترجيح والإختيار مجالاً رحباً في توظيف آلة الإجتهاد وإعمال النظر والتحقيق.
وتلك كانت سمة من سمات المذهب الحنبلي وفّرت مساحة اجتهادية أمام فقهاء المذهب في مختلف طبقاتهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الأقوال القديمة للإمام أحمد، وهي الأقوال المرجوع عنها، لم يكن الأصحاب ليتصرفوا بشأنها بالطرح والنسيان، ولم يعاملوها معاملة المنسوخ، بل وضعوها على بساط البحث والنظر، لتشكل آراء أخرى منسوبة إلى مَن قال بها من أصحاب الوجوه، وفي ذلك يقول الطوفي:
قيل: قد كان القياس أن لا تُدون تلك الأقوال -يعني الأقوال القديمة المرجوع عنها- وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه، فتدوينه تعب محض، لكنها دُونت لفائدة أخرى، وهي التنبيه على مدارك الأحكام واختلاف القرائح والآراء، وأن تلك الأقوال قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات، وذلك مؤثر في تقريب الترقي إلى رتبة الإجتهاد المطلق أو المقيد، فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ المتقدمين نظر فيها، وقابل بينها، فاستخرج منها فوائد، وربما ظهر له من مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، فهذه فائدة تدوين الأقوال القديمة عن الأئمة، وهي عامة.
وَثَمَّ فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله، وذلك أن بعض الأئمة، كالشافعي ونحوه نصُّوا على الصحيح من مذهبهم، إذ العمل من مذهب الشافعي على القول الجديد، وهو الذي قاله بمصر، وصنف فيه كتاب الأم ونحوه.
ويقال: إنه لم يبقَ من مذهبه شيء لم ينص على الصحيح منه إلا سبع عشرة مسألة، تعارضت فيها الأدلة، واختُرم قبل أن يحقق النظر فيها، بخلاف الإمام أحمد ونحوه، فإنه كان لا يرى تدوين الرأي، بل همه الحديث وجمعه، وما يتعلق به، وإنما نَقَلَ المنصوصَ عنه أصحابُه تلقياً من فيه، من أجوبته في سؤالاته وفتاويه، فكل من روى منهم عنه شيئاً دونه، وعُرِف به، كمسائل أبي داود، وحرب الكرماني، ومسائل حنبل، وابنيه صالح، وعبد الله، وإسحاق بن منصور، والَمرُّوذِي، وغيرهم ممن ذكرهم أبو بكر في أول "زاد المسافر" وهم كثير، وروى عنه أكثر منهم، ثم انتدب لجمع ذلك أبو بكر الخلَّال في "جامعه الكبير"، ثم تلميذه أبو بكر في "زاد المسافر"، فحوى الكتابان علماً جمّاً من علم الإمام أحمد - رضي الله عنه -، من غير أن يُعلم منه في آخر حياته الإخبار بصحيح مذهبه في تلك الفروع، غير أن الخلَّال يقول في بعض المسائل: هذا قولٌ قديمٌ
لأحمد رجع عنه، لكن ذلك يسير بالنسبة إلى ما لم يُعلم حاله منها، ونحن لا يصح لنا أن نَجْزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موت، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيح الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كإبن حامد، والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي -رحمة الله عليهم أجمعين-، لكن هؤلاء بالغين ما بلغوا، لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لذهب أحمد، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعاً، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويُصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى.
وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحرّاني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفُتيا على ما صححه الأصحاب في المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده، فتكون هذه فائدة خاصة بمذهب أحمد، وما كان مثله لتدوين النصوص ونقلها، والله تعالى أعلم بالصواب 1. اهـ.
فهذه السعة الإجتهادية انعكست صورتها على آراء المجتهد شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني (728 هـ) فيما عُرف بـ "اختيارات ابن تيمية".
اختيارات ابن تيمية
•
تعريف "الإختيارات"
:
كلمة اختيار كلمة تتردد في كتب الفقه والأصول تردداً اصطلاحياً خاصّاً، وجمعها "اختيارات"، فهي من لغة الفقهاء واصطلاحاتهم، ومدلولها اللغوي واضح لا يحتاج إلى تفسير.
وجاءت هذه الكلمة متكررة في تراجم كثير من مجتهدي المذهب المترجَمين في "طبقات ابن أبي يعلى" (526 هـ)، فإنه كثيراً ما يصف المترجَم بقوله: له الإختيارات في المسائل المشكلات، أو: له الإختيارات في المذهب، أو ما يشبه ذلك.
فالاختيار يعني: الإنتقاء من الخلاف المذهبي، بناء على اجتهاد في الترجيح للقول أو الرواية أو الوجه الذي يختاره الفقيه المنتسب.
وقد يخرج الإختيار بصاحبه عن المذهب كلية لا يقتضيه الدليل.
والإختيار قد يكون مطلقاً بحيث لا يتقيد بأحد المجتهدين في المذهب، بل يتخير الفقيه من أقوالهم وتخريجاتهم، أو من الروايات المختلفة المروية عن الإمام ما يؤيده الدليل وتساعده الأصول، ويفتي به.
وقد يكون الإختيار مقيداً بالخلاف مع أحد المجتهدين، كاختيارات غلام الخلَّال التي خالف فيها شيخه الخلال، واختياراته التي خالف فيها شيخه الخرقي، فاختياراته هذه ليست مطلقة، بل هي مقيدة بما قرره الخلَّال أو الخرقي مذهباً للإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-.
فإذا تبين هذا، فالاختيارات المعروفة في الفقه الحنبلي ترجع في مجموعها إلى هذين القسمين:
إما اختيارات مطلقة، كما هي اختيارات شيخ الإسلام التي نتحدث عنها.
وإما اختيارات مقيدة شاعت كثيراً في الأدوار التي كان المذهب يتكامل فيها، ويتنسق، ويُحرر.
•
التأليف في الإختيارات
:
ألف علماء الحنابلة عدة كتب في فن الإختيارات الفقهية تأليف تدل على السعة الإجتهادية التي تميز بها فقهاء هذا المذهب، ومارسوها في الصناعة الفقهية.
فمن ذلك:
1 - الإختيارات، لبهاء الدين المقدسي.
(624 هـ)
2 - اختيارات ابن تيمية، جمع برهان الدين ابن القيم (767 هـ).
3 - اختيارات ابن تيمية، جمع محمد بن أبي بكر العلائي.
(1051 هـ)
4 - اختيارات ابن تيمية، جمع علاء الدين ابن اللحام (803 هـ).
5 - الإختيار في بيع العقار، ليوسف بن عبد الهادي (909 هـ).
6 - المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للشيخ عبد الرحمن السعدي (1376 هـ) صاحب "الفتاوي السعدية".
7 - اختيارات ابن قدامة صاحب المغني، لعبد العزيز الغامدي.
8 - اختيارات ابن القيم الفقهية في العبادات، لعبد العزيز الغامدي.
9 - اختيارات ابن القيم الفقهية في المعاملات، لعبد العزيز الغامدي.
ونجد جملة وافرة من الإختيارات والتفردات في طي كتب التراجم، خصوصاً طبقات ابن أبي يعلى، وابن رجب الحنبلي، مما يمكن أن يُجمع منه كتاب حافل.
•
اختيارات ابن تيمية ومميزاتها
: أولاً: نماذج منها 1: يرى -رَحِمَهُ اللهُ-: أ - ارتفاع الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، وبالمتغير بطاهر، وبماءٍ خلت به امرأة لطهارة، وبالمستعمل في رفع الحدث 2. ب - جواز المسح على النعلين والقدمين -أي معهما- وكل ما يحتاج في نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين 3. جـ - المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه 4. د - جواز المسح على اللفائف ونحوها (4).