فالمسند من جهة كونه يتجه إلى جمع أحاديث الصحابة واحداً واحداً، ومحاولة حصر مروياتهم، كان بعيداً عن اهتمام كثير من الناس الذين لم يكن يعنيهم هذا المقصود بقدر ما كان يعنيهم معرفة الأحاديث المحتج بها في المسائل الفقهية والموضوعات الشرعية، والتي كانت طريقها ممهدة وسبيلها ميسرة في كتب الصحاح والسنن.
قال الحافظ ابن حجر:.... فإن النفوس تركن إلى من أخرج له بعض الأئمة الستة أكثر من غيرهم لجلالتهم في النفوس، وشهرتهم، ولأن أصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب أن يقتصر فيه على ما يصلح للإحتجاج أو الإستشهاد، بخلاف من رتب على المسانيد فإن أصل وضعه مطلق الجمع 1. اهـ
وإذا نظرنا إلى "المسند" من جهة كونه مستوعباً للسنة إلا قليلاً 2، فإن ذلك يعطي هذا الكتاب الجليل قيمة متفردة، ويبوئه مكانة متميزة، فإنه يكاد يستوعب جملة ما في الكتب الستة من أحاديث إلى جانب ما تفرد به من زيادات أخرى، حتى إن بعض العلماء كان يستغني بحفظ "المسند" عن حفظ الكتب الستة، فقد قال ابن الجزري: حدثني شيخنا اللإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب الشافعي، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قال: سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ اللإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رَحِمَهُمَا اللهُ-: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند أحمد" وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه.
أو كما قال -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- 3.
• درجة أحاديث المسند:
قال الخطيب البغدادي: ومما يتلو الصحيحين سنن أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسوي، وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي يعقوب إسحاق ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وأبي بكر وأبي الحسن عثمان ابني محمد بن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي، وعبد بن حميد، وأحمد بن سنان الواسطي 1.
فكتب المسانيد بعامة -ومنها مسند الإمام أحمد- تقع في المرتبة الثالثة بعد الصحيحين والسنن الأربعة، وذلك لأنها لم تلتزم الإنتقاء والإخراج للأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، لأن المقصود من وضعها مطلق الجمع لمرويات كل صحابيٍّ صحابيٍّ.
قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: "كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة 2، التي هي: الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي، وما جرى مجراها في الإحتجاج بها والركون إلى ما يورَدُ فيها مطلقاً، كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، ومسند أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار، وأشباهها.
فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كلّ صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به" 3.
وقال الحافظ ابن حجر معقباً على كلام ابن الصلاح: وأما من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة، سواء أكان يصلح للإحتجاج به أم لا.
وهذا هو الظاهر من أصل الوضع بلا شك، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط أو ارتفع، فإن بعض من صنف على الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها وإما لقلة معرفة بالنقد.
وبعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه.
كما رويناه عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في "مسنده" أصح ما وجده من حديث كل صحابي، إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرجه.
ونحا بقي بن مخلد في "مسنده" نحو ذلك.
وكذا صنع أبو بكر البزار قربياً من ذلك، وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من "مسنده" فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته، ويتعذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه.
وأما الإمام أحمد فقد صنف أبو موسى المديني جزءاً كبيراً ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى "مسنده" وأنه كله صحيح عنده، وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وان كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالاً من غيره.
وهذا يدل على أنه انتخبه.
ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها.
وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق، قال: جمعنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح، وقال: "انتقيته من أكثر من سبعمئة ألف وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة" 1.
فهذا صريح فيما قلناه؛ إنه انتقاه، ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى، لأن هذه أمور نسبية، بل هذا كاف فيما قلناه؛ إنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي 2.
فكلام الحافظ ابن حجر يقيد الإطلاق الوارد في كلام الخطيب وابن الصلاح من أن المسانيد تترتب من وراء الصحاح والسنن؛ لأنها لم تلتزم الصحة ولا الإنتقاء، فمسند الإمام
أحمد قد التزم الإنتقاء على الرغم من كثرة الأحاديث التي اشتمل عليها، فهو بهذا يضاهي السنن ويقع في مصافها من حيث درجة الصحة الإجمالية، حتى قال الحافظ ابن حجر: وليست الأحاديث الزائدة في "مسند أحمد" على ما في "الصحيحين" بأكثر ضعفاً من الأحاديث الزائدة على "الصحيحين" من "سنن أبي داود" و"جامع الترمذي" 1.
وبعد، فهل يصح إطلاق القول بأن ما في "المسند" صحيح في الجملة، على معنى أن الرجال الذين أخرج لهم الإمام أحمد في كتابه هذا هم من رجال الصحيح، ولو على مثل شرط ابن خزيمة أو ابن حبان؟
والجواب: أن هناك من ادعى الصحة في "المسند" كما سبقت الإشارة في كلام ابن حجر إلى الحافظ أبي موسى المديني (581 هـ) أنه ذهب إلى القول بذلك، وهذا نصه في "خصائص المسند": ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طُعن في أمانته 2.
وقال في موضع لاحق: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد، -رَحِمَهُ اللهُ- "مسنده" قد احتاط فيه إسناداً ومتناً.
ولم يورد فيه إلا ما صح عنده 3.. ثم ساق مثالاً لقوله.
فعلى قول الحافظ أبي موسى يكون كل ما في "المسند" صحيحاً، وهذا القول لم يذهب إليه أحد مت العلماء الكبار -فيما نعلم- غيره، ويبدو أن هذا القول كان شائعاً بين الناس في أصبهان -وهي بلاد الحافظ أبي موسى- وخراسان، حتى عُرض سؤال على ابن الجوزي (597 هـ) في بغداد حول هذا الموضوع، ذكره في "صيد الخاطر" 4 فقال:
سألني بعمق أصحاب الحديث: هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم.
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك.
وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان، منهم أبو العلاء الهمداني، يعظمون هذا القول، ويردونه، ويقبحون قول من قاله! فبقيت دهشاً
متعجباً.
وقلت في نفسي: واعجباً! صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً، وما ذلك إلا أنهم سمعوا اهديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد.
وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد ردّ كثيراً مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهباً له.
أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ: مجهول؟ ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد.
اهـ.
فادعاء أن ما اشتمل عليه "المسند" كله صحيح يخالف الواقع، إذ إن الطعن في الحديث وإيراده في كتب العلل يؤذن بعدم سلامته ونزوله عن درجة الصحيح إن لم يكن ضعيفاً أو موضوعاً، وقد أورد الخلال جملة من أحاديث "المسند"، في كتابه "العلل" ويوجد في كتاب "العلل" للإمام أحمد نفسه أحاديث من "المسند"، وقد أورد ابن الجوزي جملة من أحاديث "المسند" أيضاً في كتابيه "الموضوعات" و"العلل المتناهية"، مما يدل على أن "المسند" لا يخلو من الأحاديث الضعيفة، وإن كان المحققون لم يسلموا ببعض ما ادُّعي فيه الضعف الشديد والوضع.
إذن فليس هناك من العلماء من أيد الحافظ أبا موسى المديني في ذهابه إلى القول بصحة ما في "المسند" من حديث، اللهم إلا السيوطي (911 هـ) فإنه عد جملة ما في "المسند" صالحاً للإحتجاج، فقد قال في مقدمته للجامع الكبير: وكل ما كان في "مسند أحمد" فهو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
اهـ
وتوسط الشيخ عبد القادر ابن بدران فاعتبر أحاديث الأحكام في "المسند" كلها صحيحة، فقد قال:
وقد حكى الحفاظ أن الإمام أحمد اشترط أن لا يخرج في "مسنده" إلا حديثاً صحيحاً عنده.
قلت: وهذا صحيح بالنسبة إلى أحاديث الأحكام.
فقد روي عنه أنه قال: إذا كان الحديث في الحلال والحرام شددنا، وإذا كان في غيره تساهلنا... إلى أن قال:
ومهما تعصب القوم فإن أحاديث "المسند" كلها يصح الإحتجاج بها، وهي صحيحة على طريقته التى استقام عليها، كما أشرنا إلى بعض ذلك عند الكلام على أصوله.
ولعل الذين قالوا بضعف أحاديث من مسنده جاءتهم من طرق ضعيفة غير طريقه، فضعفوها
باعتبار ما جاءهم من طرقها، وكثيراً ما يذهب إلى مثل هذا أصحاب الحديث ممن لا يحيط علماً بالطرق، فتأمل هذا، واحفظه، واعتبر به كتب الحديث، فإنك تجد الأمر واضحاً 1.
وهذا الرأي محل نظر، فقد أورد ابن القيم في كتاب "الفروسية" عدة أمثلة من "المسند" ذاته، وفي أحاديث الأحكام، وأرفقها بعللها التي طعن بها الإمام أحمد نفسه في تلك الأحاديث فيما رواه أصحابه عنه 2.
وإذا تبين أن "المسند" ليس خالصاً للصحيح، فإن القسم الذي ينزل عن درجة الصحة منه اختلف فيه العلماء، وقد رأينا أن السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- جعله كله من الحسن وما يقاربه، والذي يهمنا من ذلك هو دعوى وجود بعض الأحاديث الموضوعة الباطلة.
فهناك من ادعى وجود ذلك في "المسند"، وهناك من أنكر.
فمن جملة من ادعى الوضع في "المسند" الحافظ ابن كثير، فقد قال في رده على أبي موسى المديني: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن "مسند الإمام أحمد!: إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك كما نبه عليه طائفة من الحفاظ 3. اهـ
وكذلك ادعى الوضع الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته على "مقدمة ابن الصلاح" 4، وفي جزء أفرده لبيان تلك الأحاديث والكلام عليها واحداً واحداً، وهي تسعة أحاديث.
قال في مقدمته: وقع لنا في أثناء السماع كلام: هل في "المسند" أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ فقلت: إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة 5.
ولا جرم أن دعوى الوضع قوبلت بالنقد والتحقيق من قبل جماعة من الحفاظ، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد أورد في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد" الأحاديث التسعة التي جمعها الحافظ الراقي في جزء وانتقدها، وأضاف إليها خمسة عشر حديثاً أوردها الإمام ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأجاب عنها حديثاً حديثاً، وقد فاته أحاديث أُخَر ذكرها ابن الجوزي في كتابه المذكور، فنقلها السيوطي في جزء، وسماها "الذيل الممهد" وأجاب عنها وعدتها أربعة عشر حديثاً (1). وأقل ما يقال بعد النظر في هذه الأحاديث وما أجاب به العلماء عنها: إنها بالغة الضعف، وكثير منها يُعلم بطلان متونها بالبداهة، فلا يمكن أن تشد أزرها تلك المتابعات والشواهد (2). وهذا لا يضير "المسند" شيئاً؛ لأنها -كما قال الذهبي (3) - قطرة في بحر.
•
الأعمال التي تمت على المسند
: قديماً تمنى الحافظ الذهبي أمنية عزيزة، فقال: "فلعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي -يعني المسند- من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقلَّ أن يثبت حديث إلا وهو فيه" 4. وأمنية الذهبي هذه تدل على أن هذا المسند العظيم كان إلى ذلك الوقت 5 لا يزال بعيداً عن الإعتناء والخدمة التي تتناسب ومكانته، وهذا لا ينفي وجود بعض الأعمال التي تمت على "المسند" قبل الإمام الذهبي، إلا أنها لا تقرِّب البعيد ولا تذلِّل الصعب ولا تيسِّر الإستفادة من هذا الكتاب، ولا تقرُّ عيون الناظرين إليه.123
ومن ذلك اليوم إلى عصرنا الحاضر والجهود تتوالى شيئاً فشيئاً على هذا الكتاب الجليل، حتى تحققت أمنية الإمام الذهبي كاملة أو شبه كاملة في جملة تلك التآليف والجهود المتتابعة المتلاحقة المتناسقة وغير المتناسقة؛ تارة في شرحه وبيان غريبه، وتارة في الكشف والتعريف برجاله، وتارة ثالثة بدراسات جزئية مفردة متنوعة، وهناك من ألف في ترتيب المسند وتقريبه على طريقة الأطراف أو على طريقة الأبواب، وغير ذلك.
وهذه جريدة تعريفية موجزة بما أمكن التعرف عليه من تلك الجهود والتآليف المبذولة في خدمة المسند من داخله أو من خارجه نعرضها مُرتَّبة حسب تواريخ وفيات مؤلفيها:
1 -
غريب الحديث، لغلام ثعلب (261 هـ - 345 هـ):
هو العلامة اللغوي، المحدث، أبو عمر بن عبد الواحد بن أبي هاشم، البغدادي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب.
قال الخطيب البغدادي: سمعت عبد الواحد بن بَرهان يقول: لم يتكلم في علم اللغة من الأولين والآخرين أحسن كلاماً من كلام أبي عمر الزاهد.
قال: وله كتاب "غريب الحديث" ألفه على مسند أحمد بن حنبل (1).
وهو حسن جداً فيما قيل (2).
2 -
ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج لهم أحمد بن حنبل في "المسند" لإبن عساكر (499 هـ - 571 هـ):
هو الحافظ، المحدث، المؤرخ، ثقة الدين، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي، المعروف بابن عساكر، صاحب "تاريخ دمشق".
وقد بلغ عدد الصحابة والصحابيات الذين أحصاهم ابن عساكر في هذا الكتاب (1056) سواء منهم الذين ذكروا بأسمائهم أو بكناهم أو المبهمون.
طبع في بيروت بدار البشائر الإسلامية سنة (1409 هـ) بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
وقد كشف بالأرقام التداخل الموجود بين مسانيد الصحابة ضمن "المسند".12
ويعتبر هذا الكتاب في أصله وتحقيقاته ذا أهمية كبيرة نظراً لما توفر عليه، بالإضافة إلى الترتيب والإحصاء، من الفوائد الحديثية النادرة التي لا يستغني عنها المتمرسون في هذا الفن، لا سيما من يتولى خدمة المسند وتحقيقه.
3 -
خصائص المسند، للحافظ أبي موسى المديني (501 هـ -581 هـ):
هو العلامة الحافظ الكبير، الثقة، شيخ المحدثين، أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي.
وقد طبع الكتاب بالقاهرة سنة (1347 هـ) وأعيد طبعه سنة (1368 هـ). وصدر به الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- تحقيق "المسند".
4 -
تجريد ثلاثيات المسند (1)، للمقدسي (ت 613 هـ):
وهو العلامة المحدث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي (2).
خرّج في هذا الكتاب الأحاديث التي رواها الإمام أحمد بأسانيد عالية ليس بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثة رجال: الصحابي الراوي ثم التابعي الذي روى عنه، ثم تابع التابعي الذي يكون شيخاً للإمام أحمد.
وممن خرج هذه الثلاثيات أيضًا: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (3) (ت 643 هـ).
5 -
التذكرة في رجال العشرة، لإبن حمزة الحسيني (715 هـ - 765 هـ):
هو الحافظ محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي، شمس الدين، حافظ للحديث، مؤرخ.
ولد ومات في دمشق.
يحتوي هذا الكتاب على رجال عشرة مؤلفين في مصنفاتهم العشرة، وهم الصحيحان والسنن الأربعة، وهي الكتب الستة الأصول، وأربعة كتب أخرى للأئمة الفقهاء: موطأ123
مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، و"المسند" الذي خرّجه الحسين بن محمد بن خَسْرُو من حديث الإمام أبي حنيفة.
ويعتبر هذا الكتاب أصلاً لكتاب: تعجيل المنفعة الآتي لاحقاً.
وله أيضاً:
6 -
الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في تهذيب الكمال:
قال ابن الجزري: وأما رجال "المسند" فما لم يكن في "تهذيب الكمال" أفرده المحدث الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني، لإفادة شيخنا الحافظ أبي بكر محمد بن المحب فيما قصر، وما فاته فإني استدركته وأضفته إليه في كتاب سميته "المقصد الأحمد في رجال مسند أحمد" وقد تلف بعضه في الفتنة (1)، فكتبته بعد ذلك مختصراً (2).
وجاءت فكرة تصنيف هذا الكتاب نتيجة لقيام المؤلف باختصار "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وهو يحتوي على رجال الكتب الستة، ثم قام بعد ذلك بترميز رجال المسند الذين وردت أسماؤهم في "التهذيب".
فلما تم له ذلك فكر في وضع كتاب يحتوي على سوى مَن ذُكر هناك من بقية رجال المسند (3).
طبع الكتاب في كراتشي بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي سنة (1409 هـ) ثم طبع مرة ثانية سنة (1412 هـ) بتحقيق عبد الله سرور.
7 -
الهدي والسّنن في أحاديث المسانيد والسنن، المعروف بـ"جامع المسانيد والسنن" (4)، للحافظ ابن كثير (701 هـ - 774 هـ):
وهو عبارة عن كتاب بناه المؤلف على "ترتيب المسند" لإبن المحب.
وفي ذلك يقول ابن الجزري: ثم إن شيخنا مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، أخذ هذا الكتاب المرتَّب من1234
مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي.
وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله (1).
وقد صدر الكتاب بعنوان "جامع المسانيد والسنن" نشرته دار الفكر ببيروت بتحقيق الدكتور عبد المعطي قلعه جي، في (37) مجلداً.
8 -
ترتيب المسند، لأبي بكر بن المحب (712 هـ - 789 هـ):
هو الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، المقدسي، الحنبلي (2). قال ابن الجزري في "المصعد الأحمد": وأما ترتيب هذا المسند، فقد أقام الله تعالى لتوتيبه شيخَنا خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع، أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب الأطراف، تعب فيه تعباً كثيراً (3). ويعتبر هذا الكتاب عمدة وأساساً لكتب أخرى عُملت على المسند، منها:
- إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي، للحافظ ابن حجر، وسيأتي.
ومنها:
9 -
ترتيب المسند، لإبن زريق (ت 803 هـ):
هو الحافظ محمد بن عبد الرحمن بن محمد المقدسي، ثم الصالحي، ناصر الدين، المعروف بابن زريق، تخرج بابن المحب وتمهر، وكان يقظاً عارفاً بفنون الحديث ذاكراً للأسماء والعلل 4. وهو مرتب على الأبواب، وغالب الظن أنه فقد في جملة ما فقد في كائنة تيمور في دمشق سنة (803 هـ).123
10 -
إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لإبن الملقن (723 هـ -804 هـ):
وهو الشيخ عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص، النحوي، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال (1). قال السخاوي: قال -يعني الحافظ ابن حجر-: ومن تصانيفه مما لم أقف عليه: إكمال تهذيب الكمال، ذكر فيه تراجم رجال كتب ستة، هي: أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم (2). قلت: قد رأيت منه مجلداً وأمره فيه سهل (3). ولابن الملقن أيضاً:
11 -
مختصر المسند
(4). 12 -
غاية المقصد في زوائد المسند، للهيثمي (735 هـ - 807 هـ):
هو الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين،
المصري، القاهري.
جرّد في هذا الكتاب زوائد المسند الحنبلي على الكتب الستة الأصول (الصحيحين والسنن الأربعة).
فأورد تلك الزوائد بأسانيدها مرتبة على الموضوعات.
ويقع الكتاب في مجلدين (5).
وللحافظ الهيثمي أيضاً:
13 -
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
وهذا الكتاب يحتوي -كما يوحي عنوانه- على زوائد المسانيد الثلاثة: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزار.
إضافة إلى زوائد معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير.12345
فالكتاب يتضمن زوائد هذه الكتب الستة على الأصول الستة (الصحيحين والسنن الأربعة)، جمعها، وحذف أسانيدها، ورتبها على موضوعات صحيح البخاري، وعلق عليها بما يفيد الحكم على أسانيدها.
وقبل أن يضع الحافظ الهيثمي هذا المجمع عمد أولاً إلى تخريج أصوله، وذلك أنه:
أولاً: خرّج زوائد المسند الحنبلي، وهو كتاب "غاية المقصد" السابق.
ثانياً: خرّج زوائد البزار والموصلي والطبراني في معجمه الكبير (1).
ثالثاً: خرّج زوائد المعجمين: الأوسط، والصغير، في كتاب مستقل سماه "مجمع البحرين في زوائد المعجمين".
ثم ألّف بين هذه الأصول في كتاب واحد سماه "مجمع الزوائد".
قال الحافظ السخاوي:
"وتخرّج -أي الحافظ الهيثمي- به -أي الحافظ العراقي- في الحديث، بل درّيه في إفراد زوائد كتب، كالمعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد لأحمد والبزار وأبي يعلى، على الكتب الستة، وابتدأ أولاً بزوائد أحمد، فجاء في مجلدين، وكل واحد من الخمسة الباقية في تصنيف مستقل، إلا الطبراني الأوسط والصغير فهما في تصنيفين، ثم جمع الجميع في كتاب محذوف الأسانيد سماه "مجمع الزوائد" (2).
ويضاف إلى ما سبق:
14 -
جزء للحافظ الهيثمي:
استدرك فيه على الحسيني مما فاته من رجال أحمد، لقطه من "المسند" حين كان يقوم بتخريج زوائده على الكتب الستة 3.12
15 -
ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم، للمقدسي (ت 820 هـ):
وهو أبو بكر محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي الحنبلي (1).
16 -
ذيل الكاشف، لإبن العراقي (762 هـ - 826 هـ):
وهو الحافظ أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني، ثم المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن الحافظ العراقي، قاضي الديار المصرية.
وهذا الكتاب أكمل فيه "الكاشف" للحافظ الذهبي وأضاف إليه زوائد رجال "المسند" من كتاب "الإكمال" للحسيني.
قال الحافظ ابن حجر: ثم وقفت على تصنيف للإمام أبي زرعة ابن شيخنا حافظ العصر أبي الفضل ابن الحسين الراقي، سماه "ذيل الكاشف" تتبع الأسماء التي في "تهذيب الكمال" ممن أهمله "الكاشف" وضم إليه من ذكره الحسيني من رجال أحمد، ويعض من استدركه الهيثمي، وصيّر ذلك كتاباً واحداً، واختصر التراجم فيه على طريقة الذهبي، فاختبرته فوجدته قلّد الحسيني والهيثمي في أوهامهما، وأضاف إلى أوهامهما مِنْ قبَله أوهاماً أخرى (2). اهـ.
17 -
المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن الجزري (751 هـ - 833 هـ):
هو الشيخ العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي، الشهير بابن الجزري، شيخ الإقراء في زمانه، ومن حفاظ الحديث.
وقد طبع الكتاب مع "خصائص المسند" في تصدير الشيخ شاكر لتحقيق "المسند".
ولابن الجزري على المسند أيضاً:
18 -
المقصد الأحمد في رجال أحمد.
19 -
المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد
3.12
20 -
ترتيب المسند المسمى "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري"، لإبن زكنون (758 هـ - 837 هـ):
هو الشيخ الصالح العالم، أبو الحسن علي بن حسين بن عروة الدمشقي، الحنبلي، المعروف بابن زكنون (1).
قال الحافظ السخاوي في هذا الكتاب: رتب المسند على أبواب البخاري وسماه "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" وشرحه في مئة وعشرين مجلداً.
طريقته فيه: أنه إذا جاء لحديث الإفك مثلاً يأخذ نسخة من شرحه للقاضي عياض، ويضعها بتمامها، وإذا مرت به مسألة فيها تصنيف مفرد لإبن القيم أو شيخه ابن تيمية أو غيرهما وضعه بتمامه، ويستوفي ذاك الباب من "المغني" لإبن قدامة ونحوه (2).
وقال ابن بدران: وقد رأيت من هذا الكتاب أربعة وأربعين مجلداً (3)، فرأيت مجلداته تارة مفتتحة بتفسير القرآن، فإذا جاءت آية فيها، أو إشارة إلى مؤلف، وضعه بتمامه، وتارة مفتتحاً بترتيب المسند، فيكون على نمط ما ذكره السخاوي، حتى إن فيه شرح البخاري لإبن رجب (4) الذي وصل فيه إلى باب صلاة العيدين، وغالب مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية نسخت من هذا الكتاب وطبعت (5).
21 -
زوائد المسانيد المسمى بـ: "إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة" للبوصيري (762 هـ - 840 هـ):
هو الشيخ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، أبو العباس، الكتاني، البوصيري القاهري الشافعي 6.12345
ألف زوائد عشرة مسانيد على الكتب الستة، واختصره، ومن جملة تلك المسانيد مسند أحمد.
قال السخاوي وهو يتكلم عن مؤلفات البوصيري: ومما جمعه... زوائد مسانيد الطيالسي، وأحمد، ومسدد، والحميدي، والعدني، والبزار، وابن منيع، وابن أبي شيبة، وعبدِ، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى مع الموجود من مسند ابن راهويه، على الستة أيضاً، أحدهما يذكر أسانيدهم والآخر بدونها مع الكلام عليها (1).
22 -
القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، للحافظ ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 هـ):
وهو كتاب رد فيه على شيخه أبي الفضل العراقي في دعوى الوضع في (تسعة) أحاديث وردت في المسند الحنبلي، ثم استكمل البحث بالرد على ابن الجوزي في دعواه الوضع في (خمسة عشر) حديثاً من "المسند" أوردها في كتابه "الموضوعات" (2).
وقد طبع هذا الكتاب بدائرة المعارف بحيدر آباد سنة (1319 هـ). وفي غيرها.
وللحافظ ابن حجر أيضاً:
23 -
إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي:
وهو عبارة عن موسوعة إسنادية جمعت مصدراً واحداً من مصادر السنة المشرفّة، وهو"المسند الحنبلي" على طريقة فن الأطراف 3. رتب فيه المؤلف أسماء الصحابة على حروف المعجم، ثم من عُرف بالكنية كذلك،12
ثم المبهمات، ثم النساء.
ورتب الرواة عن الصحابي إذا كان مكثراً على حروف المعجم، فإن كان بعض الرواة مكثراً على ذلك الصحابي رتب الرواة عنه أيضاً على الحروف، وربما رتب أحاديثه على الألفاظ (1).
وقد احتوى الكتاب على (12787) حديثاً، وطبع في تسعة مجلدات مع مجلد مخصص للفهارس، بتحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، نشرته دار ابن كثير ودار الكلم الطيب بدمشق.
وله أيضاً:
24 -
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة:
قال في مقدمته: فلما رأيت كتاب الحسيني أحببت أن ألتقط منه ما زاد لينتفع به من أراد معرفة حال ذلك الشخص، فلذلك اقتصرت على رجال الأربعة (2). طبع الكتاب بحيدر آباد الدكن سنة (1324 هـ). وله أيضاً:
25 -
التعريف الأجود بأوهام من جمع رجال السند:
خصصه في نقد الأوهام التي وقع فيها كل من ألف في رجال المسند: ذكره الحافظ عبد الله زين الدين بن خليل الدمشقي (1170 هـ) في كتابه "جمان الدرر في مؤلفات ابن حجر" (3).
26 -
الذيل الممهد على القول المسدد، للسيوطي (ت 911 هـ):
وهو تكملة لكتاب "القول المسدد" أضاف فيه السيوطي (أربعة عشر) حديثاً مما استدركه على الحافظ ابن حجر في تتبعه لأحاديث "المسند" التي أوردها ابن الجوزي في "الموضوعات" 4. وللحافظ جلال الدين السيوطي أيضاً:123
27 -
عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد:
وهو يختص بإعراب أحاديث المسند.
قال في مقدمته:
"وقد استخرت الله تعالى في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعبٍ جامعٍ، وغيث على رياض كتب المسانيد والجوامع جامع، شامل للفوائد البدائع شافٍ، كافل بالنقول والنصوص كاف، أنظم فيه كل فريدة، وأسفر فيه النقاب عن وجه كل خَريدة، وأجعله على "مسند أحمد" مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتّبه على حروف المعجم في مسانيد الصحابة، وأنشئ له من بحار كتب العربية كتابة.
واعلم أن لي على كل كتاب من الكتب المشهورة في الحديث تعليقة، وهي:
"الموطأ" و"مسند الشافعي" و"مسند الإمام أبي حنيفة" والكتب الستة.
ولم يبق إلا "مسند أحمد" ولم يمنعني من الكتابة عليه إلا كبر حجمه جداً، وعدم تداوله بين الطلبة كتداول الكتب المذكورة، وقدّرت التعليقة عليه تجيء في عدة مجلدات، والتعاليق التي كتبتها لا تزيد التعليقة منها على مجلد.
فلما شرح الله صدري لتصنيف هذا الكتاب عوّقته (1) بمسند أحمد عوضاً مما كنت أرويه (2) عليه من التعليقة، ولكونه جامعاً لغالب الحديث المتكلم على إعرابه، فإن شئت فسمه "عقود الزبرجد على مسند أحمد"، وان شئت فقل: "عقود الزبرجد في إعراب الحديث" ولا تتقيد" (3).
28 -
الدر المنضد من مسند أحمد (4)، للشماع (ت 936 هـ):
وهو الشيخ عمر بن أحمد الحلبي الشافعي، المعروف بالشماع.
وهذا الكتاب عبارة عن مختصر للمسند الحنبلي.
29 -
شرح المسند، للشيخ أبي الحسن السندي (ت 1139 هـ):
وهو نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي، محدث المدينة المنورة.
قال ابن بدران في هذا الشرح: وهو شرح مختصر مفيد، كما أخبرني من اطلع عليه1234
في خزائن الكتب بالمدينة، وهو في نحو خمسين كراسة كبار، حذا فيه حذو حواشيه على الكتب الستة (1).
وقال العلامة الشبيخ عبد الحي الكتاني المراكشي: له حاشية على مسند الإمام أحمد، عندي منها الربع الأول، لا يستغني عنها مطالعه أو قارئه (2).
وقد تضمنت هذه الحاشية -أو الشرح- تعليقات لطيفة اقتصر فيها على ذكر ما يحتاج إليه القارئ والمدرس من ضبط اللفظ وإيضاح الغريب والإعراب.
وتعتبر من جملة الكتب التي اعتمد عليها في التعليقات المثبتة في التحقيق الأخير للمسند الصادر عن مؤسسة الرسالة.
30 -
نفثات الصدر المُكْمَد وقرّة عين السعد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني (1114 هـ - 1189 هـ):
وهو العلامة المتفنن محمد بن أحمد بن سالم، السفاريني (3). طبع هذا الكتاب في دمشق سنة (1385 هـ) بعناية الأستاذ الفاضل الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.
31 -
ذيل القول المسدد، لمحمد صبغة الله المدراسي:
وهو تعليق على "القول المسدد" كتبه مؤلفه سنة (1281 هـ) وطبع بحيدر آباد الدكن سنة (1319 هـ) مع الطبعة الأولى لـ: "القول المسدد".
32 -
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي (ت 1378 هـ):
وهو الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي.
ويتمثل عمله في:
- حذف الأسانيد إلا نادراً لحاجة البيان لحال بعض الرواة.
- جمع المكرر في موضع واحد، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات والتمييز بينها.
- تقسيم الكتاب إلى سبعة أقسام: التوحيد وأصول الدين - الفقه - التفسير - الترغيب - الترهيب - التاريخ - أحوال الآخرة وما يتقدم ذلك من الفتن.123
وتحت كل قسم من هذه الأقسام السبعة تندرج جملة من الكتب، كل كتاب يحتوي على جملة من الأبواب.
- وضع الأحاديث الطوال في أول الباب الذي يليق بها.
- تجزئة الحديث الواحد على عدة أبواب إذا كان يتضمن عدة أحكام.
والكتاب مطبوع في أربعة وعشرين جزءًا.
وتوفي الشيخ الساعاتي -رَحِمَهُ اللهُ- سنة (1378 هـ) عند بلوغه منتصف الجزء المذكور (1)، فقام شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري -رَحِمَهُ اللهُ-، بإخراج بقية الجزء الثاني والعشرين، ثم توقف لانشغاله بأمور أخرى، فتكونت لجنة من أبناء الشيخ الساعاتي، وهم: عبد الرحمن ومحمد وجمال، لإتمام الجزأين الأخيرين.
وله أيضًا:
33 -
بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني:
ألف هذا الكتاب تتمة للسابق، وذلك أنه:
- ذكر الأسانيد التي وإن قد حذفها في "الفتح".
- حل الألفاظ الغريبة بضبط لفظها وشرح معناها.
- بيّن حال الحديث مع ذكر من أخرجه من الأئمة أصحاب الأصول، وغيرهم، معتمدًا في الرموز على مصطلحات السيوطي في "الجامع الكبير".
- بيّن فقه الحديث، وذكر من ذهب إليه من الأئمة، مع إضافة شواهد وفوائد.
- نبّه إلى الأحاديث التي أوردها مقطعة في الأصل، دفعًا لتوهم أن متن الحديث كامل، مع إيراد المتن بكامله عند الحاجة.
- نبّه على الأحاديث التي ادُّعي فيها الوضع، وكتب بإزاء كل حديث منها رد الحافظ ابن حجر على دعوى الوضع.
34 -
تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر للمسند:
عمل الشيخ أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- في "المسند" عملًا علميًا يستحق كل شكر وتقدير أجزل الله له المثوية في العقبى.
وجاءت فكرة عمله في "المسند" في أوائل شبابه لما هُدي إلى حب السنة النبوية المطهرة،1
ومالت رغبته إلى الإشتغال بعلومها والتعمق في الفقه في فنونها، والتنقيب عن روائعها ونفائس كتبها.
فاطلع في جملة ما اطلع على"المسند" الذي كان من ضمن ما تحتوي عليه مكتبة أبيه، فوجده بحرًا لا ساحل له، ونورًا يستضاء به، لكن لا تنقاد شوارده، ولا تنال فوائده، ولا تلتقط درره المكنونة فيه إلا بعد تعب وعناء، لا يدركه إلا من حفظه واستَظهره على الغيب وهيهات..
قال:
فشُغفت به وشُغلت، ورأيت أن خير ما تخدم به علوم الحديث أن يوفق رجل لتقريب هذا المسند الأعظم للناس، حتى تعم فائدته، وحتى يكون للناس إمامًا، وتمنيت أن أكون ذلك الرجل 1.
وتتلخص فكرة عمل الشيخ شاكر في المسند بما يلي:
أولاً: وضع فهارس لفظية للكتاب، كفهارس الأعلام، والقبائل، والبلدان، وغير ذلك.
ثانيًا: وضع فهارس علمية للأبواب والمسائل والموضوعات التي تعرف بعناوين مشهورة في كتب الفقه والعقيدة والآداب والأخلاق والسير وغير ذلك.
ولا ريب أن تخريج مثل هذه الفهارس لكتاب مثل "المسند" يستغرق عمرًا طويلاً وجهدًا مضنيًا متواصلاً، وقد فتق الله سبحانه في ذهن الشيخ فكرة العمل بالأرقام، وذلك بأن يقوم بترقيم أحاديث "المسند" من أوله إلى آخره على ما هو عليه، بحيث يصبح كل حديث معروفًا برقم عددي خاص به يكون عَلمًا عليه ويسهل للباحث الرجوع إليه، وتبنى عليه الفهارس كلها مهما تنوعت وتعددت 2.
وقسم الفهارس اللفظية إلى خمسة أقسام:
الأول: فهوس الصحابة رواة الأحاديث مرتب على حروف العجم.
فإن أبهم الصحابي وضع اسم التابعي الراوي عنه على الترتيب نفسه.
الثاني: فهرس الجرح والتعديل.
وهو يتناول الرواة الذين تكلم فيهم الإمام أحمد أو
ابنه عبد الله في "المسند".
وهم قليل.
بالإضافة إلى الرواة الذين تكلم عليهم الشيخ شاكر في نقد الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها.
الثالث: فهرس الأعلام الواردة في متون الأحاديث.
الرابع: فهرس الأماكن الواردة في متون الأحاديث.
الخامس: فهرس لغريب الحديث.
وأما الفهارس العلمية فهي الأصل والمقصود من هذا العمل العظيم.
وقد خرّج الشيخ تلك الفهارس من فهارس كتب السنة وكتب الفقه والسير والأخلاق، وصاغ من مجموع ما تحصل عنده عناوين جديدة مقاربة للموضوعات الشرعية المختلفة، وفي ذلك يقول:
وقد قرأت من أجل هذا الفهرس كل فهارس كتب السنة، وكتب الفقه، وكتب السير، وكتب الأخلاق التي يُسِّر لي الحصول عليها، ثم ضممت كل شبْه إلى شبْهه، وكل شَكْل إلى شكله، وتخيرت في ترتييها أقرب الطرق إلى عقل المحدِّث والفقيه.
بعد أن قسمتها إلى كنب جاوزت الأريعين، فيها أكثر من ألف باب.
وكلما رأيت بابًا فيه شيء من العموم كثرت أرقام أحاديثه، اجتهدت في تقسيمه إلى معان فرعية، ليُحصر أقرب العاني إلكتابعضها في أرقام يسهل على القارئ الرجوع إليها 1.
وقد استفاد الشيخ من منهج الإمام البخاري وصنيعه في "صحيحه"؛ وذلك أن الإمام البخاري يكرر الحديث الواحد أو يُقطِّعه على عدة مواضع بحسب ما يرى فيه من علاقة بين ذلك الحديث وذلك الباب.
ولئن كان الإمام البخاري ينهج نهج التكرار والتقطيع انسجامًا مع زمانه، فإن الشيخ شاكرًا استفاد من الأرقام التي رقم بها الأحاديث بحيث أراحته من كل ذلك؛ من تقطيع الحديث ومن تكراره.
رَقْم الحديث يوضع في كل باب، وفي كل معنى يدل عليه، أو يصلح للإستشهاد به فيه، دون تكلف ولا مشقة 2.
وكان الشيخ في أول الأمر لا يرى نفسه أهلاً للقيام بنقد الأسانيد، وتمييز الأحاديث وييان درجاتها.
ولكنه بعدما واجهته صعوبة اشتباه بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، وألجأته إلى مراجعة دواوين الحديث وكتب الرجال، ويعد أن أشار عليه أحد أصدقائه الخُلَّص بأهمية هذا العمل وفائدته، بعد ذلك شرح الله صدره لهذا العمل، فأقدم عليه واستعان بالله.
فجاءت الأحاديث التي عمل فيها مبيَّنة الدرجة؛ فإن كان الحديث صحيحًا ذكره كذلك، وإن كان ضعيفًا بين سبب ضعفه، وإن كان في إسناده رجل مختلف في توثيقه وتضعيفه اجتهد فيه رأيه على ما وسعه علمه، وذكر مارآه 1.
ويعتبر فهرس الجرح والتعديل-وهو الفهرس الثاني من الفهارس اللفظية- كاشفًا بأسماء الرجال الذين تكلم عليهم وهاديًا إلى الموضع الذي يوجد فيه ذلك الكلام، لأن عادته أن لا يتكلم على الرجل الواحد إلا مرة واحدة.
وفي النتائج التي توصل إليها من عمله القيم الجليل قال:
وإني أرجو أن تكون دعوة الذهبي أُجيبت بما صنعت، وأسال الله سبحانه الهدى والسداد، والعصمة والتوفيق.
وما أبغي أن أتمدح بعملي أو أفخر به، ولكني أستطيع أن أقول: إن في بعض ما حققت من الأسانيد قد حللت مشاهل، وبينتُ دقائق، وصححت أخطاء، فاتت على كثير من أئمة الحديث السابقين، لا تقصيرًا منهم، ولا اجتهادًا مني، ولكن هذا الديوان السامي-كما سماه الحافظ الذهبي- وإن مفتاحًا لما أُغلق، ومنارًا يهتدى به في الظلمات، وكان للناس إمامًا، حين وُفق رجل لخدمته، وحين حققت أحاديثه تحقيقًا مفصلاً 2.
ويُعتبر عمل الشيخ أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللهُ- مقربًا للمسند وميسرًا للإستفادة منه لولا أن المنية عاجلته (ت 1377 هـ) قبل تحقيق الأمنية وإتمام المسند، فلم يخرج منه إلا ما يقارب ربع الكناب، كما أنه لم يكمل عمله في سنن الترمذي أيضًا.
35 - الموسوعة الحديثية الكبرى: إن آخر الأعمال العلمية المنجزة حول "المسند" هو التحقيق الذي قامت به "مؤسسة الرسالة" العامرة؛ ضمن
"الموسوعة الحديثية الكبرى".
وهو مشروع قد اعتزمت هذه المؤسسة الميمونة بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصداره، مبتدئة بـ: "مسند الإمام أحمد"، وتالية ببقية الدواوين الأخرى، كالصحيحين والسنن الأريعة، وغيرها من كتب السنة المسندة مما دونه المحدثون الثقات خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى؛ ما طبع منها وما لم يطبع، متبعة في ذلك أمثل مناهج التحقيق الذي يعتمد على الأصول الخطية المتقنة الموثقة، وضبط النص وترقيمه، وسلامته من التحريف والتصحيف، ووضع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب الطرق.
وقد نشأت هذه الفكرة لدى موسسة الرسالة خطوة جديدة على الطريق الأصيل، والمنهج الإسلامي الواضح الذي سلكته في العناية بالتحقيق والطباعة والنشر للكتب النافعة والهادفة إلى إصلاح الأمة، وبما أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأنه إنما صلح أول هذه الأمة بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدس والوضع، فقد رأت أن الطريق إلى صلاح آخر هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجاد وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيد عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثل في إخراج أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضمن إطار موسوعة حديثية كبرى تنتظم كتب السنة.
ويعتبر "المسند" أول كتاب في طريق تحقيق هذا المشروع الجليل، وباكورة السعد في إنجاز هذه الموسوعة المنشودة.
وقد عهدت مؤسسة الرسالة في القيام بمثل هذا العمل ذي الأهمية والخطورة من حيث إنه يتطلب كفاية واقتدارًا وصرفة بالصناعة الحديثية وطول مراسها، عهدت بذلك إلى ثلة من الأساتذة الذين لهم باع في هذا الشأن.
ولم يكن "المسند" ليحتل الصدارة في السعي في إنجاز هذه الموسوعة اعتباطًا، ولا وقع عليه الإختيار بضربة لازب، بل إن لتقديمه على غيره ما يبرره من الأسباب، ذلك أنه ما
من حديث -غالبًا- إلا وله أصل في هذا "السند" فعليه مدار السُّنة، وهو يكاد يستوعبها، ويالتالي فالقيام بتحقيقه سيوفر كثيرًا من الجهود في القيام بتحقيق كتب السنة الأخرى.
أضف إلى ذلك أن الهيكل الذي يتم وفقه صنع هذه المعلمة الحديثية الكبرى يقوم على جمع حديث كل صحابي على حدة على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقق الإستقراء التام، وهذا ما يساعد عليه المسند الحنبلي غاية المساعدة.
وتتمثل الجهود التي صُبَّت في هذا العمل الجليل في ثمانية أمور:
- توثيق النص بالمقابلة بين النسخ الخطية والمقارنة مع المطبوعة.
- ضبط النص ضبطا قريبًا من التمام.
-التنبيه على الملاحظات المتعلقة بالسقط والتحريف والتصحيف في المطبوع. - تخريج أحاديث الكتاب من "الصحاح" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم"، وغيرها من المظان بقدر ما تيسر، مع محاولة الإستيعاب والتقصي، مع الإحالة على مواضع تكرر الحديث بلفظه أو بمعناه في المسند نفسه.
- الحكم على أسانيد الأحاديث.
- التعليق على بعض المواضع بما يستدعيه المقام من تفسير لفظ غريب، أو توضيح معنى مستغلق.
- ترقيم الأحاديث مع ترميز المكررات، وزيادات عبد الله ابن الإمام، ووجاداته، وما رواه عن أبيه وعن شيخ أبيه أو غيره.
- صناعة فهارس لشيوخ أحمد وابنه عبد الله، والصحابة، والرواة، والأحاديث.
نسأل الله أن يجزل المثوبة لكل من أسهم في هذا المشروع العلمي الكبير، إنه سميع قريب مجيب.
دعوى كون الإمام أحمد محدثًا غير فقيهٍ والرَّد عليها:
لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهمل مذهبه كثير ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي، والدَّبّوسي، والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي في منظومته ذات العقدين، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه "الدلائل"، والغزالي في "الوجيز"، وأبو البركات النسفي في "الوافي"، ولم يذكره ابن قتيبة في "المعارف"، وذكره المقدسي في "أحسن التقاسيم" في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داودَ الظاهريَّ في الفقهاء، كما لم يذكره ابن عبد البر في كتابه "الإنتقاء".
واعتبره كثير من المتقدمين، كالإمام الترمذي في جامعه 1.
ومن العلماء الذين ذكروه في كتب الإختلاف: الإمام أبو عبد الله المروزي في كتابه "اختلاف العلماء"، فهو يذكر الأئمة الأريعة، ومنهم أحمد، ويذكر غيرهم من أصحاب المذاهب والأقوال، وعنايته بقول أحمد ورأيه واستدلاله واضح لمن يتصفح كتابه، وكذلك ذكره الشيرازي في "طبقات الفقهاء".
ودعوى أن أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- محدث وليس فقيها أثارت كلامًا حول فقه الإمام أحمد ومذهبه، مما جعل بعض العلماء يضعه دون الإمامة في الفقه، ولا يذكر مذهبه ورأيه ضمن مذاهب الفقهاء.
وكثيرًا ما يطالع الإنسان الكتب التي تعتني بذكر الخلاف، ومذاهب الأئمة، فلا يرى ذكرًا للإمام أحمد أو الحنابلة.
وقد نقل عن القاضي عياض أنه قال في "المدارك" عن الإمام أحمد: إنه دون الإمامة في الفقه وجودة النظر في مأخذه 2.
هذه خلاصة هذه الدعوى، فما دوافعها وأسبابها؟
والجواب عن ذلك يتلخص في النقط التالية 1:
ا- المعروف أن الإمام أحمد اتجه أول حياته لدراسة الفقه، وتتلمذ على الإمام أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة -رَحِمَهُ اللهُ-، ثم انصرف عن هذه الدراسة ولم تعجبه، لأنها تتعلق تعلقًا قويًا بالرأي.
وبعد إنقطاعه عنها اتجه إلى الحديث والمحدثين، والتقى بهُشيم بن بشير الواسطي، ثم تابع لقاءاته بالمحدثين، بل إن الروايات تنقل: أنه لم يلتفت إلى المسائل التي حفظها من الإمام أبي يوسف أولاً، بل ركز جهده على الحديث، وقضى جل حياته في جمعه، ومتابعته، والإعتماد عليه، والبعد عن الرأي، وتتبع الأثر ما وجده.
2 - هذه النزعة والإرتباط بالحديث والمحدثين أضفى عليه -رَحِمَهُ اللهُ- صفة المحدث أكثر من أي صفة أخرى، وذمه للرأي والتأويل ومن يعتمد على أقوال الرجال وتفريعاتهم مع إمكانه أخذ الحق من مصدره الأساسي أبعده - في زعم من قال بأنه ليس فقيهًا- عن الفقه والرأي.
فقد ذكر القاضي عياض -رَحِمَهُ اللهُ- في الفصل الذي عقده لترجيح مذهب مالك على غيره، ووجوب تقليد المذاهب التي نشأت في العالم الإسلامي واتباعها، وتكلم عن أصحابها، وبين ميزة كل منها، وقال عن أحمد وداود: كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث، ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه، لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه، ولا جودة النظر في مأخذه، ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما، وميلهما مع المفهوم من الحديث.
3 - ثبت عنه في أكثر من موضع أنه كان ينهى أصحابه عن أن يكتبوا عنه شيئًا وخاصة في مسائله وفتاواه، وهذا وارد في أكثر من موضع في ترجمته، وفيما كتب عنه.
بل قد صرح في بعض المناسبات أنه لما سمع أحد أصحابه يحدث عنه بالمسائل التي أفتى فيها وينشرها في خراسان، جمع عددًا من أصحابه، وقال: أشهدكم أني رجعت عنها، وكان يكره أن يُتخذ كلامه دينًا وشرعًا 2.
4 - وثبت أيضًا أنه لم يصنف أو يدون شيئًا كبيرًا في الأصول، ولا في الفقه، مع أنه في عصر ازدهر فيه التأليف، ودونت فيه العلوم، وأسست فيه المذاهب، وجل ما ألف في مذهبه، إنما هو من عمل أصحابه الذين جاؤوا من بعده.
فهذه الأمور، وما ماثلها قد تكون هي التي دعت الطبري -رَحِمَهُ اللهُ- وغيره إلى اعتبار أحمد محدثًا وليس فقيهًا.
ونحن هنا نورد من الأدلة الواقعية ما يثبت أنه من أعظم الفقهاء، ومن أقواهم في الإستنباط والإجتهاد، وأن مذهبه ليس بعيدًا عن الإجتهاد، خلافاً لما ظن ابن خلدون -رَحِمَهُ اللهُ- 1.
وقلة أتباع المذهب ليس مقياسًا في كون المذهب قريبًا من الإجتهاد أو بعيدًا عنه.
فانتشار المذاهب وكثرة أتباعها لهما أسباب وظروف ودواعٍ كثيرةٌ غير ذلك.
وفيما يلي بيان أن النقط السابقة ليست داعية إلى اعتبار اللإمام أحمد محدثًا وليس فقيهًا، كما توهم بعضهم، وفيه أدلة واقعية وتاريخية على إثبات فقه اللإمام أحمد وحسن استنباطه:
1 - لا يُماري أحد في تفوق اللإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن ذلك لم يكن سببًا في كونه غير فقيه، فإن الحديث هو أصل الفقه.
وتوفر النصوص وأقوال السلف لدى اللإمام أحمد أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، وتطرق الخطأ إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، وكم من سلف الأمة وعلمائها منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جعل الحديث أصل فتواه، ومع ذلك يُعد من أعظم الفقهاء، واللإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ- ممن اعتمد على النصوص واللآثار واهتم بها، وبنى فقهه عليها.
والأمة كلها متفقة على أن خير مناهج القرون في الإستنباط هو منهاج صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم بإحسان، وهو من الأسس التي بنى أحمد عليها مذهبه.
والرجوع إلى أصل الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، والإعتصام بذلك آمن مزلة من
الإنسياق في الرأي، والتفريع بموجبه بناء على قواعد.
وإن كانت قعدت على أساس من النصوص، إلا أنه قد تفوت من قعّدوها نصوصٌ أخرى، لو اطلعوا عليها ما قالوا بمقتض القواعد.
والخلاصة: أن أحمد إمام في الحديث، وقد اتفق على هذا، ولكن إمامته فيه لا تنفي عنه صفة الفقه، بل فقهه فقه أثر وسنة.
وهذه النزعة مما امتاز بها مذهبه، ووضحت في أصوله.
2 - ذمه للرأي، ولتقليد الرجال، محمول على معارضة النصوص بذلك، كما يتضح عند الكلام على رأيه في القياس، ورأيه في الإجتهاد، وتقديمه النصوص على ذلك كله، وذلك لا يخصه وحده، بل أئمة المذاهب المعتبرة كلهم ينهون عن تقليدهم، ويوجبون عند ظهور الحجة من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب بقولهم عرض الحائط.
3 - نهيه أصحابَه عن أن يكتبوا عنه مسائله وفتاواه ثابتٌ عنه، ولكن الهدف منه أن لا يشغلهم ويصرفَهم عن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
لأنه رأى بعض الناس صرفتهم خلافات المذاهب، وتقليد الناس عن تعرف الحق من مصدره، وعن النظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يرى أن مرتبة الرأي تأتي بعد ذلك كله، وعند الضرورة، ومع ذلك فقد ثبت عنه آخر حياته أنه أجاز لأصحابه أن يكتبوا عنه، بعد أن خبر أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثق مما يقول، ويعد محاولات أيضًا من أصحابه.
من ذلك ما حدث من عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، وهو من أجلِّ أصحاب الإمام أحمد، ومن أكثرهم ملازمة له، وسؤالاً، ونقلاً لمسائله، قال عن نفسه فيما ذكره أبو بكر الخلال: "صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة خمس ومئتين إلى سنة سبع وعشرين" 1.
وقال أيضًا: "سألت أبا عبد الله عن مسائل فكتبتها، فقال: أيَّ شيء تكتب يا أبا
الحسن؟ فلولا الحياءُ منك، ما تركتك تكتبها، وإنه عليَّ لشديد، والحديث أحبُّ إليَّ منها، قلت: إنما تطيب نفسي في الحمل عنك، إنك تعلم أنه منذ مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد لزم أصحابَه قوم، ثم لم يزل يكون للرجل أصحاب يلزمونه، ويكتبون، قال: من كتب؟ قلت: أبو هريرة، قال: وكان عبد الله بن عمرو يكتب، ولم أكتب، فحفظ وضيعت، فقال لي: فهذا الحديث، فقلت له: فما المسائل إلا الحديث، ومن الحديث تشتق" 1.
فهذا يدل على أنه أخيرًا لم يُشدد في الكتابة عنه، وقد قال الخلال: "إن عند الميموني من مسائل أبي عبد الله نحو ستةَ عشر جزءًا" 2 وغيره من الأصحاب كتب عن أحمد، حتى لقد روي أنه كان يأمر من يكتب عنه أن يقرأ عليه ليصحح له إن كان فيه خطأ.
ومن ذلك أن إسحاق بن منصور الكوسج،-وهو أحد الأصحاب الذين نقلوا عن أحمد- لما سمع أن أحمد رجع عن بعض المسائل التي كتبها عنه، جاء بها إليه، وقرأها عليه.
قال حسان بن محمد: "سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمدَ ابنَ حنبل رجع عن تلك المسائل التي علقها عنه، قال: فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا وأعجب بذلك أحمد من شأنه" 3.
والأمثلة والحوادث في ذلك كثيرة من أصحابه -رَحِمَهُ اللهُ-، مذكورة في تراجمهم، وما كتب عنهم.
4 - كونه لم يصنف في الفقه ولا في الأصول، ليس سببًا أيضًا في كونه غير فقيه، فقد كان يكره التصنيف في ذلك، وليس كل أصحاب المذاهب الفقهية مصنفين، والمذهب
يتأسس بطريقة صاحبه في الفتاوي والإستنباط، وقد تقدمت الإشارة إلى أن بعض أصحابه دوّنوا عنه "المسائل"، في حياته، ومنهم من استقصاها بعد مماته، وكانوا يتناقلونها بالسند المتسلسل، ويطبقون فيها ما يطبقونه في الحديث، من اشتراط العدالة والثقة والضبط والحفظ، حتى تصل إلى أحمد، وكون الإمام لم يصنف في الفقه والأصول لا يُؤثر على منزلته الفقهية، ما دامت رواياته وأقواله محفوظة متداولة بين الناس، ولم يتوجه الإنكار إليها ولا الشك فيها من أحد.
قال الشيخ أبو زهرة: "ومهما يُثر من الغبار حول المرويات الفقهيات عن أحمد، فإن الأجيال قد توارثت تلك المجموعة الفقهية المنسوبة إليه، وتدارسها الناس، وتكون من مجموعها الفقه الحنبلي، وضبطت بقواعد جامعة، وتكون منها منطق فقهي على حد تعبير بعض أصحاب أحمد" 1.
الفصل الثاني
في أدوار المذهب ومواطن انتشاره
الدور الأول: النشأة والتأسيس
(164 هـ - 300 هـ)
الدور الثاني: النقل والنمو (300 هـ - 403 هـ)
الدور الثالث: الإنتشار - الإزدهار - الإستقرار (403 هـ - العصر الحاضر)
الدور الأول
النشأة والتأسيس
وفيه
تمهيد
، ومبحثان:
- المبحث الأول: وصف عام لأصحاب الإمام أحمد.
- المبحث الثاني: التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد.
تَمْهِيدْ
رسمنا الدور الأول من أدوار تاريخ المذهب الحنبلي، بالدور النشأة والتأسيس" للعلم بأن هذا المذهب قد نشأ وتأسس بصورة تدريجية على مدى هذا الدور.
ويتحدد الإطار الزمني لهذا الدور بحياة الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- وحياة أصحابه وتلامذته، إذ إن التأسيس قام على جهود الإمام في التأصيل والتكوين، وجهود أصحابه في الحفظ والتسجيل، وذلك من أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث.
وأما الإطار المكاني لهذا الدور فهو عاصمة الخلافة الإسلامية، أو مدينة السلام والعلم والعلماء: بغداد، وهذا في الفترة التي كان الإمام أحمد يجلس فيها للفتوى والتعليم، ويرحل الناس إليه، ويسمعون منهء.
لكن بعض أصحابه تفرقوا من بعده في الأمصار، ورجعوا إلى بلدانهم التي كانوا قد جاءوا منها، فتوسع بذلك الإطار المكاني حتى طال أصبهان، ومرو، والجزيرة، والشام، وغيرها، حتى إن الخلاَّل (311 هـ) لما جمع علم أحمد بن حنبل تعب كثيرًا في الرحلة إلى بقية هؤلاء الأصحاب المنتشرين في مناطق متعددة.
وينبغي أن ندخل إلى هذا الدور بتحديد مميزاته العامة، من أجل رسم الإطار
الإجتماعي والثقافي والسياسي، الذي سُجلت فيه أعمال التأسيس، وجهود النشأة الأولى.
ولكننا اكتفينا بما وضعناه بين يدي القارئ الكريم في المدخل إلى دراسة سيرة الإمام أحمد، ففيه الكفاية فيما نظن.
ثم إن منهج الدراسة يتطلب أن نستعرض حياة الإمام أحمد وجهوده المباركلة أولاً، ونُثني بحياة أصحابه وجهودهم، إلا أننا لما فصلنا سيرة الإمام بفصل مستقل؛ نظرًا لأهميتها، وإن علينا أن نقتصر على دراسة حياة أصحابه من خلال:
1 - الوصف العام لأصحاب الإمام أحمد وتصنيفهم.
2 - التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه، وييان جهودهم في تأسيس المذهب.
وتناولنا ذلك في مطلبين:
الأول: وفيه تصنيف رواة المسائل إلى مكثرين ومقلّين، ثم جرد أسمائهم مع تمييز المقل عن المكثر.
الثاني: التعريف بأشهر رواة المسائل، وقد اقتصرنا على ما يخدم البحث من جوانب تراجمهم، مع التركيز على الجهود التي بذلها كل واحد منهم في بناء المذهب الحنبلي، سواء برواية المسائل عن أحمد، أو بالتأليف، أو بالتعليم، أو غير ذلك.
والله الموفق وهو يهدي السبيل.
المبحث الأول
وصف عام لأصحاب الإمام أحمد
كلمة "الأصحاب" في السير والتراجم لها معنيان:
الأول: أنها تعني الصحبة الحقيقية في اللغة، وهي الملازمة، سواء قلَّت أم كثرت.
ويهذا الإعتبار يكتسب كل مسلم حصل له شيء من ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرفَ بأن يلقب "صحابيًا" مع ما لذلك من الفضل والمزايا.
ولكن العرف خصص دلالة الصحبة في غير صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن كثرت ملازمته 1.
الثاني: أنها تعني الصحبة المباشرة وغير المباشرة، وهي الصحبة المعنوية التي تعني الملازمة للمصحوب بالعناية والهمة.
فأصحاب الإمام أحمد بالمعنى الأول، هم تلامذته الذين رووا عنه العلم على مراتبهم وأصنافهم.
وهم المعنيون ببحثنا هذا؛ في نطاق الدور الأول من أدوار المذهب، والذي مثله الإمام وأصحابه الذين تلقوا عنه الفقه.
وأما أصحابه بالمعنى الثاني، فهم الفقهاء المجتهدون في سلك هذا المذهب، سواء أكانوا من أصحاب التخريج أم من أصحاب الترجيح أم ممن لهم اختيارات تفردوا بالذهاب إليها، ولو خرجوا عن المذهب في ذلك، وهم موزعون على عدة طبقات موزعة على العصور.
والذين ترجموا في الطبقات ليسوا كلهم من هذا القبيل، بل قد اعتاد المتأخرون من مقلدة المذاهب أن يذكروا في الطبقات المذهبية كل من له عناية وعمل في المذهب، ولو لم يسلك في عمله أي مسلك اجتهادي.
وسنصنف تلاميذ الإمام أحمد ثلاثة أصناف:
الأول: الذين رووا عنه الحديث فقط.
الثاني: الذين رووا عنه الفقه إلى جانب الحديث.
الثالث: الخواص من رواة الفقه الذين عليهم العمدة في نقل المذهب إلى دور التدوين.
• الصنف الأول من الرواة عن أحمد:
وهم الذين رووا عنه الحديث فقط، وربما سمعوا منه الفقه والمسائل، لكنهم لم يُعرفوا بحمله للناس، والعناية بتدوينه.
وهؤلاء عددهم كثير جدًا، قد أحصى منهم أصحاب التراجم عددًا لا بأس به، ويقي الآخرون لا نعرف عنهم شيئًا.
قال الحسين بن إسماعيل: "سمعت أبى يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون والباقي يتعلمون منه حسن الأدب وحسن السَّمت" 1.
فقد حظي الإمام أحمد بشيوخ كُثر، كما حظي بتلاميذ كثُر، وليس ذلك إلا لما حباه الله -عَزَّ وَجَلَّ- وأولاه من العناية والرعاية، فكرمه بنفس زكية طيية، مسجاة بأخلاق عالية، وعقل حصيف راجح، فيه النباهة والنجابة والفهم، وذاكرة حافظة نادرة يقضى منها العجب.
ثم إن الله سبحانه قد بسط له القبول في الأرض، وكنب له المحبة في قلوب العباد 2.
• الصنف الثاني من الرواة عن أحمد:
وهم الذين رووا الفقه عنه إلى جانب الحديث، وعددهم أيضًا كثير، وقد حاول العليمي أن يحصيهم 3 في "المنهج الأحمد" فذكر (578) ترجمة، ثم قال:
"وقد انتهى ذكر أسماء أصحاب الإمام أحمد - رضي الله عنهم -، وهم الطبقة الأولى الذين عاصروه، وتفقهوا عليه، ورووا عنه، وعدتهم خمسمائة وثمانية وسبعون (578)
نفسًا، فمنهم جماعة كانوا على مذهبه في الأصول والفروع، وأخذوا عنه الفقه، ونقل عنهم إلى من بعدهم إلى أن وصل إلينا".
ثم قال: "فلنذكر أسماء من اشتهر من أعيانهم سردًا، ليتميزوا عن غيرهم ممن صحب الإمام أحمد، وروى عنه وقرأ عليه الحديث وغيره، فأقول، وبالله التوفيق: أصحاب الإمام أحمد من الفقهاء المشهورين، مئة وثلاثة وثلاثون نفسًا، كما تقدم التنبيه عليه في ترجمة الإمام، وهم:" وذكر أسماءهم 1.
ثم قال: "هؤلاء هم الحنبليون من أصحاب الإمام أحمد ممن ذُكرت تراجمهم في هذا الكتاب، فمنهم المقل عنه، ومنهم المكثر، وهم أيضًا متفاوتون في المنزلة عند الإمام أحمد والنقل عنه، والضبط والحفظ، وقد تقدم في تراجمهم ما يدل على ذلك" 2.
وقد ذكرهم المرداوي في آخر "الإنصاف" كما تقدم ذكره في بحث: الرواية عن أحمد 3.
• الصنف الثالث من الرواة عن أحمد:
وهم خواص المصنف السابق وخلاصتهم، فهم المكثرون، ورواة "المسائل"، وأولو الأيدي البيضاء في وضع اللبنات الأولى في بناء البيت الحنبلي، بما حفظوا لنا من مسائل أجاب عنها الإمام أحمد في الفقه أو الحديث، أو العقيدة أو الزهد، أو غير ذلك من علوم الدين التي لم تكن قد تمايزت آنذاك، بل قد حفظوا لنا المسائل التي توقف، فيها الإمام فلم يجب بشيء؛ لتكون كالشهادة المفصلة الدالة على تورعه رحمه الذ فيما ليس له به علم، كما حفظوا لنا المسائل التي قال فيها: لا أدري، وكذلك المسائل التي حلف عليها، وإن كانت هذه الأواخر من جمع المتأخرين.
وكان من هؤلاء جماعة ريما تفردوا بتوجيه مسائل الأئمة الآخرين من فقهاء الأمصار، ليعرفوا فيها رأي الإمام المبجل وجواب إمام السنة.
فقد كان حنبل بن إسحاق وأحمد بن الفرج يسألانه عن مسائل مالك وأهل المدينة.
وكان الميموني يسأله عن مسائل الأوزاعي وأصحابه.
وكان الشالنجي يسأله عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه.
وكان إسحاق بن منصور وغيره يسألونه عن مسائل سفيان الثوري وغيره 1.
ولا ريب أن جل صفات الإمام أحمد قد انعكست على أصحابه وتلامذته والملازمين له منهم على وجه الخصوص، شأن كل إمام وأصحابه، فقد كانوا أئمة في الزهد والورع والمحافظة على مذهب السلف والإقتداء بهم، والحرص الشديد على السنة في الإعتقاد والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد كانوا يحفظون فضل إمامهم، وورعه، حتى إنهم تركوا بعض الأشياء المباحة أحيانًا، لما يعلمون من أنها لا تليق بمقام إمامهم.
فقد أسند ابن الجوزي إلى الأثرم، أنه قال: "ريما يترك أصحاب أحمد ابن حنبل أشياء ليس لها تبعة عند الله، مخافة أن يُعبَّروا بأحمد بن حنبل" 2.
وقال ابن عقيل (513 هـ) فيهم كلمة جامعة أحسن فيها وأجاد، قمينة بأن تسجل في خاتمة هذا المبحث:
قال ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة":
قرأت بخط الحافظ أبي محمد البرزالي، قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسي، قال: كتب بعضهم إلى أبي الوفاء ابن عقيل يقول: صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف.
فكتب إليه يقول:
"هم قوم خُشُن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقل عندهم الهزل، وعقلت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجًا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها، ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة؛ لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار.
والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة مُحِقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق، والسلام" 3.
المبحث الثاني
في التعريف بأصحابه الذين سمعوا منه ورووا فقهه
تصنيف رواة المسائل عن الإمام أحمد
:
ذكرنا في الفصل السابق أن أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه الفقه بمعناه الواسع، أي "فقه الدين" ينقسمون إلى قسمين: مكثرين ومقلين.
وعدد الجميع حسب إحصاء المرداوي (131) نفسًا، والمكثرون منهم (33) نفسًا.
ونذكر هنا أسماءهم مجردة مرتبة على حروف المعجم، مع وضع حرف "م" قبل اسم المكثرين الذين سنفرد لبعضهم تراجم موجزة في المبحث اللاحق إن شاء الله.
1 - إبراهيم بن اسحاق النَّيسابوري
2 - (م) إبراهيم بن إسحاق الحَربي
3 - إبراهيم بن الحارث الطَّرَسُوسِي
4 - إبراهيم بن زياد الصَّائغ
5 - إبراهيم بن عبد الله الدَّينَوَري
6 - إبراهيم بن محمد بن الحارث
7 - إبراهيم بن هاشم البَغَوي
8 - (م) إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوري
9 - إبراهيم بن يعقوب الجَوْزجاني
10 - أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي