ومنهم الشيخ زامل بن سلطان، الذي رحل إلى الحجاوي في الشام، وإلى ابن النجار الفتوحي في مصر، وكذلك الشيخ أبو نُمي التميمي الذي رحل إلى الشيخ مرعي بن يوسف مؤلف "الغاية" و"دليل الطالب".
فأمثال هؤلاء العلماء النجديين الكبار بلغوا في العلم مبلغاً كبيرًا، وانتهت إليهم الرئاسة العلمية في بلدان نجد، فهم قد حملوا راية المذهب الحنبلي عن بصيرة وتحقيق، فأثروا في أهل بلادهم، فصار جمهور النجديين حنابلة منذ نهاية القرن العاشر تقريباً.
فالخلاصة: أن الشام كانت صاحبة الفضل بعلمائها وكتبها النفيسة في تصدير المذهب الحنبلي في هذه الفترة إلى الجزيرة العربية وبعثه حيا، فتيا، كما كانت بغداد من قبل صاحبة الفضل على الشاميين في نشر المذهب في بلادهم.
• كيف استقر المذهب الحنبلي في البلاد النجدية؟
تشغل نجد الجزء الأكبر من وسط الجزيرة العربية.
وهي عبارة عن هضبة واسعة، يتراوح ارتفاعها بين (750) و (1000) م، وتبرز فيها سلسلة جبال طويق، ويقطعها عدد من الوديان، من أهمها وادي الرمة، ووادي حنيفة ووادي الدواسر 1
وأهم القبائل العربية التي تسكنها: عنزة، وعتيبة، وحرب، ومطير، وتميم، وشمر، والدواسر.
ونَجْد هي مهد الدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله- وفيها بيت آل سعود، ذلك البيت العربي الأصيل، الذي كتب الله على أيدي زعمائه إنقاذ الجزيرة العربية من التفرق، وجمع كلمتها على كتاب الله وسنة رسوله.
ولنا أن نتساءل عن كيفية استقرار المذهب الحنبلي في الديار النجدية بعدما أخذنا لمحة عن سبب انتشار هذا المنهب السَّني في تلك الربوع.
الواقع أن نجداً كانت تزخر بعدة مراكز علمية تتوزعها، منها: العُيينة، وأُشيقر، ومقرن، وعنيزة، وغيرها من المدن المنتشرة في نجد.
فالعُيينة، وهي مسقط رأس شيخ الإسلام ومصباح الظلام أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب (1115 - 1206 هـ)، -رَحِمَهُ اللهُ-، وأكرم مثواه، لقاء جهاده في نصرة كتاب الله وسنة رسوله، كانت معقلاً من معاقل العلم، وكذلك أشيقر، حتى إنّه كان في الأولى في فترة من الفترات أكثر من ثمانين عالماً يدرسون العلم في جوامعها، متعاصرين في زمن واحد، وكان في الثانية أريعون عالماً في وَقت واحد، كلهم يصلح لتولي القضاء، في ذلك الوقت الذي لم يكن يصل فيه الى هذا المنصب إلا كبار العلماء وفحولهم.
ولكن ضعفت الحركة العلمية فيهما بعدَ ذلك، وخلفتهما الدرعية والرياض 1.
وكذلك كانت مقرن وعنيزة، وغيرهما مقراً لطلبة علم، لهم قدم راسخة في المعارف، ومقراً لمدارس خرجت العديد من العلماء.
لقد نفذ المذهب الحنبلي عبر أقنية تلك المدارس، وحفظ في تلك المعاقل، وأخذ يتقوى ويسود بالتدريس، والإفتاء، والأقضية، وتجميع الكتب المصنفة فيه، إلى أن شمل المنطقة بسحابه الوادق الميمون.
وقد ازدهر المذهب هناك خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر على وجه الخصوص.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين فترة ما قبل الدعوة الإصلاحية التجديدية وفترة ما بعدها، فقد كان قبل ظهور الدعوة الإصلاحية فتور واضح سابغ على المنطقة برمتها، وكان جل اهتمام الناس بالفقه والمسائل الفرعية، فهم مقتصرون على بحث تلك المسائل، وتحريرها، وتحقيقها، وحفظ المتون واستيعاب الشروح وتدبيج الحواشي.
أما العلوم الشرعية الأخرى فنصيبها قليل، وحظها زهيد، فالتوحيد مهمل، والتفسير منسي، والحديث مهجور، بل وعلوم اللغة واللسان لا تكاد تتجاوز "الآجرومية" وشروحها!!
وكان من نتيجة ذلك فشو البدع، وانتشار مظاهر الشرك، والغلو في الإعتقاد في الصالحين، وهكذا تكدر صفو الإسلام في تلك الأيام.
ويموازنة سريعة بين مجموع الشيخ أحمد المنقور الذي يعتبر ديواناً لفتاوي ما قبل الحركة التجديدية، ويين "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" لجامع فتاوي نجد وفتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1) (1392 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ- وأجزل مثوبته- بموازنة سريعة بين ما في المجموعين يتبين لنا بصورة واضحة الفرق بين العصرين، وكيف تطورت الثقافة الإسلامية، بل تجددت على أيدي علماء نجد الذين أنجبتهم هذه الدعوة المباركة.
وقبل التعريف بالدعوة الإصلاحية وباعثها وآثارها في الجزيرة العربية وغيرها، يجدر بنا أن نقف عند عالمين كان لهما فضل كبير في نشر العلم وتخريج الطلاب في نجد قبل ظهور الدعوة الإصلاحية، وهذان العالمان هما:
•
الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 هـ)
:
هو الشيخ الفقيه العلامة أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد، شهاب الدين، التميمي.
ولد ونشأ في مدينة العُيينة، وقرأ على فقهائها.
وبهانت هذه المدينة أشهر مدن نجد وأجرها، وأكثرها علماء في ذلك الوقت.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الشام، فنزل في الصالحية، وسكن في المدرسة الشيخية العمرية الشهيرة، ويذلك أصبح الشيخ أحمد ابن عطوة قريباً من مناهل العلم، ويناييعه، بما أُتيح له من الشيوخ الذين أدركهم فأخذ عليهم، والطلاب الذين زاملهم وتنافس معهم، والكتب الكثيرة النافعة التي أصبحت في متناوله.
ومن الشيوخ الذين تلمذ عليهم ابن عطوة:
- الشيخ جمال الدين يوسف ابن عبد الهادي الشهير بـ "ابن المِبْرَد" المقدسي الصالحي (909 هـ) صاحب المؤلفات الكثيرة التي منها "جمع الجوامع" 2.1
- الشيخ علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (885 هـ)، شيخ المذهب ومحرره، وصاحب المؤلفات التي منها "الإنصاف".
- الشيخ الفقيه أحمد بن عبد الله العُسكُري (910 هـ)، صاحب المؤلفات، التي منها كتابه: "الجامع بين القنع والتنقيح" الذي اخترمته النية قبل إتمامه، فأتمه تلميذه أحمد بن محمد الشويكي، وسماه "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" 1.
وقد أكثر ابن عطوة من الأخذ عن الشهاب العسكري واختص به ولازمه أكثر من غيره.
فهؤلاء الشيوخ الثلاثة عُرفوا بالتحقيق والتأليف وعلوّ الشأن في معرفة المذهب الحنبلي، عليهم تمرَّن ابن عطوة، ويهم تفقه وتخرج وتمكن، وحصل من كل واحد منهم على إجازة.
أضف إلى ذلك الزمالة الصالحة والرفقة المعينة على الطلب التي حُبي بها ابن عطوة، فقد عاصر الشيخ موسى الحجاوي صاحب "الإقناع" وغيره، وتزاملا في الدراسة، وقرأ عليه الحجاوي واستفاد منه 2. كما تزامل مع الشيخ أحمد الشويكي النابلسي.
ومن جهة ثالثة، فقد توفرت بين يدي الشيخ كتب كثيرة جداً ومتنوعة في علومها وفنونها؛ مما كان موقوفاً على المدرسة العمرية، فطالع وراجع، وقرأ وحقق ودقق، وجد واجتهد حتى مهر في الفقه مهارة تامة، وتضلع من العلوم إلى النهاية.
ويذكر عن قوة حافظته أنه كان يفعل كما يفعل يحيى بن يمان حين يَحضُر درس سفيان، حيث كان يحضر خيطاً، وكلما حدّث سفيان بحديث عقد عقدة، فإذا رجع إلى بيته كان يكتب حديثاً ويحلّ عقدة.
وكذلك فعل ابن عطوة المترجم -مع قوة حفظه- مع شيخه أحمد بن عبد لله العسكري، فكان يعقد المسائل مسألة مسألة.
ويحلها بعد الدرس ويكتبها 3. وحصل الشيخ في أثناء دراسته في الشام كتباً كثيرة جدّاً، فلما رجع إلى نجد أوقف الكثير من تلك الكتب على مدرسة أبي عمر 4، أسوة بشيخه ابن عبد الهادي 5.
فلما آنس الشيخ من نفسه أنه قد أدرك وبلغ المبلغ الكبير من العلم، عاد إلى نجد، وسكن بلدة "الجبيلة" المجاورة لمدينة العُيينة، فأخذ ينشر العلم هناك حتى اشتهر، وعُرف بكثرة الإفادة للطلاب، لكثرة ما كان يتمتع به من سعة العلم ودقة الفهم، إلى جانب ما كان عليه من الصلاح والتقى والوقار والسمت.
قال ابن حميد في الثناء عليه:
"فرجع إلى بلده موفور النصيب من العلم والدين والورع، فصار المرجوعَ إليه في قُطر نَجْد، والمشار إليه في مذهب الإمام أحمد، وانتفع به خلق كثير من أهل نجد وتفقهوا عليه" 1.
وقال الشيخ عبد الله البسام:
"الشيخ ابن عطوة ليس أول عالم نجدي، ولكنه أول عالم كتب عنه المؤرخون، وابتدأ كثير منهم تاريخه بوفاته" 2.
مؤلفاته 3:
- التحفة البديعة.
- الروضة الأنيقة.
اكثر من النقل عنها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي. - درر الفوائد وعقيان القلائد.
وهذه الثلاثة كلها في الفقه. - منسك في الحج.
- فتاوى وتحريرات، نقل كثيراً منها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه الفقهي المسمى بـ "الفواكه العديدة"، وهي تدل على غزارة علم وسعة اطلاع.
•
الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان (1099 هـ)
:
وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان، النجديّ، المِقْرِنيّ، من كبار علماء نجد قبل دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وشيخ قضاتها ومفتيها.
ولد في مدينة العيينة، ونشا فيها، وتلقى العلم في المراحل الأولى عن مشايخها؛ ومن أشهرهم: الشيخ محمد بن إسماعيل الأشيقري النجدي، وأحمد بن ناصر بن محمد بن ناصر المشرفي 1.
ولما أنهى دراسته الأولية، ويلغ مبلغ الرحلة، سافر إلى الشام، فاخذ عمن هناك من أعيان حنابلة القرن الحادي عشر، وتتلمذ بصفة خاصة على الشيخ شمس الدين محمد ابن بدر الدين البَلْبَاني البعلي ثم الدمشقي الصالحي؛ الذي انتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية آنذاك.
وجدَّ الشيخ ابن ذهلان في تحصيل العلم حتى بلغ المبلغ الأوفى، ثم رجع إلى بلاده، فتولى قضاء الرياض، فذاع صيته وعلا قدره، واستفاد منه خلق كثير 2.
وعلى الرغم من أن ابن ذهلان لم يشتغل بالتأليف، ولا ترك من التصانيف شيئاً
يؤثر، فإنه يعتبر شيخاً لكثير من علماء نجد في القرن الحادي عشر، منهم:
- العلامة المحقق الشيخ عثمان بن قائد النجدي، ثم الدمشقي، ثم المصري، صاحب المؤلفات البديعة التي منها: "هداية الراكب شرح عمدة الطالب" وهو شرح مفيد مسبوك سبكاً حسناً، حرره تحرراً نفيساً، فصار من أنفس كتب المذهب 3. ومنها: حاشيته على "منتهى الإرادات" التي حقق فيها ودقق، وفصل فيها، وقسم في مواضع كثيرة، وحل فيها كثيراً من غوامض متن المنتهى، فجاءت نفيسة جدا 4.
- العلامة الفقيه أحمد بن محمد المنقور، فقد رحل إليه من الحوطة إلى الرياض خمس مرات ذكرها في "تاريخه" 1، وقرأ عليه عدة كتب، منها: "الإقناع" للحجاوي، قراءة تحقيق ويحث، وأكثر من الإسناد إليه والعزو له في "مجموعه" الفقهي، وإذا قال في كتابه المذكور: "شيخنا"، فمراده بذلك الشيخ عبد الله بن ذهلان.
وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب: "ويعد: فهذه مسائل مفيدة، وقواعد عديدة... لخصتها من كلام العلماء... غالبها بعد الإشارة من شيخنا وقدوتنا الشيخ عبد الله بن محمد بن ذهلان - بلّل الله بالرحمة ثراه- ومسائل قررها في مجلس الدرس وغيره، فأحببت أن أضبط كلامه بعضه بالحرف وبعضه بالمعنى" 2. ويهذا يظهر أن للشيخ ابن ذهلان جهوداً كبيرة في مجموع المنقور الشهير.
وكذلك له جهود كبيرة في "حاشية ابن فيروز" على الروض المربع 3. ويالجملة يعتبر المنقور من خيرة تلاميذ ابن ذهلان، فقد اشتهر بالثقة في نجد، والمشايخ النجديون يعولون على نقله ويعتمدون عليه 4. نجد قبل الدعوة الإصلاحية: يلاحظ المتأمل في تراجم علماء نجد الذين سبقوا ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رَحِمَهُ اللهُ- أن كثيراً من أولئك العلماء قد ولدوا في بلدة أشيقر وتعلَّموا فيها، وأن بعضاً ممن لم يولد فيها قد وفد إليها لتلقي العلم عن مشايخها، ويلاحظ أيضاً أن كثيراً من العلماء النجديين في تلك الفترة ينتمون إلى آل وهبة من تميم، وإلى فرع واحد من آل وهبة.
وهو آل مشرف أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب 5.
ويلاحظ -كما تقدمت الإشارة إليه- أن الدراسة تركزت في تلك الأحقاب على مادة الفقه، وانصرف جل الإهتمام بالمسائل الفرعية بحثاً وتحريراً وتحقيقاً، وحفظاً للمتون، واستيعاباً للشروح والحواشي، أما العلوم الشرعية الأخرى فالإهتمام بها قليل فيما بيدو لناظر، فلم تكن هناك عناية بالتوحيد والعقيدة، ولا بالتفسير وعلوم القرآن، ولا بالحديث وشروحه، بل حتى العلوم العربية لم يكن الإهتمام بها بالمحلّ الذي يتجاوز المقررات الأولية.
حالة المسلمين بعامة قبل ظهور الدعوة الإصلاحية:
بدأ المسلمون في الضعف والتراجع منذ سقوط الأندلس في أيدي الصليبيين أواخر القرن التاسع، وظل هذا الضعف والتمزق يتنامى في الأوضاع السياسية والدينية والإجتماعية، إلى أن بلغ النهاية في القرن الثاني عشر، وهو القرن الذي شهدت فيه الدولة العثمانية مرحلة الشيخوخة والهرم، ودبت فيها عوامل الضعف والتدهور في مختلف مجالات الحياة العامة، الأمر الذي أغرى كثيراً من دول الغرب وزعمائه فيما يعد بالسعي إلى تجهيز حملة صليبية جديدة يكون الهدف منها القضاء على الدولة، ثم اقتسام بلاد المسلمين فيما بينهم، ظانين أن تلك هي الفرصة الثمينة، والكرّة النهائية التي لا تقوم للإسلام بعدها قائمة.
وقد صور المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد تلك الحالة المتضعضعة، فقال:
"في القرن الثامن عشر (يعني الثاني عشر الهجري) كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والإنحطاط أعمق دركة، فاربدَّ جوّه، وطبّقت الظلمة كل صقع من أصقاعه، ورَجا من أرجائه، وانتشر فيها فساد الأخلاق والآداب، وتلاشى ما كان باقياً من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية فى اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد، وفوض واغتيال، فليس يُرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين، كسلطان تركية وأواخر ملوك المغول في الهند، يحكمون حكماً واهناً فاشي القوة متلاشي الصبغة، وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في
حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفُقد الأمن، وصارت السماء تمطر ظلماً وجوراً، وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون، يزيدون الرعايا إرهاقاً فوق إرهاق 1، فغُلت الأيدي، وقُعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، ويارت التجارة بواراً شديداً، وأهملت الزراعة أيما إهمال.
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية 2 التي علمها صاحب الرسالة الناسَ، سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرياب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء 3، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.
وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتك ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء.
ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي 4 على من استطاعه ضرباً من المستهزآت، وبالجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطاً بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام؛ لغضب وأطلق اللعنة 5 على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان" 6.
هكذا كان وضع العالم الإسلامي بصفة عامة، وأما وضع الجزيرة العربية، فقد كان صورة مصغرة، ونموذجاً لذلك الوضع العام الذي ساد العالم الإسلامي في تلك الحقبة الزمنية العصيبة.
ويصف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رَحِمَهُ اللهُ- تلك الحالة القاتمة بأبلغ وصف، فيقول: "كان أهل عصره ومصره -يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد، والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريق الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة، ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجذوا واجتهدوا في الإستعانة والتعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ويبحر الأجاج ساريون به، قد أغشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات عن الارتفاع إلى قلب الهدى من النصوص المحكمات والآيات البينات" 1.
وهكذا يتبين أن نجداً كانت في تلك الأيام بحاجة إلى دعوة إصلاح دينية توضح للجهال من الناس ما خفي عليهم من أمور الدين وأحكامه، وتقضي على كل ما من شأنه أن يخل بعقائد المسلمين، وتلزم من لم يكونوا يؤدون أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج، بأدائها.
ومن جهة أخرى، كانت في حاجة إلى حركة سياسية إصلاحية تجمع شتات إماراتها وقبائلها تحت راية واحدة ليسود الأمن والإستقرار فيها.
الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته
يعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله المجللة، باعثاً لدعوة إصلاحية ودعوة تجديدية إسلامية شاملة، تركت أثرها البالغ في داخل الجزيرة العربية، ووصل صداها إلى مختلف الأنحاء من الأقطار الإسلامية في خارجها.
ينتسب الشيخ إلى أسرة تسمى في نجد بآل مشرف، من بني تميم، إحدى القبائل العربية الشهيرة.
ويعتبر بيت آل مشرف بيت علمِ قد توارثوه أباً عن جد، فجد الشيخ هو سليمان ابن علي كان من أبرز علماء نجد في وقته، صنف، ودرس، وأفتى، وتولى قضاء العُيينة.
وكذلك كان والده عبد الوهاب عالماً فقيهاً قاضياً في العُيينة ثم حُرِيملاء، أريعة عشر عاماً في هذه وأربعة عشر عاماً في هذه 1.
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العُيينة سنة 1115 هـ، ونشأ فيها نشأته الأولى، متعلماً على والده، حتى أدرك قسطاً طيباً من العلم.
وكانت نجد على ما تقدم آنفاً من الركود والجمود والبدع والجهل.
فاعتزم الشيخ السفر إلى مكة، فأخذ عن علمائها هناك، ثم توجه إلى المدينة.
فوجد فيها عالمين سلفيين: الشيخ المحدث محمد حياة السندي، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشمري النجدي 2، فتضلع مما عندهما.
ثم توجه إلى البصرة، فقرأ على أهلها، ولازم الشيخ محمد المجموعي البصري، الذي ينتهي نسبه إلى طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -، وزار الأحساء، وأخذ عن علمائها، فاستكمل العلوم التي كانت تنقصه من تفسير وحديث ولغة، وغير ذلك 3.
وكان الشيخ يسلك طريق المباحثة مع شيوخه، فهو الطالب البصير والباحث المحقق، حتى إنه لم يلبث أن أخذ ينكر البدع والأعمال الشركية على العلماء والعامة على السواء، وهو لا يزال في البصرة، وفي هذه الفترة قيل: إنه صنف كتابه "التوحيد" هناك 1.
ولا ريب أن هذه الوثبة الجريئة من الشيخ قد سببت له الأذى من أهل البصرة، حتى اضطر إلى الخروج منها والإتجاه إلى الزيير، فالأحساء، فحُرِيملاء، حيث انتقل والده إليها قبل ذلك.
عاد الشيخ من هذه الرحلة العلمية بما معه من الزاد العلمي القوي والعزيمة الماضية على الإصلاح والتغيير، إذ لا يزال يرى تلك المنكرات التي دبت في صفوف المسلمين من أهل نجد وما حولها، حتى بلغت بهم -أحياناً- حدّ الشرك الاكبر والعودة إلى الأوثان الجاهلية الأولى.
وعكف الشيخ في ذات الوقت على المطالعة لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فوجد ضالته المنشودة ويغيته المفقودة في هذين العالمين الجليلين، من خلال ما أورثاه من الكتب والمصنفات.
فالتقى ذهنه الحاد الثاقب، وفكره النير، وفهمه الصحيح الرشيد، مع تلك الكتب الداعية في عمومها إلى الكتاب والسنة، واتباع منهج السلف، ونبذ البدع والمحدثات.
وكانت نتيجة ذلك وثمرته الطيبة: أن نادى بالدعوة إلى تحديد ما قد بلي من ثوب الإسلام في بلدة حريملاء، وندد بتلك العادات والعبادات التي ليست على بصيرة، ودعا الناس إلى تصحيح العقيدة، وخلوص العبادة لله وحده، والرجوع إلى نقاوة الدين وصفاء التوحيد، فصادف معارضة قوية، ومشادة متينة، وأذية كبيرة.
ولما توفي والده سنة 1153 هـ جلس للتدريس والإفادة، وتقرير العقيدة الصحيحة، فاخذ الأنصار لهذه الدعوة يتكاثرون في حريملاء، ووفد إليه الناس من بلدان جاورة، يتعلمون منه، ويأخذون عنه.
ثم ضاقت عليه حُريملاء ببعفس السفهاء، فخرج إلى العُيينة، حيث مسقط رأسه، وأكبر بلدان نجد آنذاك.
فآواه أميرها عثمان ابن معمَّر ونصره، ولكن سرعان ما طلب منه المغادرة تحت ضغط حاكم الأحساء خالد ابن عريعر، وتهديده، فتوجه الشيخ إلى
"الدرعية" سنة 1157 هـ، فوجدها درعاً له وحصناً حصيناً لدعوته، حيث وجد النصرة من أميرها محمد بن سعود، فسار الشيخ والإمام متعاونين على حمل هموم هذه الدعوة وتبعاتها.
ومنذ ذلك اليوم دخلت تلك الدعوة في طورها الجديد، طور التنفيذ والجهاد، فوجدت معارضة شديدة من عدد من أمراء بلدان نجد، وعلمائها وأعيانها وأتباعها من العامة، ومع ذلك فقد كتب الله لها النصر والغلبة، وكان الشيخ في ذلك كله لا يفتر يكاتب ويراسل، ويشرح المسائل التي يدعو إليها.
فجاهد الشيخ بلسانه وقلمه، وكان إلى جانب ذلك يشارك الإمام محمد بن سعود، ومن بعده ابنه الإمام عبد العزيز بن محمد، بالمشورة الصادقة والنصح الخالص مما تستدعيه أمور الدولة.
ويهذه الجهود الضخمة المتوالية تحولت الدرعية عاصمة للجزيرة العربية، ومثابة ومهاجَراً للبلدان المجاورة، بعدما كانت بالأمس بلدة صغيرة.
وتبع ذلك نهضة دينية وعلمية شاملة، إذ توافد إليها علماء أقطار الجزيرة، وطلابها، وراجت فيها سوق العلم والكتب، وعقدت في جوامعها ومساجدها حلقات الدروس.
بالإضافة إلى ذلك فقد صار فيها جيش منظم كامل القوة وافر السلاح، ودانت لها غالب الجزيرة العربية بالطاعة، فما توفي الشيخ (سنة 1206 هـ) حتى أقر الله عينيه بالنجاح الذي كللت به تلك التضحيات، والتمكين الذي جاء من وراء ذلك البلاء 1.
ثم جاءت المواجهة الصعبة مع نائب الدولة العثمانية على مصر، فدارت رحا الحرب على أشدها بين الطرفين، ووإنت أيامها سجالاً، ولكنها آلت في النهاية إلى تغلب الدولة السعودية في المنطقة، وتوحيدها كاملة تحت راية الحق والعدل.
نتائج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
كانت نتائج الدعوة التجديدية التي قادها محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود -رَحِمَهُمَا اللهُ-، ذات أثر عميق في قلب الجزيرة العردلا بالدرجة الأولى، كما أن صداها القوي بلغ مناطق بعيدة في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وتأثر بها كثير من العلماء والدعاة والمصلحين، وكانت حاجة السلمين في ذلك الوقت خاصة جدُّ ملحة إلى هذه الدعوة الجريئة الراشدة، إذ كان العالم الإسلامي يرزح تحت حكومات قد انقلبت إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، الأمر الذي مهد الطريق إلى الإستعمار الحديث لأكثر بلاد المسلمين، بالإضافة إلى الجهل والغفلة التي كانت طاغية على الوضع الثفافي آنذاك.
النتائج الداخلية:
فأما النتائج في داخل الجزيرة، فقد تمثلت بتحقيق أهداف هذه الدعوة المباركة التي رسمت من أول يوم، وهي إزالة الدخن الذي كان قد أصاب عقائد المسلمين وعباداتهم.
فعرَّف الشيخ بحقيقة التوحيد، وأقسامه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات:
فتوحيد الربوبية: هو الإعتقاد بوجود خالق واحد مدبر لهذا الكون، وهو الذي أقر به الكفار في الجاهلية.
وتوحيد الألوهية: هو إخلاص العبادة لله وحده من دون جميع الخلق، وهو الذي بُعثت من أجله الرسل، وأُنزلت من أجله الكتب.
وتوحبد الأسماء والصفات: هو أن يوصف الله سبحانه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من صفات الكمال التي تَعرَّف بها إلى عباده 1، وأن يثبت له من الأسماء والصفات ما ثبت في الكتاب والسنة.
وإذا كان الشرك هو الإخلال ببعض شرائط التوحيد أو بعض أركانه، فلا غرو أن ينقسم هو الآخر إلى ثلاثة أقسام: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الصفات.
وقد جاء في رسالة في الصفات للإمام فيصل بن تركي -رَحِمَهُ اللهُ-:
"وأما تعريف الشرك وأنواعه، فقد عرفه شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في "كتاب التوحيد"، فذكر أنواعه وأقسامه، وجليه وخفيه، وأكبره وأصغره، خصوصاً الشرك في العبادة، مما عساك لا تجده مجموعاً في غيره من الكتب المطولات، فإن الإيمان النافع لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقاً.
وأما أنواعه:
1 - فمنها: الشرك في الربويية، وهو نوعان: شرك التعطيل، كشرك فرعون، وشرك الذي حاجّ إبراهيم في ريه، ومنه شرك طائفة ابن عربي، ومنه شرك من عطل أسماء الرب سبحانه، وأوصافه من غلاة الجهمية، ومنه شرك من جعل مع اللأ إلها آخر، ولم يعطل ربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة.
2 - النوع الثاني: الشرك في أسمائه وصفاته، ومنه تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وهو شرك المشبهة.
3 - والنوع الثالث: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة.
فكل ما ذكرنا من توحيد الإلهية وأنواع العبادة والقصد التي لا يستحقها إلا الله، صرفها إلى غيره شرك" 1.
ولقد أفاض الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- في مؤلفاته ورسائله في شرح أنواع التوحيد وأقسام الشرك المتقدمة، واعتمد في ذلك كله على كتاب الله سبحانه وتعالى، وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة، والمنقول من أقوال السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين، إلى أئمة الإسلام المجمع على إمامتهم، باعتبار أن القرون الثلاثة الأولى هي قرون السلامة من البدعة والإنحراف وتَمَثل السنة قولاً وعملاً واعتقاداً.
وقد كان الشيخ في ذَلك كله متشبعاً بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الموضوعات، وكذلك تلميذه ابن القيم، فهو سليل تلك المدرسة السلفية، ومترجم أفكارها والذاب عنها بلسانه وقلمه، وسيفه حين يجد الإصرار على الشرك والمعاندة من غير حجة ولا برهان.
وكان الشيخ يفضل كتب السلف على كتب الخلف، ويدعو إلى الإعتماد عليها، لأنها قريبة من النبع الصافي، بعيدة عن الدخن والزغل والكدر.
فقد جاء في رسالته إلى ابن عبد اللطيف قوله:
"فإن لم تتبع هؤلاء، فانظر كلام الأئمة قبلهم، كالحافظ البيهقي في كتاب "المدخل"، والحافظ ابن عبد البر والخطابي وأمثالهم، ومن قبلهم، كالشافعي وابن جرير وابن قُتيبة، وأبي عبيد، فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف" 1.
وقد كللت جهود الشيخ بالنجاح التام، فأصبحت الجزيرة العربية موحدة براية التوحيد، صافية من كدر الشرك، خصوصاً وأن اللإمام محمد بن سعود استعمل سيف الحق في مواجهة المعاندين، وإبطال كيدهم باللسان والسنان، لأن دعوة لا تحميها قوة، ولا يؤازرها جهاد لا تصنع شيئاً على أرض الواقع:
إذا لم تكن إلّا الأسنة مركباً... فما حيلة المضطر إلّا ركوبها
وكان من نتائج الدعوة أيضاً ما حققته من منجزات على الصعيد العلمي، بحيث تكونت مدرسة علمية سلفية خالصة، وضع الشيخ نواتها في حُريملاء، وتعاهد غراسها بعد انتقاله إلى العُيينة، ووسع قاعدتها، وعمق جذورها وتعاهد نموها في الدرعية، حتى استطاع أن يبعث من المبرزين منبها: الدعاة والقضاة والموجهين، إلى مختلف الأقاليم النجدية 2.
وكان لهذه المدرسة صداها في التأليف والتعليم والبحث والتحقيق، فانبعثت الهمم للتنقيب عن كتب السلف والعناية بها، وازدهر الإهتمام بكتب التفسير بالمأثور، كإبن جرير وابن كثير والبغوي، ونحوها، والتفت الناس إلى الحديث وكتبه ورجاله، درساً وتحقيقاً وحفظاً، وتحول الإهتمام بالفقه من "الإقناع" و"المنتهي" إلى مطولات الكتب، التي تعنى بالخلاف والدليل والموازنة على ضوء أصول الفقه وقواعد الإستنباط، والأخذ بما يعضده الدليل من الأقوال والروايات والوجوه وغير ذلك.
وإن شئت أن ترى الثمرة ماثلة بين عينيك، فاقرأ الكتب الفقهية التي صنفت في ظل هذه الحركة المباركة، وسياق نتائجها، ككتاب "منار السبيل" و"السلسبيل في معرفة الدليل" وغيرها.
وكان من نتائج هذه الدعوة ومناصرتها أن قامت دولة بكامل مؤسساتها شعارها: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بعد جهود مضنية متطاولة تقيم الإسلام وتطبقه تطبيقاً عملياً، وكان للفقه الحنبلي الأثر الرئيس في استمدادات هذه الدولة للأنظمة والأقضية وغير ذلك.
النتائج الخارجية:
وأما النتائج في خارج الجزيرة العربية، فقد أثرت الدعوة تأثيراً شاملاً في العالم الإسلامي، حتى في أولئك الذين كانوا يحملون ألوية المعارضة ونصب العداوة، فقد دفعتهم إلى التحقيق العلمي، والجد والبحث في بطون الأمهات، وتصحيح الأخطاء التي كان يعسر عليهم الإعتراف بها تحت ركام العوائد وتأثير الواقع المر:
ففي المغرب الإسلامي ومصر ظهرت بوادر يقظة إسلامية تنادي بالإصلاح الديني والسياسي بما يتلاءم مع ييئتها المحلية، متأثرة من قريب أو بعيد، بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
كما كانت أصداء هذه الدعوة قوية في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا بمالا يتسع المجال لكشف تفاصيلها في هذه العجالة 1.
آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
ترك الشيخ -إلى جانب جهوده الأخرى- جملة وافرة من المكتوبات المتنوعة في موضوعاتها ومضامينها، فبعضها كتب جامعة، وبعضها رسائل مفردة، وبعضها اختصارات لكتب سابقة.
وتتسم تأليف الشيخ على وجه العموم بالجدَّة والتبصُّر، والرجوع ما أمكن إلى أمهات التراث الإسلامي التي صنفها السلف، في العقيدة، والتفسير، والحديث، وغير ذلك، بل وكثرة الإحتجاج بنصوص الشرع من كتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ- وسنة نبيه المصطفى.
وتتسم من جهة أخرى بكونها خادمة لأهداف الدعوة التي قام من أجلها، وتصب في مجاريها، وتُسدِّد صوبَ مراميها.
ومن جملة آثاره التي تتصل بخدمة المذهب الحنبلي خاصة 1.
1 - آداب المشي إلى الصلاة.
2 - كتاب الطهارة.
3 - أريع قواعد تدور عليها الأحكام.
4 - إبطال وقف الجنف والإثم.
5 - مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
6 - مختصر زاد المعاد لإبن القيم.
وهذه الكتب مطبوعة ضمن مجموع "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" الذي قامت بإعداده وإصداره جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة (1400 هـ)، وسبق لبعضها أن طُبع في طبعات مستقلة، أو ضمن مجموع كـ "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" 2.
وقد أثمرت دعوة الشيخ في نجد وما حولها ثلةً من أهل العلم والفضل، تألّقت نجومهم وأسهموا بجهود مبرورة على عهد الدولة السعودية الأولى والثانية، وكان من هذه الثلة كوكبة نيِّرة من آل الشيخ أبناءً وأحفاداً (1). ومن أبرز هؤلاء العلماء:
1 -
الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1165 - 1244 هـ):
وُلد في الدرعية، وتلمذ لأبيه في بواكير حياته، فحظي بحَوْطٍ من الرعاية والعناية والتربية، فنشَّأه تنشئَةً حسنة، فقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب، بالإضافة إلى مبادئ العلوم الشرعية والعربية.
فلما كبر لازم العلّامة حمد بن معمر، فأخذ عنه الأصول والفروع والحديث، ثم رحل إلى مكة المشرَّفة فتلقى عن علماء المسجد الحرام علوم اللغة والحديث، ثم انتقل إلى المدينة المنورة، فتضلع من علم الحديث خاصة عن علمائها، ثم رجع إلى بلدته ومسقط رأسه، فخاض جهاد الدعوة مع والده ويعده، حتى غزا الأتراك نجداً وخرّلوا الدرعية، فنُقل إلى القاهرة في آخرين من أسرة الشيخ سنة (1233 هـ)، فاستقر بها حتى توفي سنة (1244 هـ) في عهد الإمام تركي بن عبد الله مؤسس الدولة السعودية الثانية، -رَحِمَهُمَا اللهُ- وأجزل لهما المثوبة.
ويرز الشيخ عبد الله في الأصول والتفسير والحديث وأصولهما، وكان بصيراً بالعقائد، عارفاً بمقالات الفرق الإسلامية.
وفي عهد والده كان جلُّ اهتمامه منصرفاً إلى المزيد من التفقه، وتعليم الخاصة من تلاميذه وقاصديه.
فلما توفي والده حلّ محله في نشر الدعوة ومحمل أعبائها ومهامّها الجليلة، وكان مرجع أهل العلم في بلاد نجد قاطبة بعد والده، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعاً.
وكان عضداً مساعداً لثلاثة من الأئمة في الدولة السعودية الأولى: الإمام عبد العزيز بن محمد، وابنه الإمام سعود، وحفيده الإمام عبد الله.1
وتتلخص جهود الشيخ عبد الله في الأنحاء التالية:
أولاً: في رسالة المسجد التي أداها من خلال دروسه العلمية والوعظية وخُطبه المنبرية.
وقد تخرج على يديه عدد من الشيوخ؛ منهم أبناؤه الثلاثة: سليمان، وعبد الرحمن، وعلي، وابن أخيه عبد الرحمن بن حسن.
ثانياً: في جهاد القلم، وتمثل ذلك بكتبه ورسائله التي وجهها لنشر الدعوة والرد على المخالفين؛ بكشف الشبهات وإبطال ما ألصق بها وبرجالها من الآراء والمعتقدات الباطلة التي هم منها برآء.
وترك من الكتب والمصنفات: مختصر سيرة ابن هشام، وجواب السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية، والتوضيح عن توحيد الخلاف، والكلمات النافعة عن المكفرات الواقعة، وكتاباً في المناسك.
ثالثاً: القضاء، فقد تولى قضاء الدرعية في عهد الإمام عبد الله بن سعود آخر أئمة الدولة السعودية الأولى.
وكان الشيخ آية في الزهد والورع والإستقامة في دين الله، متحلياً بحلية السلف من الأخلاق العالية، كما كان داعية خير ورشد، عازفاً عن الدنيا مقبلاً على الآخرة، صادعاً بالحق لا يخاف في الله لومة لائم (1).
2 -
الشيخ عبد لله بن عبد الرحمن الملقب بـ "أبا بُطين" (1194 - 1282 هـ):
وأبا بُطين، أو: البابطين لقب أسلافه أيضا، وهو علم على بيت من البيوت القديمة في نجد، انتشرت فروعهم فيما بعد بين الكويت والملكة العربية السعودية.
ولد الشيخ عبد الله في روضة سدير بنجد، وفيها نشا وتعلم على قاضيها وفقيهها الشيخ محمد بن طراد الدوسري، ولازمه ملازمة تامة مع ما وهبه الله من الذكاء الوقاد والذاكرة القوية، فمهر في الفقه.
ثم ارتحل إلى شقراء، فأخذ عن قاضيها الشيخ عبد العزيز الحصين.
ثم رحل إلى الدرعية فأخذ عن علمائها التوحيد والتفسير والحديث1
والفقه وأصول هذه العلوم، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر.
وفي سنة (1220 هـ) استُقضي للإمام سعود بن عبد العزيز على الطائف وملحقاته من قبائل الحجاز، وفيها أخذ علم النحو عن السيد حسين الجفري.
وفي عهد الإمام تركي بن عبد الله -مؤسس الدولة السعودية الثانية- تولى قضاء مقاطعة الوشم ثم ضُمّ إليه قضاء مقاطعة سدير عام (1231 هـ). وتولى قضاء عنيزة مرتين.
وفي ذلك كله كان ناشراً للعلم مفيداً للطلاب تدريساً وتعليماً وإفتاءً، وهكذا كانت ولايته في القضاء مصحوبة بسيرة أخرى تتمثل بنشر العلم في الطائف وشقراء وسدير وعمان والقصيم في أواخر الدولة السعودية الأولى، وطيلة فترة الدولة السعودية الثانية، حتى تخرجت على يديه جماعة كبيرة من العلماء، منهم: الشيخ محمد بن عبد الله بن حميد صاحب "السحب الوابلة"، والشيخ عثمان بن بشر صاحب "عنوان المجد"، والشيخ محمد بن عبد الله بن مانع جدُّ آل المانع المعروفين في عنيزة بالعلم والفقه
وتولي القضاء.
وترك الشيخ إلى جانب ذلك جملة وافرة من المؤلفات والرسائل والفتاوى والتحريرات، بعضها طُبع ضمن مجامع رسائل علماء نجد، وبعضها طبع مفرداً، وبعضها لم يطبع بعد، ومن ذلك:
1 - مختصر بدائع الفوائد لإبن قيم الجوزية.
2 - مختصر إغاثة اللهفان لإبن القيم أيضاً.
3 - حاشية على شرح منتهى الإرادات للبهوتي.
جرّدها من أصله الشيخ عبد الرحمن بن مانع.
4 - حاشية على الروض المربع للبهوتي.
5 - مختصر قواعد ابن رجب.
6 - فتاوى وتحريرات، جمع بعضَها ورتبه وطبعه إبراهيم بن محمد الحازمي، ولا تزال منها بقية مخطوطة في مدينة شقراء.
وكان الشيخ أبا بُطين إلى جانب الزهد والورع، ماهراً بالفقه ومذاهبه حتى إنه ليُعدُّ فقيه الديارالنجدية في القرن الثالث عشر بلا منازع، قال عنه تلميذه ابن حميد: "وأما اطلاعه على خلف الأئمة الأريعة، بل.
وغيرهم من السلف، والروايات والأقوال المذهبية، فأمر عجيب، ما أعلم أني رأيت في خصوص هذا من يضاهيه؛ بل ولا من يقاربه" (1). وقال عنه تلميذه ابن بشر: "وكان من الزهد والورع والكرم على جانب عظيم، مشتغلاً ليله ونهاره في خدمة العلم وطلبته، وهو كثير الإحسان إليهم، له المعرفة التامة في التفسير والحديث والفقه، وكان إماماً في كل العلوم" (2).
توفي الشيخ البابطين في شقراء سنة (1282 هـ) بعد عمر طويل قضاه في خدمة المسلمين ونفع طلاب العلم، -رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة (3).
3 -
الشيخ عبد الرحمن بن حسن أل آلشيخ (1193 - 1285 هـ):
وهو حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومجدد دعوته الإصلاحية.
وُلد في الدرعية، وكانت يومئذ موطن العلم الدعوة ومعهد علماء السلف.
وتلقى ترييته ونشأته الأولى على يد جده؛ إذ قُتل والده وهو صغير، فحفظ القرآن ولازم الدروس وتدرب على الفقه، ثم لازم علماء الدرعية بعد وفاة جده، ومنهم عمه عبد الله، والشيخ حمد بن ناصر بن معمَّر، حتى مهر وتمكن وهو في باكورة شبابه، فأقبل عليه الطلاب وأخذوا عليه من فنون العلوم: التوحيد والتفسير والحديث والفقه وغير ذلك.
ثم استُقضي للإمام سعود بن عبد العزيز على الدرعية، فسار السيرة الحسنة، وصاحب الإمام عبد الله بن سعود مجاهداً بالسيف والقلم واللسان.
ولما غزا الأتراك نجداً وخربوا الدرعية سنة (1233 هـ) نُقل الشيخ إلى القاهرة في ثلة من أفراد أسرته.
وهناك أقبل على التوسع في العلم بين مجالسة العلماء ومنادمة الكتب، فقرأ على بعض كلبار علماء الأزهر ومصر، ولازم كثيراً منهم، كالشيخ عبد الله بن سويدان والشيخ حسن القويني، وأجازوه بإجازات طويلة مسلسلة وأثنوا عليه فيها.123
وفي سنة (1241 هـ) خرج من مصر والتحق بالإمام تركي بن عبد الله في الرياض، فآزره في القيام بالأعمال التي كان يقوم بها جدُّه من قبل، فجمع الشمل ولمّ الشعث ورأب الصدع الذي كان قد حصل بعد موت جدِّه، ونقلِ عمه الشيخ عبد الله إلى القاهرة.
وتوزعت جهوده على ثلاثة أنحاء: مؤازرة الأئمة من آل سعود -تركي وابنه وحفيده- بالرأي في شؤون الدولة، وتأليف الكتب والرسائل والنصائح، والوعظ والإرشاد والتدريس، حتى ازدهرت الرياض في عهده بالمعاهد العلمية.
واستمر على ذلك في عمرٍ طويلٍ حافلٍ بالنشاط، حتى وافاه الأجل سنة (1285 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ- برحمته الواسعة.
ومن أبرز من تخرج على يد الشيخ عبد الرحمن: ابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد ابن عتيق، والشيخ عبد الرحمن ابن مانع، والمؤرخ إبراهيم ابن عيسى.
ومن آثاره المكتوبة:
1 - فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد لجده.
2 - قرة عيون الموحدين.
3 - مختصر العقل والنقل لإبن تيمية.
4 - مجموعة كبيرة من الفتاوى والرسائل تُقدّر بمجلد ضخم 1
أثر الملكة العربية السعودية في ازدهار الفقه الحنبلي
تعتبر المملكة العربية السعودية اليوم امتداداً للجهود المتواصلة التي قام بها آل سعود في توحيد الجزيرة العربية ولم شتاتها منذ أن قام الإمام محمد بن سعود -رَحِمَهُ اللهُ- يؤازر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رَحِمَهُ اللهُ- في دعوته، ويفضل الله، تم بفضل تلك الجهود التي قام بها الشيخ والإمام تكونت الدولة السعودية الأولى التي مثلت النتائج المباشرة للدعوة الإصلاحية.
واستمرت تلك الدولة مدة تَنوفُ على السبعين عاماً قبل نشوب الحرب مع الأتراك، وتولى الإمامة فيها على التوالي الأئمة: محمد بن سعود، ثم عبد العزيز ابن الإمام محمد، ثم سعود بن عبد العزيز، ثم عبد الله بن سعود، رحمهم الله وأكرم مثواهم.
ويعتبر عهد الإمام سعود بن عبد العزيز العهد الذهبي للدولة، إذ امتدت ظلالها إلى قلب اليمن جنوباً، ومشارف العراق وسورية شمالاً 1.
وفي ظل ذلك الإمتداد والتوحيد للمناطق العربية التي كانت قبل ذلك تعيش في فوضى وتشرذم دائم، انتشرت الدعوة الإسلامية بهدوء، وأمن واطمئنان، وفتحت الجزيرة عينيها على عهد جديد زاهر على كافة المستويات، وقد جندت الدولة العثمانية قواتها المصرية لكسر شوكة هذه الدولة، التي وحدت ما تحت يديها، وألفت بين أبناء المنطقة، بدعوى أن هذا العمل خروج عن الخلافة العثمانية، وشق لعصا المسلمين، والواقع أن الدولة العثمانية كانت غائبة تماما من الناحية الفعلية عن المنطقة قبل قيام الدولة السعودية الفتية، كما كانت غائبة عن الثغر الجزائري حين احتلته فرنسا بسهولة تامة.
وعن كثير من البلاد الإسلامية، علاوة على ضعفها، وعدم اهتمامها بالدعوة إلى الكتاب والسنة، والى نشر الإسلام بلغته العربيه التي نزل بها كتاب الله الكريم.
يقول الدكتور عبد الله بن محمد العجلان:
"ولما كانت نجد -وهي قلب جزيرة العرب- أقل أقاليم الخلافة العثمانية رعاية؛ إذ أن العثمانيين لم يعيروا هذه المنطقة أي اهتمام، ولم تحظ منهم بأي رعاية، بل اكتفوا ببسط نفوذهم على الحرمين الشريفين، والساحل الغربي من شبه الجزيرة العربية، وساحل الخليج العربي، وتركوا وسط الجزيرة العربية، فلم يكن لهم فيها وجود مما جعله في عزلة شديدة عن العالم الإسلامي.
لما كانت نجد كذلك اضطرب فيها حبل الأمن، وقطعت فيها السبل، وسادت فيها الفوضى والسلب والنهب، والأخذ بالثأر، وماجت فيها الفتن، وعم الجهل، ودرست معالم الحضارة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة" 1.
وتعتبر الدولة السعودية الثانية وثبة أخرى في قلب الجزيرة في الاتجاه نحو توحيدها سياسياً، تحت سلطان واحد، وراية واحدة، يسودها نظام قائم على أساس الكتاب والسنة.
وقد واجه الإمام تركي بن عبد الله في بداية تأسيس هذه الدولة صعوبات كبيرة من الخارج ومن الداخل.
وعلى الرغم من الصعوبات الداخلية والخارجية، فقد تكلل جهد الإمام تركي بالنصر سنة (1240 هـ). ومنذ ذلك التاريخ حتى العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وهذه الدولة تسير سيراً متموجاً بسبب الكيد الخارجي بالإضافة إلى الفتن الداخلية.
ويعتبر عهد الإمام فيصل بن تركي الذي تولى الأمور من بعد أبيه على فترتين: دامت الأولى ما بين 1249 و 1254 هـ، والثانية ما بين 1256 و 1282 هـ، عهداً زاهراً بالطموحات لدولة سعودية ناهضة، مستقلة الكيان، مرهوبة الجانب، فقد أمضى حياته في الفترتين معاً في جهاد طويل متواصل سعياً في توحيد نجد وما حولها من المناطق، بالإضافة إلى إخرانج بقايا الحامية المصرية من أرض الجزيرة بصفة نهائية.
ولقد ظلت الدعوة الإصلاحية، التي قامت على أساسها الدولة السعودية الأولى، هي الركيزة التي اعتمد عليها الحكم في الدولة السعودية الثانية؛ بشكل عام، وفي عهدي الإمامين تركي بن عبد الله وابنه فيصل بشكل خاص، فقد توخى هذان الإمامان سيرة أسلافهما من آل سعود في استشارة ذوي الدين والرأي والخبرة والمعرفة فيما يتعلق بأمور الدولة العامة.
أما المملكة العربية السعودية اليوم، فقد قامت على الجهود المظفرة التي بذلها البطل الهمام الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- منذ دخوله الرياض سنة (1319 هـ) إلى أن تم توحيد البلاد كلها تحت راية واحدة وتكوين المملكة العربية السعودية سنة (1351 هـ).
ولا ريب أن جهد المملكة لم ينحصر في دعم الفقه الحنبلى واحتضانه فحسب، بل إن هذه المملكة ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ هي البلد الوحيد في العالم العربي والإسلامي التي تتخذ من الكتاب والسنّة دستوراً لها، وتلتزم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فأنواع المعاملات تطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وقد روعي في الأنظمة التي وضعت لتنظيم الإدارة أن تكون متلائمة مع روح الشريعة الإسلامية.
وكلمات "تشريع" و"شريعة" لا تطلق في الملكة إلا على الأحكام الواردة في الشريعة الإسلامية.
أما ما عداها من أحكام وضعية فيطلق عليها تعبير: أنظمة، أو تعليمات، أو أوامر، أو مراسيم 1.
وغني عن البيان أن نقول: إن الفقه الحنبلي يشكل النسبة الكبرى في استمدادات المملكة التنظيمية والتشريعية، وبالتالي فإن هذا الفقه قد كتب له أن ينبعث غضاً ناضراً في التطبيق الميداني في مهد الرسالة وأرض الوحي.
ولئن كان المذهب المالكي قد شهد ازدهاراً تحت رعاية دول الإسلام المتعاقبة في الأندلس والمغرب، والمذهب الشافعي قد شهد مثل ذلك في أيام الأيوبيين والمماليك في بلاد الشام ومصر، وازدهر المذهب الحنفي على عهد الدولة العثمانية في البلاد التي كانت قوية مكينة فيها، فإن المذهب الحنبلي قد أصاب حظه من الإزدهار والعناية تحت رعاية الدول السعودية المتعاقبة التي تمثل المملكةُ اليوم العهدَ الجديدَ فيها.
قال الشيخ أبو زهرة: وإذا كان ذلك المذهب الجليل قد فقد الأتباع في الماضي، فإن الله سبحانه وتعالى قد عوضه في الحاضر، وذلك أن بلاد الجزيرة العربية تسير حكومتها في أقضيتها وعبادتها على مقتضى أحكامه، وكان ذلك تعويضا كريماً، وإخلافاً حسناً، لأن بلاد الجزيرة العربية تطبق الشريعة الإسلامية في كل أقضيتها، ولا تقصرها على نظام البيت (قانون الأسرة)، بل إنها تطبق أحكام الحدود والقصاص تطبيقا صحيحاً كاملاً،
فالحدود فيها قائمة، ومعالم الشريعة فيها معلنة، وأحكام المعاملات المالية كلها مستمدة من ذلك الذهب الجليل، فالربا حرام في شتى ضرويه بالقليل والكثير، من غير محاولة لتحليله، ومن غير تحايل على تسويغه، بل غلقت كل أبوابه ما ظهر منها وما بطن، وأخذت الصدقات الإسلامية، وجمعت زكاة المال في السائمة والزرع والنقدين وعروض التجارة، ويذلك قامت دولة الشريعة محكمة البنيان، ثابتة الأركان 1.
وقيام المملكة العربيه السعودية على النحو الذي صورنا بعض جوانبه لم يكن آتياً من فراغ أو وليد طفرة وارتجال، بل هو تكامل في العمل وتواصل في البناء القائم على منهج قويم واضح المعالم، فيه الوفاء التام لأولئك الأسلاف الذين قضوا حياتهم في الدعوة والجهاد لتصحيح العقيدة وتجديد الدين، وعقد العزم على تطهر الجزيرة من كل عرف، أو تقليد، أو عادة، أو خرافة تفسد على الناس توحيدهم الخالص 2، ليأتي تطبيق الشريعة السمحة سهلاً مقبولاً على أمة قد وعت دينها وعرفت رسالتها، وليتعاون الراعي والرعية
على القيام بهذا الواجب العظيم.
وقي هذا الصميم يقول الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-: "وعليّ جعل الحكم في هذه الديار بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يد طائلة عليكم اليوم، فكتاب الله فوق الجميع.
فالواجب عليكم هو معرفة الله تعالى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وترك البدع، والخرافات والتأدب بآداب الشريعة السمحاء، وتوثيق عرى الألفة وأوامر النصيحة والإخلاص" 3.
وإن إعلاناً كهذا ليس من السهولة أن يصدرمن ملك أو رئيس في زمن احتشدت فيه مغريات التجافي عن الإسلام ونظامه، فقد كانت سورة الحكم الإسلامي مهتزة في أذهان الخاصة والعامة على السواء إلا من عصم الله ورحم، وذلك من جراء أخطاء اقترفها المسلمون أنفسهم، ومن جراء الحملات الثقافية والفكرية والنفسية التي يشنها أعداء الإسلام على قضية الحكم الإسلامي.
وفي ذات الوقت كانت النظريات السياسية الجديدة تفتن القادة والزعماء، فضلاً عن طبقات أخرى كثيرة 4.
خلاصة ما تمّ في المملكة العربية السعودية من جهود في خدمة المذهب الحنبلي
إن المملكة العربية السعودية تتميز عن بقية دول العالم الإسلامي وأقطاره: بأنها دولة قامت على أساس الكتاب والسنة، وأدرك مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- أن أهم وظائف الدولة الإسلامية هي: تحقيق سيادة شرع الله، ونشر الدعوة الإسلامية؛ امتثالاً لقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
وقد تبين عمق هذا الإدراك جلياً في خطاب الملك عبد العزيز في الجلسة الإفتتاحية لمجلس الشورى بتاريخ 7 ربيع الأول سنة 1349 هـ إذ قال مخاطباً أعضاء المجلس والحاضرين:
"وإنكم تعلمون أن أساس حكمنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سنّ كل نظام، وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد، على شرط أن لا يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية؛ لأن العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيداً لأحد، والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - " 1.
فأقضية المملكة مستمدة من الشرع الإسلامي، والأنظمة والمراسيم الصادرة لا تخالف الشريعة الغرّاء بحالٍ من الأحوال.
ولا ريب أن الفقه الحنبلي يحظى بالدرجة الأولى في تكوين مصادر تلك الأقضية، كما هو واضح في التوجيهات الخاصة بالمحاكم والقضاة.
كذلك تصدر الفتوى في المملكة في غالبها على ما هو الراجح، أو الصحيح المفتى به في هذا المذهب الجليل.
فهذا وذاك، كلاهما قد أعطيا دفعاً قوياً للعناية بالفقه الحنبلي من الناحية العملية، أما من الناحية العلمية فإن الدروس، والحلقات التي تُعقد في المساجد، وما هو المقرر على التلاميذ في المدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية، والمعاهد والكليات له عناية خاصة بالفقه الحنبلي وكتبه وعلمائه.
وتعتبر المراكز العلمية القائمة في المملكة خادمة بشكل أو بآخر لهذا الذهب؛ بما تحتوي عليه من كتب ومخطوطات ووثائق ومواد علمية مختلفة.
وإلى جانب تلك المراكز توجد المكتبات العامة سواءٌ منها التابعة للجامعات أو المستقلة، فهذه المكتبات تجمع ما طبع وحُقق ونُشر من التراث الحنبلي، كما أنها تجمع من المخطوطات الأصلية والصورة العدد الكثير.
ولا غير أن هذه الثروة من المخطوطات قد فتحت الطريق واسعاً أمام الطلاب والباحثين للإطلاع على الترات الحنبلي وتحقيقه تحقيقاً علمياً بما يستحق من العمق والدقة ليخرج في حُلة قشيبة مقرباً ممهداً أمام الدارسين والعلماء والمفتين والقضاة وغيرهم.
إن هذه الثروة العلمية التي تزخر بها المملكة العربيه السعودية الآن فيما يخص أصول المذهب وفروعه وأعلامه ومكتباته والدراسات التي أنجزت حوله، لتشهد بمدى الخدمة الجليلة التي قامت بها المملكة، ولا تزال تقوم تجاه هذا المذهب.
إلى جانب ذلك كله نجد العناية بالطباعة والنشر والتوزيع قد أسهمت هي الأخرى مساهمة فعّالة في إخراج جزء كبير من التراث الحنبلي من عالم المخطوطات إلى عالم المطبوعات وتوزيعه في مختلف أنحاء العالم.
وقد بدأ الإهتمام بنشر الفقه الحنبلي الذي يعتبر ثرياً في مؤلفاته منذ تأسيس المملكة، وبعناية أُولي الأمر فيها، فقد طبع كتاب "المغني" ونشر لأول مرة مع "الشرح الكبير"، بأمر الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-، وفي ذلك يقول الشيخ رشيد رضا:
"ما زلت أفكر في السعي لطبعه -أي المغني- إلى أن هداني الله تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد وملحقاتها، فبُلِّغت عنه أولاً أنه - أيد الله به العلم والدين، وأعز به الإسلام والمسلمين - عازم على طبع هذا الكتاب مع كتب أخرى لإحياء العلم وتوسيع نطاقه في بلاده، ثم خاطبني آخراً في طبعه مع "الشرح الكبير"، وطبع تفسيري ابن جرير وابن كثير، وكتب أخرى من كتب السنة والفقه، وتلا ذلك إرساله "المغني" و"الشرح الكبير للمقنع" ليُطبعا معاً مع غيرهما، مما عزم على طبعه" 1. وقد أشار الملك عبد العزيز إلى تلك المراسلة التي تمت بينه وبين الشيخ رشيد رضا في مقابلة مع رئيس تحرير "مجلة الكويت" في عددها المصادر في شهر شوال عام 1348 هـ قال فيها الملك عبد العزيز: "إن أمثال هذه الكتب الدينية من المؤلفات الجليلة، التي عرفت أهميتها، وكنت من أمد بعيد حريصاً على طبعها، لينتفع بما فيها من فوائد غزيرة، كان جُلّها محجوياً عن الأبصار، وليسهل اقتناؤها على المعدمين، ولا سيما "المغني" الذي لم يطبع قبل هذه المرة، وقد عثرنا على نسخة كاملة منه، فبعثنا بها وبتفسير ابن كثير ومؤلفات أخرى غيرها إلى السيد رشيد رضا في مصر، وبلغنا أنه تم طبعها، وكذا بعثنا إليه أيضاً بكتاب في الآداب ليطبعه" 2.
وبرز في ظل المملكة منذ نشأتها إلى اليوم ثلّةكبيرة من العلماء، ممن لهم إسهام سابغ في النهضة العلمية عموماً وخدمة المذهب الحنبلي خصوصاً، نذكر منهم:
1 -
الشيخ سعد بن حمد بن علي ابن عتيق (1267 - 1349 هـ):
وُلد ببلدة الحلوة: إحدى قرى الأفلاج، وتعلم في صغره على والده الذي كان قاضياً في حوطة سدير، فتعلم التوحيد والتفسير والحديث والفقه والنحو، ثم رحل إلى الهند بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره، مكث بها تسع سنين فقرأ على كبار محدثيها، كالشيخ صديق حسن خان والشيخ نذير حسين الدهلوي وغيرهما.
ثم عاد إلى مكة المكرمة فحج وأخذ عن جماعة من علمائها من بين نجديين وحجازيين وهنديين، حتى بلغ في العلم مبلغاً عظيماً، إلى جانب الغيرة الشديدة في الدين والصلابة في العقيدة.
ويعد عودته إلى الأفلاج عيّنه الإمام عبد الله بن فيصل قاضياً على الأفلاج، فاستمر على ذلك إلى أن دخل الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- الرياض سنة (1319 هـ) فنقله إليها وولّاه قضاء سكان البادية المحيطة بالرياض والقادمين إليها، وولاه أيضاً إمامة الجامع الكبير، وكان يعقد حلقتين للدروس، فأقبل عليه الطلاب وحفوا به وانتفعوا بعلمه، فتخرج على يديه عدد من أكابر العلماء من أمثال: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله العنقري، وغيرهم.
وإلى جانب هذا أورث منثورات من بين كتب ورسائل وفتاوى، من ذلك:
1 - نظم زاد المستقنع سماه "نيل المراد بنظم متن الزاد".
لم يكمله، فأكمله الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان.
2 - حجة التحريض في تحريم ذبح المريض.
توجد منها نسخة في مكتبة جامعة اللك سعود (215).
3 - فتاوى ورسائل منثورة تبلغ نحو الأريعين رسالة.
جمعت وطبعت بعنوان: "المجموع المفيد من رسائل وفتاوى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق".
وله شعر جيد ونظم رائق.
وقد اشهر الشيخ ابن عتيق بسعة العلم والتقى والصلاح، والجد والإجتهاد في نشر الدعوة السلفية.
-رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة (1).
2 -
الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن العنقري (1290 - 1373 هـ):
وُلد بثرمداء: قرية من قرى الوشم، وكانت إمارتها متسلسلة في آبائه.
ونشأ يتيماً ضريراً بين والدته وأعمامه، فحفظ القرآن وتلقى العلوم الإبتدائية في بلدته على إمام جامعها حمد بن شعيل، فحفظ جملة من المتون 2 في التوحيد والفقه واللغة والمصطلح وغير ذلك.
فلما شب عن الطوق سافر إلى الرياض عام (1311 هـ) فتلقى عن علمائها المشهورين آنذاك، كالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخيه إبراهيم، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ إسحاق بن عبد الرحمن، والشيخ سعد ابن عتيق، وغيرهم.
وكانت له -رَحِمَهُ اللهُ- محبة شديدة للعلم ورغبة صادقة في طلبه وتحقيقه والعمل به وجمع كتبه، حتى إنه جمع مكتبة من أنفس المكتبات؛ حافلة بنفائس المخطوطات، وكان له الفضل في جمع أشتات كتاب "المغني" لإبن قدامة لتكوين نسخة كاملة منه، حيث لم تكن منه في نجد نسخة كاملة، فجمع أجزاءه من البلدان وخزائن العلماء، حتى جمع نسخة كاملة، فنُسخت ثم أرسلها إلى الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- فطبع عليها الكتاب.
وكانت للشيخ عناية خاصة بالفقه الحنبلي؛ له اليد الطولى في التحقيق والتدقيق فيه من خلال ما عُرف في دروسه ومؤلفاته وفتاواه المحررة التي سلك فيها مسلك المحققين، بذكر الدليل والتعليل والترجيح؛ تبعاً لما رجحته الحجج من أقوال المجتهدين.1
تولى الشيخ قضاء بلدة المجمعة وإقليم سدير مع بلدان أخرى، عينه لهذا الشأن الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- وكانت له آثار طيبة ومواقف محمودة مشكورة في الصلح العام والوساطة بين المتحاريين في حوادث معروفة في أيامه.
واستمر في القضاء نحواً من ثلاثة عقود ونصف إلى سنة (1360 هـ) حيث استعفى فأعفي، وتفرغ للتدريس والتأليف حتى توفي، عام (1373 هـ) -رَحِمَهُ اللهُ-.
وتخرج على يديه من العلماء: الشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ محمد الخيَّال، والشيخ عبد الرحمن ابن قاسم، والشيخ حمو بن عبد الله التويجري، وغيرهم كثير، وكثرهم تقلدوا مناصب القضاء في المملكة.
وترك من المؤلفات من بين تعليقات ورسائل وفتاوى أشياء كثيرة، منها:
1 - حاشية على الروض المربع للبهوتي.
2 - تعليقات على نونية ابن القيم في العقيدة.
ويعض رسائله وفتاواه محفوظة ضمن مجاميع الرسائل النجدية (1).
3 -
الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (1307 - 1376 هـ):
ولد في بلدة عنيزة، ونشأ يتيم الأم، ثم يتيم الأب، فعنيت به زوجة أبيه، فلما كبر انتقل إلى بيت أخيه الأكبر حَمَد، فحفظ القرآن وأقبل على العلم في بلده، فانقطع له وجدّ في تحصيله حفظاً وفهماً ودراسة، حتى مهر، ونبغ وهو لا يزال في أطوار الطفولة ويواكير الشباب، وانصرف إلى العثاية بعلوم التفسير والحديث والتوحيد، وجعل من مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم نبراساً له، فهي عنده في السمع والبصر والمورد والمصدر، فتوسعت مداركه، وتفتق ذهنه عن قريحة اجتهادية وثابة تنزع بالدليل، ولا تنقاد إلا لما ترجحه الحجج من الأقوال والروايات والوجوه في المذهب الحنبلي.
وبالرغم من أنه لم يحظ بالرحلة خارج بلده إلا أنه كان يكاتب العلماء في شتى بلاد الإسلام يسأل عن قضايا العصر، وما أفرزته المدنية الحديثة.1
ومن أبرز شيوخه بعنيزة: الشيخ إبراهيم بن محمد بن جاسر، في التفسير والحديث- وأصولهما، والشيخ صالح بن عثمان آل قاضي في الفقه وأصوله، والشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، في علوم اللغة، وغيرهم كثير.
واختصاصُ كل شيخ بما يتقنه من الفنون قد أكسب الشيخَ ابن سعدي معرفةً متميزة في تلك الفنون، كما تأثر بالشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رَحِمَهُ اللهُ- بطريقته في إلقاء الدرس وتقرير المسائل.
ولما بلغ الشيخ أشُدَّه واستوى في العلم تولى إمامة جامع بلدته عنيزة الكبير، ونشر علمه فيه خطيباً وفقيهاً ومفيداً للطلاب، يصرف جل أوقاته للدرس والتعليم 1، إلى جانب كنابة الوثائق وتحرر أوقاف الواقفين، ووصايا الموصين، وعقد الأنكحة، وغير ذلك.
وممن تخرج على يديه: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام مؤلف "علماء نجد خلال ثمانية قرون"، والشيخ محمد بن صالح العثيمين تغمده الله بواسع رحمته، والشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان -رَحِمَهُ اللهُ- صاحب المؤلفات الكثيرة.
وغيرهم من أبناء الأسر المتفرقة في عنيزة وما حولها من ىل البسام والزغيبي والقاضي والشبل والزامل والعقيل، في آخرين يتجاوزن مئة وخمسين.
وقد أسندت إلى الكثير منهم مناصب القضاء والدعوة والإفتاء والإرشاد، والقيام بالتدريس في المدارس والمعاهد العلمية التي أنشأتها المملكة.
وترك علامة القصيم -رَحِمَهُ اللهُ- جملة وافرة من الكتب في التفسير والفقه وغير ذلك، منها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ويهجة قلوب الأبرار، والرياض الناضرة، والمختارات الجلية، والجمع بين الإنصاف ونظم ابن عبد القوي، والأصول الجامعة، وغيرها.
وله فتاوى جمعت بعد وفاته ورتبت وطبعت 2.
4 -
الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع (1300 - 1385 هـ):
ولُد في بلدة عنيزة، ويعد السابعة من عمره توفي والده، فنشأ يتيماً، فحفظ بعض القرآن الكريم، وحصل العلوم الإبتدائية من المختصرات التي كانت تدرس في ذلك الوقت، ككتاب التوحيد، ودليل الطالب، وبلوغ الرام، والرحبية، والآجرومية.
ولما ناهز الإحتلام رحل إلى عواصم العالم الإسلامي: بغداد، فالقاهرة، فدمشق، فبغداد ثانية، واتصل بكبار العلماء ولازمهم حتى حصل الكثير في الزمن القليل، وكان جادًّا مجدًّاً واصلاً نهاره بليله قراءة ومراجعة وحفظاً، لا يُضيع من الوقت قليلاً ولا كثيراً.
وكان سريع الحفظ، حاضر القلب، حتى نبغ واستوح ذاكرته كثيراً من المتون، وكان يقرأ على شيوخه الكتب قراءة بحث وتحقيق واستيعاب، حتى أوفى على الغاية وصار من كبار العلماء، فقيهاً بالمذهب الحنبلي، عارفاً بخلاف العلماء.
ومن جملة شيوخه الذين تلمذ لهم في أقطار العالم الإسلامي: الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، والشيخان: محمود شكري، وعلي نعمان، الآلوسيان، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ عبد الوهاب أفندي.
تقلب الشيخ في أعمال عديدة بين قطر والمملكة والبحرين، فقد ترأس النادي العلمي الذين أنشاه المحسن مقبل بن عبد الرحمن الذكير في البحرين، ثم تولى القضاء والتدريس والخطابة بقطر سنة (1334 هـ) لمدة ثلاث وعشرين سنة، ثم عينه الملك عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- مدرساً بالمسجد الحرام والمدارس الحكومية سنة (1358 هـ)، ثم عينه رئيسًا لثلاث هيئات في المملكة: هيئة تمييز الأحكام الشرعية، وهيئة الأمر بالمعروف، وهيئة الوعظ والإرشاد.
وفي سنة (1365 هـ) عُيّن مديراً عاماً للمعارف، فرئيساً لدار التوحيد.
ثم عاد إلى قطر مرة ثانية سنة (1374 هـ) ليشرف على سير التعليم فيها لإصلاح المناهج.
وكانت إقامته الثانية في قطر، ونفوذ كلمته فيها، سبباً في عناية الحكومة القطرية بنشر الكثير من الكتب العلمية النافعة، في مختلف العلوم، ومنها الفقه الحنبلي، فقد أشرف على طباعة عدد كبير منها مع التقديم لها والتعريف بها.
= وسليمان بن عبد الله أبا الخيل.
بدراسة وافية عن الشيخ ابن سعدي في القسم الأول من كتابيهما "فقه الشيخ ابن سعدي".
وفي الجزء الثاني من "تاريخ المذهب الحنبلي" تعريف بآثاره الفقهية والأصولية.
وتعلم على يد الشيخ ابن مانع عدد كبير من الأعلام، منهم: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الله ابن دهيش، والشيخ عبد الله الأنصاري القطري، وابنه أحمد مدير البعثات السعودية في القاهرة، والمعروفُ بكثرة الإطلاع على الكتب المطبوعة والمخطوطة، والمعرفة التامة بها.
ومن آثار العلامة محمد ابن مانع الكتوبة:
1 - مختصر شرح عقيدة السفاريني.
2 - حاشية على عمدة الفقه لإبن قدامة.
3 - حاشية على دليل الطالب للشيخ مرعي.
4 - إقامة البرهان على تحريم الإجارة في تلاوة القرآن.
5 - كشف الغطا عما في إعلام الورى من الخطا.
توفي ابن مانع في بيروت ونقل إلى قطر فدفن فيها.
-رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه عما قدم أحسن الجزاء (1).
5 -
الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (1311 - 1386 هـ):
وجده العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد
الوهاب.
وُلد سماحة شَيخنا الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم في مدينة الرياض سنة (1311 هـ)، وتلقى العلم في بواكير حياته على والده، وابتلاه الله بفقد حبيبتيه وهو في الرابعة عشرة من عمره، وعؤضه عنهما عقلاً كبيراً وفهماً ثاقباً، فجدّ واجتهد في تحصيل متواصل حتى بلغ الغاية وصار من أبرز العلماء.
ولما توفي عمه الشيخ الداعية عبد الله بن عبد اللطيف سنة (1339 هـ) خلفه من بعده في شؤون الدعوة وأعبائها الجسام؛ من دروس وتوجيه وإرشاد ونحو ذلك، وظل يفيد أفواج الطلاب المتوافدين عليه.1
وللشيخ محمد بن إبراهيم -رَحِمَهُ اللهُ- جهود كبيرة قام بها في المملكة، نلخصها فيما يلي:
• كان له الفضل في الإشارة على أولي الأمر بفتح المعاهد العلمية في مختلف أنحاء المملكة في العقد السابع من القرن الرابع عشر الهجري.
وكان يشرف عليها إشرافاً علمياً، وعهد إلى أخيه الشيخ عبد اللطيف بالنيابة عنه في إدارتها التنفيذية.
• لما أُنشئت دار الإفتاء سنة (1373 هـ) وصار لها مجلس تولّى رئاسته، وسُميّ مفتياً عاماً للمملكة، وقد جُمعت فتاواه المحررة فيما بعد فبلغت ثلاثة عشر مجلداً.
• في سنة (1376 هـ) وُحِّدت محاكم المملكة وأُنشئ لها مجلس قضاء أعلى، فأسندت إليه رئاسته، لما كان يتمتع به من الحكمة والبصيرة وحسن الرأي مع العلم الغزير.
• في سنة (1381 هـ) أنشئت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بمشورة الشيخ وتنفيذه ورئاسته، فأناب عنه الشيخَ العلّامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رَحِمَهُ اللهُ- في القيام بذلك.
• تولى رئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، التي قامت من أجل جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم وتنشيط الدعوة الإسلامية ومراعاة أحوال الأقليات المسلمة خارج العالم الإسلامي.
بالإضافة إلى أشياء أخرى، كإشرافه على مدارس البنات، ورئاسته لمكتب الدعوة الإسلامية خارج المملكة، وتأسيسه المكتبة العامة السعودية بالرياض.
وبالجملة كان مرجع البلاد في شؤونها الدينية والإسلامية دقيقها وجليلها.
فكان الشيخ منذ سنة (1370 هـ) يقوم بهذه المهام الجسيمة بالمباشرة أو بالتعاون مع النائبين عنه واهباً وقته كفه لنفع المسلمين، على نهج سليم وهدى مستقيم وعقل راجح يحجزه عن الإندفاع والتسرع، ويهدي إلى التبصر في مقبلات الأمور، معتدلاً في المواقف والنظر، متزناً في الموقف والسير، إلى أن أدركه الأجل المحتوم، في مدينة الرياض سنة (1386 هـ)، -رَحِمَهُ اللهُ- برحمته المجللة.
ومن أشهر من تتلمذ على مفتي البلاد وعلَّامة الأمة -رَحِمَهُ اللهُ-: الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، والشيخ صالح بن سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم جامع فتاواه وفتاوى نجد، وغيرهم كثير.
ومن الآثار التي تركها من إملائه:
1 - الجواب المستقيم.
2 - تحكيم القوانين.
3 - مجموعة من أحاديث الأحكام.
4 - الفتاوى.
-رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأحسن له الجزاء 1.
الفصل الثالث
سمات الحنابلة
وفيه
تمهيد
، وستة مباحث:
- الأول: أثر سيرة الإمام أحمد ومواقفه.
- الثاني: الإعتناء بعلوم الحديث الشريف.
- الثالث: الحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- الرابع: الإتباع للسلف ومناهضة البدع.
- الخامس: الحنابلة والسلطة السياسية.
- السادس: الحرية الإجتهادية عند فقهاء الحنابلة.
تَمْهِيدْ
لكل مذهب من مذاهب الفقه ميزاته وخصائصه التي يعرف بها، ويتلون بلونها،
وتلك الخصائص إنما يرسمها عادة إمام المذهب ومؤسسه الأول.
ولا يخفى أن المذاهب الفقهية إنما نشأت نتيجة لاشتهار بعض علماء الشريعة الإسلامية بكثرة الفتوى وغزارة الإجتهاد في الوقائع أو التقديرات.
ثم إن تلك النشأة الأولى تكاملت، وتنامت عبر الزمن بفضل الجهود المتواصلة، حتى صارت عبارة عن مدارس لها ميزاتها، ومنهجها الواضح في استنباط الأحكام الشرعية، والصناعة الفقهية.
وعندما نتصفح السيرة الكاملة لإمام المذهب الواحد، والمسيرة الشاملة لأصحابه نجد جملة من الميزات والخصائص السلوكية والعملية قد تجمعت حولهم، وصاغت من يأتي بعدهم صياغة متقارية في التفكير والعمل والمنهج.
ومذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل هو أحد هذه المذاهب، فيكون هو الآخر قد تفرد بميزات واختص بخصائص وسمات.
• وتلك الخصائص إنما تكونت من سيرة الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- في مواقفه، وعلمه، وانبثت فيما بعد في أصحابه، وتوارثها الذين جاءوا من بعدهم، لما للإسلام من فضل على المسلمين في إعطاء التربية بالقدوة قيمة كبيرة في الإلتزام العملي بالشريعة.
واذا كان الإمام أحمد إمام المسلمين في السنة، وإمامهم في الحديث، فلا غرو أن نجد الأتباع من رجالات هذا المذهب قد صرفوا جهداً وافراً من اهتمامهم العلمي في العناية بالحديث الشريف وتطوير علومه.
كما تميز الحنابلة بإعطاء فريضة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أهميةكبيرة في التطبيق والتنفيذ.
وتميزوا أيضاً بالإتباع للسلف، ومناهضة البدع، والوقوف في وجه كل دعوة أو سلوك من شأنه أن يفتح ثغرة في هذا الدين، للخدش فيه وتكدير صفوه.
على أننا لا ننكر أن يكون في كثير من عامة المسلمين فضلاً عن علمائهم من عض على هذه الخصلة بالنواجذ، لكن الذي يعنينا هنا هو الإتجاه العام والخط الرئيس الذي كان يسير فيه هذا المذهب بكوكبة علمائه.