هـ - جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور.. وكذا خائف فوات الجمعة والعيدين وهو محدث 1.
و- المرأة إذا لم يمكنها الإغتسال في البيت أو شق عليها النزول إلى الحمام، وتكرره أنها تتيمم وتصلي (1).
ز - لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين، ولا لسن الإياس من الحيض.
وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها 2.
حـ - تارك الصلاة عمداً لا يجب عليه القضاء ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل 3.
ط - يجوز القصر في قصير السفر وطويله 4. وأن سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة 5.
ثانياً: مميزاتها:
تتميز اختيارات ابن تيمية بكونها لا تتقيد بالمذهب الحنبلي على ما هو الغالب في الإختيارات، ولكنها آراء مختارة من الفقه الإسلامي الواسع الرحيب من غير تقيد بمذهب من بينها، يتخير منها ولا يتقيد، إلا أنه يميل إلى المذهب الحنبلي في الغالب 6.
فاختيارات شيخ الإسلام تدل على مدى قدرته الواسعة في الإجتهاد، مع مراعاة الموافقة لفقهاء الصحابة أو التابعين أو الأئمة المجتهدين الذين جاءوا من بعدهم، ولو كان ذلك خارج نطاق المذاهب الأربعة ما دام الدليل هو السائق إليه، وما دامت المسألة خلافية يصح فيها الإجتهاد، ولم تنحسم بإجماع يعتد به وتحرم مخالفته.
وهذه نماذج من تلك الإختيارات الخارجة عن نطاق المذاهب الأربعة:
ففي الطهارة يقول: وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان 7.
فأنت تلاحظ أنه في هذه المسألة خالف أئمة المذاهب الأربعة، لكن وافق أربعة من غيرهم.
ويقول في باب المسح على الخفين: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري 1.
فقد وافق الحسن البصري من فقهاء التابعين، واستعمل في ذلك القياس على عدم وجوب الإعادة لمسح الرأس بعد الحلق، وهو قول الجمهور، والصحيح من مذهب الإمام أحمد.
ويقول في كتاب البيع: وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، فلو باع جارية، وشرط على المشتري: إن باعها فهو أحق بها بالثمن، صح البيع والشرط، ونقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - 2.
هذه نماذج من اختياراته التي لم يتقيد فيها بالمذاهب الأربعة.
وإذا كان كذلك، فكونه يختار ما يتوافق مع بعض المذاهب الأربعة من باب أولى.
وهذه بعض الأمثلة:
ففي الطهارة يقول: والأحداث اللازمة، كدم الإستحاضة، وسلس البول، لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد.
وهو مذهب مالك 3.
ويقول في باب الحيض: ويجوز للحائض قراءة القرآن، بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك.
وحُكي رواية عن أحمد 4.
وفي البيع يقول: وإن اصطرفا ديناً في ذمتهما جاز، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة، ومالك، خلافاً لما نص عليه أحمد 5.
•
الأسس التي ترتكز عليها اختيارات شيخ الإسلام
:
بعدما تبين أن اختيارات ابن تيمية هي اختيارات من الخلاف داخل المذهب الحنبلي في الكثير منها، والقليل الباقي هو اختيار من الخلاف العالي -أي الخلاف خارج المذهب الواحد- في نطاق المذاهب الأربعة، أو خارج نطاقها، بعد معرفة ذلك نحاول أن نكشف عن الأسس والمنطلقات التي بنى عليها ابن تيمية اختياراته.
ولا شك أن تلك الأسس والمنطلقات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنزلة ابن تيمية في مراتب المجتهدين، ثم في منهجه في الفتوى وأصوله في التصرف بشأنها.
•
مرتبة ابن تيمية في طبقات المجتهدين
:
درج المتأخرون من علماء الأصول على ترتيب المجتهدين في عدة مراتب، وقسموهم إلى طبقات متعددة، بعضها فوق بعض.
قال ابن بدران في "المدخل":
جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمس مراتب، وممن علمناه جنح إلى هذا التقسيم أبو عمرو ابن الصلاح، وابن حمدان من أصحابنا في كتابه "أدب المفتي" وتلاهما شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، فإنه نقل في "مسودة الأصول" كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه، وتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه "شرح المنتهى" الفقهي 1.
وخلاصة هذه المراتب حسبما في آخر "الإنصاف" للمرداوي:
أن المجتهدين ينقسمون إلى قسمين:
- القسم الأول: المجتهد المطلق، وهو الذي اجتمعت فيه شروط الإجتهاد التي ذكرها ابن قدامة في "المقنع" في شروط القاضي، لدى قوله: "والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام والحقيقة والمجاز... " 2 الخ.
إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها، ولا يتقيد بمذهب أحد.
- القسم الثاني: المجتهد المقيد، وهو المجتهد في مذهب إمامه، أو إمام غيره، وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكنه سلك طريقه في الإجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيراً منه على أهله، فوجده صواباً، وأولى من غيره، وأشد موافقة فيه وفي طريقه.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عالماً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والإستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه.
وهذه مرتبة أصحاب الوجوه والطرق في المذاهب.
الحالة الثالثة: أن لا يبلغ به رتبة أئمة المذهب من أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، ونصرته، يصور، ويحرر، ويمهد ويقوي، ويزيف، ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك.
وهذه صفة المتأخرين الذي رتبوا المذاهب، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب، ونقله وفهمه، فهو حجة في نقل المذهب وفتواه به، على أنه مخبر ناقل، لا مجتهد مستنبط، ولا يجتهد إلا في المسائل التي تتشابه مع المنصوصات بغير كبير تأمل ولا فكر.
وكذلك المسائل التي يعلم أنها تندرج تحت ضابط من الضوابط الفقهية 1. إذا تبين هذا، فأين يرتب شيخ الإسلام؟ لا شك أن فتاويه التي أفتى بها على خلاف مذهب الإمام أحمد تدل على أنه إما مجتهد مطلق، وإما مجتهد مقيد من الدرجة الأولى.
وقد عده المرداوي في "الإنصاف" 2 مجتهداً مطلقاً، فقال: قد ألحق طائفة من أصحابنا المتأخرين بأصحاب هذا القسم -يعني القسم الأول- الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمة الله عليه- وتصرفاته في فتاويه، وتصانيفه تدل على ذلك.
ا. هـ.
ومعنى ذلك: أن شيخ الإسلام يستقل بأصول في الإجتهاد والفتوى عن الأئمة الأربعة، ومنهم الإمام أحمد، ولكن تلك الأصول التي استقل بها تتشابه إلى حد بعيد مع أصول الإمام أحمد.
ويذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى القول بأن شيخ الإسلام معدود في المجتهدين المنتسبين، أي: إنه عنده مجتهد ضمن المذهب الحنبلي.
فقال: ولقد غالى فيه بعضهم فادعى أنه من أصحاب الإجتهاد المطلق الذي لم ينتسب إلى مذهب من المذاهب، وعلى ذلك يكون القول المعتدل الذي لا مغالاة فيه ولا شطط، ولا بخس ولا وكس: إنه مجتهد منتسب 1.
وكلام الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- غير مسلم لعدة أسباب، منها:
أولاً: أنه اعتبر من وصفه بالإجتهاد المطلق مغالين فيه، وأنهم يقعون على الطرف النقيض من أولئك الذين ينزلون به عن درجات الإجتهاد كلية لسبب العداوة والخصومة، ونحن لا نستطيع أن نتعرف على عالم من علماء المسلمين الذين غبروا إلا من خلال تلك الكتب التي عرّفت به أو الآثار التي تركها ووصلت إلينا، ولا يجوز لنا أن نعتبر كلامهم مغالاة أو اشتطاطاً إلا إذا تبين ذلك بوضوح.
وقد تقدم أن المرداوي يعتبره من المجتهدين على الإطلاق، وهو من علماء المذهب المحققين، الذين لا يطلقون الكلام جزافاً ولا مبالغة.
ووصفه ابن رجب في "الطبقات" 2 بأنه: الإمام الفقيه المجتهد المحدث... إلخ.
وعادته -رَحِمَهُ اللهُ- أن لا يصف كبار الحنابلة بوصف "المجتهد" فضلاً عن صغارهم، فدل ذلك أنه يعتبره مجتهداً مطلقا.
وقال الذهبي فيه: وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة... إلى أن قال: وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده 3.
وقال في موضع آخر: وإن عُد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق 1، وقال البرزالي-وهو تلميذه-: وبلغ رتبة الإجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين 2، ولا ريب أنه يعني بذلك المجتهد المطلق، لأن شروط المجتهدين التي نص عليها الأصوليون والفقهاء هي الشروط التي تؤهل الفقيه إلى رتبة الإجتهاد المطلق.
فهذه الشهادات، وغيرها مما تركناه، تدل على أنه كان مجتهداً مطلقاً في نظر أولئك الذين يعرفونه عن قرب، ويشهدون على المعاينة، أو النقل القريب.
وبالتالي لا يعتبر التوسط بين هؤلاء وبين أولئك الذين ظلموه ويخسوه حقه عدالة في القول وصواباً في الحكم وتجانفاً عن الغلو.
ثانياً: أن كثيراً ممن ترجم له وصفه بأنه كامل المعرفة بالقرآن وعلومه، والحديث وفنونه، واللغة ومباحثها، والأصلين، وغير ذلك مما يعده الأصوليون في الشروط المطلوبة في المجتهد.
وإذا كان الذي يحفظ أحاديث الأحكام بالإضافة إلى الدراية بعلوم السنة محصلاً لشرط الإجتهاد المطلق في ذلك، فكيف برجل قيل فيه: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث 3؟!!
بل قد صرح الكمال ابن الزملكاني باستكمال شروط الإجتهاد لدى ابن تيمية، فقال: اجتمعت فيه شروط الإجتهاد على وجهها 4.
ثالثاً: إن الشيخ أبا زهرة نفسه يقرر استقلال شيخ الإسلام بأصول يتميز بها عن غيره في الإجتهاد، فيقول مثلاً: إنه بلا شك من حيث أدوات الإجتهاد، والمدارك الفقهية، ومن حيث علمه بالسنة واللغة ومناهج التفسير، وفهمه للقرآن، وأصول السنة وإحاطته بالحديث دراية ورواية، يوضع في الدرجة الأولى من الإجتهاد المطلق 5. لكنه مع ذلك لم يجعله مجتهداً مستقلاً، لكونه يدور في فلك المذهب الحنبلي في نتائج الإجتهاد، حيث يتفق غالباً مع مذهب أحمد، ولو في بعض الروايات التي نُقلت عنه.
وهذا لا حجة فيه، لَما عَلمنا من أن الروايات عديدة في مذهب الإمام أحمد، حتى إننا لو اعتبرنا تلك الروايات مذهباً له على إطلاقها دون إعمال قواعد الترجيح والإعتماد والتمييز، إذاً لإستغرق مذهبه الخلافَ الموجودَ بين الصحابة والتابعين، ولم يبق من تفردات الإمام أحمد المطلقة عن بقية المذاهب إلا النادر الذي لا يلتفت إليه عادة.
ولا شك في أن شيخ الإسلام وليد المدرسة الحنبلية، وأنه من أتقن الناس معرفة بمذهب إمام السنة أصولاً وفروعاً، فهذا لا يجادل فيه أحد، ولا مجادلة في أن تفردات ابن تيمية عن المذهب الحنبلي قليلة.
وكذلك عن المذاهب الأربعة هي أقل، ولكن ذلك لا يمنع من صحة ما ترجح، لأن الإنسان مهما اجتهد في الأزمنة المتأخرة، فإنه لابد أن ينتهي إلى ما يوافق أحد المذاهب الأربعة، ولو في قول مرجوح، أو في وجه من الوجوه، أو في إحدى الروايات التي لم يعتمدها المتأخرون.
وذلك لا يعد مانعاً من أن يبلغ العالم من المتأخرين ما بلغه المتقدمون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
•
منهج ابن تيمية في الفتوى والإجتهاد
:
ويسلك شيخ الإسلام في منهاجه العام في الإجتهاد والفتوى مسلك الإمام أحمد، وأصوله العامة، لأنها أصح الأصول في نظره، كما أنه يضيف إلى ذلك أصول أهل المدينة وعلى رأسهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس -رَحِمَهُ اللهُ-، وهو يعتبر أصولهم راجحة على أصول غيرهم، وأنها تتشابه في الجملة مع أصول الإمام أحمد.
هذا ما يلحظ من خلال تفحص فتاويه ومباحثه المتعلقة بالمذاهب، فقد قال بصدد ترجيح أصول الإمام أحمد ما نصه:
"ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع، وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة... وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها
عن أبي حنيفة والشافعي، مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه.... فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر، وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول أحمد، وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة، ونحو ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش ونحو ذلك، وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود، والرجوع في الأيمان إلى سبب اليمين، وما هيجها مع نية الحالف، وكإقامة الحدود على أهل الجنايات، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون يقيمونها، كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك، وكاعتبار العرف في الشروط، وجعل الشرط العرفي كالشرط اللفظي، والإكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس، وإن ما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة، وما عدوه هبة فهو هبة، وما عدوه وقفاً فهو وقف، لا يعتبر في ذلك لفظ معين، ومثل هذا كثير" 1. فأنت تلمس من خلال هذا، أن شيخ الإسلام يفضل المذهبين ويقارب بينهما، لأنهما يعتمدان جميعاً في الأصول الإجتهادية ما يلي:
- الإعتداد بسد الذرائع وإبطال الحيل التي تؤدي إلى هدم مقاصد الشارع.
- الإعتبار للمعاني والمقاصد في العقود وعدم التركيز على الألفاظ المعبرة عنها.
- إعمال السياسة الشرعية في تنفيذ الحدود والزجر عن الجرائم.
- الإعتبار للعرف في الشروط وألفاظ العقود وغير ذلك مما لا يتناقض مع نصوص الشرع.
وقد حُفظ في فتاويه -رَحِمَهُ اللهُ- كلام مطول نحو مائة صفحة تحت عنوان: "صحة أصول أهل المدينة" 2. وهذه بعض المقتطفات المهمة منه: "مذهب أهل المدينة النيوية -دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة... - مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقا وغرباً، في الأصول والفروع... وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان مذهب
أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسون بأثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها... ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة... فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين، كما خرج من سائر الأمصار... وهذا باب يطول تتبعه، ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم لطال الكلام.
إذا تبين ذلك، فلا ريب عند أحد من أن مالكا - رضي الله عنه - أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه...
وأما الحديث فأكثره نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه، كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع، موافقاً للحديث الصحيح الذي رواه... إذ قلَّ من سنة إلا وله قول يوافقها، بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة، فإنهم كثيراً ما يخالفون السنة، وإن لم يتعمدوا ذلك.
ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما".
اهـ.
ثم ساق شيخ الإسلام في آخر البحث أمثلة كثيرة مما ذهب إليه أهل المدينة في العبادات والمعاملات والجنايات، وانتصر إليه بالحجة والدليل والنظر إلى مقاصد الشريعة وحكمة التكليف، وهو في ذلك كله ينظر بالمنظور الحنبلي، ويزن بميزانه، مما يدل في النهاية أن ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- جمع بين أصول الحنابلة وأصول أهل المدينة، وجعلها منهاجاً يسير عليه في الفتوى والإجتهاد والترجيح بين أقوال العلماء في الكليات والجزئيات.
الفصل الرابع
أبرز مؤلفات المذهب الحنبلي
وفيه
تمهيد
، وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.
تَمْهِيدْ
تعتبر مكتبة المذهب الحنبلي ثروة هائلة في الفقه الإسلامي، في أصوله وفروعه، وقد تكونت هذه المكتبة عبر الأدوار التي مر بها هذا المذهب في تاريخه وتطوره.
وكما سبق تركز المذهب الحنبلي في بغداد، ثم في الشام (دمشق - بعلبك - نابلس) ثم في مصر، ثم في المملكة العريية السعودية، فقد كانت المكتبة الحنبلية هي الأخرى تتبع ذلك التركز والتوضع في تطورها، وتكاملها.
ولا يخفى أن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على الرأي في أول أمره، كما مرَّ في سيرته، وذلك يستلزم بالحتم والتأكيد كراهة التأليف في الفقه وأصوله، لأن الفقه فيما عدا منصوصات الكتاب والسنة، إنما هو الرأي والقياس والإجتهاد.
ومن هنا، فإن فقه الإمام المبجل حُفظ ودون بواسطة جهود أولئك التلاميذ الذين كانوا يحيطون به، ويسمعون منه الأجوبة عن الأسئلة التي كانوا يسألونه إياها، أو يُسأل عنها بحضرتهم، فمنهم من دونها مباشرة، ومنهم من حفظها واستودعها ذاكرته، حتى إذا جاء وقت الحاجة دونها، وأملاها على تلامذته من الطبقة الثانية.
ثم جاء الخلَّال فجمع تلك المسائل بقدر ما أمكنه، فأدى واجب الكفاية في لَمِّ شمل هذا المذهب الجليل، وتدوينه تدويناً منهجياً يسهل على من جاء بعده معرفة المذهب الأحمدي وفاقاً وخلافاً وتوقفاً.
ثم جاءت أدوار التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال بالمنقول والمعقول، ووضع الأصول، والقواعد والضوابط، وغير ذلك من الأعمال الفنية والعلمية التي أخرجت الفقه الحنبلي إخراجاً كلاملاً، لا ينقصه شيء، على غرار المذاهب الأخرى التي مرت بنفس المراحل في التنقيح، والتهذيب، والتخريج، والإستدلال، والتأصيل.
ولا ريب أن اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة كان من المشكلات التي واجهت مقرري المذهب، ومحرريه، ومصححيه، إلا أنهم استطاعوا بفضل الله
وتوفيقه أن يصلوا إلى ييان الصحيح من الضعيف، والراجح من المرجوح، والمحفوظ من الشاذ في تلك الروايات، كما أوضح المرداوي ذلك في "تصحيح الفروع" وابن بدران في "المدخل" 1.
ويهذه الجهود الضخمة خلف علماء الحنابلة تراثاً فقهياً ضخماً يتمثل في مصنفاتهم الكثيرة والمتنوعة، كثرة وتنوعاً تستعصي على الاستقصاء، وتعزب عن الحصر والإحاطة، وكيف لا، وهذا "مختصر الخرقي" عليه المئات من الشروح، حتى قال يوسف بن عبد الهادي (909 هـ) في آخر شرحه لغريب هذا "المختصر": قال شيخنا عز الدين المصري، إنه ضبط له ثلاثمائة شرح، وقد اطلعنا له على قريب العشرين شرحاً 2.
وسنحاول أن نعرف بأهم المؤلفات في المذهب الحنبلي، التي اعتمد عليها العلماء والطلاب والباحثون، وعم نفعها، وبنى عليها الفقهاء في الفتوى والتأليف،- ولن نستقصي هنا في سرر المصنفات لأن ذلك سيكون بإذن الله في قسم مستقلٍّ خاصٍّ بذكر مؤلفات الحنابلة.
وذلك في ثلاثة مباحث رئيسة:
المبحث الأول: في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف.
المبحث الثاني: في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
المبحث الثالث: في التعريف بأشهر الكتب المعتمدة في المذهب.
المبحث الأول
في فنون الفقه التي توزعتها التصانيف
كانت مراحل تدوين الفقه الإسلامي شبيهة بمراحل تدوين السنة وعلومها، فقد كان الفقه في نشأته المبكرة مدوناً في جوامع لمسائله الروية عن أئمته بالسند المتصل، ثم أفرغت تلك الجوامع في مصنفات مبوبة ومرتبة ترتيباً أكثر منهجية، وأوضح تبويباً، وأدق ترتيباً، وهكذا شيئاً فشيئاً، حتى تشعب إلى شعب وفنون مختلفة سواء من الناحية الشكلية أو من الناحية الموضوعية.
ويمكن أن نضبط تلك الفنون والشعب التي توزعتها التصنيفات، وتناولتها البحوث والتأليفات، بعشرة أنواع:
1 - التأليف في الفقه العام الشامل للموضوعات.
2 - التأليف في موضوعات فقهية مفردة.
3 - التأليف في فقه الخلاف أو الفقه المقارن.
4 - التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات.
5 - التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى.
6 - التأليف في لغة الفقهاء أو المعاجم الفقهية أو فقه المصطلحات.
7 - التأليف في المفردات والغرائب والنوادر.
8 - التأليف في الإختيارات الفقهية.
9 - التأليف في الفتاوي.
10 - التأليف في الألغاز.
التأليف في الفقه الشامل للموضوعات:
نقصد بالفقه العام، أو الفقه الشامل للموضوعات، مجموع الأحكام التكليفية والوضعية، وما يتصل بها ويتبعها، والتي تنتظم الحياة الإنسانية في حالتيها الفردية والجماعية.
وقد درج الفقهاء على تقسيم موضوعات الفقه الإسلامي إلى عبادات ومعاملات، وذلك أن الإنسان لا يخلو في نشاطه الدنيوي المسؤول من أن يكون مخاطباً أو مشغولاً بعبادة ربه سبحانه وتعالى، أو مخاطباً أو مشغولاً بعاملة من المعاملات التي لها علاقة بنفسه أو بغيره.
وفي ذلك كله فِقْهٌ يحدد الأركان والواجبات، والسنن والآداب والمستحبات، والشروط والموانع والمفسدات، كما يحدد الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، والمكروه والمباح.
فإذا تبين هذا، فإننا عندما نرجع إلى جدول الترتيب الموضوعي للفقه في كتب الحنابلة، نجدهم درجوا على هذا التسلسل:
أولاً: قسم العبادات: وفيه كتاب الطهارة.
كتاب الصلاة.
كتاب الجنائز.
كتاب الزكاة.
كتاب الصيام.
كتاب المناسك (الحج والعمرة).
ثانياً: قسم المعاملات المالية: وفيه: كتاب البيوع، وتوابعه من: القرض، والسلم، والحوالة، والكفالة، والصلح، والوكالة، والمضاربة، والشركة، والإجارة، والعارية، والغصب، والوديعة، والشفعة، وإحياء الموات، والوقف، واللقطة، والهبة.
ثالثاً: قسم الأحوال الشخصية: وفيه كتاب الوصايا.
كتاب الفرائض.
كتاب العتق.
كتاب النكاح.
كتاب الصداق.
كتاب الطلاق.
كتاب الرجعة.
كتاب الإيلاء.
كتاب الظهار.
كتاب القذف واللعان.
كتاب العِدَد.
كتاب الرضاع.
كتاب النفقات.
رابعاً: قسم العقوبات: وفيه كتاب الجراح وما يتبعها من قصاص وديات.
كتاب الحدود.
كتاب الجهاد.
خامساً: قسم الحظر والإباحة: وفيه: كتاب الأطعمة وما يتبعها من الذكاة والصيد.
كتاب الأيمان والنذور.
سادساً: قسم الأحكام: وفيه: كتاب الأقضية.
كتاب الشهادات.
كتاب الإقرار.
وقد صنف الحنابلة عدداً كبيراً من الكتب الجامعة التي استوعبت الموضوعات السابقة، من مطولات ومختصرات، مما سنعرِّف ببعضه فيما بعد إن شاء الله.
وقد روعي الترتيب السابق في جل التصنيفات الجامعة، وهو المنهج الذي استقر عليه المتأخرون من بعد المجد ابن تيمية في "محرره " وابن قدامة في "المقنع" و"الكافي" و"العمدة".
أما في "المغني" فقد اتبع ترتيب الأصل، وهو"مختصر الخرقي"، وهو يختلف شيئًا قليلاً في الترتيب وفي تسمية بعض العناوين، فنجده يدرج كتاب الإقرار في ضمن المعاملات المالية، كما يؤخر الوديعة عن المعاملات المالية، ويدرجها فيما بين الميراث والنكاح، ويجعل العتق آخر الكتب، ويجعل كتاب السبق والرمي بين الصيد والأيمان، وهو من المعاملات المالية.
كما أننا نجد فيه كتاب قسم الغنيمة والفيء والصدقة، وهو كتاب وزعه المتأخرون على الجهاد والزكاة.
وكتاب الأضاحي، وهو يندرج عند المتأخرين ضمن كتاب الحج لمناسبته للهدي، كالعقيقة.
وكتاب الكفارات وهو يتوزع عند المتأخرين على عدة كتب، كالصيام، والقتل، والأيمان، والظهار.
وفي الجملة نجد المتقدمين يختلفون بعض الإختلاف مع المتأخرين في الترتيب، وفي العناوين، كما نلاحظ ذلك في "مسائل عبد الله" وفي كتاب "الروايتين والوجهين" لأبي يعلى، "والإرشاد" للشريف أبي علي بن أبي موسى.
التأليف في موضوعات فقهية مفردة:
وذلك، كأن يجرد المؤلف كتاباً من الكتب الفقهية التي سبقت الإشارة إليها، ويصنف فيه تصنيفاً مستقلاً، أو يصنف في باب من أبواب ذلك الكتاب، أو في فصل، أو في مسألة.
وقد يكون عنوان الموضوع المفرد في التأليف غير معروف في فهارس الموضوعات للكتب الفقهية الجامعة، وذلك مثل: أحكام النساء، وأحكام الخواتيم، والأقسام التي أقسم بها النبي - صلى الله عليه وسلم -... إلخ
والتأليف في الموضوعات المفردة عند الحنابلة سُنَّة سنها الإمام أحمد نفسه في التصنيف الفقهي وغيره.
فقد سبق التعريف بكتبه التي ألفها، وإذا لاحظنا عناوينها الدالة على محتوياتها نجد أكثرها مفردات في علوم مختلفة، وذلك كـ: "فضائل الصحابة" و"الناسخ والمنسوخ" و"الفرائض" و"الإمامة" و"نفي التشبيه" و"المناسك" الكبير والصغير، و"الأشربة" و"الوقوف والوصايا" و"أحكام النساء" و"الترجل" و"الإرجاء".
وغير ذلك.
وقد طَبَعت هذه المصنفات في نفوس أصحاب الإمام أحمد فكرة التصنيف في الموضوعات المفردة المستقلة، وعلى وجه أخص فإننا نجد في طبقات المتقدمين منهم اهتمامًا كبيرًا بهذا اللون من التأليف، لشدة تأثرهم بسيرة الإمام المبجل في العلم والعمل، حتى إنهم ألفوا كتباً كثيرة تحت نفس العناوين التي سبقت الإشارة إليها.
فنجد "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود، ولأبي جعفر ابن النحاس، ولمحمد الموصلي.
ونجد "الفرائض" لعبد الله العكبري.
ونجد "نفي التشبيه" لإبن عقيل، ونجد "المناسك" لعبد الله العكبري، وإبراهيم الحربي، ولأبي الخطاب الكلوذاني، ولجعفر السراج، ولعلي الزاغوني، ولابن قدامة المقدسي، ولعبد الوهاب النابلسي.
ونجد "أحكام النساء" للآجري، والعكبري، وابن رجب، والخلال، وابن الجوزي.
ولا يخفى ما في التآليف المفردة من فوائد، فإنها تدل على الإهتمام بالموضوع المؤلف فيه، والإستقصاء في جمع شتاته ولَمِّ شعثاته، وقد يجد المؤلف بالنَّاس حاجةً ماسةً يراها من فريضة العصر وواجب الوقت، ليبين لهم ما أنزل الله لهم من الحق، وما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته في ذلك من الكتاب والحكمة.
قال أبو حاتم الرازي: أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة 213 هـ، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاةكتاب "الأشربة" وكتاب "الإيمان"، فصلَّى، ولم يسأله أحد، فرده إلى بيته.
وأتيته يوماً آخر، فإذا قد أخرج الكتابين فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر 1.
فنلاحظ كيف تنبه الإمام أبو حاتم إلى أهمية الكتابين، وضرورتهما للناس، ونزيد على ذلك، فنقول: إنه ما من شك يمكن أن يحوم بالأذهان أن بغداد في زمن الإمام أحمد كانت مرتعاً لنشر البدع والفقه الشاذ، فقد كانت بدع المعتزلة والقدرية والمرجئة تفعل فعلها في الناس كبارًا وصغاراً، فكان الإمام أحمد يرى تأليف مثل كتاب "الإيمان" فريضة الوقت في الرد على تلك البدع المضلة بأبلغ جواب، وذلك ببيان ما في كتاب الله وسنة رسوله من الحق الذي لا يمتري فيه مسلم.
والى جانب ذلك، فقد درج بعض الخلفاء العباسيين على استحلال النبيذ وتناوله، مصيراً منهم إلى تقليد بعض فقهاء الكوفة الذين أباحوا الأنبذة المتخذة من غير العنب، ولو كانت مسكرة، ما دام القدر المشروب منها لم يصل بالشارب إلى حد الثمول.
وتلك بلية تستحق تأليف كتاب مثل "الأشربة" لبيان ما ثبت في السنة مما يخالف ذلك الإجتهاد مخالفة صريحة.
ولا ينبغي أن نمتري في أن التأليف في الموضوعات المفردة في العقائد والفقه وعلوم القرآن والسنة، كانت ميزة القرن الثاني والثالث والرابع، لدى أئمة المذاهب وأصحابهم، إلا أن الحنابلة فاقوا غيرهم، وحازوا قصب السبق في ذلك، فلله دَرُّهم، كما قال ابن بدران في "العقد الثامن" من كتابه:
أعلم أن أصحابنا تفننوا في علومهم الفقهية فنوناً، وجعلوا لشجرتها المثمرة بأنواع الثمرات غصوناً، وشعبوا من نهرها جداول تروي الصادي، ويحمد سيرها الساري في سبيل الهدى، وطريق الاقتدا، ففرعوا الفقه إلى المسائل الفرعية، وألفوا فيها كتباً قد اطلعت على بعض منها 1.
التأليف في فقه الخلاف، أو الفقه المقارن:
وذلك بتجريد المسائل الفقهية الشهيرة التي اختلف فيها الأئمة، وانقسموا على مذهبين فأكثر، وهي المسماة في كتب المتقدمين بـ "مسائل الخلاف" أو"رؤوس المسائل" أو"عيون المسائل" أو غير ذلك من التسميات المقارية.
فقد جرد الفقهاء الذين اعتنوا بالإجماع والخلاف، كإبن المنذر والطبري وابن عبد البر، وغيرهم، جردوا تلك المسائل، ونصوا على الخلاف فيها بين العلماء، ثم جاء فقهاء النظر من المنتسبين إلى المذاهب، فتناولوا تلك المسائل بالإحتجاج، كلُّ فريق يحتج لمذهبه، ويرد على خصمه بحجج من النقل والعقل.
وفي ذلك يقول ابن خلدون:
وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الإستدلال فيما يرومون الإستدلال عليه.
وتآليف الحنفية فيه والشافعية أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم، كما عرفت، فهم لذلك أهل النظر والبحث.
أما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم، وليسوا بأهل نظر.
وأيضًا فأكثرهم أهل المغرب، وهم بادية غُفَّل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي فيه "المآخذ" ولأبي بكر ابن العربي من المالكية كتاب "التلخيص" جلبه من المشرق، ولأبي زيد الدبوسي كتاب "التعليقة" ولابن القصار من شيوخ المالكية "عيون الأدلة"، وقد جمع ابن الساعاتي
في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبغي عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً كل مسألة منه ما ينبغي عليها من الخلافيات 1.
ويلاحظ من كلام ابن خلدون السابق أنه أهمل الحنابلة، وأقصاهم من الحلبة، كما أنه حط على المالكية حطا لا يتفق مع ما هو عليه الواقع التاريخي والمعرفي لهذا المذهب الجليل.
وإذا استعرضنا كشَّاف المؤلفات الحنبلية في الخلاف أو الفقه المقارن، فإننا نجدهم من السابقين الأولى في هذا الفن، أو أنهم أتقنوا الصنعة فيه، وأحكموا مسالكه وموارده ومصادره، خصوصاً في القرن الخامس والسادس، ومما ساعدهم على ذلك أنهم كانوا مستوطنين لبغداد التي كانت عاصمة العلم، يرحل الناس إليها من أقصى المشرق وأقصى المغرب، فلا جرم أنها كانت جامعة لأكبر الفقهاء من كافة المذاهب، وكان يعقد فيها من مجالس المناظرة مالا يعقد في غيرها على الإطلاق.
ومن ثَم فقد برع الحنابلة في فقه الخلاف أو الفقه المقارن، براعة لا تزال تشهد بها كتبهم إلى اليوم.
ومن جملة ما ألف الحنابلة في الخلاف:
• "اختلاف الصحابة والتابعين في الفقه" لإبن أبي حاتم الرازي (327 هـ).
• "كتاب في الفقه والإختلاف" لأبي بكر النجاد (348 هـ).
• "الخلاف مع الشافعي" لغلام الخلال (363 هـ).
• " الخلاف" لعبد العزيز بن الحارث التميمي (371 هـ).
• "رؤوس المسائل" له أيضًا.
• "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة" 2 للقاضي أبي يعلى (458 هـ) شيخ المذهب.
وله عدة تسميات أخرى، لكن المسمى واحد، والسبب في ذلك أن أصحاب التراجم لا يوردون أسماء الكتب بالعناوين التي وضعها مؤلفوها، فيلتبس الأمر على من لا يعرف الحقيقة، فيظن الكتاب الواحد كتباً عديدة.
• "رؤوس المسائل" للشريف أبي جعفر (470 هـ).
• "نزهة الطالب في تجريد المذاهب" للبناء (471 هـ).
• "الإنتصار في المسائل الكبار" لأبي الخطاب (510 هـ).
• "رؤوس المسائل" له أيضًا.
وهو مختصر من السابق.
وغير ذلك كثير، ولسنا بسبيل استقصاء المؤلفات، ولكن ذكرنا هذه الجملة ليتنبه الغافل، ويتعلم الجاهل أن الحنابلة أخذوا من هذا الفن بالحظ الوافر.
وتعتبر كتب الخلاف عند الحنابلة مادة غزيرة في جمع روايات المذهب في الخلاف داخل المذهب، وبيان الراجح من المرجوح منها.
وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ- في الجواب عن سؤال يتعلق بكيفية التعرف على الأصح والأرجح مما هو غير منصوص في المتون المعتمدة كـ "الكافي" و"المحرر" و"المقنع"، يقول في ذلك:
"فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الإنتصار" لأبي الخطاب، و"عمد الأدلة" لإبن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن بن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح.
وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب في كتب مختصرة مثل "رؤوس المسائل" للقاضي أبي الحسين، وقد نقل عن الشيخ أبي البركات صاحب "المحرر" أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: إنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله" 1.
التأليف في القواعد والفروق والضوابط والكليات:
والقواعد: هي الكليات التي تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مآخذ الفقه، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد.
ويمكن تعريف القاعدة بالتعبير الإصطلاحي بأنها: حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها 2.
ومثال ذلك: القاعدة (158) من قواعد ابن رجب، ونصها: إذا تعارض معنا أصلان عُمل بالأرجح منهما، لإعتضاده بما يرجحه، فإن تساويا خُرج في المسألة وجهان غالبًا.
ونظرًا لما تتسم به القواعد من المعاني الكلية الضابطة للفقه وأصوله، فإنها تعد من دون مرية ذخيرة الفقيه وميزانه الذي يزن به، كما توفر عليه كثيرًا من المعارف الجزئية التي يقضي العمر ولا يدرك مرامها، وفي ذلك يقول القرافي:
"وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه وَيعرف 1، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف.
فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع، واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها، واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر، ولم تقض نفسه من طلب منَاها.
ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات" 2.
وأمَّا الفروق فهي البيانات التي تكشف عن الإختلاف في الأحكام بين المسائل المتشابهة في الصورة والظاهر، وما يتبع ذلك من تبيين مآخذ أحكامها وأدلتها وعللها، ليتضح للفقيه طرق الأحكام، ويكون قياسه للفروع على الأصول متسق النظام، ولا يلتبس عليه طرق القياس، فيبني حكمه على غير أساس 3.
ومن أمثلة الفروق:
إذا أحرم مبهمًا، نظرنا، فإن كان في أشهر الحج، فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، أو قران، والأفضل صرفه إلى التمتع، وإن كان في غير أشهر الحج، انعقد إحرامه بعمرة.
والفرق بينهما: أن الإحرام بالحج في غير أشهره مكروه، فلهذا لم يقع موقعاً موقوفًا، وانصرف إلى غير المكروه.
ويفارق إذا كان ذلك في أشهر الحج، لأنه وقت للإحرام بالحج، فلهذا وقع موقوفًا 4.
وأمَّا الضوابط والكليات، فهي تنظيمات ثانوية للفقه الإسلامي، بحيث يكون عمومها لا يتعدى الباب الواحد 1.
وقد ألف الحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ- في القواعد والفروق تأليفات متقنة محررة، وإن كانت متأخرة في الجمع، وقد شهد القرن الثامن في ذلك نشاطاً خاصًا على أيدي ثلة من الأعلام، كالطوفي، وابن تيمية، وابن رجب.
فمن ذلك:
• "القواعد الكبرى" للطوفي، سليمان بن عبد القوي الصرصري (716 هـ). وهذا يعني أن له "القواعد الصغرى" وهو كذلك، كما في ترجمته من "ذيل الطبقات"، وله أيضًا: "الرياض النواضر في الأشباه والنظائر".
• "القواعد الفقهية" لإبن قاضي الجبل (771 هـ).
• "القواعد الفقهية" لإبن رجب (795 هـ). واسمه الكامل: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد".
ويعدُّ كتاب المذهب في هذا الشأن، فإنَّه يدل على معرفة تامة بالمذهب، حتى قال حاجي خليفة في "كشف الظنون": هو كتاب نافع، من عجائب الدهر، حتى إنه استُكْثرَ عليه، وزعم بعضهم أن ابن رجب وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان -رَحِمَهُ اللهُ- فوق ذلك 2.
• "القواعد والفوائد الأصولية" لإبن اللحام (803 هـ).
وهي قواعد أصولية لا فقهية، كما يدل عليها العنوان، لكن فرع عليها أمثلة وفروعاً فقهية.
فكان الكتاب معدوداً في جملة المصنفات التي صُنفت في تخريج الفروع على الأصول، بمعنى تطبيق القواعد والمسائل الأصولية على فروع الفقه.
وقد ألف في ذلك الإسنوي والزنجاني الشافعيان، وأبو عبد الله محمد الشريف التلمساني المالكي 1.
هذا، وتكاد مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، سواء منها الرسائل، أو الفتاوي، أو المصنفات المفردة، تكاد تكون مصوغة صياغة القواعد الكلية العامة في الشريعة، أو ما يسمى بـ "النظريات الفقهية" فإننا كثيراً ما نجده يصدر فتاويه ورسائله بعنوان "قاعدة في كذا".
التأليف في أصول الفقه وأدب الفتوى:
تُعرَّف أصول الفقه بأنها: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام
الشرعيّة الفرعية من أدلتها التفصيلية 2.
وهذا يفيد أنها قواعد متعلقة بالفقه، لكن تعلقًا يختلف عن "القواعد الفقهية"، وذلك أن القواعد الفقهية تكونت بعد الفقه ونشأت من داخله، وهي تنظيم الفقه في صيغ كلية، فهي إذن عملية داخلية مستفادة من الإستقراء العام للجزئيات.
أما أصول الفقه فهي قواعد نشأت خارج الفقه، لأنها هي الطريق الممهد للوصول إلى استنباط الفقه؛ واستخراج الفروع، فباتت بهذا أساساً للبناء الفقهي، والأساس يختلف عن البنيان الناشيء فوقه.
قال القاضي أبو يعلى: وأما أصول الفقه فهو: عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به، لأن أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، إما باستخراج أوتنبيه.
فسميت هذه الأصول بهذا الإسم، لأن بها يتوصل إلى العلم بغيرها، فتكون أصلًا له 3.
وهذا العلم مستمد من عدة علوم أخرى، كالقرآن الكريم وعلومه، والسنة الشريفة وعلومها، واجتهادات الصحابة وأقضيتهم وتصرفاتهم بشأن الفتوى، وعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وغريب، وغير ذلك.
وأما أدب الفتوى، فهو جملة من الشروط والصفات الضرورية والكمالية التي تطلب من المفتي والمستفتي، هذا في القيام بالفتوى، وذاك في تلقي الفتوى والعمل بها.
وفي جملة شروط المفتي وما يلزمه، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه:
"ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف، لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها" 1.
وقال في رواية ابنه عبد الله:
"إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير، فيقضي به، ويعمل به، حتى يسأل أهل العلم: ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح (1).
وروى الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" 2 عن الشافعي أنه قال:
"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ويمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيراً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، ويما يحتاج إليه للعلم والقرآن 3، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا، فله أن يتكلم، ويفتي في الحلال والحرام، لماذا لم يكن هكذا، فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي".
وقد ألف العلماء من مختلف المذاهب في كل من "أصول الفقه" و"أدب الفتوى" فأما تآليفهم في أصول الفقه فإنها تستعصي على العد، فمنها البسيط ومنها الوسيط ومنها الوجيز، وسلكوا في ذلك أحد مسلكين:
إما طريقة المتكلمين، أو طريقة الشَّافعية التي رسمها الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" الذي يعد أول كتاب صنف في أصول الفقه.
وأما طريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية التي رسمها الكرخي والجصاص وأبو زيد الدبوسي وأمثالهم.
وظل الوضع على هاتين الطريقتين حتى القرن السابع، فظهرت طريقة جديدة ألَّفت بين الطريقتين ومزجت بين المنهجين، ويعتبر ابن الساعاتي الحنفي (694 هـ) صاحب الفضل والسبق في ذلك في كتابه "بديع النظام" الذي جمع فيه بين "الإحكام" للآمدي الشافعي و"أصول البزدوي" الحنفي 1.
وأما الحنابلة فقد نهجوا نهج الشافعية في غالب تصنيفاتهم، وأثْروا المكتبة الأصولية إثراء ملحوظاً.
ومع الأسف فإن كثيراً من الناس كان -ولا يزال- يعتقد أنه ليس للحنابلة كتب أصول مستقلة الوجهة واضحة النزعة، والحقيقة غير ذلك، فإني لما أتممت جمع المصادر لكتاب "أصول مذهب الإمام أحمد" من مكتبات المملكة العربية السعودية، ومكتبات مصر، والشام، وتركيا، والعراق، وغير ذلك؛ لما تم مسح الفهارس والإطلاع على ما للحنابلة من مصنفات في هذا الشأن، وَضُح أن مخطوطاتهم في أصول الفقه تعدّ بالمئات 2.
ومن أشهر الكتب المؤلفة في الأصول الفقهية الحنبلية:
• "العُدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (458 هـ). وقد اختصره في مختصر لطيف.
• "التمهيد في أصول الفقه" لأبي الخطاب الكلوذاني (510 هـ).
• "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء ابن عقيل (513 هـ).
وكلا الرجلين تلميذٌ للقاضي أبي يعلى، إلا أن أبا الخطاب تتبع أبا يعلى في إيراد الأقوال، والإستدلال والمناقشة، بخلاف ابن عقيل، فإنه سلك مسلكاً بديعاً وطريقة متميزة مستقلة.
• "روضة الناظر وجنة المناظر" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (620 هـ) صاحب "المغني" وغيره.
وقد اختصره الطوفي في "البلبل" ثم شرحه.
• "المسودة" لآل تيمية، وهم المجد عبد السلام (652 هـ) وابنه عبد العليم (682 هـ) وحفيده أحمد، شيخ الإسلام (728 هـ). بيضها ورتبها شهاب الدين أحمد بن محمد الحراني الدمشقي (745 هـ). وهو عبارة عن مجموعة نقول عن القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وغيرهم، ممن سبق آل تيمية، مع بعض الإختيارات والتعقبات.
• "شرح مختصر الروضة" للطوفي (716 هـ).
• "التحرير" للمرداوي (885 هـ) وقد اختصره الفُتوحي الشهور بابن النجار (972 هـ) في كتاب سماه "الكوكب المنير باختصار التحرير" ثم شرحه في كتاب بعنوان "شرح الكوكب المنير".
ويعتبر ابن تيمية من المشاركين بغزارة في أصول الحنابلة، ومؤلفاته في هذا الفن توجد إما في رسائل مستقلة، وإما في "الفتاوي الكبرى"، وإما في "مجموع الفتاوي"، وابن تيمية معروف بين أئمة الحنابلة بقوته العلمية، واختياراته الجيدة 1.
وأما كتب أدب الفتوى:
فمن أشهرها:
• "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" لإبن حمدان (695 هـ)
• "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لإبن قيم الجوزية (751 هـ).
وتوجد آداب المفتي والمستفتي ضمن المجاميع، ومن ذلك كتاب "الآداب الشرعية" لإبن مفلح، فقد ضمن الجزء الثاني كلاماً مطولاً على آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي.
كما توسع الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى "بالفواكه العديدة في المسائل المفيدة" في مباحث الفتوى والإجتهاد والتقليد في كتاب القضاء.
التأليف في لغة الفقهاء، أو المعاجم الفقهية، أو فقه المصطلحات:
لغة الفقهاء تعني: تلك المصطلحات الفقهية الداخلية التي تداولها الفقهاء على ألسنتهم وفي كتبهم، بحيث تختلف دلالتها عندهم عن دلالتها اللغوية المجردة، وقد لا
تختلف إلا أن الفقيه استعملها استعمالاً خاصًا، وذلك مثل كلمة: "المسيس" التي تعني مس الشيء ولمسه باليد وغيرها، ولكنها في لغة الفقهاء تعني الجماع غالباً.
فنجد في "المطلع على أبواب المقنع" 1 قوله: "قبل المسيس".
المسيس: اللمس، قاله الجوهري.
وأصل اللمس باليد، ثم استعير للجماع، لأنه مستلزم للمسلى غالبًا، وكذا استعير للأخذ والضرب والجنون.
ونظراً لكثرة المصطلحات الفقهية وتزايدها في الكتب والمصنفات عبر الزمن عمد بعض العلماء إلى وضع معاجم فقهية أو كتب تعنى بفقه المصطلحات، وهي شبيهة بكتب غريب الحديث الموضوعة في شرح الألفاظ النبوية وما يتعلق بها.
ومن أشهر المؤلفات في هذا الفن:
عند الحنفية:
• طَلِبة الطَّلَبة في الاصطلاحات الفقهية، للشيخ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي (537 هـ).
• التعريفات للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني.
• المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح ناصر بن السيد بن عدي المطرزي الخوارزمي.
وعند الشافعية:
• تهذيب الأسماء واللغات، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي.
• المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي.
وعند المالكية:
• الحدود، لمحمد بن عَرْفة الوَرْغَمِي التونسي، وهو عبارة عن تعاريف للموضوعات الفقهية، كالييع والإجارة.
وقد شرحه الرصاع التلمساني شرحاً جيداً.
وهناك "كشاف مصطلحات الفنون" للتهانوي، و"التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي، و"القاموس الفقهي" للأستاذ سعدي أبو حبيب.
و"دليل الألفاظ والمصطلحات الفقهية" الذي وضعته كلية الشريعة بجامعة دمشق.
وأما الحنابلة فلهم الباع الطويل واليد البيضاء في هذا الفن، فمن ذلك:
"مختصر في الحدود، للشيرازي الدمشقي: عبد الواحد بن محمد (486 هـ).
• "لغة الفقهاء" لإبن الجوزي (597 هـ).
• "شرح لغة الفقهاء" لأبي البقاء العكبري (616 هـ).
• "المطلع على أبواب المقنع" للإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي (709 هـ) وهو يختص يحل ألفاظ "المقنع" لإبن قدامة المقدسي.
التأليف في المفردات والغرائب والنوادر:
المفردات جمع مفردة، والمقصود بهذه الكلمة: المسألة الفقهية، التي تفرد بها أحد الفقهاء عن الجمهور، فذهب إلى خلاف ما ذهبوا إليه، فكان بذلك منفردًا عن أقرانه وطبقته وأهل فنه في الرأي والإختيار، وفي معنى ذلك الغرائب والنوادر.
وكثيراً ما نجد، في ذيول التراجم من كتب الطبقات عند الحنابلة، قولهم: له تفردات في المذهب، أو نحو هذه العبارة.
ففي ترجمة أبي الخطاب يقول ابن رجب: كان أبو الخطاب - رضي الله عنه - فقيهاً عظيمًا، كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً.
وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب 1.
ويقول في ترجمة ابن عقيل: وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب.
وقد يخالفه في بعض تصانيفه، ويوافقه في بعضها، فإن نظره كثيرًا يختلف، واجتهاده يتنوع 2.
وفي الخلاف الكبير أو الخلاف العالي، وهو الخلاف بين أئمة المذاهب نجد الإمام أحمد قد تفرد بعدة مسائل عن بقية الأئمة.
وفي هذا النوع من التفردات صنف الأصحاب:
- المفردات المطلقة، وهي التي لا تتقيد بالإنفراد عن إمام معين.
- المفرادات المقيدة، وهي في غالبها المسائل التي خالف فيها الإمامُ أحمد الإمامَ الشافعي.
وقد صنف الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (456 هـ) كتابًا في تفردات الأئمة الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي 1.
قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" تعليقاً على الكتاب المذكور: ولا ريب أن الأئمة الكبار تقع لهم مسائل ينفرد المجتهد بها، ولا يعلم أحد سبقه إلى القول بتلك المسألة، قد تمسك فيها بعموم، أو بقياس، أو بحديث صحيح عنده.
والله أعلم.
ومما ألف الحنابلة في هذا الفن:
• الخلاف بين أحمد ومالك، لعمر بن إبراهيم العكبري، المعروف بابن المسلم (387 هـ). وفيه بيان مفردات أحمد عن الإمام مالك.
• الخلاف مع الشافعي، لأبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال (363 هـ). وفيه بيان مفردات الإمام أحمد عن الإمام الشافعي.
• "المفردات" لأبي الخطاب (510 هـ)، ومثله لإبن عقيل (513 هـ)، ومثله لإبن الزاغوني (527 هـ)، ومثله لعبد الوهاب الشيرازي (536 هـ)، وللوزير ابن هبيرة (560 هـ)، ولأبي يعلى الصغير، محمد بن أبي خازم ابن أبي يعلى المتوفى سنة (560 هـ).
وقد توهم بعض المصنفين ومنهم الشيخ ابن بدران فجعل القاضي أبا الحسين ابن أبي يعلى الشهيد هو نفس أبا يعلى الصغير.
والصّواب أنه محمد بن أبي خازم الحفيد.
• "الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني".
للشيخ أحمد بن عبد المنعم
الدمنهوري (1192 هـ).
وهو خاص بتفردات أحمد عن الشافعي على خلاف ظاهر عنوان الكتاب، ويتبين ذلك من مقدمة المصنف نفسه.
وفي الأخير لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل الحنابلة دون غيرهم يؤلفون في مفردات إمامهم؟
والجواب فيما نظن -والله أعلم- يكمن في رد دعوى كون المذهب الحنبلي داخلاً في المذهب الشافعي وتابع له، وقد بحثنا هذه الدعوى عند الكلام على العلاقة بين أحمد والشافعي في الفصل الأول.
ويبدو أن أبا الحسين علي بن محمد الطبري المعروف بـ "إِلْكيا الهرّاسي"، الشافعي (504 هـ) كان من النقاد لمفردات الإمام أحمد، يُقَلِّل من عددها وقيمتها؛ ليسلم به عَدُّ أحمد من أصحاب الشافعي ورواة مذهبه، فانبرت طائفة من معاصريه ومن جاء بعدهم من فقهاء الحنابلة فردوا عليه، منهم: ابن الجوزي، وابن عبد الهادي، وابن قاضي الجبل.
وكان علي بن عقيل البغدادي معاصراً لإلكيا الهرّاسي، وكان كثير المناظرة له، فكان الكيا ينشده ويقول 1:
ارفق بعبدك إن فيه فهاهة... جبلية ولك العراق وماؤها
التأليف في الإختيارات الفقهية:
وقد سبق الكلام عليها في "خصائص الحنبلية والحنابلة" 2 فلتراجع من هناك.
التأليف في الفتاوي:
الفتاوي -بكسر الواو أفصح مع صحة فتحها في اللغة 3 - جمع فتوى، وهي: الكشف عن الحكم الشرعي لا على سبيل الإلزام.
ومعنى ذلك أن الحكم الشرعي يكشفه الفقيه تارة على سبيل الإلزام لمن كشف له، وتنفيذه عليه جبرًا، وهذا ما يسمى بـ "القضاء" أو"الحكم" وتارة يكشفه لصاحب الحاجة دون أن يلزمه به ويجبره على تنفيذه، مع أن العامي المقلد يجب عليه شرعاً وديانة أن يعمل بفتوى العالم حيث لا سبيل له إلى تعديها، وذلك حين لا يجد من يفتيه غيره، وتكون حاجته إلى العمل بالفتوى عاجلة ومتعينة.
فالقضاء والفتوى صنوان في كون كل منهما ممارسة للاجتهاد في الميدان الواقعي، وذلك في الإجابة على الأسئلة والفصل في الخصومات بطريق الحكم بين المتخاصمين إذا ترافعا إلى القاضي.
فالمجتهد إذا كان حاكماً فهو يفتي باجتهاده، ويحكم باجتهاده، فالإخباران صادران عن اجتهاد، إلا أن الفرق بين الحالتين، هو أنه في الفتيا يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده، فهو كالمترجم عن الله تعالى فيما وجده في الأدلة، كترجمان الحاكم يخبر الناس بما يجده في كلام الحاكم أو خطه، وهو في الحكم يُنشئ إلزاماً أو إطلاقاً للمحكوم عليه بحسب ما يظهر له من الدليل الراجح والسبب الواقع في تلك القضية الواقعة 1.
ويعتبر منصب الفتوى منصباً كبيراً في الإسلام، باعتبار أنه منصب التوقيع عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- في بيان أحكامه للناس، فمن لم يكن أهلاً لذلك وإن غاشًا للناس في الدين، مفترياً على الله ورسوله، فيكون مَنْ هذه حاله واقفاً على شفير جهنم.
ففي سنن أبي داود 2 من حديث مسلم بن يسار، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أُفْتِيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه".
وقال الخطيب البغدادي: "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها، أو وعده بالعقولة إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أميَّة ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قومًا يُعَيِّنونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم" 3.
ولهذا لم يزل العلماء يؤلفون الكتب والرسائل والأبحاث في بيان عظم شأن الفتوى، وما هي الشروط المطلوية فيمن تصدى للفتوى، وماهي الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها.
وقد بُلي عصرنا الحاضر برؤوس جهال، وأئمة مضلين يفتون بغير علم، ويتسارعون في الفتوى، على عكس ما كان عليه سلفنا الأبرار، إذ أنهم كانوا يتدافعون الفتوى حتى تعود إلى اللأول.
ومن البلاوي أن هؤلاء الجهال ينتقون من رخص الفقهاء ما يحلُو لهم، ويتفق مع أهوائهم، مما تنبو عنه الشريعة الغراء، وتتجافى عنه الحنيفية السمحاء، التي جاءت من أجل إخراج الناس من دواعي الأهواء والشهوات إلى داعية الحق والعبودية لله.
وبعد: فإن فقهاءنا -رَحِمَهُمُ اللهُ- نشروا هذا العلم تارة عن طريق التأليف المتتابع والتصنيف المتناسق، وتارة عن طريق الأجوبة عن الأسئلة المتنوعة المتناثرة في الواقعات أو الحوادث أو النوازل 1.
ومن هنا تكوَّن "فقه الواقع" الذي يعتبر مادة المفتين وعمدتهم ومرشدهم.
وهناك من دون فتاويه بنفسه، وهناك من دون فتاويه غيره من تلامذته وأصحابه من العلماء، كما أننا نجد من علمائنا من اهتم بجمع الفتاوي لعدة فقهاء في كتاب واحد، كما فعل الونشريسي المالكي في "المعيار المعرب" الذي جمع فيه فتاوي تونس والأندلس والمغرب، فكان بذلك مدونة الفتوى وموسوعتها عند المالكية.
وممن ألف أو جمع أو دون الفتاوي من الحنابلة:
• "جوابات المسائل" للقاضي أبي يعلى (458 هـ) بعضها ورد من الحرم، وبعضها ورد من تِنيِس (قرية مصرية) وبعضها من مَيافارقين (مدينة بديار بكر)، وبعضها من أصفهان.
• "فتاوى ابن عقيل" (513 هـ). اعتمد عليها ابن القيم في بعض كتبه.
• "فتاوى ابن الزاغوني" (527 هـ). أفاد منها المنقور في "الفواكه العديدة" في موضعين.
• "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (728 هـ). قام بجمعها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1392 هـ).
وفي ذلك يقول صاحب "علماء نجد":
"عمد إلى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه ومختصرات كتبه في العقائد والتوحيد والتفسير والحديث والفقه وعلم السير والسلوك وأصول التفسير وأصول
الحديث وأصول الفقه، عمد إلى هذا التراث الكبير الكثير المطبوع منه والمخطوط، فحققه وبوبه ورتبه، وفهرسه فهارس مقربة موضحة، حتى صار منه موسوعة إسلامية كبرى، تقع في (37) مجلداً ثم أمر بطبعها وتوزيعها على العلماء في داخل البلاد وخارجها جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-" 1.
• "الأجوبة النُّجدية عن الأسئلة النَّجدية".
للسفاريني (1188 هـ).
• "الفواكة العديدة في المسائل المفيدة" المسماة أيضاً بـ "المجموع الفقهي"، لأحمد بن محمد المنقور التميمي (1125 هـ).
وهو عبارة عن فتاوٍ وفوائد وأبحاث فقهيات وأصوليات متنوعة مما قيده من مجالس شيخيه عبد الله بن محمد بن ذهلان، والشيخ شهاب الدين ابن عطوة، ووثقها بنصوص من كتب مختلفة الفنون والمذاهب.
• "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" وهي عبارة عن ديوان فتاوى علماء نجد ورسائلهم ونصائحهم التي كانت مبعثرة مفرقة، جمعها الشيخ عبد الرحمن ابن قاسم المتقدم ذكره، ثم حققها ورتبها حسب التأليف المعروفة، حتى صارت عدة أجزاء في التوحيد والردود والنصائح والفتاوي.
عمل في ذلك كما عمل في جمع فتاوى ابن تيمية.
التأليف في الألغاز:
والألغاز جمع لُغُز، ومعناه في اللغة: تعمية المراد، يقال ألغز في كلامه، إذا عمّى مراده 2.
والمقصود هنا: الألغاز الفقهية التي تسمى مسائل الامتحان أو المعاياة 3، وهي ما يتطارحه الفقهاء في المجالس والمناقشات من المسائل بشكل يخفى فيه الجواب على البديهة، ويتوقف على الذكاء والنباهة الفقهية، نظير ما يجري من المسامرات والمنادمات والنوادر بين الشعراء والأدباء.
والألغاز الفقهية، وإن كانت من الترف الفقهي، والملح التي قد لا تستحسن عند البعض، إلا أن لها أثراً في تنمية الملكة الفقهية، وتدريب القريحة، والتسلية العلمية الهادفة، خاصة وأنها كثيراً ما تصاغ في أبيات شعرية لطيفة.
وقد ألف الحنابلة في ذلك عدة تآليف، منها:
• "مسائل الامتحان" لعبد الواحد الشيرازي الدمشقي (486 هـ).
• "حلية الطراز في حل مسائل الألغاز" للجُراعي (883 هـ).
• "الألغاز الفقهية" لعبد الله بن فايز أبا الخيل.
(1251 هـ).
المبحث الثاني
في ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية
يعتبر هذا المبحث من أصعب المباحث، فإن الخوض في غماره أشبهُ بالغَوصِ في بحار لجية سحيقة الأعماق، بعيدة الأغوار، إذ إن ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية عمل يتطلب الإشراف على جميع ماكتبه الحنابلة في الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده، وغيره من الفنون العشرة التي تقدم الكلام عليها.
ثم القيام بترتيب ذلك العدد الهائل من المصنفات ترتيباً نوعياً وفق منهج محدد، بحيث يتضح موقع كل كتاب من ذلك الترتيب الغني المتسلسل.
وهذا شيء صعب، فإن كثيراً من الكتب التي صنفت لا يعرف عنها شيء، فهذا ابن أبي يعلى (526 هـ) لما جرد مصنفات أبيه، قال: فأما عدد مصنفاته فكثيرة، فنشير إلى ذكر ما تيسر منها 1.
ومعنى ذلك أنه ما جرد منها إلا ما تيسر مع أنه ابن المصنف، فكيف بغيره؟! ثم إنه جرد (56) عنواناً، يوجد منها في عالم المخطوطات (9) عناوين، و (48) عنواناً مفقوداً 2!.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في "الأجوبة المصرية" عن كتب ابن الجوزي: كان الشيخ أبو الفرج كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها، فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت له بعد ذلك ما لم أره له 3!!.
وعلي هذا، فإن الكتب التي نعرفها الآن قليل من قليل، ولو أن بعضها لم يصل إلينا منه إلا العنوان.
ويمكن أن نصنف تلك الكتب التي نعرفها إلى الأقسام التالية:
- المطبوع الكامل غير المنقوص في أصوله، وهذا الكم الموجود بين أيدينا فيه الكفاية والغناء والحمد لله، حتى إنه ليغني عن تلك الكتب التي فقدت منذ زمن بعيد، فلم تصل إلينا.
وإن من أسباب وصول الكتب الكاملة إلينا كثرة نفعها وتوالي علماء الأعصار على الإشتغال بها: تدريساً ومدارسة.
وغير ذلك. - المطبوع الناقص، لعدم توفر مخطوطاته الكاملة في مكتبات العالم.
- المخطوط، الذي لم تصل إليه أيدي الإخراج والتحقيق بعد.
- ومنها المفقود الذي لا نعرف منه إلا العنوان، وربما حفظت لنا نصوص منثورة منه في طي الكتب التي وصلت إلينا، مما يؤكد وجوده في الأصل، ويثبت نسبته إلى مؤلفه.
بالإضافة إلى بعض المعارف الأخرى التي تحصل في أثناء مطالعة النصوص المنقولة من ذلك الكتاب المفقود.
وبناء على ما تقدم يجدر أن نقسم هذا المبحث إلى: - كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية.
- كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية.
كيفية التعرف على كتاب من الكتب الفقهية
إذا أردنا أن نتعرف على كتاب في مكتبة الفقه الحنبلي، وتوصلنا إلى معرفة اسم المؤلف وعنوان الكتاب، فعلينا أن نسير وفق الخطوات التالية:
أولاً: نبحث عنه في فهارس الكتب المطبوعة، فهذه الفهارس ترشدنا إلى المعلومات الأولية عن الكتاب مما ييسر الوصول إليه والإطلاع على محتوياته الكاملة.
وقد خصصت بعض الأبحاث والتأليفات في جرد الكتب المطبوعة وإحصائها وفهرستها، سواء منها العربية أو المعربة، ويعتبر "المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع" الذي أعده الدكتور محمد عيسى صالحية لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة 1، عملاً نموذجياً موفقاً في هذا الميدان، بالإضافة إلى "معجم المطبوعات العربية والمعربة" ليوسف إليان سركيس الدمشقي ثم المصري الذي أعانه على جمعه أحمد تيمور باشا.
و"معجم المخطوطات المطبوعة" للدكتور صلاح الدين المنجد، وقد أصدره في عدة أجزاء، كل جزء يتناول ما نشر خلال خمس سنوات تقريباً بداية من سنة 1954 م.
ثانياً: إذا لم نجد الكتاب في الفهارس الخاصة بالكتب المطبوعة، رجعنا إلى فهارس المخطوطات العامة والخاصة.
والفهارس العامة للمخطوطات، هي تلك الكتب الجرائدية التي اعتنت بذكر النسخ الخطية للكتاب الواحد في المكتبات التي يوجد فيها في مختلف أنحاء العالم.
ويعتبر الأستاذ فؤاد سزكين صاحب سبق في السعي وراء هذا المرام في محاولته لحصر المخطوطات العربية في العالم، وذلك في كتابه الكبير المؤلف بالألمانية "تاريخ التراث العربي".
وقد نشرت جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية هذا العمل عام (1403) هـ بعنوان: "تاريخ التراث العربي مجموعات المخطوطات العربية في مكتبات العالم"، بعد أن نقله إلى العربية الدكتور محمود فهمي حجازي.
كما يعتبر جهد الأستاذ كوركيس عواد في كتابه "فهارس المخطوطات العربية في العالم" جهداً طيباً في هذا المسعى.
هذا عن الفهارس العامة، وأما الفهارس الخاصة للمخطوطات، فنعني بها الفهارس الموضوعة للمكتبات المختلفة المبثوثة هنا وهناك في العالم، والتي تحتوي على ذخائر المواريث من المخطوطات، فمنها المكتبات الخاصة بالمساجد أو الجوامع أو الديارات أو الكنائس، ومنها دور الكتب العامة الوطنية، كالمكتبة الظاهرية بدمشق، ودار الكتب المصرية، وخزانة الكتب الملكية بالرباط، والمكتبة الوطنية التونسية، ومكتبات المملكة العربية السعودية، ومنها مكتبات الجامعات والمتاحف والمجامع والمعاهد والجمعيات العلمية.
بالإضافة إلى الخزائن الخاصة التي يحرزها العلماء والباحثون، كمكتبة أحمد تيمور باشا المصري، والمكتبات الخاصة بعلماء من مختلف البلاد الإسلامية.
وتوجد كتب الفقه الحنبلي على وجه الخصوص في المكتبات التي تقع في الأماكن التي انتشر فيها هذا المذهب الجليل عبر القرون، وذلك كبغداد، ودمشق وما حولها، وفلسطين، ومصر، والمملكة العربية السعودية.
وغني عن البيان أنه ينبغي للباحث أن يعرف كيف يستعمل فهارس المخطوطات في البحث عن كتب الفقه الحنبلي وأصوله.
مع ملاحظة أن بعض الكتب تصنفٌ في غير مواضعها بالغلط، وهذا كثيراً ما يحصل في وضع فهارس المكتبات الخاصة بالكتب المطبوعة، أما فهارس الكتب المخطوطة فقد وضع أكثرها علماء مختصون، فيقل الخطأ فيها، ولكنه لا يخلو من الوجود، كيف لا وهذا ابنُ حُميد قد وقعت له أوهام في جرد كتب المذهب الحنبلي حتى عد ابن حزم وكتابه "المحلَّى" في جملة الحنابلة 1!
ونشير إلى أن مكتبات المملكة العربية السعودية وجامعاتها ومراكز البحث فيها قد بذلت جهداً مبروراً في تقريب فهارس المؤلفات في الفقه الحنبلي المخطوطة، بحيث يمكن أن توصل الباحث إلى الكتاب بسهولة.
ثالثًا: إذا لم نجد الكتاب في فهارس المخطوطات، فعلينا أن نتعرف عليه من خلال مصادر أخرى، وذلك بالبحث في الكتب المختصة بالتأليف في هذا الشأن أصالة أو تبعاً.
فأما الكتب المختصة بالتأليف والمؤلفين أصالة، فهي كثيرة، نذكر منها:
• أخبار المؤلِّفين والمؤلِّفات، لأحمد بن طيفور البغدادي (280 هـ) صاحب كتاب "بلاغات النساء".
• فهرس العلوم، المعروف بـ "الفهرست"، لمحمد بن إسحاق الوراق، أبي الفرج، الشهير بابن النديم (385 هـ). ألفه سنة (377 هـ).
• مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لعصام الدين أبي الخير أحمد بن مصطفى بن خليل، الشهير بطاش كبرى زاده الحنفي البرساوي (968 هـ).
• موضوعات العلوم، لكمال الدين محمد أفندي ابن طاش كبرى زاده المذكور، توفي سنة (1026 هـ) بالقسطنطينية.
• أبجد العلوم والوشي المرقوم والسحاب المركوم، لصديق حسن خان الحسيني القنوجي (1307 هـ) ملك بهوبال الهندية.
• كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي الشهير بالملا كاتب جلبي (1067 هـ)، أو: حاجي خليفة، وهي شهرته عند العرب.
أورد فيه ما يقرب من (20) ألف اسم، ما بين كتاب ورسالة يستفيد منه أهل الفضل ورواد العلم على اختلاف طبقاتهم.
وقد ذيل عليه إسماعيل باشا البغدادي بكتابين هما:
• إيضاح المكنون.
• هدية العارفين.
• معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة (1407 هـ).
• الأعلام، لخير الدين الزركلي (1396 هـ).
بإضافة إلى: المعاجم والفهارس والأثبات والإجازات، وكتب التراجم والسير، وهي كثيرة جدًا، ومن أشهرها "فهرس ابن خير الإشبيلي" و"المجمع المؤسس في المعجم المفهرس" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و"فهرس الفهارس" لعبد الحي الكتاني المراكشي.
وهناك كتب عنيت عناية خاصة بجرد أسماء كتب الحنابلة في الفقه وأنواعه، وكيفية الإستفادة منها.
من ذلك:
• الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد، للشيخ عبد الله بن علي بن حميد
المكي (1346 هـ). وهي محاولة وصل فيها المؤلف إلى جرد (205) كتاب لـ (105) عالم.
وقد حققه وعلق عليه وذيله الشيخ جاسم بن سليمان الفُهيد الدوسري، فاستدرك عليه (177) كتابًا وذيله بـ (259) كتابًا لـ (147) عالم، فصار المجموع الحاصل من أصل الكتاب ولواحقه: (641) كتابًا لـ (253) عالم.
• المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وصل في إحصاء الكتب إلى (1250) كتاباً لـ (486) عالماً.
• اللآلى البهية في كيفية الإستفادة من الكتب الحنبلية، لمحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الإحسائي (1135 هـ).
وأما الكتب التي عنيت بالتأليف في الفقه الحنبلي تبعًا، فهي كتب الطبقات على وجه الخصوص، وأشهرها:
• طبقات الحنابلة، لإبن أبي يعلى.
• ذيل طبقات الحنابلة، لإبن رجب.
• المقصد الأرشد، لإبراهيم بن مفلح.
• المنهج الأحمد، للعُليمي، وله أيضاً: الدر المنضد.
• الجوهر المنضد، ليوسف بن عبد الهادي.
• السحب الوابلة، لإبن حميد المكيِّ.
• علماء نجد خلال ثمانية قرون، للشيخ عبد الله البسام.
ومن المصادر التي تعرِّف بكتب الفقه الحنبلي تبعاً:
• مقدمات تحقيق الكتب المطبوعة وفهارسها.
• الدراسات المستقلة عن علماء الحنابلة ومؤلفاتهم.
كيفية ترتيب المكتبة الفقهية الحنبلية
بعد التعريف الذي قدمناه عن كيفية الوصول إلى كتاب من الكتب الفقهية الحنبلية، وهو نفس المنهج، بطبيعة الحال، الذي نسلكه في التعرف على أي كتاب في أي فرع من فروع المعرفة.
بعد هذا العرض السريع تتجلى ملامح المكتبة الفقهية، وتبدو لنا موزعة على ثلاثة أقسام رئيسة:
- قسم مطبوع.
- قسم مخطوط.
- قسم مفقود، لا نعرف عنه إلا العناوين والأسماء.
ثم إن الكتب المطبوعة والمخطوطة توجد مبعثرة وموزعة في خزائن شتى من مكتبات العالم.
ونود الآن أن نتقدم خطوة أخرى إلى الإمام في سبيل الكشف عن المناهج أو الطرق التي اعتمدت في ترتيب الكتب والمعايير التي تم على أساسها تقديم هذا الكتاب وتأخير ذاك.
هناك عدة طرق: الأولى: الترتيب على أسماء المؤلفين: وذلك بأن يوضع للمؤلفين ترتيب متسلسل داخل الكتاب: إما على الحروف أو الوفيات أو غير ذلك.
وتسرد مؤلفات كل واحد بإزاء ترجمته من غير أن تكون هناك قاعدة لترتيب كتبه ومؤلفاته.
وهذا المسلك نجده معتمداً لدى "معجم المؤلفين" لعمر كحالة، و"الدر المنضد" لإبن حميد، الأول على الحروف، والثاني على الوفيات، وبالتالي فمعرفة الإسم الكامل والحقيقي للمؤلف وتاريخ وفاته ضرورية للباحث وفق هذه الطريقة.
الثانية: الترتيب للكتب على حروف المعجم: