المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماتهصفحات 168-209

11 - أحمد بن إبراهيم الكوفي 12 - أحمد بن أبي خَيْثمَة 13 - أحمد بن أبي عَبْدَة الهمداني 14 - أحمد بن أصْرم المُزَني 15 - أحمد بن بشر بن سعيد 16 - أحمد بن جعفر الوكيعي 17 - أحمد بن حسن الترمذي 18 - (م) أحمد بن حُميد المُشْكاني، أبو طالب 19 - أحمد بن سعد بن إبراهيم الزُّهْري 20 - أحمد بن سعيد الدَّارمي 21 - أحمد بن صالح المصَري 22 - أحمد بن الفُرات 23 - أحمد بن القاسم 24 - (م) أحمد بن محمد، أبو بكر المَرُّوذي 25 - (م) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم 26 - أحمد بن محمد الصائغ، أبو الحارث 27 - (م) أحمد بن محمد الكحَّال 28 - (م) أحمد بن محمد المَرْوزَي، أبو الحارث 29 - أحمد بن محمد، أبو بكر 30 - أحمد بن محمد المقري 31 - أحمد بن محمد، أبو العباس البُرَائي 32 - أحمد بن محمد المزني 33 - أحمد بن مُلاعِب بن حَيَّان 34 - أحمد بن منصور الرَّمادي 35 - أحمد بن منيع

36 - أحمد بن نصر، أبو حامد الخَفّاف 37 - أحمد بن نَصر الخُزاعي 38 - أحمد بن هاشم الأنطاكي 39 - أحمد بن يحيى الحلواني 40 - أحمد بن يحيى ثعلب 41 - (م) إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري 42 - إسحاق بن إبراهيم البغوي 43 - إسحاق بن الجراح 44 - إسحاق بن الحسن بن مَيمون 45 - إسحاق بن حَنبل، عم الإمام أحمد 46 - (م) اسحاق بن منصور الكَوْسج 47 - (م) إسماعيل بن سعيد الشَّالَنجِي 48 - (م) إسماعيل بن عبد الله، أبو اَلنضر العِجلي 49 - أيوب بن إسحاق بن إبراهيم 50 - بدر بن أبي بدر، أبو بكر المغازلي 51 - (م) بشر بن موسى الأسَدي 52 - (م) بكر بن محمد بن الحكم النَّسائي 53 - جعفر بن محمد النَّسائي 54 - جعفر بن محمد الصائغ 55 - حُبيش بن سِنْدي 56 - (م) حرب بن اسماعيل الكِرْماني 57 - (م) الحسن بن ثواب 58 - (م) الحسن بن زياد 59 - الحسن بن الصباح 60 - الحسن بن عبد العزيز المعروف بالجَروي

61 - الحسن بن علي الإسكافي 62 - الحسن بن محمد الأنماطي 63 - الحسين بن إسحاق الخِرَقي 64 - حنبل بن إسحاق بن حنبل 65 - (م) خطاب بن بشر بن مَطر 66 - زياد بن أيوب بن زياد 67 - زياد بن يحيى بن عبد الملك بن مروان 68 - زياد بن يحيى الناقد 69 - سلمة بن شَبيب 70 - (م) سليمان بن الأشعث، أبو داود صاحب السنن 71 - (م) سِنْدي، أبو بكر الخواتيمي 72 - (م) صالح بن الإمام أحمد 73 - طاهر بن محمد 74 - عباس بن محمد الدُّورِي 75 - عبد الرحمن بن عَمْرو، أبو زُرعة الدمشقي 76 - عبد الرحمن، أبو الفضل المتطبب 77 - عبد الكريم بن الهيثم القطان 78 - (م) عبد الله بن الإمام أحمد 79 - عبد الله بن أحمد بن عبيد الله 80 - عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، صاحب التصانيف 81 - (م) عبد الله، المعروف بلقب "فُوْرَان" 82 - عبد الله بن محمد بن عبد العزيز 83 - (م) عبد الملك بن عبد الحميد الميموني 84 - عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق 85 - عبدوس بن مالك العطار

86 - عُبيد بن سعيد السَّرْخَسي 87 - عبيد الله بن عبد الكريم، أبو زُرعة الرازي 88 - عبيد الله بن محمد الفقيه المروزي 89 - عصْمة بن أبي عصْمة 90 - علي بن أحمد الأنماطي 91 - علي بن أحمد ابن بنت معاوية 92 - علي بن الحسن بن زياد 93 - علي بن الحسن المصري 94 - علي بن سعيد بن جرير النَّسَوي 95 - علي بن عبد الصمد الطيالسي 96 - (م) الفرج بن الصباح البُرْزاطي 97 - (م) الفضل بن زياد القطان 98 - (م) مُثَنَّى بن جامع الأنباري 99 - (م) محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجِي 100 - محمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي 101 - محمد بن إسماعيل التِّرمذي 152 - محمد بن حبيب أبو عبد الله البَزّار 103 - محمد بن بشر بن مطر 104 - محمد بن الحسن بن هارون 105 - (م) محمد بن الحكم، أبو بكر النسائي 106 - محمد بن حَمّاد بن بكر المقري 107 - محمد بن داود المِصِّيصي 108 - محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاعقة 109 - محمد بن عبد العزيز البيوردي 110 - محمد بن عبد الله مُطَيِّن

111 - محمد بن علي الجُرجاني 112 - محمد بن ماهان النيسابوري 113 - محمد بن موسى بن أبي موسى 114 - (م) محمد بن موسى بن مُشَيْش 115 - محمد بن هارون الحمال 116 - محمد بن هُبَيرة البغوي 117 - (م) محمد بن يحيى المتطبب الكَحّال 118 - محمد بن يزيد الطَّرسوسي 119 - موسى بن عيسى الجَصّاص 120 - موسى بن هارون الحمال 121 - مُهَنَّا بن يحيى الشامي 122 - ميمون بن الأصبغ 123 - (م) هارون بن عبد الله الحمال 124 - هارون المُسْتمَلي 125 - يحيى بن زكريا المرّوذي 126 - (م) يحيى بن يَزْداد، أبو الصَّقر 127 - يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي 128 - (م) يعقوب بن إسحاق بن بُخْتان 129 - يعقوب بن العباس الهاشمي 130 - يوسف بن موسى العطار الحربي 131 - يوسف بن موسى بن راشد

التعريف بأشهر أصحاب الإمام أحمد

1 -

إبراهيم الحَرْبي (198 هـ - 285 هـ):

هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي.
سمع من أبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلي.
ونقل عن الإمام أحمد مسائل وصفها المرداوي بأنها كانت كثيرة جدًا حسانًا جيادًا.
وقد أورد ابن أبي يعلى نماذج منها، وهذا واضح فيمن طالت ملازمته، وكأن إبراهيم الحربي فرغ نفسه في أول العمر للحديث، ثم تفرغ للفقه، فجاء بنيانه كاملًا.
ووصفه ابن أبي يعلى بقوله: "كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث" 1. لازم إبراهيمُ الإمامَ أحمدَ نحوًا من عشرين سنة، وأخذ عنه حديثه وفقهه، ولذلك كان يقول لأصحابه: "كل شيء أقول لكم: هذا قول أصحاب الحديث، فهو قول أحمد ابن حنبل، وهو ألقى في قلوبنا مذ كنا غلمانًا اتباع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقاويل الصحابة، والإقتداء بالتابعين" (1). ومع ملازمته الإمام أحمد لم يَفُتْه إمام الورع بشر بن الحارث الحافي، وإمام اللغة أبو عبيد القاسم بن سلام، فهؤلاء كانوا يملأون عينيه، حتى قال عنهم: "رأيت رجالات الدنيا فلم أر مثل ثلاثة: رأيت أحمد بن حنبل، يعجز النساء أن يلدن مثله.
ورأيت بشر بن الحارث؛ من قرنه إلى قدمه مملوءًا عقلًا، ورأيت أبا عبيد كأنه جبل نفخ فيه علم" (1)).
وعاش إبراهيم بعد الإمام أحمد أكثر من أربعين سنة، مما يدل على أنه أفاد كثيرًا، ونشر علم الإمام أحمد في الطبقة الثانية بغزارة.

مؤلفاته: "غريب الحديث"، "دلائل النبوة"، "كتاب الحمام"، "سجود القرآن"، "ذم الغيبة"، "النهي عن الكذب"، "المناسك".
وغير ذلك من المصنفات الكثيرة، وقد استوفى الكلام عليها الدكتور سليمان العايد في مقدمة تحقيق القسم الذي نشره من "غريب الحديث".
نماذج من مسائله: أ- قال إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو قائمًا في الصلاة؟ أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلام؟ فقال: لا، بل يدعو في الصلاة، وهو قائم بعد الختمة.
قيل له: فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم.
ب- قال إبراهيم: وسئل أحمد عن رجل صلى في جماعة، أيؤمَّ بتلك الصلاة؟ قال: لا، ومن صلى خلفه يعيد.
قيل له: فحديث معاذ؟ قال: فيه اضطراب، وإذا ثبت فله معنى دقيق، لا يجوز مثله اليوم (1).

2 -

إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (218 هـ - 285 هـ):

هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري الأصل، البغدادي المولد والنشأة والوفاة.
وأبوه إبراهيم من المكثرين للرواية عن الإمام أحمد أيضًا، بل ييتهم كله بيت علم ورواية، فقد كان عمه وإخوته من أهل الفضل والتعبد والرواية.
وكان له ولأبيه اختصاص بالإمام أحمد، فقد خدمه وهو ابن تسع سنين، ولازمه إلى أن مات، واختفى الإمام أحمد عندهم أيام الواثق بالله.
ويظهر أثر هذه الصلة الوثيقة بشكل واضح جلي من خلال "مسائله" التي رواها عنه، فقد كان الإمام أحمد يأتي إلى دارهم، ويأكل عندهم، وينبسط في منزلهم.
نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة في ستة أجزاء 2، وقد طبعت في مجلد.1

نماذج من مسائله: أ - سألت أبا عبد الله، عمن يقرأ بقراءة عبد الله-أي ابن مسعود- أيصلَّى خلفه؟ ويحتج بقراءته (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) (فجعلهم كالصوف المنفوش)؟ قال: لا يصلى خلفه (1). ب - وسألت أبا عبد الله عن الرجل يفجر بالمرأة، ثم يتزوجها؟ قال: لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت؛ لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدًا من غيره.
قلت: وما عِلمُه أنها قد تابت؟ قال: يريدها على ما كان أرادها عليه، فإن امتنعت فهي تائبة، يتزوجها، وإن طاوعته فلا يتزوجها (2).

3 -

أحمد بن حُميد (أبو طالب) (؟ - 244 هـ):

هو أحمد بن حُميد، أبو طالب، المُشْكاني، نسبة إلى مُشْكان قرية من نواحي همذان.
صحب أحمد قديمًا ولازمه حتى مات، وكان الإمام أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلاً صالحًا فقيرًا صبورًا على الفقر.
روى أبو طالب المسائل عن الإمام أحمد، فأكثر الرواية عنه، وله أفراد تفرد بها، ولكنه لموته المبكر إثر الإمام أحمد لم يتلق عنه رواية هذه "المسائل" إلا الكبار من رجال الطبقة الثانية 3.12

نماذج من مسائله: أ - قال أبو طالب: سألت أحمد عن الخفاش يكون في المسجد يبول، فيصيب الرجل؟ فقال: أرجو أن لا يضره.
قلت: إن كان كثيرًا، نجس؟ قال: ما أدري.
قلت: أليس البول قليله وكثيره يغسل؟ قال: ذاك بول الإنسان.
قلت: هذا لا يؤكل لحمه، يغسل؟ قال: إن كان كثيرًا يغسل.
ب - وقال أبو طالب: سمعت أحمد يقول: إذا أخذ شعره، إن شاء مسح على رأسه، وإن شاء لم يمسح.
قلت: لا يكون مثل العمامة؟ قال: لا، العمامة يمسح عليها، والخف يمسح عليه، فإذا خلع أعاد، والشعر إذا مس بالرأس يصيبه الماء، ويبلغ أصول الشعر، فإذا أخذ الشعر، فالماء قد أصاب ما بقي من شعره، وليس هو مثل العمامة والخف (1).

4 -

أحمد المرّوذي (؟ - 275 هـ):

هو أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر، المروذي، كانت أمه مرّوذية وأبوه خوارزميًا.
وهو المقدم من أصحاب الإمام أحمد، لورعه وفضله، وكان الإمام يأنس به وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماضه يوم مات، وغسله.
وقد روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة.
وهو الذي روى كتاب "الورع" عن الإمام أحمد، وقد نقل الخطيب البغدادي تكذيب رواية كتاب "الورع" عن غيره، وقد طعن فيه بعض الناس.
فقال عبد الوهاب الوراق رادا على طعنهم: "أبو بكر ثقة صدوق، لا يشك في هذا، إنما يحملهم على هذا الحسد" 2. وقد كان أحمد يثق به الثقة كلها، يثق بنقله، كما يثق بورعه وعقله، حتى إنه كان يقول: كل ما قلتَ على لساني فأنا قلته 3.1

نماذج من مسائله: أ - قال أبو بكر: سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش؟ فصححها، وقال: قد تلقتها الأمة بالقبول، وتُمَرُّ الأخبار كما جاءت.
ب - وقال أبو بكر: سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل -وأنا أسمع- عن الحقنة؟ فقال: أكرهها، لأنها تشبه اللواط (1). جـ - وقال أبو بكر: سئل أحمد: أمرُّ في الطريق، فأسمع الإقامة، ترى أن أصلي؟ فقال: قد كنت أُسهِّل، فأما إذ كثرت البدع فلا تصل إلا خلف من تعرف (2).

5 -

أحمد الأثرم (؟ - 273 هـ):

هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر، الأثرم، الطائي -ويقال: الكلبي- الإسكافي.
جليل القدر، حافظ، سمع حرميّ بن حفص، وعفان بن مسلم، وأبا بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة 3 القعنبي؛ تلميذ مالك بن أنس، وعددًا لا بأس به من طبقة شيوخ البخاري، وأخرج له النسائي في "السنن".
ويعتبر الأثرم من المعمرين، فقد ولد في خلافة هارون الرشيد، وكان قد انصرف في أول حياته إلى الحديث، ثم لازم الإمام أحمد فتفقه عليه، ونقل عنه مسائل كثيرة، وصنفها ورتبها أبوابًا.
وكان معه تيقظ عجيب، حتى نسبهُ يحيى بن معين، ويحيي بن أيوب المقابري، فقالا: أحد أبوي الأثرم جني! وكان الأثرم عالمًا بمؤلفات أبي بكر بن أبي شيبة (ت 235 هـ) لأنه لازمه مدة طويلة.12

مؤلفاته: كتاب "السنن" في الفقه الممزوج بالحديث، وكتاب "التاريخ"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ" في الحديث (1). قال الذهبي: ووقع لنا جزء من البيوع من "سننه" (2). وله رسالة إلى أهل الثغر أورد منها ابن أبي يعلى حوالي أربع صفحات (3). نماذج من مسائله: أ - قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فضل وَضوء المرأة؟ قال: إذا خَلتْ به فلا يتوضأ منه، إنما رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضآ جميعًا.
ب - وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المسح على العمامة، قيل له: تذهب إليه؟ قال: نعم.
قال أبو عبد الله: [ثبت] من خمسة وجوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. جـ - وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن الوضوء من القيء؟ فقال: نعم، يتوضأ.
قلت له: على إيجاب الوضوء؟ قال: نعم، واحتج بحديث ثوبان: "أنا صببت لرسول الله وضوءه" (4).

6 -

إسحاق الكَوْسَج (170 هـ - 251 هـ):

هو إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب، الكوسج، المروزي 5. شارك الإمام أحمد في بعض شيوخه؛ كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، والنضر ابن شميل، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وعفان بن مسلم.
وحدث عنه أصحاب الكتب الستة ما عدا أبا داود، وله "مسند" يروى عنه.
ومن هنا يتبين أن إسحاق الكوسج وكان يغلب عليه جانب الحديث، لكنه مع ذلك دوّن "مسائل الإمام أحمد" في حياته وضم إليها "مسائل إسحاق بن راهويه"، وصار يمليها على1234

الناس بخراسان، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وأشهد على رجوعه عنها كلها، لكن -كما تقدم- عاد بها إليه فأقره عليها، وأعجب به (1). وفقه أحمد في "سنن الترمذي" بالإضافة إلى فقه إسحاق بن راهويه يروى من طريق إسحاق الكوسج، كما صرح بذلك الترمذي في آخركتابه، فلذلك يجب التنبه إلى أنه لا يكون قول الإمام أحمد دائمًا معتمدًا في الترمذي، فقد يكون الصحيح من النقل أو الراجح من الروايات خلافه.
وقد طبع من مسائل إسحاق الكوسج "الطهارة" و"الصلاة" و"الصيام" و"المعاملات".
نماذج من مسائله: أ - قال إسحاق: قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار، وأن يصوم غدًا من قضاء شهر رمضان، ثم لم ينوه من الليل؟ قال: قد تقدمت منه النية، لا بأس به، إلا أن يكون قد فسخ النية بعد ذلك.
ب - وقال إسحاق: وسألت أحمد عن الرجل يعرض عليه الإسلام عند الموت، يقر، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، أيرثه وارثه المسلم؟ قال: نعم، ومن يقول غير هذا؟! هؤلاء في مذهبهم لا ينبغي أن يكون هذا، ولكن العجب أن لا يوافقوا.
جـ - وقال إسحاق: قلت لأحمد: الرجل يأتي أهله، وليس له شهوة النساء، أيؤجر على ذلك؟ قال: إي والله، يحتسب الولد.
قلت: إن لم يرد الولد، إلا أن يقول: هذه امرأة شابة؟ قال: لِمَ لا يؤجر؟ (2).

7 -

حرب الكرماني (؟ - 280 هـ):

هو حرب بن إسماعيل بن خلف، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، الحنظلي، الكرماني.12

رحل وطلب العلم، وأخذ عن أبي الوليد الطيالسي، وأبي بكر الحميدي، وأبي عبيد، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه.
وقد ابتدأ حياته سالكًا مسلك المتزهدين الذي ساد في ذلك العصر، ولذلك تأخر في لقاء أحمد، فلم يلقه إلا في سنن متقدمة، فقد نقل عنه ابن أبي يعلى أن أبا بكر الخلّالَ سأله عن سبب تأخره في لقاء أحمد - رضي الله عنه -، فأجاب: كنت أتصوف قديمًا، فلم أتقدم في السماع 1. وكانت بينه وبين المرّوذي مودّة، وقد أنزله في بيته لما جاء للقاء أحمد، وقد حث المروذيُّ الخلال على السفر إليه والسماع منه، ونقل مسائل أحمد عنه.
ومعلوم أن الخلّال كان يجمع "المسائل" من مدونيها وسامعيها قبل أن يحررها في كتابه الكبير "الجامع لمسائل الإمام أحمد".
وقد نقل الكرماني عن الإمام أحمد فقهًا كثيرًا، ولكنه لم يسمع عنه كل ما أذاع عنه، حتى إن الخلّال قال: إنه حفظ أربعة آلاف مسألة عن أحمد وإسحاق بن راهويه قبل أن يلقاهما.
قال الذهبي في وصف مسائله: "مسائل حرب" من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين.
نماذج من مسائله: أ - قال حرب: قلت لأحمد: أنصلي خلف رجل يقدم عليا على أبي بكر وعمر؟ قال: لا تصل خلف هذا.
ب - وقال حرب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين.
جـ - وقال حرب: سمعت أحمد يكره الإمالة مثل ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وقال: أكره الخفض الشديد والإدغام 2.

8 -

حنبل بن إسحاق (؟ - 273 هـ):

هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي، الشيباني، ابن عم الإمام أحمد.
ولد حنبل قبل المائتين، فهو من كبار أصحاب أحمد في السن والرواية، وسمع الحديث من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان بن حرب، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، والحميدي، وأبي الوليد الطيالسي، وخلقٍ كثيرٍ من طبقة شيوخ البخاري، وبعض شيوخ أحمد.
يُعدّ حنبل ثالث ثلاثة ممن اختصهم الإمام أحمد بإسماعهم "المسند" في بيته، والإثنان الآخران هما ولداه: عبد الله وصالح.
قال عن نفسه: "جمعنا عمي، لي، ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا "المسند".
وما سمعه منه -يعني تامًا- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمئة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة" 1. ولحنبل مسائل كثيرة رواها عن أحمد، والعجب أن المرداوي لم يذكره في زمرة المكثرين.
وقد وصف الخلّال تلك "المسائل"، فقال عنها: "قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بغير شيء، وإذا نظرت في "مسائله" شبهتها في حسنها وإشباعها، وجودتها بمسائل الأثرم" 2. مؤلفاته: كتاب "الفتن"، وكناب "المحنة"، وكتاب "التاريخ".
وله جزء حديثي.
بالإضافة إلى كتاب "المسائل" عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله: أ - قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلمًا، والقرآن كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ- غيرمخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه -عَزَّ وَجَلَّ-.

ب - وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يضع قدمه" نؤمن به، ولا نرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال، بل نؤمن بالله ويما جاء به الرسول.
قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] (1). جـ - وقال حنبل: وسمعت أبا عبد الله، وسأله رجل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، وعن أصحابه أنهم فعلوه: إذا افتتح، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
قلت له: فبين السجدتين؟ قال: لا.
قلت: فإذا أراد أن ينحط ساجدًا؟ قال: لا، فقال له عباس العنبري: يا أبا عبد الله، أليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله؟ قال: هذه الأحاديث أقوى وأكثر (2).

9 -

سليمان بن الاشعث أبو داود (202 هـ - 275 هـ):

هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود، الأزدي، السجستاني.
وهو أحد أصحاب الكتب الستة المصنفة في الأصول الحديثية التي أجمع عليها أهل الإسلام.
وهو ممن رحل، وطوف، وجمع، وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والبصريين.
وترجمته في طبقات المحدثين مشهورة حافلة، ولذلك سنوجز الكلام فيه على ما يتعلق بالفقه والرواية عن الإمام أحمد، وعلاقته به.
ألف الإمام السجستاني كتاب "السنن"، وهو كتاب يصنف في كتب "أحاديث الأحكام"، وبالتالي يكون قد رتب أبو داود أدلة الفقه الحنبلي، بل أدلة الفقه الإسلامي ومهدها للفقهاء على اختلاف المذاهب، حتى إن الغزالي اعتبره كافيًا لطالب الإجتهاد في خصوص المعرفة بالسنة 3، قال الخطابي في مقدمة "معالم السنن": "اعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود -رَحِمَهُ اللهُ- كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من12

كافة الناس، فصار حكمًا بين فرق الناس، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍ منه ورد ومنه شرب، وعليه مُعوَّل أهل العراق وأهل مصر وبلاد الغرب، وكثير من أقطار الأرض" 1. ويشتمل كتاب السنن على:

  • (35) كتابًا، كلها مبوية ما عدا ثلاثة أبواب.
  • (1871) بابًا.
  • (5274) حديثًا.
    وقد ذكر في رسالته إلى أهل مكة أن كتابه يشتمل على (4800) حديث، وقد حرّر الشيخ محيى الدين عبد الحميد سبب هذا الإختلاف، وأنه يرجع إلى اختلاف في النسخ، بالإضافة إلى مراعاة التكرار في الأسانيد والمتون 2. قال الخلّال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، ويصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورِع مقدم، سمع منه أحمد بن حنبل حديثًا واحدًا، كان أبو داود يذكره 3. وقال الذهبي: أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وساله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول.
    وكان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضايق الكلام 4. مؤلفاته: "السنن" (مطبوع)، و"المراسيل" (مطبوع)، و"الزهد" (مخطوط في خزانة القرويين بفاس رقم 80/ 133)، "البعث"، و"تسمية الإخوة"، وهما رسالتان، و"سؤالات أبي داود للإمام أحمد" في الجرح والتعديل (مطبوع) 5. بالإضافة إلى

كتاب "المسائل" في الفقه عن الإمام أحمد.
نماذج من مسائله: أ - قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به.
قال ابن مسعود: "المرءُ بِخِدْنِه".
ب - وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القراءة في فاتحة الكتاب "ملك" أو "مالك" يعني: أيهما أحب إليك؟ قال: "مالك"، أكثر ما جاء في الحديث (1). جـ - وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل - رضي الله عنه -؛ سثل عن المُعْتمِّ تحت الحنك؟ فقال: ما نعرف العمامة تحت الحنك.
قال أبو داود: ورأيت أحمد يعتمُّ بعمامة بيضاء يجعلها تحت الحنك، ورأيت أحمد يعتم على قلنسوة (2). و"مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود مطبوع في مطبعة المنار بمصر (1353 هـ)، وقد قدم له العلامة الشيخ محمد رشيد رضا.

10 -

صالح بن الإمام أحمد (203 هـ - 266 هـ):

وهو أكبر أولاد الإمام أحمد، يكنى أبا الفضل.
سمع من والده، وأبي الوليد الطيالسي، وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن أبي سويد، وعلي بن المديني، وطبقتهم.
وروى عنه ابنه زهير، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وأبو الحسن بن المنادي، وأبو بكر الخلّال.
وتولى قضاء أصبهان، وتوفي بها، وكان قد تولى القضاء بطرسوس قبل ذلك.
وكان أحمد معنيًا بتربيته، حفيًا بأن يكون من الزهاد مثله، وكانت طريقته في تهذيبه أمثل الطرق، وهي التربية بالأسوة الحسنة، وقد حظي صالح بذلك؛ لأنه كان ابنه الوحيد مدة عشر سنين قبل أن يولد عبد الله.12

وكان الإمام أحمد إذا زاره رجل من ذوي التقى والورع أحضر ابنه صالحًا هذا ليراه، فقد قال صالح في ذلك: "كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو رجل صالح متقشف، لأنظر إليه، يحب أن أكون مثلهم" 1. وكان صالح رجلاً سخيًا جدا، وكان كثير العيال، فدخل عليه الدَّين، وكان ذلك سببًا في قبوله ولاية القضاء، وفي قلة روايته عن أبيه، على أنه روى عنه الكثير بالنظر إلى بقية الأصحاب.
وقد روى صالح عن أبيه كثيرًا من الفقه والحديث.
قال الخلال: سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد 2. وقد طبع الموجود من "المسائل" برواية صالح عن أَبيه وتوجد منه مخطوطة بدار الكتب الصرية برتم 2168 ب. نماذج من مسائله: أ - قال صالح: قلت -لأبي-: رجلٌ أسلف رجلاً دراهمَ في بُرٍّ، فلما حل الأجل لم يكن عنده بُرٌّ، فقال: قَوم البُرَّ دراهمَ، وخذ بالدراهم شعيرًا؟ قال: لا يأخذ منه شعيرًا إلاَّ مثلَ كيل البُرِّ أو أنقص، لا يأخذ منه زيادة 3. ب - قال صالح: قلت -لأبي-: رجل يدفع أرضه إلى الأكّار على الثلث والريع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقرُ والحديدُ والعمل من الأكّار.
أذهب فيه مذهب المضارية 4. ب - قال صالح: قلت- لأبي-: رجل رهن رهنًا، وأخذ مالاً، فلمّا حلّ الأجل لم يأته بماله والْتَوى عليه، كيف يصنع بالرهن؟ قال: يكون عنده باقيًا على حاله إلاَّ أن يوكله ببيعه 5.

11 -

عبد الله بن الإمام أحمد (213 هـ - 290 هـ):

يكنى أبا عبد الرحمن، وأمه ريحانة، تزوجها الإمام أحمد بعد وفاة عباسة أم صالح أخيه.
كان عبد الله رجلاً صالحاً، صادق اللهجة، كثير الحياء، شغوفًا بالحديث، سالكًا مسلك أبيه.
قال الحافظ ابن عَدِيّ: "نبل عبد الله بأبيه، وله في نفسه محل في العلم، أحيا علم أبيه من "مسنده" الذي قرأه عليه أبوه، خصوصاً قبل أن يقرأه على غيره، ومما سأل أباه عن رواة الحديث، فأخبره به ما لم يسأله غيره، ولم يكتب عن أحد، إلا مَن أَمَره أبوه أن يكتب عنه" 1. فكان عبد الله أروى الناس عن أبيه على الإطلاق، وسمع معظم تصانيفه وحديثه، وسمع من عبد الأعلى بن حماد، وكامل بن طلحة، ويحيى بن معين، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وشيبان بن فروخ، وكثير من الشيوخ قد أتى الذهبي على معظمهم سردًا، ثم قال: "وسائر هؤلاء حدث عنهم في "مسند" أبيه سوى بعض الأحمدين" 2. وقد طال عمر عبد الله بعد أبيه نحوًا من خمسين سنة، مع عنايته البالغة بنشر الحديث والعلم، فلذلك روى عنه الأكابر والأصاغر من رجال الطبقة الثانية، وتلقوا عنه مصنفاته ومصنفات أييه.
قال أبو الحسين بن المنادي: "لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أَبيه من عبد الله بن أحضد، لأنه سمع منه "المسند"، وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير" وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منه ثلاثين ألفًا، والباقي وجادة، وسمع "الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة" و"المقدم والمؤخر في كتاب الله" و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير"، و"الصغير"، وغير ذلك من التصانيف، و"حديث الشيوخ".
قال: "وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث، والأسماء والكنى، والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن

أسلافهم الإقرار له بذلك، حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة، وزيادة السماع للحديث على أبيه" 1. وقال الخلال في قصة جمعه لعلوم الإمام أحمد: "فلما قدمت من كرمان سألني عبد الله عن حرب، وعما عنده من المسائل والأحكام والعلل.
وجعل يسألني عما جمعت من مسائل أبي عبد الله.
فقال لي: أنت أحوج إلى ديوان، يعني لكثرتها" 2. قال ابن أبي يعلى (2): فوقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل، فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره.
اهـ. مؤلفاته: "زوائد المسند" وهو ممزوج مع "المسند"، و"زوائد كتاب الزهد" ممزوج أيضًا مع الأصل، و"السنة"، و"الرد على الجهمية".
قال الذهبي: في مجلد، و"الجمل" 3. و"مسائل الإمام أحمد" برواية عبد الله، وهو مطبوع في المكتب الإسلامي.
نماذج من مسائله: أ - قال عبد الله: سألت أبي عن ماء الطّهور إذا تطهر به، فأصاب ذلك الماءُ خفَّه أو نعله، ينبغي أن يغسل ذلك أم لا؟ قال: لا يغسل ولا يلتفت إلى شيء من ذلك 4. ب - وقال عبد الله: سألت أبي عن رجل سَهَا في الركعة الثانية، فقام، فذكر مِنْ بعد قيامه أنه قد سها؟ فقال: يمضي على صلاته، ويسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، وإن هو جلس فأرجو أن لا يكون بذلك بأس 5. جـ - وقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يبيع ثمرة أرضه، يستثني كرًا أو كُرّين؟ فقال: أرجو ليس به بأس 6.

وقال أبي: حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان".
قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهولاء كفار.

12 -

عبد لله بن محمد (فوران) (- 256 هـ):

هو عبد الله بن محمد بن المهاجر، أبو محمد، الملقب بـ "فوران".
روى الحديث عن شعيب بن حرب، ووكيع، وأبي معاوية الضرير، وإسحاق بن سليمان الرازي، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن الإمام، وأبو القاسم البغوي، ويحيى بن صاعد، وغيرهم.
وكان فوران من خواص أصحاب الإمام أحمد، الذين يقدمهم، ويأنس بهم، ويخلو معهم، وكان يستقرض منه، وقد ذكره الإمام أحمد في وصيته، وأقر له بدين له عليه أوصى بقضائه، ولكن فوران لم يأخذ ذلك الدين وأحله منه.
نقل فوران عن الإمام أحمد أشياء كثيرة (1). ومسائل فوران مفرقة مبثوثة في كتب الفقه الحنبلي القديمة.
نموذج من مسائله: قال فوران: سمعت أحمد يقول: إذا اختلط المال، وكان فيه حلال وحرام، فالزهري ومكحول قالا: إذا اختلط الحلال والحرام، نكل هذا عندي من مال السلطان، كما قال علي -رَحِمَهُ اللهُ-: "بيت المال يدخله الخبيث والطيب".
فمال السلطان يدخله الحلال والحرام، فيوصل إلى الرجل، يكل منه، فأما إذا كان حلالاً وحرامًا من ميراث، أو أفاد رجل مالاً حرامًا وحلالاً، فإنه يرد على أصحابه، فإن لم يعرفهم ولم يقدر عليهم تصدق به، فإن لم يعلم كم الحلال والحرام، يتصدق بقدر ما يرى أن فيه من الحرام، ويأكل الباقي (2).

13 -

عبد الملك الميموني (- 274 هـ):

هو عبد الملك بن عبد الحميد، أبو الحسن، الميموني، الرقي.
والميموني نسبة إلى جده الثاني ميمون بن مهران، شيخ الجزيرة.12

سمع من ابن علية، وأبي معاوية الضرير، وعلي بن عاصم، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون.
فهو من علية أصحاب الإمام أحمد بهذه المشاركة المباركة في شيوخه.
وكان عبد الملك الميموني عالم الرقة ومفتيها فى زمانه.
وذكره الخلّال، فقال في وصفه: "الإمام في أصحاب أحمد، جليل القدر، كان سنة يوم مات دون المائة، فقيه البدن، كان أحمد يكرمه، ويفعل معه مالا يفعله مع غيره.
وقال لي: صحبت أبا عبد الله على الملازمة من سنة (205 هـ) إلى سنة (227 هـ). قال: وكنت بعد ذلك أخرج وأقدم عليه الوقت بعد الوقت.
قال: فكان أبو عبد الله يضرب لي مثَل ابن جريج في عطاء، من كثرة ما أسأله، ويقول لي: ما أصنع بأحد ما أصنع بك" 1. وقوله: "فقيه البدن" اصطلاح وإن شائعًا آنذاك يستعمل في معنى "الفقه" بمعناه العهود عندنا، ففقيه البدن هو العالم بأحكام البدن، ليقع ذلك في مقابل "فقيه القلب"، و"فقيه النفس": فالأول: من يتمتع بجودة القريحة وشدة الفهم والغوص على المعاني، سواء في فقه الأحكام أم في غيرها.
والثاني: من يتقن دقائق علم السلوك والتزكية.
ويفيدنا كلام الخلّال السابق: أن الميموني من أكثر اللازمين للإمام أحمد، وأن ملازمته قد طالت عقدين من الزمان، مع إلحاحه في الأسئلة والإستفتاء، فيكون ذلك قد أكسبه تفوقًا في المعرفة بمذهب الإمام أحمد وعلمه، وأن روايته للمسائل يُقَدَّر فيها أن تكون حافلة، كما يُقَدَّر فيها أن يكون فيها المرجوع عنه كثيرًا، فإن انقطاع اللازمة للإمام أحمد فيما بين (227 - 241 هـ) جدير بأن يفوِّت على الميموني كثيرًا مما رجع عنه الإمام أحمد وخالفه إلى غيره.
فهل هذه التوقعات صحيحة في واقع الأمر؟ فأما الكثرة، فنعم، فقد قال الخلّال في ذلك: "وعنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة، في ستة عشر جزءًا، منها جزءان كبيران بخط جليل، مائة ورقة إن شاء الله، أو نحو ذلك، لم يسمعه منه أحد غيري فيما علمت من مسائل لم يشركه فيها أحد، كبار جياد تجوز الحد في عظمتها وقدرها وجلالتها"!! (1).

وأما وقوع المرجوع عنه بكثرة نسبيًا في رواية الميموني، فلا نستطيع أن نحكم في ذلك بشيء، إلا أن ولوع الميموني بالإمام أحمد له سببه، فقد كان من أعلام الرقة، وقد كان فقه الإمام الأوزاعي نقل إليها، فكان الميموني أراد أن يجمع بين المعرفة بفقه الأوزاعي وفقه الإمام أحمد، فكان يعرض عليه مسائل الأوزاعي وأصحابه 1 ليجيبه فيها، على غرار ما كان يصنع أسد بن الفرات مع ابن القاسم، فقد جاء بمسائل "المدونة" من العراق، وعليها أجوية الحنفية، فعرضها على ابن القاسم ليجيبه بمذهب مالك فيها.
ولعل هذا هو السبب في حرص الميموني على تدوين "مسائل الإمام أحمد" في أثناء حياته، وقد أنكره عليه الإمام، لكن الميموني راجعه في ذلك حتى أقنعه 2. وعلى أية حال، فالميموني يعد في زمرة السبعة الذين كان يظلهم اسم "الجماعة" على اعتبار أنهم في المرتبة الأولى من ناقلي الفقه الحنبلي عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-.
فقد قال النجدي في حاشيته على "منتهى الإرادات" ما نصه: "وحيث أطلق الجماعة، فالمراد بهم: عبد الله بن الإمام، وأخوه صالح، وحنبل ابن عم الإمام، وأبو بكر المرّوذي، وإبراهيم الحري، وأبو طالب، والميموني" 3. ولم يكتب لمسائل الميموني أن تصل إلينا في مجموع مخطوط، بل هي مبثوثة في كتب المذهب التي تعنى بالنقل.
نماذج من مسائله: أ - قال الميموني: قلت لأحمد: اجتمع عيدان في يوم، أيكفي أحدهما من الآخر؟ قال: أما الإمام فيجمعهما جميعًا، ومن شاء ذهب في الآخر، ومن شاء قعد.
ب - وقال الميموني: قلت لأحمد: من قتل نفسه يصلي عليه الإمام؟ قال: لا يصلي الإمام على من قتل نفسه، ولا على من غل.
قلت: فالمسلمون؟ قال: يصلون عليهما.
جـ - وقال الميموني: قلت لأحمد: تحج المرأة من مكة إلى منى بغير محرم؟ قال: لا يعجبني، قلت: لم؟ قال: لأن مذهبنا لا تسافر امرأة سفرًا إلا مع ذي محرم 4.

14 -

مُهَنّا بن يحيى الشامي:

هو مُهنّا بن يحيى، أبو عبد الله، السلمي، الشامي.
حدث عن بقية بن الوليد، وسمرة بن رييعة، ومكي بن إبراهيم، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق الصنعاني.
وروى عنه حمدان الوراق، وابراهيم النيسابوري، وعبد الله بن الإمام أحمد، وسهل التستري.
ويعتبر مُهنّا من أكبر أصحاب الإمام أحمد، وأكثرهم ملازمة له، وإلحاحًا عليه في المسائل، فإنه قال عن نفسه: لزمت أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنة.
ورحل معه إلى عبد الرزاق الصنعاني، ولازم أحمد إلى أن مات، وكان أبو عبد الله يكرمه، ويعرف له حق الصحبة.
وكان مُهنّا يسأل أبا عبد الله ويلح عليه حتى يضجره في بعض الأحيان، فكان في ذلك أشبه بابن جريج مع شيخه عطاء.
وكانت هذه الملازمة الطويلة والإلحاح الدائب قد فَوَّق مُهنّا على بقية أقرانه وأناف به على اليفاع.
فقد حصل كثيرًا من العلم والأدب، وغير ذلك.
قال مُهنَّا: "صحبت أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم، والأدب، واكتسبت به مالًا.
قال عبد الله: قلت له: فيف اكتسبت به مالًا؟ قال: فقال: وُلي أبو موسى الأنصاري على الصدقات، فكتب العلماءَ، فمضوا وأخذوا.
قال: وجاء إلى أبي عبد الله، فعرض عليه في القول، فحرج منه، فلما كان بعد ذلك ضقت، فجئت إلى أبي عبد الله، فقلت له: اكتب لي إلى أبي موسى في الغارمين، فلم يفعل، وقال: لو بقي الإنسان على كذا وكذا -لشيء يذكره- ما كان ينبغي له أن يفعل هذا.
قال: فسكت عنه مدة.
قال: ثم عاودته الكلام، فسكت عني.
قال: فسكت عنه مدة، قال: ثم عاودته الكلام، فقال: لن أفعل، ولا أفعل.
قال: فلما قال: لا أفعل، علمت أنه لا يفعل، فسكت عنه مدة، ثم أتيته، فقلت: يا أبا عبد الله لي عليك حقوق: حق الجوار، وحق الصحبة.
وجعلت أذكر له حقوقي عليه.
وقد قلتَ: لا أفعل، فأكتب عن لسانك كتابًا؟ قال: فقال لي: افعل، أنت أعلم.
قال: فكتبت عن لسانه، فلما جئت بالكتاب إلى أبي موسى أنكره، وقال: أحمد لا يكتب في مثل هذا، فهذا خطه؟ قال: فحدثته بالقصة، فقلت: إن شئت

قبلت، وإن شئت وجهت إليه وسألته.
قال: واختبرني، وكتب لي إلى البصرة بأريعة آلاف، قال: وأحسب قال: كتب لي مرة أخرى.
قال: فاشتريت وبعت.
قال عبد الله: وكان ينسى، قال: فاكتسبت نحوًا من ثلاثين ألفًا" 1 ا. هـ. وروى مُهّا كثيرًا من المسائل في الفقه والحديث وعلله وأصوله ورجاله، وغير ذلك من علوم الشريعة المطهرة.
وكانت مسائله من الكثرة بحيث كان يفخر بها، ووصفها ابن أبي يعلى بأنها كانت أكثر من أن تحد لكثرتها.
حتى إن عبد الله ابن الإمام تتلمذ عليه وأخذ عنه مسائل كئيرة جيادًا لم يسمعها عبد الله من أبيه، بل ولم تكن عند غير مُهنّا بن يحيى، وقد حددت ببضعة عشر جزءًا.
وهى مبثوثة في متفرقات الكتب لا توجد في مجموع مخطوط فيما نعلم.
نماذج من مسائله: أ - قال مُهنَّا: سألت أحمد عن رجل مات وترك كتبًا كثيرة من كتب الرأي، وترك عليه دينًا.
فقلت له: فأي شيء يصنع بالكتب؟ قال: تدفن.
ب - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن الرجل يحفظ الشيء، ويكون في الكتاب شيء، أيهما أحب إليك؟ قال: الكتاب.
جـ - وقال مُهنّا: سألت أحمد عن رجل يجد في كتابه الشيء، فيقول له الناس خلاف ما في كتابه؟ قال: يقول في كتابي كذا وكذا، ويقول الناس: كذا 2. د- وقال مُهنّا: سألت أبا عبد الله عن رجل يختن ابنه لسبعة أيام؟ فكرهه، وقال: هذا فعل اليهود، وقال لي أحمد بن حنبل: كان الحسن يكره أن يختن الرجل ابنه لسبعة أيام.
قال الخلّال: إن ذلك قديم، والعمل على ما رواه حنبل وغيره 3.

الدور الثاني

النقل والنمو

وفيه:

تمهيد

، ومبحثان:

  • الأول: مميزات هذا الدور
  • الثاني: أشهر علماء هذا الدور

تَمْهِيدْ

رسمنا هذا الدور بعنوان "دور النقل والنمو".
وهو دور يترتب فوق "دور التأسيس والتدوين" مباشرة، فالمذاهب الفقهية على اختلافها دونت بعد نشأتها، ثم نقلت وأخذت تنمو قليلًا قليلًا، وتتكامل مع الزمان، وفي أعقاب هذا الدور أخذت عبارات النقل ومصطلحاته تلوح في الأفق، وأخذت الروايات والوجوه تتمايز قوة وضعفا، وصحة وسقمًا، من حيث انتسابها إلى الإمام المجتهد وأصحابه.
فهناك الصحيح، والأصح، والضعيف، والشاذ، والمنكر من الأقوال والوجوه.
والنقل للفقه مسؤولية صعبة وأمانة ذات حمل ثقيل، إذ تعتبر طرق النقل والرواية مظنة للخطأ والغلط والإلتباس، بل والكذب في بعض الأحيان، فكان لابد من ضبط قواعد نقل الفقه وروايته، لئلا يضيع بين تلك الأخطاء والأغلوطات والأوهام التي تعرض للرواة عادة، وقد عالج منها نقاد الحديث وصيارفته من قبل معالجة لا تخفى.
وفي مجمل هذه القواعد والشروط اللازمة في نَقَلَة الفقه الإسلامي على وجه العموم ننقل إليك كلام الجويني بحرفه لما فيه من النفائس.
فقد قال -رَحِمَهُ اللهُ-: "لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كيس وفطنة وفقه طبع.
فإن تصوير مسائلها أولًا، وإيراد صورها على وجوهها لا يقوم بها إلا فقيه.
ثم نقل المذاهب بعد استتمام التصوير لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه خبير، فلا ينزل نقل مسائل الفقه منزلة نقل الأخبار والأقاصيص والآثار.
وإن فُرض النقل في الجليات من واثقٍ بحفظه، موثوق به في أمانته، لم يمكن فرض نقل الخفيات من غير استقلال بالدراية.
فإذا وضح ما حاولناه من صفة الناقل، فالقول بعد ذلك فيما على المستفتين.
فإذا وقعت واقعة، فلا يخلو إما أن يصادف النقلة فيها جوابًا من الأئمة الماضين، وإما أن لا يجدوا فيها بعينها جوابًا.
فإن وجدوا فيها مذهب الأئمة منصوصًا عليه نقلوه واتبعه المستفتون".

ثم قال: "قد تقدم أن نقل الفقه يستدعي كيسًا وفطنة وحُظوة بالغة في الفقه.
ثم الفقيه الناقل يُفرض على وجهين: أحدهما: أن يكون في الفقه على مبلغ يتأتى منه بسببه نقل المذاهب في الجليات والخفايا، تصويرًا وتحريرًا، وتقريراً، ولا يكون في فن الفقه بحيث يَسْتَدُّله قياسُ غير المنصوص عليه على المنصوص.
فإن كان كذلك، اعتُمد فيما نقل... " 1. فراوية الفقه ليس كراوية الأخبار، بحيث يكتفى فيه بالعدالة مع الضبط، بل لابد من الفقاهة، ولابد من الدراية بمسالك الإجتهاد التي اختطها الأئمة المنقول عنهم، وذلك يتطلب قدرًا من الفهم والمراس، والمعرفة بالمعاني، والقواعد، وطرق الإستدلال، ومناهج الإستنباط.
والنقل الذي نتحدث عنه كما يكون في الرواية والحكاية لمذهب الإمام المجتهد، كذلك يكون في عملية التخريج والإثراء والزيادة على المنصوصات بالوجوه والأقوال المخرجة المختلفة.
فكلمة "النقل" لها مدلولها بهذا المعنى الثاني على وجه الخصوص، ولذلك فهي قريبة من كلمة "التخريج" في المعنى والمضمون إلا أن بينهما فرقًا.
أوضحه الشيخ عبد القادر بدران بقوله: "واعلم أيضاً أن بين التخريج والنقل فرقًا، من حيث إن الأول أعم من الثاني؛ لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل؛ لأن حاصل معناه: بناء فرع على أصل جامع مشترك، كتخريجنا على تفريق الصفقة فروعًا كثيرة، وعلى قاعدة "تكليف مالا يطاق" أيضًا فروعًا كثيرة في أصول الفقة، وفروعه، وقد جعل فقهاؤنا ذلك كأنه فن مستقل، فألف فيه الحافظ ابن رجب كتابه المسمى بـ"القواعد الفقهية" وألف بعده في ذلك ابن اللحام، لكنهما لم يتجازوا في التخريج القواعد الكلية الأصولية.
وأما النقل: فهو أن ينقل النص عن الإمام، ثم يُخرج عليه فروعًا، فيجعل كلام الإمام أصلًا وما يخرجه فرعًا، وذلك الأصل مختص بنصوص الإمام، فظهر الفرق يينهما" 2.

هذا، ونحاول في دراسة هذا الدور أن نبرز مميراته العامة فيما يتعلق بتصوير الخريطة السياسية للعالم الإسلامي، تتلوها الخريطة الإجتماعية، ثم الخريطة الثقافية التي لها علاقة قوية جدًا ببحثنا في البحث الذي يليه، والذي قد خُصص لبيان الأعمال المهمة التي قام بها رجال هذا الدور، في الجمع والإختصار، وعَمَلِ الشروح والتآليف الجزئية المفردة، والكتابة في أصول الفقه الحنبلي.
ولابد أن نعرف بأبرز هؤلاء الرجال الذين قامت على عواتقهم هذه الجهود والأعمال الناقلة للمذهب والمنمية لشجرته الباركة.
والله ولي توفيقنا وعليه التكلان.

المبحث الأول

مميزات هذا الدور

يعتبر القرن الرابع من أبرز قرون الدولة الإسلامية في السياسة والإجتماع والثقافة.
فالدولة العباسية كانت قد قطعت أكثر من مائة وسبعين سنة في مطالع هذا القرن، ويالتالي تكون تجربتها في السياسة والحكم والإدارة قد بلغت حد النضج، على الرغم من الفتن الداخلية ومنازعة الدول المنشقة عنها لها في أطراف العالم الإسلامي.
وتتبين خريطة العالم الإسلامي السياسية على وجه التقريب في هذه الحقبة الزمنية واضحة في انقسام الخلافة الإسلامية إلى ثلاث دول: فنجد بلاد الأندلس قد خلصت للأمويين منذ الأيام الأولى التالية لسقوط دولتهم في المشرق، وقد استقلت استقلالًا تامًا عن بغداد، وتَسمَّى أميرها بأمير المؤمنين.
وتكونت دولة الفاطميين (العُبيديين) في تونس على أنقاض الأغالبة وأخذت تمتد في ناحية المشرق طامعة في الوصول إلى العاصمة العباسية، فامتدت على رقعة واسعة من المغرب الأقصى والجزائر ومصر والحرمين والشام، وزاحمت بني العباس حتى في العراق، وبني أمية في الأندلس التي كانت قد عظمت جدًا في آخر القرن الثالث والرابع.
فصارت الخلافة الإسلامية في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو أمية في الأندلس، والفاطميون الروافض في المغرب ومصر والحجاز والشام، وبنو العباس فيما وراء ذلك 1. وقد كانت سُلطة الدولة العباسية في هذا القرن قد انتقلت إلى بني بُوَيه بالفعل، وان كانت عباسية بالإسم، وهم جماعة من الفرس حكموا العراق وجنوي فارس زهاء قرن

ونيف، فكان من الطبعي أن يصاب العربي في عهدهم بنكسة، وأن تكون الغلبة للقومية الفارسية، وأن يسود المذهب الشيعي، ويتوغل في شرق الخلافة العباسية المفككة وغربها، وأن يؤدي ذلك إلى صراع عنيف بين السنِّيين الذين كان يساندهم الأتراك، ويين الروافض الذين كان يساندهم البويهيون.
وكان هؤلاء البويهيون على ما لهم من مزايا معروفين بالسطوة والجبروت والقسوة، حتى امتلأ تاريخهم بأخبار الويلات والمآسي التي حلت بالناس من جراء الفوضى التي سادت أيام حكمهم.
ويذكر كثير من المؤرخين أن الخلافة العباسية فقدت هيبتها، وضعف شأنها في العهد البويهي، وأن الخليفة أصبح عبارة عن رمز ديني ليس له من السلطة سوى الإسم فقط، أما السلطة الفعلية في الدولة فكانت في يد الأمير البويهي.
وفي الحقيقة لم يكن بنو بويه هم السبب المباشر لضعف الخلافة العباسية وفقدانها لهيبتها، فالأحداث التاريخية تثبت أن الخليفة العباسي والخلافة العباسية فقدا ما كان لهما من نفوذ وهيبة في عهد ازدياد نفوذ الأتراك قبل قيام الدولة البويهية، حيث أصبح القواد الأتراك، هم المسيطرين فعلًا على مقاليد الأمور في الدولة، وبلغ من نفوذهم المتزايد أن الخلفاء الأريعة الذين تعاقبوا على الخلافة بعد المتوكل على الله في الفترة ما بين (247 هـ) و (256 هـ) وهم المنتصر بالله، والمستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، فقدوا جميعاً حياتهم بسبب ذلك النفوذ المتزايد يومًا بعد يوم.
وكانت النتيجة الحتمية لذلك، هي أن الخليفة أصبح ألعوبة في يد القواد الأتراك، كما كان عاجزًا تمامًا عن عمل أي شيء يتعلق بالخلافة إلا بعد أخذ موافقتهم 1. هذا من الناحية السياسية.
أما من الناحية الإجتماعية، فقد كان وضع المجتمع صورة منعكسة للحالة السياسية على مرآة الزمان والتاريخ، إذ لا ينفك المجتمع عن التأثر والتأثير في السياسة التي تحكمه وتقود زمام الأمور فيه.

فقد كانت بغداد مسرحًا للفوض وفقدان الإستقرار، وكان من أبرز مظاهر هذا الاضطراب تباعد في الطبقات الشعبية، وفشو الإستغلال والترف والبذخ في الطبقات العليا على حساب الطبقات الدنيا حتى أصبح الناس كما يقول مسكويه:"بين هارب جال، إلى مظلوم صابر، إلى مستريح لتسليم ضيعته إلى المُقْطَع ليأمن شره ويوائقه" 1. وقد ازداد الحال سوءًا لكثرة الضرائب واشتداد وطأة الإقطاعات، وفرض الرسوم، واشتطاط عمال البويهين من جند وقواد ومتصرفين في تحصيل الأموال، واحتكار قوت الفقراء، والإعتداء على الناس، ومصادرتهم حتى ثارت الطبقة الفقيرة أكثر من مرة وخاصة في عهدي عضد الدولة، وصمصام الدولة.
وقال المقدسي يصف حال العراق سنة (375 هـ):"إنه ييت الفتن والغلاء، وهو في كل يوم إلى الوراء، ومن الجور والضرائب في جهد وبلاء" 2. وأما الناحية الثقافية، فقد كانت على العكس من ذلك، قد ازدهرت وذهبت بعيداً في الإنتاج والإبداع.
فقد كان الوزراء البويهيون يعنون عناية واضحة بالعلم والأدب، بل كان كثير منهم من جملة العلماء والأدباء الكبار، وكانت مجالسهم تضم كبار العلماء والأدباء، فيحوطونهم بالرعاية مما يشجعهم على تأليف الكتب، ونظم الأشعار في مدحهم والإشادة بفضلهم.
وفد كانت الري وأصفهان من مراكز الثقافة والعلم في شرق الدولة الإسلامية، ويخاصة في عهد البويهين، وقد تقدمت الحركة العلمية في الري بعد أن استقر فيها الوزير البويهى أبو الفضل ابن العميد، الذي تشبه بالبرامكة أيام الرشيد، ففتح بابه للعلماء والأدباء والشعراء، وكان هو الآخر أديباً عالمًا يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل: إن الكتابة بدئت بعبد الحميد وختمت بابن العميد.
وسمي بـ"الجاحظ الثاني"لمكانته الأدبية الرفيعة.
وكان متبحراً في علوم الهندسة والمنطق والفلسفة.
إلى جانب ذلك فقد أنشأ مكتبة عظيمة وعين أحد العلماء خازناً لها، وهو مسكويه 3.

والوزير الصاحب ابن عباد، هو الآخر يعد من أشهر رجال الأدب في عصره، فقد وصفه ابن النديم بأنه كان "أو حد زمانه وفريد عصره في البلاغة والفصاحة والشعر" 1. وقد تعمق في دراسة العلوم الشرعية واللسانية والأدبية.
وكان كثير الإحسان إلى رجال العلم والأدب، دؤوياً على عقد مجالس علمية وأديية لهم، ويذكر ابن خلكان أنه اجتمع عنده من الشعراء مالم يجتمع عند الفقهاء والأدباء والعلماء، مما ساعد على انتعاش الحركة العلمية والأدبية 2. وإذا راجعت كتب الوفيات من الفقهاء والمحدثين والأدباء ومشاهير الأعلام على مدى هذا القرن، فإنك تجد أكثرهم مراوزة أو رازيين أو أصفهانيين أو همذانيين، مما يدل على غزر العلوم هناك ونفاق سوقها في تلك البلدان.
ويصف الشيخ محمد بن الحسن الحجوي -رَحِمَهُ اللهُ- حالة الفقه العامة في هذا الطور.
فيقول: "تطور الفقه في طور الكهولة من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة، إذ وقف في قوته ولم يزد قوة، ومال إلى القهقرى، ولكن لم يسرع إليه الهرم، ولا وصل إلى طور الإنحلال، بل حفظ قوته الأصلية زمن قرنين بسبب ما ظهر فيه من الحفاظ والمجتهدين الكبار والتآليف العظام.
وفي هذا العصر اختلط فيه المجتهدون بغيرهم، فكان يوجد أهل الإجتهاد الطلق، ولكن غلب التقليد في العلماء، ورضحوا به خطة لهم، ولا يزال في هذا العصر يزيد التقليد وينقص الإجتهاد إلى المائة الرابعة، إذ أصبح كثير من علمائها راضين بخطة التقليد، عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن خنبل، وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك.
وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها، وأصبحت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة لا يعدونها، ويذلك نشأت سدود بين الأمة ويين نصوص الشريعة، ضخمت شيئاً فشيئًا إلى أن تنوسيت السنة،

ووقع البعد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، وأصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء وأقوالهم، لا أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - " 1. وهذا الذي صوره الحجوي، وإن كان طابعاً عاماً، إلا أنه ليس كلياً، فقد ظهر في هذا القرن كوكبة من أعظم الفقهاء، وهم وإن صُنفوا في طبقات أحد المذاهب إلا أنهم كانوا يجتهدون ويأنفون من التقليد، كأبي القاسم الداركي الشافعي البغدادي وأحمد بن ميسر المالكي القرطبي، وأبي جعفر الطحاوي الحنفي.
فقد قال الخطيب البغدادي في ترجمة الداركي: "كان عبد العزيز بن عبد الله الداركي إذا جاءته مسألة يُستفتى فيها تفكر طويلاً ثم أفتى فيها، وربما كانت فتواه خلاف مذهب الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما -، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بكذا وكذا، والأخذ بالحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - إذا خالفاه" 2. وقال ابن فرحون في ترجمة أحمد بن ميسر: "مشاور في الأحكام يميل إلى النظر والحجة، ربما أفتى بمذهب مالك حفظاً حسناً واعتنى بكتب الشافعي، وكان يميل إليه، وكان إذا استفتي ربما يقول: أما مذهب أهل بلدنا فكذا، وأما الذي أراه فكذا" 3. وعلى الرغم من أن الفقه نزل من درجة الإجتهاد المطلق إلى درجة الإجتهاد المذهبي والتقليد البحت، فإن العلوم الإسلامية الأخرى قد ازدهرت وتكاملت، وبلغت حد النضج في هذا القرن على وجه الخصوص، وذلك كعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم اللغة، والأصول والجدل والمناظرة.
كل تلك الفنون الخادمة للفقه، والمغذية لأدلته ورسم مناهجه وقواعده، كانت قد مهدت الطريق إلى التدوين

والترتيب رالجمع والتنقيح، وتقسيم الفقه إلى أقسام متعددة، وجعل كل قسم يختص بجانب من جوانبه، كفقه الأدلة وفقه الخلاف وفقه الروايات والأقوال المتعددة المروية عن الإمام الواحد.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد هو اكتشاف المسلمين لأوراق الكاغد أو الكاغيط في زمن الدولة العباسية على يد الفضل بن يحيى البرمكي، ولا ريب كان ذلك الاختراع من أعظم التسهيلات لنشر العلم وتدوينه، ولذلك كانت المائة الثالثة الهجرية متميزة بظهور الدواوين الكبار في الإسلام في مختلف العلوم والمعارف.
وكانت قد اتخذت عدة مصانع للكاغد في بغداد والشام ومصر وفاس والأندلس في شاطبة وبلنسية وطليطلة، ومنها انتقلت صناعته إلى أوربا في حدود القرن الخامس الهجري 1.

المبحث الثاني

أشهر علماء هذا الدور

وأبرز أعمالهم أشهر علماء هذا الدور ينتظم هذا الدور أحفاد الإمام أحمد في التلمذة ورواية العلم، فمن دونهم، إلى خاتمة المتقدمين وشيخ الشيوخ الحسن بن حامد -رَحِمَهُ اللهُ- (ت 403 هـ). وقد ذكر ابن الجوزي منهم عددًا كثيرًا في "المناقب" واستقصاهم القاضي ابن أبي يعلى في "الطبقات".
وسنعرّف بأشهرهم متتبعين في ذلك سير الزمن وترتيب الطبقات:

1 -

الخلال (311 هـ):

أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر، الشهير بالخلال.
نشأ في بغداد وعاش فيها إلى أن مات.
والخلّال نسبة إلى بيع الخل فيما يبدو، ويشاركه في هذه النسبة جماعة من أصحاب أحمد وغيره، لكن لشهرته وعظم شأنه عند الحنابلة أصبحت هذه النسبة عَلمًا عليه بالغلبة عند الإطلاق.
سمع الخلال من الحسن بن عرفة، وسعدان بن نصر، ومحمد بن عوف الحمصي، ومن في طبقتهم ويعدهم، وصحب أبو بكر المروذي إلى أن مات.
ورحل إلى فارس والشام والجزيرة يتطلب فقه الإمام أحمد وفتاويه وأجوبته، وكان فقه الإمام أحمد إذ ذاك لا يزال مفرقًا في دواوين أصحابه: رواة السائل، وكان كثير منهم قد رحل إليه من بلدان مختلفة ثم رجعوا إلى أوطانهم أساتذة معلمين، وهناك من كان ببغداد، كالمروذي وعبد الله بن الإمام أحمد.

ولماكان قصد الحلال هو جمع علم الإمام أحمد وتدوينه في كتاب مصنف، كان لابد من الرحلة والتقصي في البلدان.
ولم يقتصر على الرواة الكبار للمسائل، ولا على طبقة واحدة، بل تتبع الرواة على اختلافهم في الكثرة والقلة، والمباشرين والذين رووا بواسطة، وهكذا.
قال ابن أبي يعلى: "سمع منهم مسائل أحمد، ورحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها، وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق، وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم" 1. وقال ابن الجوزي: "صرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، منها كتاب "الجامع" نحو من مائتي جزء، ولم يقاريه أحد من أصحاب أحمد في ذلك" 2. وهذا يدل على حجم ذلك الديوان العظيم الذي أطلق عليه اسم "الجامع لعلوم أحمد" تارة، و"جامع الرواية عن أحمد" تارة، و"الجامع في الفقه من كلام الإمام أحمد" تارة ثالثة.
فهو نحو من مائتي جزء في كلام ابن الجوزي السابق، وقال الذهبي وابن القيم 3: يكون عشرين مجلدًا أو أكثر.
ولا معارضة بين ذلك، لأن المتقدمين كانوا يطلقون على الكراس، وعلى ما يقرب من الكراسين جزءًا، وأما السفر -أو المجلد- فهو ما جمع عدة أجزاء 4. • مصنفات الخلّال: صنف الخلال إلى جانب "الجامع" كتبًا أخرى، منها: "العلل"، و"السنة"، و"الطبقات" يعني طبقات أصحاب الإمام أحمد، و"العلم"، و"تفسير الغريب"، و"الأدب"، و"أخلاق أحمد"، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، و"الحث على التجارة" 5.

2 -

ابن المنادي (256 هـ - 336 هـ):

أحمد بن جعفر بن محمد، أبو الحسين، البغدادي المولد والنشأة والوفاة.
سمع جده محمدًا، وأباه جعفرًا، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعباس الدوري، وزكريا بن يحيى المروذي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم.
لكنه اختص بكثرة الرواية عن عبد الله بن الإمام أحمد، فلئن كان الخلال اختص بالمروذي، وروى ما عنده، فقد اختص ابن المنادي بعبد الله.
وكان -رَحِمَهُ اللهُ- ثقة أمينًا ثبتًا صدوقًا ورعًا، حجة فيما يرويه، محصلًا لما يحكيه.
وكان من المصنفين المكثرين، حتى قالوا: إن مصنفاته بلغت نحوًا من أربعمائة مصنف، قال ابن الجوزي: ولا يوجد في كلامه حشو، بل هو نقي الكلام جمع بين الرواية والدراية 1. ومع كثرة هذه التصانيف، فإن الناس لم يسمعوا منها إلا أقلَّها، والسبب في ذلك على ما قاله الخطيب البغدادي، هو أنه كان صُلْب الدين، شرس الأخلاق 2. ويعد ابن المنادي، بالإضافة إلى روايته الفقه عن أحمد، من الحفاظ للحديث، ومن القراء واللغويين، فلذلك نجده مترجمًا في طبقات علماء هذه الفنون.
قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءة عرضاً، وروى الحروف سماعًا عن الحسن بن العباس، وأبي أيوب الضبي، وإدريس بن عبد الكريم، والفضل بن مخلد الدقاق.. ثم قال: مقرئ جليل، غاية في الإتقان، فصيح اللسان، عالم بالآثار، نهاية في علم العربية، صاحب سنة، ثقة مأمون 3. وكان ابن المنادي من المشاركين في الفقه الممارسين له، المستقلين بالفهم داخل الذهب الحنبلي، حتى إنه كانت له اختيارات، منها: إيجاب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وتنجيس أسآر جوارح الطيور، وتحريم الوضوء من آنية الذهب والفضة مع الحكم بصحة الطهارة 4.

3 -

أبو بكر النجاد (253 هـ - 348 هـ):

أحمد بن سلمان بن الحسن، أبو بكر النجاد، البغدادي.
العالم الناسك الورع، الحافظ، الفقيه المفتي.
كان له في جامع المنصور حلقتان قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإمام أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث.
وقد اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديثه ومصنفاته.
سمع الحسن بن مكرم، ويحيى بن أبي طالب، وأحمد بن ملاعب، وأبا داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن الإمام، وغيرهم.
وكان النجاد إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق البابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته، وكان يملي في حلقة عبد الله بن الإمام، وفيها كان يملي تلميذه من بعده ابن مالك 1 (أبو بكر القطيعي).
وهذا يدل على التوارث الذي أخذ يتناسق على الدهر في رواية الفقه الحنبلي وعلومه في مدينة السلام.
صنف النجاد كتاباً كبيرًا في السنن 2، كان محدثاً معدودًا في الحفاظ، حتى كان تلامذته يفرحون به ويقايسونه بابن صاعد.
قال أبو الحسن بن رَزقُوَيهْ: النجاد ابن صَاعدنا.
وهو يعني -كما قال الخطيب البغدادي: "أن النجاد في كثرة حديثه، واتساع طرقه، وعظم رواياته، وأصناف فوائده، لمن سمع منه، كيحيى بن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته في الحديث" 3. وصنف أبو بكر النجاد كتابًا كبيرًا في "الخلاف"، قال ابن الجوزي: نحو مائتي جزء 4.

وهذا يعني أنه يقع بحدود عشرين مجلدًا بتقديرنا الحالي.
وفقه الخلاف هو الفقه المقارن بين إمامين أو مجموعة من الأئمة المجتهدين، وقد ألف فيه العلماء من مختلف المذاهب من لدن الإمام الشافعي (204 هـ) في كتابه "الأم" إلى قرون متأخرة، وللغزالي فيه كتاب "المآخذ"، ولأبي بكر بن العربي المالكي كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي الحنفي كتاب "التعليقة"، ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الخلافيات (1). وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل في هذا الفن، حتى إن تصنيفاتهم بلغت فيه نحوًا من خمسين عنوانًا في الخلاف العالي فقط، وهو الخلاف خارج المذهب الحنبلي، فضلًا عن الخلاف المذهبي الممثل بالروايات والوجوه والإحتمالات والإختيارات وغير ذلك.

4 -

الخِرَقي (334 هـ):

عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم، الخرقي، نسبة إلى بيع الخِرَق، البغداري المولد الدمشقي الوفاة 2. أحد أئمة الذهب الحنبلي، كان عالمًا بارعًا فيه، ذا دين وورع.
تلقى العلم على تلامذة المرّوذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد.
صنف الخرقي عدة مصنفات، لكن حظه منها في الإنتشار كان كحظ ابن المناري من قبله، فلم ينتشر منها إلا "المختصر" الشهير، والسبب في ذلك: أنه خرج من بغدار -مدينة السلام- لما ظهر سب الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد 3.1

جارٍ التحميل