وعلى وجه العموم، فقد كانت العلاقة جد طيبة بين حنابلة حَرَّان، ويين الدولة النورية، وكان من نتيجة ذلك أن ولوهم الشؤون القضائية والفتوى والخطابة وإدارة المدارس والتدريس.
إن المتتبع لتراجم الحنابلة ليجد كثافة واضحة من الحرّانيين في القرن السابع على وجه الخصوص، مما يدل على ازدهار المذهب هناك خلال هذا القرن، ولا أوضح ولا أدل على ذلك من أن أسرة ابن تيمية (عبد السلام وعبد الحليم وأحمد) قد كان لها أثر عظيم في هذا الشأن، وفي هذا القرن على وجه الخصوص، ولذلك فإننا ننوه بشيء من التعريف بهذه الأسرة، وكشف اللثام عن شيء من جهودها في خدمة المذهب الحنبلي في حَرَّان.
آل تيمية وجهودهم في خدمة المذهب الحنبلي
:
جدّ هذه الأسرة 1 هو: أبو القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي.
ينتهي نسبهم إلى بني نمير.
ولقب محمد بـ "تيمية"، قيل: لأنه حج على درب تيماء فرأى هناك طفلة اسمها تيمية، وكانت امرأته حاملًا، فجاء وقد وضعت بنتًا، فقال: تيمية، لما رأى من شبهها بتلك الطفلة، فلقب بذلك.
وقيل: إن أم محمد هذا كانت تسمى: تيمية، وكانت واعظة 2.
نشأت هذه الأسرة بحران، ثم انتقلت إلى دمشق الشام بسبب غارة التتار، وكانت عدة أسر أخرى قد هاجرت في تلك الغارة، وكان أحمد بنُ عبد الحليم تقي الدين في ذلك الوقت لم يتجاوز السابعة من عمره.
وقد كان أبوه عبد الحليم (682 هـ) وجده عبد السلام (652 هـ)، من علماء حرّان المشهورين، قبل الهجرة إلى الشام.
كان عبد السلام أبو البركات فقيهًا إمامًا مقرئًا، محدثًا مفسرًا أصوليًا، نحويًا.
نشأ نشأته الأولى في حرّان وتلقى العلوم الأولية فيها، ثم رحل إلى بغداد على
ما كانت عليه سنة الطلب والتدرج العلمي في ذلك الوقت.
تلمذ على يدي أبي بكر الحلاوي تلميذ القاضي أبي يعلى.
وكانت بغداد في ذلك الوقت قد دخلت في طور التخصص العلمي، فلكل فن شيخه المختص فيه، فكان يأتي الطالب إليها فيأخذ القراءات على فلان، والخلاف على فلان، والعربية على فلان، والفرائض على فلان، والجبر والمقابلة على فلان... وهذا الذي حصل مع عبد السلام ابن تيمية 1.
وكانت نتيجة ذلك أن فاض على بلاده وغيرها بتلك العلوم، قال الحافظ عز الدين الشريف: "حدث بالحجاز، والعراق، والشام، وبلده حرّان، وصنف، ودرّس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيته مشهور بالعلم والدين والحديث" 2.
ولما رآه جمال الدين ابنُ مالك صاحب "الألفية" في النحو، أعجب به وبفقهه، وقال: "أُلين للشيخ المجد الفقه كما أُلين لداود الحديد" 3.
وقال الذهبي: "كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله، بارعًا في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وبَعُد صيته، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن" 4.
وكان المجد ينشر العلم في حَرَّان من خلال المدرسة النورية التي تولى مشيختها بعد وفاة ابن عمه الفخر ابن تيمية سنة 622 هـ، فلا ريب كان شيخًا لعدة تلاميذ هناك.
ومنهم ولده شهاب الدين عبد الحليم على وجه الخصوص، وابن تميم صاحب "المختصر".
وبالإضافة إلى التعليم، فقد صنف المجد عدة تصنيفات، منها:
"أطراف أحاديث التفسير" رتبها على السور معزوة، و"أرجوزة في علم القراءات"،
و"الأحكام الكبرى" في عدة مجلدات، و"المنتقى من أحاديث الأحكام"، وهو الكتاب المشهور، انتقاه من الأحكام الكبرى 1، و"المحرر في الفقه"، و"منتهى الغاية في شرح الهداية" بيض منه أربع مجلدات كبار إلى أوائل الحج، والباقي لم يبيضه، و"مسودة" في أصول الفقه، زاد فيها ولده عبد الحليم، ثم حفيده أبو العباس، طبعت بعنوان "المسودة في أصول الفقه" لآل تيمية.
و"مسودة في العربية" على نمط المسودة في الأصول.
ويعتبر كتاب "منتقى الأخبار" -وقد احتوى على (5529) حديث- مرجعًا من المراجع الأساسية في أحاديث الأحكام التي اعتمد عليها الأئمة على وجه العموم، وفقهاء الحنابلة على وجه الخصوص، وإن بعض الأحاديث التي نزلت درجتها إلى حد الضعف، وعمل بها الحنابلة وتركوا القياس لأجلها، مذكورة في كتابه، وربما أخلى ابن حجر كتاب "بلوغ المرام" من بعضها.
كما نجده يعلق في بعض الأحيان على الأحاديث تعليقًا خفيفًا أو طويلًا.
ففي التعليق على حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال المجد: "وفيه تنبيه على أنه لا بأس برفع الحدث من ماء زمزم، لأن قصاراه أنه ماء شريف مستشفى، متبرك به، والماء الذي وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فيه بهذه المثابة 2 ". وقال في عقيب حديث آخر لأنس في باب الدخول في الماء بدون إزار: "وقد نص أحمد على كراهة دخول الماء بغير إزار.
وقال إسحاق: هو بالإزار أفضل، لقول الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وقد قيل لهما وقد دخلا الماء وعليهما بردان- فقالا: إن للماء سكانًا 3 ".
وأما "المحرر" فهو الكتاب الذي بنى عليه علماء الذهب من بعده، واعتمدوا على ترجيحاته وتحريراته، بالإضافة إلي "شرح الهداية" الذي يُحتمل أن يكون أصلًا للمحرر، فإن منهج "المحرر" ومنهج "الهداية" منهج واحد 4.
وبالجملة فقد سبق كلام ابن رحب في ترجمة ابن المنّي: أن العلماء وإلى وقته لم يزالوا يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى المجد والموفق ابن قدامة.
فالعمدة في معرفة الصحيح والراجح في المذهب الحنبلي عند اختلاف الشيوخ في ذلك إلى هذين الإمامين 1.
وأما عبد الحليم (682 هـ) فله هو الآخر أثر كبير في القيام بنشر العلم بحرّان قبل رحلته إلى الشام، وإنما اختفى نوره -كما قالوا- بين ضوء الشمس ونور القمر، أعني: ولده أبا العباس ووالده عبد السلام، فإن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائل أبيه وابنه وعلومهما.
قرأ المذهب على أبيه، فلما أتقنه وصار في درجة الإمامة فيه، تسلّم مقاليد التدريس والإفتاء، والتصنيف، وصار شيخ البلد بعد أبيه خمسة عشرة سنة قبل أن يهاجر إلى الشام سنة 667 هـ، بالإضافة إلى ذلك كان خطيب حرّان وحاكمها، وكان إمامًا محققا لما ينقله 2.
وقد خدم المذهب من خلال هذه المنابر، بالإضافة إلى أنه أنجب شيخ الإسلام أبا العباس فكان والده وشيخه بآن واحد، "والولد من كسب أبيه" كما ورد في الترمذي وغيره، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولما قدم عبد الحليم إلى الشام مع أسرته، سكن بدار الحديث السكرية، واستلم مشيختها، وكان له كرسي خاص به في الجامع الأموي يتكلم عليه عن ظهر قلبه، فلما توفي خلفه ولده أحمد في هذا المجلس 3.
المبحث الثالث
المذهب في بلاد الشام
تعتبر الشام -وقلبها النابض دمشق- رائدة للحضارة الإسلامية، ومعقلًا للعلم، ومثابة للعلماء منذ فجر التاريخ الإسلامي الذي بزغ بفتح الصحابة لها واستيطان كثير منهم فيها، ثم اتخذها خلفاء بني أمية عاصمة للخلافة ومركزًا لإدارة شؤون الدولة الإسلامية.
وورثت حضارة الرومان البائدة فهذبتها بتهذيب الإسلام وحضارته السائدة، فصنعت هناك الأمجاد، وارتفع صرح العلوم والمعارف عاليًا خفاقًا، فأخذت الرحلات من طلاب العلم تشق طرقها إلى ذلك المعقل الزاخر من كل مشرق ومغرب.
وكان العلم في بلاد الشام في القرون الأولى والأزمنة التقدمة يُتلقى عن طريق حلقات المساجد وفي بيوت العلماء، وكان لمسجد بني أمية أثر فعال في هذا المضمار من أول يوم.
ثم إنه تحول بعد أريعة قرون أو خمسة إلى مؤسسات علمية مستقلة، فبنيت دور لتحفيظ القرآن الكريم وتلقينه، ودور لرواية الحديث الشريف وسماعه، ودور مشتركة بين هذا وذاك.
كما أنشئت مدارس لتعليم الفقه ونشره بمختلف مذاهبه، فعرفت دمشق عددًا من المدارس للشافعية وأخرى للحنفية وأخرى للمالكية ورابعة للحنابلة.
وأوقفت الأوقاف لبناء تلك الدور والمدارس وتعميرها، والنفقة على تسييرها، وعلى من يقوم عليها من الشيوخ والنظار ومن يؤمُّها من الطلاب 1. ومن تلك
المدارس والمعاهد العلمية تخرج كبار الحفاظ والمقرئين والفقهاء والمؤرخين.
كما أوقفت الكتب على بعض تلك المدارس والدور وأنشئت لها خزائن وعُيِّن لها نُظَّار، إلى جانب تأسيس دور مستقلة للكتب، واشتهر ذلك في العهد المملوكي خاصة، ولا يزال بعضها باقيًا إلى اليوم، كالظاهرية والعادلية.
وكان أثر تلك المكتبات والخزائن واضحًا في المؤلفات التي أئرى بها الشاميون المكتبة الإسلامية، فإن مؤلفاتهم كانت تتميز بالكثرة والتنوع، وتكثير المصادر للكتاب الواحد.
وجاء المذهب الحنبلي إلى بلاد الشام في أواسط القرن الخامس الهجري، وتركز بعد ذلك شيئًا فشيئًا، حتى قوي وازدهر في دمشق وما حولها من القرى والضواحي التابعة لها، والمدن والأعمال التي كانت ترتبط بها آنذاك ارتباطًا عضويًا، وتتصل بها اتصالًا سياسيًا وعلميًا، كعسقلان ونابلس وبعلبك وبيت المقدس.
وصارت الشام منذ أواسط القرن السادس معقلًا وريثًا لبغداد في حمل راية المذهب الحنبلي، والعناية به، وإثرائه بالتدريس والتأليف والفتوى والشرح والتنقيح.
ولعل الضعف الذي لحق هذا المذهب في بغداد في نهاية القرن السادس، إنما مرده إلى النهضة القوية التي أخذت تشق طريقها في دمشق على أيدي المقادسة، فأخذت الأنظار تتوجه إليهم، وتضرب إليهم أكباد الإبل، والطلاب يتجمعون هناك ويؤسسون المدارس.
وسنعود إلى ذلك بعد قليل إن شاء الله.
ويرجع الفضل الأول في نشر هذا المذهب في بلاد الشام إلى الفقيه الزاهد، شيخ الشام في وقته، أبي الفرج عبد الواحد الشيرازي، ثم المقدسي (486 هـ)، فإنه كان هو وذريته خَدَمة المذهب الحنبلي في الشام.
قال ابن رجب: "وللشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- ذرية، فيهم كثير من العلماء، نذكرهم إن شاء الله تعالى في مواضعهم من هذا الكتاب، يعرفون ببيت ابن الحنبلي" 1.
وهذه الأسرة ترجع في نسبها إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري - رضي الله عنه - 1.
تفقه أبو الفرج على القاضي أبي يعلى ببغداد، ثم قدم الشام، فسكن ببيت المقداس، فنشر مذهب الإمام أحمد فيما حوله، ثم أقام بدمشق فنشر المذهب، وتخرج به الأصحاب.
وكما نشر فقه أحمد في ريوع الشام، فقد نشر أصوله الاعتقادية ومذهبه السَّني هناك، وكان ذلك قد سبب له عدة وقائع مع الأشاعرة، قال ابن أبي يعلى: "وكانت له كرامات ظاهرة ووقعات مع الأشاعرة، وظهر عليهم بالحجة في مجالس السلاطين ببلاد الشام" 2.
وجاء ولده من بعده، وهو شرف الإسلام عبد الوهاب، الذي وقف المدرسة الحنبلية الشريفية في دمشق وراء الجامع الأموي 3، وقد توالى على المشيخة فيها كثير من ذريته، وعلى رأسهم حفيده عبد الرحمن الملقب ناصح الدين، والشهير بـ "ابن الحنبلي" المتوفى سنة 634 هـ. وهو تلميذ أبي الفتح ابن المنِّي البغدادي في الفقه، والعكبري في اللغة وعلومها.
وشارك الناصح في فتح بيت المقدس مع صلاح الدين الأيوبي -رَحِمَهُ اللهُ-، وكان يستفتيه في كثيرٍ من المسائل 4. وتولى التدريس بعدة مدارس بدمشق، منها: مدرسة جده المشار إليها آنفًا، وقد بَنَت له الصاحبة رييعة خاتون مدرسة خاصة به بجبل قاسيون 5، وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد وفاة الموفق ابن قدامة المقدسي سنة 620 هـ.
المقادسة وجهودهم
ونعني بالمقادسة تلك الأسرة المباركة التي تسمى "آل قدامة" على وجه الخصوص، ثم الأسر التي تبعتها في الهجرة والتحقت بها، فكونوا المجتمع الجديد بصالحية دمشق.
وهي أسرة فلسطينية الأصل، دمشقية الدار، قد كان لها الأثر الواضح والنور اللائح في سماء تاريخ التراث الإسلامي بعامة، والفقه الحنبلي على وجه الخصوص، خلال العصر المملوكي، سواء بكثرة من ظهر فيها من العلماء، أو باستمرار نشاطها العلمي على مدى عدة قرون (ما بين أواسط القرن السادس والحادي عشر الهجريين).
والجد الأعلى لهذه الأسرة هو: قُدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي.
وكان من أهل قرية جَمَّاعيل (أو جمَّاعين) على القرب من نابلس في القرن الخامس الهجري.
وكان أول لقاء بين فقهاء الحنابلة وبين هذا الجد في أرض بيت المقدس، ذلك اللقاء الذي كان مع ناشر المذهب الحنبلي في الشام، أبي الفرج الشيرازي (486 هـ) المتقدم.
ويروي لنا الموفق قصة ذلك اللقاء المبارك، فيقول:
"كلنا في بركات الشيخ أبي الفرج... لما قدم الشيخ أبو الفرج إلى بلادنا من أرض بيت المقدس تسامع الناس به، فزاروه من أقطار تلك البلاد.
فقال جدي قدامة لأخيه: تعال نمشي إلى زيارة هذا الشيخ، لعله يدعو لنا.
فزاروه، فتقدم إليه قدامة، فقال له: يا سيدي، ادع لي أن يرزقني الله حفظ القرآن.
فدعا له بذلك، وأخوه لم يسأله شيئًا، فبقي على حاله" 1.
وكان محمد بن قدامة، ثم ابنه أحمد، ثم حفيده محمد أبو عمر، خطباء جمَّاعيل حين غزا الفرنجة الصليبيون فلسطين سنة 492 هـ (1099 م).
وقد عاشوا مع فلاحي الريف الفلسطيني في إقطاع الأمراء الفرنجة.
وتمثلت مقاومة آل قدامة في المزيد من التمسك بالدين والتقوى، حتى كان أبناء القرى يجتمعون إليهم في خطب الجمعة، وكان لأقوالهم صدى طيب في نفوسهم، بسبب ما يعانونه من اضطهاد الإقطاع الفرنجي الذي كان يتقاضاهم الجزية أضعافًا مضاعفة، ويؤذي الناس بالضرب والحبس وقطع الأرجل.
وحين تنبه الفرنجة لنشاط الشيخ أحمد، وعزموا على قتله هرب إلى دمشق 1.
وكانت تلك الهجرة المباركة في سنة 551 هـ، وكانت دمشق قد صارت قبل سنتين فقط من ذلك التاريخ لنور الدين محمود بن زنكي، الذي اشتهر يومذاك بالجهاد والتقوى.
وقد رافق الشيخ أحمد في هجرته بعض أقربائه، فلما استقروا في ظاهر دمشق (في مسجد أبي صالح خارج باب توما)، بعث فأحضر أسرته وسائر الأقرباء.
وقد لحق بهم فيما بعد كثيرون من جمّاعيل والقرى المحيطة بها (الجمّاعيليات)، وانتسبوا جميعًا فيما بعد إلى القدس، فصاروا يسمون: المقادسة.
وضاق المسجد بعد ثلاث سثوات باللاجئين، وكثرت عليهم المصاعب والأمراض المميتة 2، والمشاكل بسبب عددهم ومذهبهم الحنبلي (وقد كان أكثر سكان دمشق شافعية آنذاك).
فارتاد لهم أبو عمر منزلًا آخر في سفح جبل قاسيون المطل على دمشق، وبنى دارًا سميت "دير الحنابلة"، وهي اليوم "جامع الحنابلة" 3.
ومنذ سنة 554 هـ بدأ تاريخ جديد لآل قدامة، والبقعة التي نزلوها من قاسيون -وقد سميت "الصالحية" باسم سكنهم القديم في جامع أبي صالح- والمذهب الحنبلي الذي كان يحمله هولاء المقادسة.
توفي الشيخ أحمد بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ.
وابنه أبو عمر محمد هو الذي بنى مجد الجماعة، ورسم لها خط الحياة العلمية الذي ظلت عليه في القرون التالية.
فقد بنى لنفسه مدرسة عرفت بـ "المدرسة العمرية" 1 على ضفة نهر يزيد في سفح الجبل، وآثارها لا تزال باقية إلى اليوم، وظل يعمل على التدريس فيها طوال نصف قرن، إلى أن توفي سنة 607 هـ.
وقد اْدت زيادة الطلبة إلى قيام مدرسة أخرى بناها ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، صهر أبي عمر، على باب دير الحنابلة لتكون دار حديث للغرباء، ووقف عليها كتبه 2.
خلال ذلك أخذت سمعة آل قدامة في التقى، وسمعة مدرستهم في العلم، تنتشران، وأخذ تلاميذهم في القرآن والحديث والفقه يتكاثرون.
وكانت الأموال والأوقاف والهبات بالمقابل تتدفق على الجماعة المقدسية 3، والمدرستين، والأبنية القائمة حول دير الحنابلة، فتحولت البقعة إلى بلدة كاملة العمران ذات أسواق، ومنازل وسكان ومساجد 4.
وإذا كان آل قدامة قد أعطوا هذا المركز الكثير من جهودهم الفكرية، فإن ما لقوه من التشجيع الكبير والاحترام والتكريم، دفعهم بالمقابل إلى المزيد من العمل والإنتاج والاندفاع على مدى أيام الدولة النورية، فالصلاحية، فالعادلية.
ولم يكن آل قدامة في هذا الجهد كله وحدهم، فإن نجاحهم كان قد أغرى منذ الأيام الأولى مجموعة من الأسر الحنبلية القريبة لهم في جمّاعيل وما حولها بالهجرة إليهم على توالي السنين، والدخول في نشاطاتهم العلمية نفسها، وبرز منهم كما برز
من آل قدامة وبتأثيرهم، عدد من العلماء، يرتبطون بآل قدامة بالروابط العائلية
المتفاوتة.
وقد حملوا مثلهم لقب "المقادسة".
وأبرز تلك الأسر خمس:
1 - آل عبد الهادي، وجدهم يوسف بن محمد بن قدامة، شقيق أحمد المهاجر الأول إلى دمشق.
2 - بنو سرور بن رافع الجماعيليين، ويرتبطون بآل قدامة برابطة المصاهرة.
3 - بنو عبد الواحد بن أحمد السعدي، وهم أصهار لآل قدامة.
4 و 5 - أسرة راجح، وجماعة ممن يحملون نسبة المرداوي، وبينهما وبين آل قدامة روابط قرابة عائلية.
من جهة أخرى اجتذب آل قدامة بحركتهم العلمية النشطة، وسمعتهم الدينية، علماء الحنابلة من: حرّان، وبغداد، ونابلس، وبعلبك، وغيرها إلى دمشق، فجاؤوها، وشاركوا في جهود المركز الحنبلي الصالحي، وذيوع شهرة دمشق العلمية.
ومن أبرز هؤلاء، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (728 هـ) المجتهد المشهور الذي عرفنا بأسرته في السابق، وأبناء مفلح المقدسيون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسندين والحفاظ المحدثين، والفقهاء والقضاة من أصحاب المذاهب الأخرى 1.
وأدى تأثير المركز الصالحي من جهة ثانية إلى تصدير المذهب الحنبلي إلى مصر، ويعلبك وغيرهما.
وقام في نابلس فرع من بني سرور (أولاد نعمة) خرّج -بعد تحرير فلسطين من الفرنجة- عددًا من العلماء الحنابلة، ناظروا أقرباءهم في الشام، وإن لم يحظوا بالتألق نفسه.
وقد استمر نشاط هذه الجماعة العلمية في نابلس حتى أواسط القرن الثامن الهجري.
وكانت النتيجة التي حصلت من جهود المقادسة ومن اتصل بهم في الشام: أن دخل عدد كبير من العلماء الذين أنجبوهم في سجلات التاريخ.
إن مجموع العلماء الذين ظهروا من آل قدامة والأسر المتصلة بهم، ممن ذكرتهم كتب التراجم ليزيدون في العدد على (110) شيخ، منهم قرابة النصف من آل قدامة فقط (أسرة
أحمد وابنه أبي عمر 52 اسمًا) وحوالي الرلع من بني سرور بفرعيهم الشامي والنابلسي (26) اسمًا و (14) اسمًا من آل عبد الهادي و (12) اسمًا من آل عبد الواحد.
والبقية من أسرة راجح ومن المرداووين.
وتتضمن هذه الأسماء عددًا من النساء العالمات، فقد مس النشاط العلمي نساء البيت القدامي أيضًا، وأدخلهن في الجو العام لعلوم الحديث، والفقه، وسمع عليهن عدد من علماء العصر 1.
ومن أبرز علماء آل قدامة والأسر المتصلة بهم:
- عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور (541 - 600 هـ) ومؤلفاته تزيد على 45 عنوانًا.
- موفق الدين عبد الله بن أحمد (541 - 620 هـ) صاحب "المغني" و"الكافي" و"المقنع" التي هي عمدة علماء الحنابلة من بعده.
- ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد (569 - 643 هـ) وكان محدث عصره، وهو صاحب الفضل في كتابة تاريخ المقادسة.
- شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي (603 - 676 هـ) قاضي قضاة مصر.
- عائشة بنت عيسى بن الموفق.
- فخر الدين علي بن احمد بن عبد الواحد (575 - 690 هـ) الذي حدَّث ستين سنة، وصار مسند عصره كله.
- شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي (704 هـ - 744 هـ) وله 58 مؤلفًا.
- عائشة بنت محمد بن عبد الهادي 2 (723 - 816 هـ).
نتائج جهود المقادسة
ولا شك في أن آل قدامة، ومن ارتبط بهم من الأسر العلمية قد تركوا في تاريخ الفترة التي عاشوها أثرهم الواضح في النواحي التالية 1:
1 - أسهموا في إشاعة النماذج المثلى للعلم والتقوى في تلك العصور، بما عرف عنهم من السلوك الديني والزهد.
وتمثل الإحترام العام لهم في رعاية الحكام لمكانتهم، ومبالغة الناس في تكريمهم.
2 - امتد تأثيرهم في المدى الزماني عدة قرون، وفي المدى المكاني من الصالحية ودمشق إلى ضواحي الشام (دوما والرحيبة والضمير)، ثم إلى بعلبك، وتراهم في جمَّاعيل، وإلى نابلس، والقدس، ومصر، والإسكندرية، وحرَّان، وأربيل، وبغداد.
3 - قدموا لنظام الحكم المملوكي أعدادًا كثيرة من رجال القضاء والإفتاء وأصحاب الوظائف الدينية.
4 - تركوا تراثًا واسعًا من المؤلفات في الفقه الحنبلى، وكتب التراجم والحديث وعلوم القرآن واللغة، وكان إسهامهم الأساسي في بلورة الفقه الحنبلي.
5 - جمعوا مجموعة واسعة من الكتب المخطوطة، ما تزال بقاياها من ثروة المكتبة الظاهرية بدمشق، وكتبوا منها بخطوطهم الآلاف.
6 - أسهموا في تلك العصور في تعليم المرأة حتى ظهرت منهم عدة نساء عالمات.
المقادسة نماذج حية في الإلتزام العملي بالإسلام:
كان المقادسة نماذج حية في الإلتزام التام بالإسلام فقها وتفقها وعلما وعملًا، حتى إنه لا يكاد يجاريهم أحد أو ييلغ ما بلغوا من الشأو.
وكان الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد، أخو موفق الدين، وواقف "المدرسة العمرية"
قدوة صالحة لإخوته وذريتهم من بعدهم، فكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده، ولا جهاد إلا خرج فيه.
وكان يقرأ في الصلاة في كل ليلة سُبُعًا مرتلًا، ويقرأ في النهار سُبُعًا بين الظهر والعصر، وكانت التزاماته اليومية بالصلاة والدعاء والأذكار تملأ وقتًا طويلًا من الليل والنهار.
وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ولا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شيء يتصدق به، وكان يحمل همَّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله، وكان يتفقد الأشياء النافعة مثل النهر والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين (1). وكان أخوه الموفق يقول: هو شيخنا، ربَّانا وأحسن إلينا، وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة، كالوالد يقوم بمصالحهم، وهو الذي هاجر بنا، وسفَّرنا إلى بغداد، وبنى الدير... إلخ (2).
أشهر الفقهاء الشاميين الذين خدموا المذهب
:
لقد ازدهر المذهب الحنبلي وتبلور تبلورًا دقيقًا على أيدي علماء الشام، ولا يزال الموجع والمعول على جهودهم إلى يومنا هذا.
ولتجلية هذه الحقيقة والكشف عن مكنونها نعرف بأشهر من كان له منة في ذلك، مع التركيز على إبراز الجوانب التي تخدم بحثنا هذا من تراجمهم.
فمن أولئك الأفذاذ:
- موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (541 - 620 هـ)
:
كان من المهاجرين مع أبيه وإخوته من جمَّاعيل إلى دمشق، ومنها رحل إلى بغداد مرتين، كانت الأولى مع ابن خاله عبد الغني، تعلم الفقه والزهد من الشيخ عبد القادر الجيلي.
فلما توفي، انتقل الموفق إلى حلقة أبي الفتح ابن المنّي، فتعلم منه فقه المذهب، والفقه المقارن، وأصول الفقه، حتى برع في تلك الفنون، وتمكن منها، فتمهد له الطريق إلى شرح "مختصر الخرقي" الذي كان يحفظة منذ صغره، فبدأ في تأليف الموسوعة الموسومة بـ "المغني" في حدود سنة 576 هـ، فأتمه بتوفيق الله تعالى وقرأه عليه بعض تلامذته.12
ومع أنه شرح فيه الخرقي إلا أن الكتاب يعد كتاب المسلمين عامة، يرجع إليه المتخصص وغير التخصص، والحنبلي وغير الحنبلي، فكان بحق فيه الغَناء لمن حازه عالمًا ومتعلمًا.
ثم ألف كتابه (المقنع) الذي صار المتن المقرر للحفظ عند الحنابلة، فرتبه ترتيبًا جديدًا جيدًا، فاق به "مختصر الخرقي"، فعَمَد إليه ابن أخيه أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الجمَّاعيلي، فشرحه، وكانت مادة هذا الشرح: "الشرح الكبير" 1 مأخوذة من "المغني".
ثم ألف كتاب "الكافي"، فجعله واسطة بين "المغني" و"المقنع"، إذ عرض فيه المذهب عرضًا وسطًا بين الإطالة والإختصار.
وعلى وجه العموم، فإن الموفق كان موفقًا في تأليفاته، لا يقلد غيره، بل يتبع أسلوبًا خاصًا به، مما يدل على تمكنه واستقلاليته، وبلوغه درجة الإجتهاد.
قال الحافظ ابن رجب: وانتفع بتصانيفه المسلمون عمومًا، وأهل المذهب خصوصًا، وانتشرت واشتهرت بحسن قصده، وإخلاصه في تصنيفه، ولا سيما كتاب "المغني" فإنه عظم النفع به، وأكثر الثناء عليه 2.
وقال ابن بدران: راعى موفق الدين في مؤلفاته أربع طبقات، فصنف "العمدة" للمبتدئين، ثم ألف "المقنع" لمن ارتقى عن درجتهم، ولم يصل إلى درجة المتوسطين، فلذلك جعله عريا عن الدليل والتعليل، غير أنه يذكر الروايات عن الإمام، ليجعل لقارئه مجالًا إلى كدّ ذهنه، ليتمرن على التصحيح، ثم صنف للمتوسطين "الكافي"، وذكر فيه كثيرًا من الأدلة، لتسمو نفس قارئه إلى درجة الإجتهاد في المذهب، حينما يرى الأدلة، وترتفع نفسه إلى مناقشتها، ولم يجعلها قضية مسلَّمة، ثم ألّف "المغني" لمن ارتقى درجة عن المتوسطين، وهناك يطلع قارئه على الروايات، وعلى خلاف
الأئمة، وعلى كثير من أدلتهم، وعلى ما لهم وما عليهم من الأخذ والرد، فمن كان فقيه النفس حينئذ، مرَّن نفسه على السمو إلى الإجتهاد المطلق، إن كان أهلًا لذلك، وتوفرت فيه شروطه، وإلا بقي على أخذه بالتقليد، فهذه هي مقاصد ذلك الإمام في مؤلفاته الأربعة 1.
ولم يقتصر الشيخ في تصنيفاته على الفقه، بل له تصانيف متنوعة 2 حسنة على كثرتها، تخدم المذهب الحنبلي في الفروع والأصول، باللإضافة إلى الحديث واللغة والزهد والرقائق، وفي العقيدة وأصول الدين، وهذه الأخيرة وصفت بأنها: "في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار بالأسانيد، كما هي طريقة اللإمام أحمد وأئمة الحديث.
ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم، وهذه طريقة أحمد والمتقدمين، وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره" 3.
وتصنيفاته المتنوعة تدل على تمكنه من كثير من الفنون، واختصاصه وتبريزه في عدة علوم، حتى إن أبا الفتح ابن المنّي -وهو شيخه في الفقه- اقترح عليه أن يبقى في بغداد لحاجة البلد إليه، وذكر الضياء المقدسي في الكتاب الذي خصصه لسيرة الموفق ومناقبه، أنه إمام في تسعة فنون: القرآن وتفسيره، والحديث ومشكلاته، والفقه، والخلاف (الفقه المقارن)، والفرائض، والأصول، والنحو، والحساب، والنجوم السيارة ومنازلها 4 (علم الفلك).
باللإضافة إلى تصنيف الكتب، فقد كان الشيخ دائبًا في جمع الطلاب وتعليم التلاميذ، وإن أبرز من تخرج على يديه ابن أخيه شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر قاضي القضاة فى زمانه.
- شمس الدين ابن مفلح (712 - 763 هـ)
:
تعتبر أسرة آل مفلح من الأسر العلمية الحنبلية الشهيرة التي وفدت إلى دمشق واستقرت بالصالحية، وحملت راية العلم هناك، فتقلد علماؤها مناصب القضاء، والفتوى، والتدريس، والإمامة، والخطابة، والوعظ، والحسبة، وغير ذلك من المناصب.
وأصل هذه الأسرة من رامين، قرية من القرى التابعة لنابلس الفلسطينية، ولا يعرف متى كان انتقال هذه الأسرة إلى دمشق، ولعل ذلك راجع إلى أنه ليس لها هجرة كبيرة جماعية، كهجرة المقادسة من آل قدامة المقدسيين.
ويعتبر شمس الدين محمد بن مفلح أكبر رجال هذه الأسرة والجد الأعلى لها في بلاد الشام 1. ولد برامين، وقدم إلى دمشق فأخذ العلم عن مشاهير علمائها آنذاك، وعلى رأسهم شيخ الإسلام المجاهد تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحرّاني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وكان يقول له: ما أنت ابن مفلح، أنت مفلح 2. وكان ابن القيم قرينه في الطلب، ولم يمنعه ذلك من الإستفادة منه والشهود له بالفضل والعلم، فقد كان يراجعه في مسائل ابن تيمية واخياراته، وقال لقاضي القضاة موفق الدين الحجّاوي سنة 731 هـ: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب أحمد من ابن مفلح 3.
وإذا كان ابن مفلح شيخ الحنابلة في وقته، فلا ريب أن يكون الشيوخ قد اعتمدوا عليه في النقل والتصحيح وسائر الأعمال التي عرفت في تلك الفترة.
نجد ذلك واضحًا من خلال تأليفاته القيمة، وما قيل فيها، ولا سيما كتابه الشهير في الفقه، والذي يعرف به، وهو كتاب "الفروع"، فكثيرًا ما نقرأ أو نسمع: ابن مفلح صاحب "الفروع"، وما ذلك إلا لشهرة الكتاب وكثرة الإعتماد عليه والرجوع إليه.
قال علاء الدين المرداوي في مقدمة "تصحيح الفروع":
"أما بعد، فإن كتاب الفروع -تأليف الشيخ الإمام العالم العلّامة أبي عبد الله محمد ابن مفلح- أجزل الله له الثواب وضاعف له الأجر يوم الحساب -من أعظم ما صنف في
فقه الإمام الرباني؛ أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، قدس الله روحه، ونوّر ضريحه، نفعًا، وأكثرها جمعًا، وأتمها تحريرًا، وأحسنها تحبيرًا، وأكملها تحقيقًا، وأقربها إلى الصواب طريقًا، وأعدلها تصحيحًا، وأقومها ترجيحًا، وأغزرها علمًا، وأوسطها حجمًا، قد اجتهد في تحريره، وتصحيحه، وشفر عن ساعد جده في تهذيبه وتنقيحه، فحرر نقوله، وهذب أصوله، وصحح فيه المذهب".
إلى أن قال: "ومرجع الأصحاب في هذه الأيام إليه وتعويلهم في التصحيح والتحرير عليه، لأنه اطلع على كتب كثيرة، ومسائل غزيرة، مع تحرير وتحقيق، وإمعان نظر وتدقيق، فجزاه الله أحسن الجزاء، وأثابه جزيل النعماء" 1.
وقال في مقدمة "الإنصاف":
"واعلم أن من أعظم هذه الكتب نفعًا، وأكثرها علمًا وتحريرًا، وتحقيقًا، وتصحيحًا للمذهب، كتاب "الفروع"، فإنه قصد بتصنيفه تصحيح المذهب وتحريره وجمعه" 2.
والعلاء المرداوي قد توفي سنة 885 هـ، وهو لا يكيل المدح جزافًا، فإنه عني بتصحيح "الفروع" بل بتصحيح المذهب كله، كما يعلم من كتابه "الإنصاف"، وبالتالي نستطيع أن نستخلص من كلمته الآنفة مسألتين مهمتين:
الأولى: أن كتاب "الفروع" أغنى عن الكتب التي سبقته، إلى حد كبير، وأنه لم يصنف كتاب يساميه أو يقاريه حتى نهاية القرن التاسع.
وهكذا بقي عمدة الحنابلة في الدراسة والتدريس والإفتاء، إلى أن جاء العلامة تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي المصري الشهير بابن النجار، فوضع كتاب "منتهى الإرادات" و"شرحه" فانتقل الناس إليه، وعولوا عليه 3، ومع ذلك فغالب استمداده من "الفروع" 4.
الثانية: أن ابن مفلح يعد مصحح المذهب ومحرره وجامعه، لكن ليس ذلك الجمع الذي قام به الحسن بن حامد أو الخلال من قبله، بل هو جمع ملخص من الكتب التي
اجتمعت لديه في ذلك العصر من مطولات ومختصرات، ومتون وشروح، ومجردات ومقرونات بأدلتها، ومذهبيات وخلافيات.
ومن هنا يظهر لنا قيمة هذا العالم ومنزلته في الفقه الحنبلي، بل في الفقه الإسلامي المقارن، حتى قيل فيه: إنه لا يعلم أحد في زمنه في المذاهب الأربعة له محفوظات أكثر منه (1)، وإن القارئ لكتابه "الفروع" ليجد مصداق هذا الكلام واضحًا جليًا.
- علاء الدين المرداوي (817 - 885 هـ)
:
يعتبر علاء الدين علي بن سليمان المرداوي، فاتحة المتأخرين من الحنابلة 2، ورأسهم ورئيسهم، خرج من بلاده مَرْدَا الفلسطينية في سن الشباب، فسكن الخليل بقصد تعلم القرآن، ثم توجه إلى دمشق التي كانت آنذاك - وصالحيتها على وجه أخص- قد حلت محل بغداد في احتضان العلم والعلماء، وكادت تنقطع الرحلة إلا إليها.
تفقه العلاء على الشيخ تقي الدين ابن قندس البعلي، شيخ الحنابلة في وقته، فبرع وفضل في فنون من العلوم، وتدرج حتى انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي.
وصار قوله حجة في المذهب، يعمل به، ويعول عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام 3.
عمل المرداوي في نيابة القضاء مدة طويلة، فكان ذلك تجربة ميدانية لما تعلم من علم، ثم فُتح عليه في التأليف، فألف كتبًا كثيرة 4, وعلى رأس تلك التأليفات ثلاثة كتب تكون حجر الزاوية، وهي في جملتها وضعت خصيصًا لتصحيح الخلاف، وهي:
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع.
- الدر المنتقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع.1
وسلك المؤلف منهجًا دقيقًا في تأليف هذه الكتب الثلاثة، وفي ربط العلاقة بينها ربطًا متينًا:
فأما "الإنصاف" فقد وضعه على "المقنع" للموفق ابن قدامة، و"شرحه" لإبن أخيه شمس الدين، نظرًا لأهمية هذين الكتابين، فكان صنيع المرداوي إذن مع "المقنع" إكمالًا وتتميمًا للشرح الكبير، حيث اهتم بمواضع الخلاف في المذهب، واستطاع عن طريق مكتبته الحافلة 1 أن يبين رأي كل مؤلف أو إمام، والمنقول عن الإمام أحمد، والمنصوص عليه، وماذا يرجح كل مصنف أو مؤلف مع ذكر كتابه، وكان عمله هذا توثيقًا للمذهب، وجمعًا لأقوال علمائه، وبذلك استغنى مقتنيه عن الرجوع إلى مصادر كثيرة 2.
وأما "التنقيح" فهو اختصار للإنصاف، ليقرأه المتوسط والمستعجل.
وأما "الدر المنتقى" أو"تصحيح الفروع" فهو كتاب عمل فيه ما عمل في "الإنصاف" تقريبًا، وكانت مادته الأساسية في عمله في هذا الكتاب، هي "الإنصاف"، فقد قال في مقدمة "تصحيح الفروع": "... ولكن أعاننا على ذلك توفيق الله تعالى لنا على إكمال كتابنا المسمى بـ "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، وتصحيحه، فإن غالب المسائل التي في المذهب مما أطلق الأصحاب فيها الخلاف، أو بعضهم تتبعتها فيه، وصححت ما يسر الله تعالى علينا تصحيحه، فجاء بحمد الله تعالى وافيًا بالمراد في معناه، فبذلك هان علينا ما قصدنا فعله في هذا الكتاب وما أردناه" 3.
حالة المذهب الحنبلي بعد المقادسة
لقد تألق نجم النشاط العلمي والعملي الذي عرفته الشام على أيدي المقادسة نحو أربعة قرون متتالية، ثم إن المذهب الحنبلي أخذ في التناقص والتراجع في تلك البلاد، وبدأ مساره في الإنحدار في مطلع القرن العاشر، واستمر يتناقص إلى يومنا هذا، حيث لم يبق من البيوتات الحنبلية التي تعنى بهذا المذهب الجليل في دمشق وضواحيها -فيما نعلم- إلا بيت الشيخ أحمد الشامي الدوماني المتوفى سنة 1413 هـ.
وقد وصف الشيخ عبد القادر ابن بدران تلك الحالة التي آل إليها المذهب الحنبلي في الشام في زمانه بعبارة رقيقة تثير الأشجان، وتقشعر منها الأبدان، فقال: "تعلم أيها الفاضل الألمعي أن الخوض في هذا البحر 1 الزاخر صعب المسلك، بعيدُ المرمى، خصوصًا في هذا الزمان المعاند للعلم وأهله، حتى رماهم في سوق الكساد، ونادى عليهم بالحرمان، فأنى لمثلي أن يجول في هذا الميدان، ويناضل أولئك الفرسان؟ مع أنه تمضي علي الشهور، بل الأعوام، ولا أرى أحدًا يسألني عن مسألة في مذهب الإمام أحمد، لإنقراض أهله في بلادنا، وتقلص ظله منها، فلذلك أصبح اشتغالي بغير الفقه من العلوم، وإن اشتغلت به، فاشتغالي إما على طريقة الإستنباط، وإما بمراجعة كتب الأئمة على اختلاف مذاهبهم" 2.
ويصف لنا حالة المدرسة الشيخية العمرية الشهيرة، وماآلت إليه من الخراب، بعد أن كانت عامرة بنفائس المخطوطات ونوادر الكتب، فضلًا عن المشهورات، فيقول في كتابه "منادمة الأطلال":
"هي موجودة بالصالحية مشهورة معمورة بالجدران، لا ظل فيها للعلم ولا أثر، = وقُدّمت رسالة جامعية، في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عن الحانظ ابن رجب بعنوان: ابن رجب وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف، قدمها عبد الله بن سليمان الغفيلي، وقدمت رسالة أخرى في الأزهر عنه أيضًا، بعنوان: ابن رجب فقيهًا، قدمها محمد بن حمود الوائلي.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كتب عنه من لا يحصي كثرة، ويعد كتاب "ابن تيمية" للشيخ أبو زهرة من أجمع وأوسع الدراسات في هذا الموضوع.
يسكنها قوم من ذوي المتربة، ويمر بها نهر يزيد، وداخلها مدرسة لطيفة، ويها ما يقرب من تسعين خلوة، وقد كان بها خزانة كتب لا نظير لها، فلعبت بها أيدي المختلسين.... وكذلك لعبت أيدي المختلسين في أوقافها فابتلعوها، هذه حالتها اليوم" 1.
وهذه سنة الله في خلقه، فإن دوام الأحوال من المحال، ولا يكمل شيء في هذه الدنيا الفانية، إلا وفي كماله إيذان ببداية النقص، وكما يقول أبو البَقَاء الرَّنْدي في رثاء الأندلس بعد سقوطها في أيدي الصليبيين 2:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ... فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ... من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن القيام بالتدريس والتأليف والفتوى في هذا المذهب قد تسلسل في الأسر الحنبلية؛ كبني مفلح الرامينيين، وآل الحجاوي، وآل المرداوي وغيرهم، إلى عهود متأخرة.
كما أننا نجد تألقًا لعدد من كبار الحنابلة عرفتهم الشام خلال الأربعة قرون المتأخرة من أمثال:
الجمال يوسف بن حسن بن عبد الهادي المقدسي الصالحي (841 هـ - 909 هـ) الشهير "بابن المِبْرَد"؛ الذي كان جبلًا في العلم، وفردًا من أفراد العالم، عديم النظير في التحرير والتقوير 3. والذي اشتهر كعصريَّه سميِّه الجلال السيوطي (911 هـ) بكثرة التصنيف والتأليف، فقد فاقت مؤلفاته الخمس مئة ما بين رسالة صغيرة وكتاب كبير، في فنون كثيرة: الحديث، والفقه، والأصول، والتراجم، وغير ذلك 4.
ومن أشهر مؤلفاته في الفقه الحنبلي:
- مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام.
- الدر النقي في حلّ ألفاظ الخرقي.
ومنهم:
شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي 1 (895 هـ - 960 هـ) الذي تفرد في عصره بتحقيق مذهب الإمام أحمد وصار إليه المرجع، ورحل إليه الطلاب من مختلف الأصقاع، وممن رحل إليه وتتلمذ على يديه من علماء نجد:
الشيخ أحمد بن محمد بن مشرّف 2 (1012 هـ)، والشيخ زامل بن سلطان (توفي في أواخر القرن العاشر) الذي كان قاضي الرياض آنذاك 3، والشيخ محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان المشهور "بأبي جَدّه" (توفي في أواخر القرن العاشر" 4.
كما أن مؤلفاته: "الإقناع لطالب الإنتفاع" و"زاد المستقنع في اختصار المقنع" و"حاشية التنقيح" شاعت وانتشرت بين الحنابلة منذ ذلك الوقت، لكثرة ما فيها من الفوائد وحسن السبك، وكان عليها المعول أكثر من غيرها في البلاد النجدية.
وفي القرن الحادي عشر للهجرة تألق عدة مشاهير توالوا على التفقيه في المذهب الحنبلي، منهم:
شمس الدين محمد البلباني 5 (1006 - 1083 هـ) الذي تتلمذ على يد أحمد بن أبي الوفاء المفلحي الصالحي (1038 هـ) الذي كانت سيرته في الشام تذكِّر بسيرة الحسن البصري في زمانه بالبصرة، وهو تلميذ الحجاوي، ومن بيت مفلح المشهور بالعلم الكثير، المعروف بالتصنيف والتأليف بين الكبير والصغير.
ومنهم:
المؤرخ عبد الحي ابن العماد 6 (1032 - 1089 هـ) الدمشقي الصالحي الذي كان معروفًا بكثرة التفتيش والبحث في الخزائن والمكتبات، شارح "غاية المنتهى" للشيخ مرعي ومؤلف "شذرات الذهب في أخبار من ذهب".
وفي القرن الثاني عشر برزمن علماء الحنابلة في الشام الشيخ محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (1) (1188 هـ) الذي جاء من بلده سفارين -وهي إحدى القرى النابلسية- إلى دمشق فدرس وتعلم بها ثم عاد إلى بلده فقيهًا جليلًا، ترك ثروة غزيرة من المؤلفات والتصانيف التي كانت في عامتها مبنية على إجابة عن أسئلة وفتاوى في موضوعات مختلفة.
وآخر من تألق نجمه في الشام من الحنابلة هو: الشيخ عبد القادر ابن بدران الدمشقي الدومي، وهو خليق بأن ننوه به ويالتعريف بآثاره.
الشيخ عبد القادر ابن بدران (1280 - 1346 هـ)
1 - اسمه، نسبه، مولده، نشأته: هو العلّامة المحقق المحدث الأصولي المتبحر المتفنن الشيخ عبد القادر بن أحمد ابن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد المشهور كأسلافه بابن بدران، السعديُّ الدومي، الدمشقي 2. ولد في بلدته دوما سنة (1280 هـ)، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد الشيخ عدنان بن محمد عدس، وذلك في الكتاب الذي كان يوجد آنذاك في جامع المسْيَد في دوما، ونشأ في بلدته إلى أن أُخرج منها في حدود سنة (1338 هـ) 3. 2 - طلبه للعلم ومشايخه ورحلاته: تلقى ابن بدران العلم عن جده الشيخ مصطفى 4، كما أخذ عن شيخه العلامة محمد بن عثمان الحنبلي المشهور بخطيب دوما، وقد تأثر به واستفاد منه طريقة1
حميدة 1، ثم رحل في طلب العلم بعد أخذه عن مشايخ بلدته، فأخذ عن شيخ دمشق ورئيس علمائها سليم بن ياسين العطار الشافعي 2، والعلامة محمد بن مصطفى الطنطاوي الأزهري، والشيخ علاء الدين عابدين الحنفي، ومفتي الحنابلة الشيخ أحمد بن حسن الشطي، وكذلك الشيخ محمد بن ياسين العطار، والشيخ بدر الدين الحسني 3. وسافر إلى أورويا، فزار إيطاليا وفرنسا ثم زار بعض دول المغرب كالجزائر وتونس 4. ويعد أن استكمل مرحلة التتلمذ واستوى على سوقه في مدة ست سنوات تقريبًا عكف على المطالعة بنفسه حتى برع في الكتاب والسنة والأصلين 5، والمذهب، ومعرفة الخلاف، وسائر العلوم العقلية والأدبية والرياضية 6. 3 - انتقاله إلى المذهب الحنبلي وما كان عليه السلف في الإعتقاد: كان الشيخ ابن بدران في أول طريقه العلمي شافعي المذهب، ثم مال إلى مذهب الإمام أحمد (1)، وقد أشار إلى ذلك في كتابه "المدخل" فقال: وهذا ما وقع اختيارنا عليه من القول في هنا الموضوع، ليعلم المتبع لمذهب ما لأي معنى اتبعه، ولأي برهان اختاره دون غيره، فلا يكون متبعًا للهوى والمقليد الأعمى الضار، والتعصب الذميم 7. وكانت مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أقامت في نفسه القناعة بأفضلية المذهب الحنبلي 8، وفي ذلك يقول: "ثم منَّ الله علي فحبب إلي الإطلاع على
كتب التفسير والحديث وشروحها وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم، وعلى كتب الحنابلة، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب، فرأيت أن مذهب الحنابلة أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهرة ومفهومهما، فكنت حنبليًا من ذلك الوقت" 1.
وانتقل إلى العقيدة السلفية المستمدة من معين كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وماوإن عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وخرج بذلك من ريقة الكتب التي كانت تُعلّم الفلسفة بدلًا من العقيدة الصافية كـ "الشفا" و"النجاة" و"الإشارات" و"المواقف" و"المقاصد" وغيرها، وقد أفصح عن ذلك كله في مقدمته لكتاب "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" 2.
4 - معرفته بالمذهب الحنبلي:
وعلى الرغم من أن الشيخ ابن بدران لم ينشأ في بيت من البيوتات التي توارثت فقه الإمام أحمد، فإنه بعد انتقاله من المذهب الشافعي إلى المذهب الحنبلي أخذ يتضلع من أصول هذا الذهب وفروعه، ويتعرف على طبقات علمائه ومؤلفاتهم حتى أحكم المعرفة به، وصنف كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" الذي أبان فيه عن اطلاع واسع علي كتب الحنابلة وآرائهم في مختلف الفنون، فإذا تحدث عن عالم أو عن كتاب تحدث حديث من قرأه وخبره وتتبع آراءه وعرف مزاياه، فهو لا يعتمد على ما ينقل في = وإن حصلت ميزات لبعضهم على بعض فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو أمر لا يستدعي إقامة سوق التعصب والانتصار لإمام على آخر، وترتيبهم في المفاضلة ليس دينًا يجب على الأمة صرفته والإلتزام به، بل يجب على الأمة معرفة ما كانوا عليه من فضل وعلم، والأدلة التي استندوا إليها في آثارهم، والقول الحق الذي هو حكم الله وشرعه في حق الناس للعمل به وتطبيقه.
وما يثار من بعض متبعة المذاهب ومقلدتهم من تعصب ونزاع ومفاضلة لينهم وتقليد أعمى قد يؤدي إلى ترك الحق الموافق لما جاء عن الله سبحانه وعن رسوله، لمجرد أن إمامه لم يقله، إن هذا يعتبر أمرًا يجب الحذر منه، والإبتعاد عنه، فلم يكن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سلف الأمة الصالح وأثمتها المعتبرين، فيجب التنبه لذلك، والإقتداء بالسلف الصالح الذين اقتدوا برسولنا - صلى الله عليه وسلم -.
الكتب عن مذهب أحمد وعلمائه وكتبهم، بل جمعها ودرسها، فحديثه حديث صاحب الخبرة.
وييدو أنه تيسر له من كتب الحنابلة ومخطوطاتهم ما لم يتيسر لغيره، ومن هنا كان خاتمة الحنابلة بالشام، بل يكاد يكون أعلم الناس في عصره بكتب الحنابلة ومزاياهم في مختلف العلوم، من الأصول والفقه والحديث والتفسير، وغير ذلك.
وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لم يشغله عن التعرف على المذاهب الأخرى والتفقه فيها، وإن كلامه على الأصول التي دونها أصحاب الإمام أحمد في كتابه "المدخل" ليكشف عن دراية واسعة بما هو مقرر عند المذاهب الأخرى من الآراء والمذاهب الأصولية.
والحق أن الرجل كان موسوعي الإطلاع، مشاركًا في الفنون، ذا نزعة استقلالية في الرأي المعتمد على الدليل، يرغب في معرفة الأدلة والإستنباط منها والإعتماد عليها وينحى على التقليد والمقلدين باللائمة والنقد.
5 - صفاته وثناء العلماء عليه:
كان الشيخ ابن بدران ذا صفات علمية وخلقية حمدت بين العلماء، أثنى عليها كثير من الفضلاء، فمن ذلك:
• قال عنه خير الدين الزركلي -وهو من تلاميذه-: فقيه أصولي حنبلي، عارف بالآداب، والتاريخ..... كان حسن المحاضرة كارهًا للمظاهر، قانعًا بالكفاف، لا يعنى بملبس ولا مأكل، يصبغ لحيته بالحناء، وريما ظهر أثر الصبغ على أطراف عمامته.
ضعف بصره قبل الكهولة، وفُلجَ في أعوامه الأخيرة.
ولي إفتاء الحنابلة 1.
• وقال عنه محمد تقي الدين الحصني: وهو متضلع من العلوم العصرية والفنون الكثيرة، اشتهر في الشعر والتاريخ.. كان سلفي العقيدة، يحب التقشف ويميل طبعه إلى الإنفراد عن الناس والبعد عن الأمراء... وله اختصاص في علم الآثار والكتب القديمة، ومعرفة أسماء الرجال ومؤلفاتهم من صدر الإسلام إلى اليوم 2.
وقال الأستاذ محب الدين الخطيب حين ذكر وفاته في مجلة "الفتح": وهو -أي ابن بدران- من أفاضل العلماء.... وتلقى العلم عن المشايخ مدة خمس سنوات، ثم انصرف إلى تعليم نفسه بنفسه، فكان من أهل الصبر على التوسع في اكتساب العارف من العلوم الشرعية والأدبية والعقلية والرياضية، وهو حنبلي المذهب 1.
6 - أعماله وآثاره:
عمل الشيخ ابن بدران عضوًا في شعبة المعارف في دوما، وعُين مصححًا ومحررًا بمطبعة الولاية وجريدتها، كما أنه اشترك في عهد الأتراك بتحرير جريدة المقتبس، وكتب في صحف دمشق، كالمشكاة والشام والكائنات والرأي العام 2.
ثم اشتغل بالتدريس والتعليم، فكان يدرس في الجامع الأموي المفسير والحديث والففه 3. وولي إفتاء الحنابلة، وانصرف مدة إلى البحث عما بقي من الآثار في مباني دمشق القديمة، فكان أحيانًا يستعير سلّمًا خشبيًا وينقله بيديه ليقرأ كتابة على جدار أو اسمًا فوق باب، ومنها جمع مادة علمية وافرة لكتابه "منادمة الأطلال".
وترك الشيخ ابن بدران آثارًا عديدة تمثلت بعدد من التلاميذ؛ النين صاروا فيما بعد أدباء وعلماء، ورواد أدب وفكر، منهم: المؤرخ الشيخ محمد أحمد الدهمان، والمؤرخ خير الدين الزركلي، وعبد الحليم بن علي بن سماية المغربي، والشيخ عبد الحكيم الأفغافي، والشيخ محمد صالح العقاد، والأديب الشاعر محمد سليم الجندي.
كما تمثلت آثاره بعدد من الكتب المتعددة الفنون، تجاوزت الأربعين مصنفًا 4، نذكر أهمها:
1 - تهذيب تاريخ دمشق لإبن عساكر.
2 - حاشية على أخصر المختصرات للبَلْبَاني.
3 - حاشية على شرح منتهى الإرادات.
4 - حاشية على الروض المربع شرح زاد المستقنع.
5 - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
6 - منادمة الأطلال ومسامرة الخيال (تاريخ مدارس دمشق).
7 - نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر وجنة المناظر.
توفي الشيخ عبد القادر ابن بدران بمدينة دمشق سنة (1346 هـ) بعد معاناة طويلة قاساها من جراء داء الفالج الذي أقعده، -رَحِمَهُ اللهُ- رحمة واسعة وأجزل له المثوبة.
المبحث الرابع
المذهب في مصر
تعتبر الشام همزة الوصل بين المدرسة العراقية والمدرسة المصرية، فانتقال المذهب الحنبلي إلى البلاد المصرية إنما كان عن طريق التواصل الثقافي والسياسي بين مصر والشام، خصوصًا في تلك الأحقاب التي كان فيها الإقليمان محكومين بسلطة واحدة، ودولة واحدة.
دخل فقهاء الحنابلة وعلماؤهم إلى مصر عن طريق الإيفاد القضائي تارة، وعن طريق الرحلات العلمية تارة ثانية، وعن طريق اللجوء بسبب النزاع مع الأشاعرة تارة ثالثة.
وكان لهم الأثر الكبير في تدعيم المذهب الحنبلي وتمكينه هناك عن طريق الوزارة والقضاء والتدريس والإفتاء، وغير ذلك.
ويعتبر الإيفاد العلمي والقضائي من بلاد الشام إلى بلاد مصر ميزة لامعة من مميزات الوجود الحنبلي في مصر، فكثير من علماء الشام إنما وفدوا، أو أوفدوا على مصر في أوقات محدودة، ثم رجعوا إلى بلادهم، ولكن بقي أثرهم اللائح سابغًا على المصريين، كان المطالع لكتب الطبقات ليجد ذلك جليًا في الفترة ما بين القرنين: التاسع والعاشر على وجه الخصوص.
بل إننا لنجد في "حسن المحاضرة" أن أول عالم من الحنابلة بالديار المصرية كان وافدًا عليها من الشام، هو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب "العمدة" في أحاديث الأحكام 1.
ويعتبر محمد بن إبراهيم الجمّاعيلي المقدسي، من آل بني سرور، المتوفى سنة 676 هـ، أول من تسلم التدريس بالمدرسة الصالحية للحنابلة بمصر، وأول من استلم
تضاء القضاة منهم بالقاهرة، فصار شيخ المذهب هناك علمًا وصلاحًا، وديانة ورياسة 1.
ويذكر لنا السيوطي قائمة بأسماء ستة عشر فقيهًا حنبليًا تولوا القضاء المصري 2، وواحدًا وعشرين إمامًا 3، وهذا اللإحصاء ينتهي عند أوائل القرن العاشر، لأن السيوطي توفي سنة (911 هـ)، وهذا يدل على أن العدد أكثر من ذلك، لأن الوجود الحنبلي بعد السيوطي قد استمر هناك، بل وقوي نسبيًا، على أن السيوطي -رَحِمَهُ اللهُ- لم يذكر لنا أسماء أولئك الموفدين إلى مصر، والذين لم يستوطنوها، كالطوفي والعلاء المرداوي، وغيرهم.
وكان الحنابلة شَديدي التمسك بالفضائل الخلقية والورع والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على الإلتزام بالسنة الشريفة في الإعتقاد والعمل.
وكان هذا التمسك يسبب لهم حرمانًا من بعض الوظائف في الدولة حينًا، كما سبب لهم محنًا وكائنات مع المخالفين والخصوم حينًا آخر.
وقد سجل لنا التاريخ من ذلك الكثير في بغداد، وفي الشام، لكن لم يسجل لنا من ذلك شيئًا في مصر 4.
ولعل السبب في ذلك راجع إلى قلة عددهم وضعف شوكتهم، بالإضافة إلى أن المتأخرين منهم مالوا في أكثرهم إلى التصوف والزهد والخمول.
ومع ذلك بقي غالب الحنابلة محافظين على مزاياهم في الورع والإستقامة على منهج السلف.
ويذكر لنا السيوطي نموذجًا من ذلك متمثلًا بشيخه أحمد بن إبراهيم الكناني (876 هـ)، فقد قال فيه:
"شيخنا قاضي القضاة، عز الدين أبو البركات ابن قاضي القضاة برهان الدين ابن قاضي القضاة ناصر الدين الحنبلي، قاضٍ مشى على طريقة السلف، وسعى إلى أن بلغ
العلا لما كلَّ غيره ووقف، من أهل بيت في العلوم والقضاء عريق، ويالرياسة والنفاسة حقيق، خدم فنون العدم إلى أن بلغ منها المُنى، وتفرد بمذهب اللإمام أحمد، فما كان في عصره من يشير إلى نفسه بأنا، وولي القضاء فأحيا سنة التواضع والتقشف، وترك الناموس، وطرح التكلف،.. وبكى على فراقه مذهب ابن حنبل... ودرس للحنابلة بغالب مدارس البلد، وله تعاليق، وتصانيف، ومسودات كثيرة، في الفقه وأصوله، والحديث والعربية والتاريخ وغير ذلك" 1.
ويرى الشيخ أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن سبب قلة الوجود الحنبلي في مصر، إنما مرده إلى المسلك الذي كانت تسلكه الدولة الأيوبية تجاه المذاهب، فقد كان ملوكها شديدي التعصب للمذهب الشافعي، فحاربوا غيره من المذاهب، فلم يسمحوا لغيره من المذاهب إلا ما كان له تأييد من العامة، كالمذهب المالكي، ولم يكن للمذهب الحنبلي ذلك النفوذ من قبل 2.
وهذا الرأي يحتاج إلى بينة من واقع التاريخ، فإن الدولة الأيوبية وإن كانت تقدم الشافعية على غيرهم، فإنها لم تغلق الأبواب في وجوه المذاهب الأخرى، والذي يدل على ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل بنى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وذلك سنة 639 هـ، أي في عز الدولة الأيولية.
قال المقريزي: ورتب فيها دروسًا أربعة للفقهاء المنتمين إلى المذاهب الأربعة في سنة 641 هـ، وهو أول من عمل بمصر دروسًا أربعة في مكان 3.
ونزيد ذلك تأكيدًا بما ورد في ترجمة الفقيه الواعظ المفسر علي بن إبراهيم الدمشقي، المعروف بـ "ابن نجية"، فإنه أوفد إلى بغداد من قبل السلطان نور الدين الشهيد، ثم أوفد إلى مصر من قبل السلطان صلاح الدين الأيوبي، فبقي هناك إلى أن مات.
وكان ذا رَأي صائب، حتى كان صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه، ويكاتبه، ويحضر مجلسه هو وأولاده 4.
أبرز الحنابلة المصريين
لم يبلغ المذهب الحنبلي في الديار المصرية من الشأو والتألق ما بلغه في الشام وفي بغداد من قبل، ومع ذلك فقد كان له شأن لا يستخف به في تلك الديار، فقد تقلد عدد من فقهائه مناصب القضاء، ورئاسة الفتوى في المذهب الحنبلي، وتشيخوا في المدارس، وكانت لهم مشاركة إلى جانب المذاهب الثلاثة الأخرى في جامع الأزهر.
وأنجبت مصر هي الأخرى ثلة من أعلام الحنابلة ورجالاتهم الذين قدموا خدمة جليلة للمذهب بما تركوا من مصنفات، وما خلفوا من آثار.
وكانت الرحلة العلمية لطلاب نجد في القرن العاشر والحادي عشر تتجه عادة نحو الشام ثم مصر.
ومن أبرز الحنابلة المصريين:
1 -
ابن النجار الفُتُوحي (898 هـ - 972 هـ):
هو العلامة الشيخ محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشيد، الفُتُوحي، تقي الدين، أبو بكر، الشهير بـ "ابن النجار"، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة 1. ولد بالقاهرة سنة (898 هـ) وبها نشأ.
وأسرة ابن النجار من الأسر التي تشرفت بالعلم، وتولى أبناؤها مناصب القضاء والتدريس والفتوى بمصر.
فوالد ابن النجار، وهو العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد (861 - 949 هـ)، كان فقيه الحنابلة، ومدرسهم ومفتيهم في عصره، زاد مشايخه على (130) شيخًا، وانتهت إليه الرئاسة في تحقيق نقول المذهب الحنبلي، وفي علوّ السند في الحديث، فضلًا عن علم الطب والمعقولات.
تولى منصب قضاء القضاة في آخر دولة المماليك 2.
وولده موفق الدين كان عالمًا فقيهًا في حياة أبيه، حتى إنه تنازل له عن مشيخته على المدارس التي كان يُدرِّس فيها، وأجازه بالتدريس والفتيا، فاستمر على ذلك بعد وفاته 3.
وأما حفيده عثمان بن أحمد (1064 هـ)، فقد كان أحد أجلّاء علماء الحنابلة بمصر، قاضيًا بالمحكمة الكبرى بالقاهرة، وضع حاشية جليلة على كتاب جده "منتهى الإرادات" 1.
أخذ ابن النجار علم الفقه عن والده، وحفظ كتاب "المقنع" للموفَّق، وغيرَه من المتون، ولازم والده مع الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد البُهُوتي الحنبلي، والشيخ العلامة شهاب الدين أحمد المقدسي.
ثم رحل إلى الشام التي كانت إلى ذلك العهد-أي مطلع القرن العاشر- لا تزال تمد غيرها بمدارسها وشيوخها ومكتباتها الزاخرة العامرة، فأقام بها مدة من الزمان، فحصل فيها علمًا غزيرًا، فلم يرجع من تلك السفرة الموفقة إلا ومعه كتابه الشهير "منتهى الإرادات" الذي صنفه هناك 2.
انتهت رئاسة الفقه الحنبلي إلى ابن النجار بعدما توفي والده (949 هـ) فانفرد بالإفتاء والتدريس بالأقطار المصرية، ثم بعد وفاة الشيخ الشهاب الشويكي (939 هـ) بالمدينة المنورة، وتلميذه العلامة الشيخ موسى الحجاوي (968 هـ) بالشام، انفرد في سائر أقطار الأرض بالتَّصدُّر في الفقه الحنبلي، وقصد بالأسئلة من البلاد الشاسعة كاليمن وغيره 3.
وأثنى على ابن النجار، علمًا وعملًا، علماء عصره الذين عرفوه عن كسب، منهم تلميذه وصديقه العلامة الباحث عبد القادر الجزيري، قال عنه في كتابه "الدرر الفرائد": "كانت أيامه جميعا اشتغالًا بالفتيا أو بالتدريس، أو بالتصنيف.. على غاية من التقشف والتقلل من زينة الدنيا، وبالجملة، فلم يكن من يضاهيه في مذهبه، ولا من يماثله في منصبه، وكان قلمه أحسن من لفظه، وله في تحرير الفتاوى اليد الطولى، والكتابة المقبولة، على الوجه الصحيح الأولى، وكان ربْع فوائده بفضائله وفواضله مأهولًا" 4.
ومن أشهر مصنفات الشيخ ابن النجار الفتوحي (1):
1 - كتاب "منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات".
2 - شرح "منتهى الإرادات" المسمى "معونة أولي النُّهى على المنتهى".
3 - مختصر كتاب "التحرير" المسمي "الكوكب المنير".
و"التحرير" هو متن في أصول الفقه للقاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي (885 هـ)، صاحب "الإنصاف"، واسمه الكامل: "تحرير المنقول وتهذيب الأصول".
4 - شرح الكوكب المنير المسمى "المختبر المبتكر شرح المختصر".
فهذه الكتب الأربعة: اثنان في الفقه، واثنان في الأصول، هي زبدة ما استفاده ابن النجار، ثم أفاد به من تلخيص للفقه الحنبلي وأصوله في القرن العاشر الهجري.
وهي على قلتها في العدد كثيرة النفع والفائدة، أقبل عليها الناس واعتمدوها، قال ابن بدران عن كتاب "المنتهي": هو كتاب مشهور، عمدة المتأخرين في المذهب وعليه الفتوى فيما بينهم (2).
2 -
منصور بن يونس البُهُوتي (1000 - 1051 هـ):
هو العلامة الشيخ منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس، أبو السعادات، البُهُوتي؛ نسبة إلى بُهُوت وهي محلّة بالجهة الغربية بمصر.
ولد بها سنة (1000 هـ) 3.
أخذ الشيخ منصور العلم عن كثير من المتأخرين من الحنابلة المصريين، منهم الشيخ المعمَّر المسند عبد الرحمن البهوتى، والشيخ محمد الشامي المرداوي، وأكثر أخذه عنه، والشيخ يحيي بن الشرف موسى الحجاوي الدمشقي، والشيخ عبد الله الدنشوي الشافعي، والنور علي الحلبي، والشهاب أحمد الوارثي الصديقي 4.
وبلغ الشيخ منصور من التحصيل العلمي والمعرفة بالمذهب الحنبلي درجة عالية؛12
ظهرت في مؤلفاته التي أورثها لنا، وفي رحلة طلاب العلم من الحنابلة إليه من الشام ويعلبك وفلسطين ونجد، وفي ثناء العلماء عليه وتلقيبه بألقاب تفيد أنه كان مرجعًا للحنابلة في وقته.
قال المحبي عنه:
"شيخ الحنابلة بمصر، وخاتمة علمائهم بها، الذائع الصيت، البالغ الشهرة، وكان عالمًا عاملًا، متبحرًا في العلوم الدينية، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ورحل الناس إليه من الآفاق، لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه -، فإنه انفرد في عصره بالفقه.. وكان ممن انتهى إليه الإفتاء والتدريس 1.
وقال الشمس محمد السفاريني:
"هو أحد أعلام المذهب المتأخرين كان كثير العبادة، غزير الإفادة والإستفادة، رحل إليه الحنابلة من الديار الشامية، والنواحي النجدية، والأراضي القدسية، والضواحي البعلية" 2.
وقال عنه ابن حميد: "وبالجملة فهو مؤيد المذهب ومحرره، وموطد قواعده،
ومقرره، والمعوّل عليه فيه، والمتكفل بإيضاح خافيه، جزاه الله أحسن الجزاء 3 ".
وتكاد تكون مؤلفات الشيخ منصور محصورة في خدمة الفقه الحنبلي، وإليك جريدة بأسماء تلك المؤلفات 4:
1 - شرح الإقناع المسمى "كشاف القناع عن متن الإقناع" طبع في مصر في ستة مجلدات.
قال السفاريني: هو أحسن شروحه.
2 - شرح منتهى الإرادات المسمي "دقائق أولي النُّهى في شرح المنتهى" طُبع قديمًا في مصر في ثلاثة مجلدات، وطبع حديثًا محققًا في مؤسسة الرسالة في ستة مجلدات.
3 - حاشية على الإقناع.
4 - حاشية على المنتهى سماها "إرشاد أولي النُهى لدقائق المنتهى" في مجلد، منها نسخة بدار الكتب المصرية (فقه حنبلي - 59)، وأخرى بالمكتبة البلدية بالإسكندرية برقم (3940).
5 - شرح زاد المستقنع المسمى "الروض المربع" طبع مرارًا، إحداها بتحقيق العلامة أحمد شاكر وغيره.
6 - شرح المفردات المسمى "المنَح الشافيات في شرح المفردات، شرح فيه منظومة محمد بن علي المقدسي (820 هـ). وقد طبع بمصر قديما، وبقطر حديثًا بتحقيق د. عبد الله المطلق.
7 - عمدة الطالب، وهو متن لطيف طُبع مع شرحه المسمي "هداية الراغب" للشيخ عثمان ابن قائد النجدي 1. طبعه معالي الشيخ محمد سرور الصبان، الأمين العام السابق لرابطة العالم الإسلامي، -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
8 - إعلام الأعلام بقتال من انتهك حرمة البيت الحرام.
طبع بتحقيق الشيخ جاسم ابن سليمان الفُهيد.
9 - منسك مختصر.
ويقول الشيخ محمد جميل الشطي في وصف مؤلفاته: وقد عم الإنتفاع بمؤلفات صاحب الترجمة -يعني البهوتي- فلم تزل تتداولها الأيدي، ويقرأها أهل المذهب وغيرهم إلى يومنا هذا 2.
ويقول الدكتور عبد الرحمن العثيمين: مؤلفاته كلها موجودة لم يفقد منها شيء، وهي من أصول مراجع الفقه في مذهب أحمد، وعليها المعتمد والمعوّل لدى علمائه، وهي من أوائل الكتب التي عرفت طريقها إلى النشر وأفاد منها الطلبة جيلًا بعد جيل.
ولا زال كتابه "الروض المربع" بيد جميع طلبة العلم في كلية الشريعة بمكة الآن، عمدة الفقهاء، ومنهج الدارسين، ومرجع الشيوخ 3.
المبحث الخامس
المذهب في الجزيرة العربية
لا يخفى ما للجزيرة العربية من أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي، حيث كانت مهبط الوحي، ومبعث الرسالة الخاتمة، التي بلغها محمد بن عبد الله للعربي الهاشمي القرشي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، وحملها صحابته وأتباعه إلى العالمين، رحمةً بهم.
ولا يخفى ما لمدينة البعثة والدعوة الإسلامية الأولى، مكة المباركة، وما لمدينة النصرة والهجرة، الملينة النبوية، من مكانة في قلوب المسلمين، وما فرض الله عليهم من حج إلى بيت الله الحرام، وتوجه إلى الكعبة المشرفة في لواتهم، وما في الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مضاعفة للأجر والثواب، مما جعل قلوب المسلمين تهفو إلى تلك البقاع، ويحرص كل منهم على نيل مزية زيارتها والإقامة فيها.
وسنعرض للمذهب الحنبلي في الحرمين الشريفين أولًا، ثم في البلاد النجدية، لما لها من أهمية كبيرة في احتضان المذهب الحنبلي ثانيًا، ثم انطلاق الدعوة الإصلاحية التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونصيره الإمام محمد بن سعود، -رَحِمَهُمَا اللهُ-، وما تبع ذلك من توحيد معظم الجزيرة العربية في دولة إسلامية واحدة، هي الدولة السعودية الأولى، والثانية، ثم المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزنى بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ-، وما تلاه من أبنائه البَرَرَة، إلى العهد الزاهر، عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- ونصر به دينه.
لم تكن بلاد الحرمين كغيرها من أمصار الإسلام، تعرف بالإنتساب إلى مذهب بعينه من المذاهب الفقهية المتبعة، وذلك أنها كانت مجتمع العلماء، من مختلف المذاهب بسبب المناسك والرحلة العلمية، بالإضافة إلى أن ظاهرة التقليد والإنتساب الصريح إلى المذاهب لم تكن قد فشت قبل القرن الرابع.
وقد تميزت المدينة النبوية بعد ذلك بالإنتساب إلى المذهب المالكي على وجه العموم إلى حدود القرن السادس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن أهلها كانوا متمسكين بمذهبهم القديم منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المئة السادسة، أو قبل ذلك، أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير منهم" 1.
وأشار ابن فرحون عند الكلام على توضّع المذاهب في البلاد الإسلامية إلى أن المذهب المالكي قد انتشر في الجزيرة العريية 2، وهو إنما يعني بذلك المدينة النبوية دون مكة المكرمة، بدليل أننا نجد في "شجرة النور الزكية" في طبقات المالكية، والتي رتبها مؤلفها على الأمصار، أنه يذكر من علماء الجزيرة العربية المدنيين بصفة غالبة.
وبالتالي نستطيع القول: إن مكة حرسها الله لم تكن منتسبة لمذهب بعينه على مختلف العصور والدهور.
ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنها مجمع الفقهاء المتتسبين إلى بلدان شتى ومذاهب مختلفة، وإن غلب عليها المذهب الشافعي في الفتوى والتدريس في العصور المتأخرة.
وكان من جراء ذلك التجمع المتعدد للعلماء ومقلدتهم حول المسجد الحرام، أن أُنشئ أربعة مقامات (محاريب) في المسجد، كل مقام يختص لإمام مذهب من المذاهب المتبعة، فكانت الصلاة الواحدة تتكرر أربع مرات، ولا جرم أن ذلك يعدُّ لونًا من التفرق، ومظهرًا من مظاهر التمكين للتعصب المقيت الذي عرفته عصور الضعف، ومع ذلك فقد وقف بعض الفقهاء لى وجه ذلك التشرذم المنظم، فأفتوا بعدم جواز تكرار الصلوات من أجل حقوق المذاهب 3.
وكان من حسنات الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -رَحِمَهُ اللهُ- حينما دخل مكة، ونشر العدل والأمن فيها أن منع ذلك، ووحد المسلمين لإمام واحد، وأزال مظاهر التعصب المقيت لأي مذهب.
وكانت المناطق المجاورة للحرمين من بلاد الجزيرة العربية، وخاصة نجدًا، تحتضن مختلف المذاهب، وربما كان ذلك امتدادًا للمدارس القديمة التي عرفت في البصرة والكوفة، ثم بغداد.
والذي يدل على ذلك، هو أن المطالع لمجموع الشيخ أحمد المنقور النجدي -رَحِمَهُ اللهُ- المسمى "الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) يجد استمدادًا واضحًا من مختلف المذاهب بواسطة كتب فقهية كثيرة وقعت له، فهو ينقل منها بالنص والحرف.
وإذا كانت المذاهب الأربعة قد عاشت متجاورة في البلاد النجدية قرونا عديدة، فما هو السبب في غلبة المذهب الحنبلي في الأخير، وتفوته وازدهاره هناك؟
يبدو للدارس أن السبب في ذلك الإنتشار، وتلك الغلبة يعود إلى أن طلبة العلم النجديين كانوا يسافرون إلى المراكز العلمية المعروفة آنذاك، من مثل: الأحساء، والعراق، والشام، ومصر، والحجاز (مكة والمدينة)، ويتلقون علومهم العالية هناك، وكانوا يتبعون شيوخهم الذين يأخذون العلم عنهم.
فمن درس في الأحساء عاد مالكيًا أو حنفيًا، ومن درس في العراق عاد حنفيًا، ومن درس في مكة رجع شافعيًا، ومن درس في الشام تحنبل.
وبما أن نجدًا كانت في ذلك الوقت (القرن العاشر) وثيقة الصلة في الجانب الإقتصادي مع بلاد الشام، فإن الرحلات التجارية كانت رفدًا للرحلات العلمية وحافزًا لها ولا ريب، فكان الطالب يرحل بسهولة إلى الشام، فيتصل بدمشق ونابلس على وجه الخصوص، وهي معاقل الحنابلة آنذاك، فيتعلم، ثم يعود إلى بلاده فقيهًا حنبليًا.
فعلى سبيل المثال، نجد الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة (948 هـ) قد رحل إلى دمشق، بعد تلقي العلوم الإبتدائية في مسقط رأسه "العُيينة"، وسكن في المدرسة العمرية الشهيرة بالصالحية، وكانت حافلة بالعلماء والكتب النادرة آنذاك، فتضلع من أولئك العلماء، ونهل من تلك الكتب، وكان من أشهر شيوخه: جمال الدين يوسف بن عبد الهادي (909 هـ) مؤلف "جمع الجوامع"، وعلاء الدين المرداوي (885 هـ) مصحح المذهب، ومؤلف كتاب "الإنصاف"، وكان من أشهر زملانه في الطلب العلامة موسى الحجاوي المصري صاحب "الإقناع" 1.