المذهب الحنبلي دراسة في تاريخه وسماتهصفحات 210-252

وظهور سب الصحابة في مدينة السلام يدل على مدى الضعف الذي آلت إليه الخلافة في تلك السنوات العجاف، فقد كانت الخلافة مهددة من داخلها بالعُبيديين الروافض من جهة مصر والشام، وظهور حركلة القرامطة في نواحي الكوفة، وأخذت تعيث فسادًا حتى وصلت إلى المسجد الحرام فأعملت سيف القتل ويد النهب في الحجيج حتى طال ذلك أميرَ مكة: ابن محارب، وقلعوا باب الكعبة المشرفة وأخذوا الحجر الأسود (1). وكانت مهددة من خارجها بدولة الروم التي كانت تنقض على بعض الأطراف من حين إلى آخر.
ويعتبر الخرقي أستاذًا لجماعة من كبار شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله ابن بطة العكبري، وأبو الحسين بن سمعون، وغيرهما.
توفي الخرقي بدمشق في سنة 334 هـ، وسبب موته أنه أنكر منكرًا بدمشق فضُرب، فكان موته بذلك.
-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.

5 -

الآجُرّي (360 هـ):

محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر، الآجري نسبة إلى قرية من قرى بغداد على أحد الأقوال.
من أكابر الأصحاب، سمع خلقًا كثيرًا، وكان ثقة، عالمًا، فقيهًا، دَيِّنًا، حجّة، صدوقًا.
له تصانيف كثيرة، أكثرها في الحديث والفقه، منها كتاب "الأريعين حديثًا" وهي مشهورة به، و"النصيحة" في الفقه ينقل عنه ابن مفلح في "الفروع" اختيارات حسنة، وكتاب "الشريعة وفي السنة"، وكتاب "الرؤية" و"الغرباء" و"آداب العلماء"، و"مسألة الطائفين"، و"التهجد"، وغير ذلك 2.1

ويعتبر الآجري من أصحاب الإختيارات في المذهب الحنبلي، لعلو كعبه فيه، فقد ذكر ابن الزاغوني (ت 527 هـ) في كتابه "الواضح في الفقه" عن أحمد أن الجد كالأب يحجب الإخوة، وهي اختيار أبي حفص العكبري، وأبي بكر الآجري.
وعادة صاحب "الواضح" أن لا يذكر فيه إلا اختيارات الأصحاب (1). وقد أورد ابن مفلح اختيارات كثيرة له.
توفي الأجرّي بمكة المكرمة -رَحِمَهُ اللهُ- ورضي عنه.

6 -

غلام الخلَّال (285 هـ - 3763 هـ):

عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر، الشهير بغلام الخلال.
كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة.
أخذ العلم عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، وجعفر الفريابي، والحسين بن عبد الله الخرقي، وأبي بكر بن أبي داود، وجماعة آخرين من طبقتهم.
وتفقه به كثير من شيوخ المذهب الحنبلي، مثل أبي إسحاق بن شَاقْلَا، وأبي عبد القه ابن بطة، وأبي الحسن التميمي، وأبوي حفص: العكبري والبرمكي، وخاتمة متقدمي الذهب: الحسن بن حامد، حدث عنه بمسائل الأثرم، وصالح، وعبد الله، وغير ذلك.
ويعتبر عبد العزيز تلميذًا خاصًا لأبي بكر الخلال جامع المذهب الحنبلي، حتى عرف به بهذا اللقب: "غلام الخلال".
وهذا يدل على أنه كان من أقرب الناس إلى ذلك الديوان العظيم "جامع الرواية عن أحمد" ومستوعبًا لمضمونه.
ولهذا سهل عليه التصنيف في المذهب والتفقه فيه.
قال الذهبي: ومن نظر في كتابه "الشافي" عرف محله من العلم لولا ما بشَّعه بِغَضِّ بعض الأئمة، مع أنه ثقة فيما ينقله 2. ومن مصنفاته عدا "الشافي": "المقنع" نحو مائة جزء، و"زاد المسافر"، و"الخلاف مع الشافي" و"مختصر السنة"، و"تفسير القرآن"، و"القولين"، و"التنبيه"، وغير ذلك.1

وكان غلام الخلال معظمًا في النفوس، متقدمًا عند الدولة، بارعًا في مذهب الإمام أحمد.
وهو معدود من نظراء الخرقي وأترابه، إذ كلاهما قد عمل في المذهب ترجيحًا واختصارًا واختيارًا.
ولذلك وقع بينهما الخلاف في بعض المسائل وتقرير ما هو مذهب الإمام أحمد فيها.
قال عبد العزيز: خالفني الخرقي في مختصره في ستين مسألة.
قال ابن أبي يعلى: ولم يسمها، فتتبعت أنا اختلافهما فوجدته في ثمانية وتسعين مسألة.
ثم أوردها بالتفصيل والتعليق والتحقيق في كتابه "الطبقات" (1). وكان عبد العزيز متفوقًا في الفهم، مستقلًا في الإختيار، تبعًا لما ترجح عنده من النقل أو الدليل، فلذلك نجده يخالف شيخه في كثير من اختياراته (2). بل قال: سمع مني الخلال نحوًا من عشرين مسألة، وأثبتها في كتابه (3).

7 -

ابن بَطة العُكْبَري (304 هـ - 387 هـ):

عُبيد الله بن محمد بن محمد، أبو عبد الله، العكبَري، البغدادي، الشهير بابن بطة.
أخذ العلم عن الخرقي، وغلام الخلال، وابن صاعد، وجماعة من طبقتهم.
وصحبه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبَوَا حفص: العكبَري والبرمكي، وأبو عبد الله الحسن بن حامد، وأبو علي بن شهاب، وأبو إسحاق البرمكي.
نشأ ابن بطة محبًا للعلم في أسرة علمية، فقد كان لأبيه ببغداد شركاء، فأشار أحدهم على أبيه بأن يبعثه إلى بغداد ليسمع الحديث، وقدكان صغيرًا، وتكفل بأخذه والعناية به نيابة عن أبيه، فحظي بمجلس ابن منيع، فسمع عنه معجمه في عشرة أيام تقريبًا.
ثم إنه سافر بعد ذلك إلى أمصار الإسلام: البصرة، ودمشق، وحمص، وأردبيل، ومكة، والثغور المختلفة، ولقي العلماء وأخذ عنهم علومًا جمة، ثم ما لبث أن رجع إلى عكبرا، ولزم بيته، وتفرغ للتصنيف وإفادة الناس، وكان أمّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيَّره.123

وكان ابن بطة طويل اليد، متضلعاً في رواية الحديث والدفاع عن عقيدة السلف، فقد ألف في ذلك "السنن" والإبانتين "الكبرى" و"الصغرى".
ولم يغفل جانب الفقه والتصدي لإفتاء الناس، وإرشادهم فيما يشكل عليهم من أموردينهم، فقد أولى ذلك عناية خاصة، ووجّه إليه همته منذ وقت مبكر، حتى ليقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، ولهذا يرد اسمه في بعض المصادر مقرونًا بوصف: الفقيه.
وقد صنف في عدد من المسائل الفقهية، بحيث بلغت مصنفاته في هذا الشأن خمسة وعشرين مضنفاً من مجموع خمسة وثلاثين.
فلا غرو أن نجده مشاركاً في تكوين الإختيارات والترجيحات في المذهب الحنبلي.
مؤلفاته: مؤلفاته كثيرة، حتى إنها لتنوف على المائة، ذكر منها ابن أبي يعلى (19) عنوانًا، منها: "الإبانة الكبرى".
و"الإبانة الصغرى" و"السنن"، و"المناسك"، و"الإمام ضامن"، وغير ذلك (1).

8 -

ابن المُسْلِم (387 هـ):

عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص، العكبري، الشهير بابن المُسْلِم.
سمع من أبي علي الصواف، وأبي بكر النجاد، وأبي محمد بن موسى، وغيرهم.
ورحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان، وسمع من شيوخهما.
وصحب من فقهاء الحنابلة: عمو بن بدر المغازلي، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق بن شَاقْلَا، وأكثر ملازمة ابن بطة العكبري.
ومعرفة ابن المسلم بالمذهب الحنبلي معرفة عالية، وقد صنف فيه تصانيف عديدة، منها: "المقنع"، و"شرح الخرفي"، و"الخلاف بين أحمد ومالك"، و"رؤوس المسائل"، و"الآداب" 2.1

وله اختيارات في مسائل خلافية فقهية وأصولية، منها: أن كل سُنة سنَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته فبأمر الله، واحتج لذلك بما رواه بإسناده إلى أبي نضلة، قال: أصاب الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَة، فقالوا: يارسول الله سعّر لنا، فقال: "لا يسألني الله -عَزَّ وَجَلَّ- عن سُنّة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله -عَزَّ وَجَلَّ- بها" (1). وبقوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾ [النجم: 3 - 4].

9 -

الحسن بن حامد (403 هـ):

الحسن بن حامد بن علي، أبو عبد الله، البغدادي.
إمام الحنابلة في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم، ويعد واسطة العقد الحنبلي بين المتقدمين والمتأخرين.
فقد روى العلم عن أبي بكر القطيعي، وأبي بكر النجاد، وأبي بكر الشافعي، وأحمد ابن سالم الخُتَلي، ويعتبر أكبر تلامذة أبي بكر عبد العزيز، غلام الخلال.
وتفقه عليه القاضي أبو يعلى الفراء، وجماعة آخرون.
وصنف كتبًا كثيرة في علوم مختلفة، منها 2: "الجامع في الذهب" نحو أربعمائة جزء و"تهذيب الأجوبة"، و"شرح الخرقي"، و"شرح أصول الدين"، و"شرح أصول الفقه".
وقد نقل ابن أبي يعلى في "الطبقات" مقدمة ابن حامد في كتابه "الجامع في النصب"، وسنثبتها بين يدي القارئ لما فيها من الفائدة في الكشف عن طييعة التصنيف الفقهي في ذلك الوقت.
قال ابن حامد: "اعلم أن الذي يشتمل عليه كتابنا هذا من الكتب والرواية المأخوذة، من حيث نقل الحديث والسماع، منها: كتاب الأثرم، وصالح، وعبد الله، وابن منصور، وابن إبراهيم، وأبو داود، والميموني، والمروذي، وأبو الحارث، وأبو طالب، وحنبل، وعلي بن سعيد، ومُهنا، وأبو النضر، وأبو الصقر، ويعقوب بن بختان،1

وإبراهيم بن هانئ، وحَمْد بن علي، وجعفر بن محمد النسائي، وعبد الكريم بن الهيثم... وكتاب الخرقي.
فأما كتاب الأثرم، فقرأته على: أحمد بن سَالم الختلي 1، قال: حدثنا أبو حفص، عمر الشرابي، قال: حدثنا الأثرم، عن أبي عبد الله.
وعبد العزيز بن جعفر عن أحمد بن محمد بن خلف القاضي، عن الأثرم عنه".
وساق الأسانيد 2 إلى الإمام الأحمد في أصول كتاب "الجامع" التي هي "السائل" بالإضافة إلى "مختصر الخرقي"، وهي أسانيد جياد تحصر طرق الرواية للفقه الحنبلي من لدن إمامه (241 هـ) إلى خاتمة علمائه المتقدمين الحسن بن حامد (403 هـ). ثم إن ابن حامد علق على الروايات المختلفة التي وقعت له ولمن قبله عن الإمام أحمد، بأنه يجب تقبلها كلها ما دام أصحابها "أثباتًا فيما نقلوه، أمناء فيما دونوه، وواجب تقبل كل ما نقلوه، وإعطاء كل رواية حظها على موجبها، ولا تُعَل رواية وإن انفردت، ولا تنفى عنه، وان غربت، ولا ينسب إليه في مسألة رجوع إلا ما وجد ذلك عنه نصّاً بالصريح، وإن نقل "كنت أقول به وتركناه"،وإن عَرِيَ عن حد الصريح في الترك والرجوع أقر على موجبه، واعتبر حال الدليل فيه لإعتقاده؛ بمثابة ما اشتهر من روايته" 3. وكان ابن حامد زاهداً، ورعاً محتاطاً، ينسخ الكتب ولقتات من أجرة النسخ، فسمي لأجل ماكثر ذلك منه: ابن حامد الوراق.
وكان كثير الحج، فعوتب في كثرة سفره وحجه مع كبر سنه، فقال: لعل الدرهم الزيف يخرج مع الدراهم الجيدة 4.

توفي ابن حامد شهيدًا سنة (403 هـ) راجعًا من مكة، وهو في طريقه إلى العراق، في منزلة "واقصة" قرب الفرعاء، وهي على طريق حاجّ الكوفة، وبينها وبين "تيماء" نحو (150) كيلو مترًا، وكان ذلك ضحية عصابة لصوص من الأعراب 1. وبهذا نكون قد تعرفنا على عدد غير حاصر لعلماء المذهب الذين دونوه وصنفوا فيه وهذبوا مسائله في مدة قرن من الزمان تقريبًا، وهو القرن الرابع، وهو أهم القرون الزمنية في أعمال المذهب الحنبلي.

أبرز أعمال علماء هذا الدور

عرّفنا فيما سبق بأبرز الرجال الذين خدموا الذهب في هذا الدور، ومن خلال ذلك التعريف نستطيع أن نستخلص أهم الأعمال العلمية التي قام بها أولئك الأئمة، وما هي مميزاتهما العامة، وكيف كانت حجر الأساس لمن أتى بعدهم.
ولئن كان على عاتق أصحاب الإمام الأولين أمانة حفظ تلك المسموعات، وتدوين تلك المسائل للأجيال اللاحقة، فإن على عاتق الذين جاءوا من بعدهم رسالة الجمع لتلك المدونات والمسموعات غير المدونة أيضاً، بالإضافة إلى التصنيف لها وصبها في قالب منهجي مرتب على غرار ما عرف من أساليب الكتابة في المذاهب الأخرى التي كانت تعتبر تجربة سابقة يعول عليها الحنابلة من حيث الشكل، وينسجون على منوالها فقههم الواسع المتشعب.
وتلك الأعمال تتطلب جهودًا في عملية النقل والرواية، كما تتطلب جهوداً في التبويب والترتيب، كما أن عليهم أن يختصروا الطوال ويهذبوا المختلطات، ويوضحوا المشكلات، ويكتبوا أصول فقه المذهب، وغير ذلك.
ومن خلال تتبع المصنفات التي مرت في ثنايا تراجم رجال هذا الدور يمكننا أن نقسم التأليف فيه إلى الأقسام التالية: 1 - جمع مسائل الرواية عن أحمد.
2 - الإختصار الفقهي.
3 - شروح المختصرات.
4 - التآليف الجزئية المفردة.
5 - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي.

أولاً - الجمع للمسائل

لكل مذهب من المذاهب الفقهية المدونة المتبعة عملية جمع، مر بها في مرحلة من تاريخه، مع الإختلاف الملحوظ بين مذهب وآخر.
فالمذهب الحنفي، جمعه محمد بن الحسن الشيباني في تلك الكتب التي سميت فيما بعدبـ "ظاهر الرواية"، ولخصها الحاكم الشهيد في كتابه "الكافي".
والمذهب المالكي كان في بدايته عبارة عن مجموعة من الأسمعة المدونة بأيدي أصحاب الإمام، كابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن نافع، وغيرهم، فجاء محمد العتبي الأندلسي فجمع هذه الأسمعة وألفها في كتاب "المستخرجة من الأسمعة" وهي المعروفة عند المالكية بـ "العتبية".
كما اختصر أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم ما انتهى إليه من تلك الأسمعة والكتب في "المختصر الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، وكان هو عمدة علماء المالكية البصريين.
ثم جاء ابن أبي زيد القيرواني (386 هـ) فاختصركتاب " المدونة" لسحنون، وألف كتاب "النوادر والزيادات على ما في المدونة من الأمهات"، فجمع في هذا الكتاب النصوص والمسائل المروية عن المذهب 1 في غير "المدونة" وذلك كـ"ـالعتبية"، و"الواضحة"، و"المبسوط"، و"الموازية"، و"المجموعة"، و"كتب ابن سحنون".
وبالتالي يعتبر أبو عبد الله محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب الفضل في جمع المذهب المالكي وتقريبه لمن أتى بعده، فسهل الإختصار، وسهل الترجيح، وسهلت المقارنة.
وأما المذهب الشافعي، فإنه لم يبدأ متفرقًا حتى يحتاج إلى جمع وتحرير، لأن الإمام الشافعي كتب فقهه بيده، فاختصر المزني ذلك الفقه، وكذلك فعل البويطي، وعمل الفقهاء من بعدهم تعليقات وشروحًا على مختصر المزني خاصة، وهكذا انتقل المذهب الشافعي إلى الطبقات اللاحقة سهلًا وميسرًا من أول يوم.

ونستطيع أن نقول: إن المذهب الحنبلي يشبه في عملية تأسيسه وتدوينه، ثم جمعه وتحريره، مذهب الإمام مالك؛ إمام دار الهجرة.
ويعتبر أبو بكر الخلال -رَحِمَهُ اللهُ- جامع المذهب الحنبلي بحق، كما تقدم في ترجمته، فإنه جمع كتب"المسائل" وفحص رواياتها، ورتبها على أبواب العلم، وأخرجها في كتابه المَعْلَمي الكبير "جامع الروايات عن أحمد"، فلفت بهذا الأنظار، وصار مطلبًا لعلماء الأمصار، ومن هنا بدأ ظهور الإنتساب إلى الإمام، وبرز في مذهبه المشايخ الكبار، وأصبحت أصول المذهب، وخطوطه العريضة، ومصطلحاته الدقيقة، وآثاره النفيسة، محل درس وتدريس، واستقراء وتأليف، وتقريب وتلقين.
ونظرًا لوجود المذهب متفرقًا في مرويات الأصحاب المختلفة المتفاوتة في الكمية، فإن من العذر لإبن قتية (276 هـ)، في عدم عد الإمام أحمد من الفقهاء في كتابه "المعارف"، أن نقول: إنه لو عاش حتى اطلع على جامع الخلال لكان الشأن غير الشأن، بل وكذلك يقال في الإعتذار عن ابن جرير الطبري (310 هـ). فكان "الجامع" هو الأصل في الروايات المنقولة عن أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- حيث تناوله المجتهدون من أصحابه بالترجيح والإختيار لما نقل من الروايات 1. ويعتبر جامع الخلال كتابًا يحتوي على عناوين كبيرة تختلف عن العناوين التي نجدها في فهارس الكتب الفقهية المعتادة، فنجد من تلك العناوين مثلًا: كتاب الوقوف، وكتاب الترجل، وكتاب أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض، وكتاب أحكام النساء 2.. وهكذا.
وهذا يدل على أنه لم يستوعب "المسائل" فقط، بل أفرغ مصنفات الإمام أحمد فيه.
ومع هذا فقد قال ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه 3.

ثانياً - الإختصار الفقهي

والإختصار تقليل الشيء، فقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى، ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوتيتُ جوامع الكلم، واختصر لى الكلام اختصاراً" 1. ومن ذلك مختصرات الطرق، قال ابن قدامة المقدسي: وفائدة الإختصار التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه وحفظه، فإن الكلام يختصر ليحفظ، ويطول ليفهم 2. ويعتبر ابن خلدون 3 الإختصار في مختلف العلوم عملاً مخلًا بالتعليم وذاهبًا بفوائده المودعة في مطولاته ومبسوطاته، وذلك للأسباب التالية: أ - الخلط على المبتدئين بتحفيظهم هذه المتون، وفيها من المسائل والبحوث التي لا يجوز إلقاؤها على الطالب إلا في نهاية المراحل التعليمية.
ب - تزاحم المعاني المفرغة في قالب الألفاظ العويصة التي صيغت بها المختصرات.
ج - عدم جدوى المختصرات في تحصيل الملكة، لإنعدام الإحالات، والتكرار، وغبر ذلك.
وعند التحقيق في تاريخ الإختصار الفقهي على الخصوص نجد أن ما أنحى به ابن خلدون إنما يتجه على تلك الإختصارات التي درج عليها الناس وألِفُوها في العصر الذي عاشه، وقبله ويعده، حيث شحنت المختصرات بالمصطلحات والألفاظ الفنية الطاغية على حلاوة الفقه ونضارته.
أما الإختصارات التي قام بها علماء المذاهب المتقدمون، فهي بعيدة عن تلك المغامز، لأن فيها كثيرًا من الجهود في الجمع والتهذيب والصياغة والترتيب الفني البديع مع قلة المصطلحات.
وهذا ما ينطبق على"مختصر الطحاوي" و"مختصر القدوري" في الفقه

الحنفي، و"مختصر ابن عبد الحكم"، و"مختصر ماليس في المختصر" لإبن شعبان، و"مختصر الوقار" في الفقه المالكي.
و"مختصر المزني"، و"مختصر البويطي" في الفقه الشافعي.
و"مختصر الخرقي" في الفقه الحنبلي.
هذا، وقد وقع الإختصار الفقهي للمذهب الحنبلي خلال هذا الدوركما وقع الجمع، فيكون المذهب الأحمدي قد سار سيراً طبعياً في عمليتي جمعه واختصاره في مدة زمنية لم تتجاوز القرن منذ وفاة الإمام أحمد.
وكما تفرد الخلال (311 هـ) بجمع المذهب، كذلك تفرد الخرقي (334 هـ) باختصاره في هذا الدور.
ويعد "مختصر الخرقي" أول متن وُضع في الفقه الحنبلي المجرد، وضعه صاحبه على طريقة مختصر المزني 1، واقتصر فيه على المعتمد من المذهب، وهذا يعني أنه في كل مسألة يقتصر على رواية واحدة من مجموع الروايات، ويعقدها على أنها المذهب.
فيقول في كتاب الطهارة مثلاً: "وإذا كان معه في السفر إناءان: نجس وطاهر، واشتبها عليه أراقهما وتيمم" 2. فجزم بالإراقة، مع أن صاحب "المحرر" قال: "وهل يلزمه إعدام الطهور بخلط أو إراقة أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، وهو المذهب" 3. ويعتبر مختصر الخرقي وحيدًا في زمانه، صغيراً من حيث الحجم، لم تتجاوز مسائله (2300) مسألة 4، ولهذا سهل حفظه، وبنى عليه المشايخ، وجعلوه عمدتهم قراءةً إقراءً، وحفظاً، وشرحاً، بل عمدة لدى طبقات علماء المذهب الكبرى الثلاث، وهم: المتقدمون، والمتوسطون، والمتأخرون 5. وكان واسعَ الشُّهْرَةِ عندهم مثنياً عليه أحسن

الثناء، حتى قال ابن البناء في مقدمة شرحه له: "وكان بعض شيوخنا يقول: ثلاثة مختصرات في ثلاثة علوم لا أعرف لها نظيرًا: "الفصيح"لثعلب، و"اللمع" لإبن جني، وكتاب "المختصر" للخرقي، ما اشتغل بها أحد وفهمها كما ينبغي إلا أفلح وأنجح" (1). ويعتبر مختصر الخرقي غير منتسب لكتاب قبله على خلاف ما هي العادة في أن تكون المختصرات تهذيبات وتصحيحات وتصغيرات لأمهات قبلها، فمختصر الخرقي، هو مختصر لفقه الإمام أحمد نفسه (2)، وخلاصة اجتهاده، كما أن "الرسالة" لإبن أبي زيد القيرواني (386 هـ) تعد اختصارًا لفقه الإمام مالك بن أنس، و"مختصر المزني" يعد اختصارًا لعلم الشافعي.

ثالثا - شروح المختصرات

لم يشتهر في هذا الدور من المختصرات إلا "مختصر الخرقي" المتقدم، وبالتالي لا نجد من شروح المختصرات إلا ما شرح به المختصر المذكور.
فمن تلك الشروح: شرح المصنف نفسه على ما تذكره بعض المصادر، فقد قال ابن مفلح في مباحث النية في الصيام من كتاب "الفروع" ما نصه: "... وهذا اختيار الخرقي في شرحه للمختصر" 3. وشرحه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المعروف بـ"ابن شاقْلا" (369 هـ)، فقد قال أبو يعلى في كتاب"العُدّة" في أصول الفقه: "وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إلي من شرح الخرقى، فقال: "أصحابنا على وجهين، فمنهم من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذلك" 4. وشرحه ابن المسلم: أبو حفص عمر بن إبراهيم العكبري (387 هـ).12 = (المدخل المفصل 1/ 455 وما بعدها).

وآخرهم شرحاً له هو الحسن بن حامد (403 هـ)، وهو خاتمة رجال هذا الدور.

رابعاً - التآليف الجزئية المفردة

وذلك في موضوعات مختلفة متناثرة من أصول الدين وفروعه.
وذلك كـ"الرد على الجهمية"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"الفرائض"، و"أحكام النساء"، و"إبطال الحيل"، و"أركان الإسلام"، و"أحكام أهل الذمة"، و"الخصال والأقسام"، و"المناسك"، و"الحمام"، و"الغناء والملاهي"، وغير ذلك.
وتكون هذه الطريقة البديعة عند علماء الحنابلة المتقدمين خصيصة من خصائص المذهب، ومناهج التأليف فيه، فإن إفراد المسائل والموضوعات العلمية بالبحث مفيد جداً، كما هو الآن في البحوث والرسائل الجامعية، فهي سنة الحنابلة، وإن كانت موجودة عند غيرهم، لكنها ليست بالقدر الذي عرف عند الحنابلة من الإتساع والتفنن.
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد تلك العناوين الجزئية في المباحث المختلفة المفردة قد تكررت عند المتوسطين والمتأخرين، مما يدل على أن المذهب الحنبلي حافظ على هذه المزية على اختلاف الأزمنة والأعصار.

خامساً - الكتابة في أصول الفقه الحنبلي

تكاد تكون مباحث علم الأصول عند الحنابلة خلال هذا الدور مبثوثة في كتبهم الفقهية المطولة والجامعة، شأن كل علم في نشأته وبداية تأسيسه.
فهناك من كان يلقي على تلامذته الأصول العامة لمذهب الإمام أحمد في اعتبارها وترتيبها، وذلك كما روى الفضل بن زياد القطان عن أبي طالب - صاحب الإمام أحمد- أنه أملى عليه ما يلي: "قال أبو عبد الله: إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
ثم يَتبعها إن لم يكن لها مخالف، ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكابر، وأئمة الهدى يُتَّبعون على ما قالوا، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك لا يخالفون، إذا لم يكن بعضهم لبعض مخالفاً، فإذا اختلفوا، نظر في الكتاب، فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به، أوكان أشبه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ به، فإن لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر في قول التابعين، فأي قولهم كان

أشبه بالكتاب والسنة أخذ به، وترك ما أحدث الناس بعدهم" 1. ونجد في كتاب "الرد على أهل الإلحاد" لأبي بكر الأنباري بحثًا في المحكم والمتشابه، أفاد منه القاضي أبو يعلى (458 هـ) في كتابه "العدة"، كما أفاد أيضًا فيه من كتاب "القدر" لغلام الخلال في مسألة صيغة الأمر هل هي للوجوب أو لا؟ وأفاد من كتاب "التفسير" لنفس المؤلف في: أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أو عن مواضعة؟ ومسألة اقتضاء الأمر المجرد عن القرائن للوجوب، ومسألة وقوع المجاز في القرآن، كما أفاد من كتابه "التنبيه" في بحث مسألة وجوب العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وأفاد من كتابه "الشافي" في مسألة مروية عن الإمام أحمد في أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بواجب 2. إلى جانب ذلك نجد بعض المصنفات المخصصة لأصول الفقه أو التي غلب عليها مباحث هذا الفن، منها ما هو كلي جامع، ومنها ما هو جزئي مفرد.
فمن ذلك: كتاب "العلم" لأبي بكر الخلال (311 هـ) فإنه هو وكتاب "السنة" صنوان، بين في الأول أصول الإمام أحمد في الفقه، ويين في الثاني أصوله في العقيدة، قال شيخ الإسلام -رَحِمَهُ اللهُ-: "... "السنة" وهو أجمع كناب يذكر فيه أقوال أحمد في مسائل الأصول الدينية، وإن كان له أقوال زائدة على ما فيه، كما أن كتابه في "العلم" أجمع كتاب يذكر فيه أقوال أحمد في الأصول الفقهية" 3. وفي ترجمة إلي إسحاق ابن شاقلًا يقول ابن إلي يعلى: "كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع" 4. وهذا يعني أن له عناية بالأصول.
وفي ترجمة أبي الحسن التميمي، قال ابن أبي يعلى: "وصنّف في الأصول والفروع والفرائض" 5. وفي ترجمة أبي الحسن الجزري البغدادي قال: "كان له قدم في المناظرة ومعرفة

الأصول والفروع" 1. وقد نقل القاضي أبو يعلى عنه في تخصيص العموم بالقياس، فقال: "وقع إلي جزء فيه مسائل في أصول الفقه، إملاء أبي الحسن الجزري، وذكر فيه هذه المسألة، وحكى فيها خلافاً بين أصحابنا، واختار أبو الحسن: أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس، وذكر فيها كلاماً كثيرًا 2. وقد مّر معنا في ترجمة منقح المذهب الحسن بن حامد -رَحِمَهُ اللهُ- أن من جملة مؤلفاته كتاب "شرح أصول الفقه".
على أن الذي يطالع كتاب "العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (458 هـ) يستطيع أن يعتبره أول كتاب صدر للحنابلة في أصول الفقه بمباحثه الكاملة وتحرراته المنهجية المقارنة، والدليل على ذلك أنه بناه على "أصول الجصاص" الحنفي و"المعتمد" لأبي الحسين البصري المعتزلي الشافعي، وذلك يدل دلالة واضحة أنه لم يكن بين يديه كتاب حنبلي ينسج على منواله، وهذا من ناحية المنهج والمسلك في الإستدلال والمناقشة، أما مادته العلمية فقد استقاها من كتب المذهب التي وصلت إليه، وهي في عامتها متنوعة وجامعة للفقه والأصول والعقيدة وغير ذلك، كما سبق وصفها.
ويالتالي يكون القاضي أبو يعلى -رَحِمَهُ اللهُ- جامعا ومحرراً لأصول المذهب الحنبلي، كما أن الخلال وابن حامد جمعا الفروع وحرراها التحرير الأولي المبكر، والقاضي أبو يعلى يعتبر من رجالات الدور اللاحق، إلا أن البحث اقتضانا أن نعطف عليه بما تقدم من الكلام لاستكمال التوضيحات اللازمة في موضوع كتابة الحنابلة في أصول الفقه الإسلامي في الدور الثاني من أدوار تاريخ هذا المذهب السَّني.

الدور الثالث

الإنتشار - الإزدهار - الإستقرار

وفيه

تمهيد

، وخمسة مباحث:

  • الأول: المذهب في العراق.
  • الثاني: المذهب في حرّان.
  • الثالث: المذهب في الشام.
  • الرابع: المذهب في مصر.
  • الخامس: المذهب في الجزيرة العربية.

تَمْهِيدْ

لم نر ضرورة تدعو إلى تقسيم فترة ما بعد نهاية القرن الرابع إلى يومنا هذا إلى أكثر من دور واحد، وذلك لأن الأعمال الأساسية في تحرير المذاهب الإسلامية الفقهية التي دونت وانتشرت، أصبحت منجزة ومستكملة في حدود نهاية القرن الرابع، ولذلك لم يبق لمن جاؤوا بعدهم من العلماء إلا الترتيب الفني والجمع بين الكتب والمصنفات، والموازنة في نطاق الرواية والحكايهَ للخلاف، وغير ذلك من الأعمال التي سنشير إليها في مواضعها المناسبة إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن المذهب الحنبلي انتشر انتشارًا متاخراً عن بقية المذاهب التي كانت في ذات الوقت تتعرض للإنحسار والإنقراض من بعض الأمصار.
وفي ظل هذا الإنتشار كان المذهب الحنبلي يتطور نحو الأحسن، ويتوجه نحو الإزدهار والقوة والتمكن في أصوله وفروعه ومناهجه.
ولذلك لا نتفق مع الشيخ محمد بن الحسن الحجوي حين عَمَّم في وسم هنا الطور بأنه "طور الشيخوخة والهرم المقرب من العدم" 1، فإن هذه الشيخوخة، وهذا الهرم إن لزم بعض المذاهب، فإنه لا يلزم المذهب الحنبلي، لأننا إذا رجعنا إلى كتب المذاهب المعتمدة إلى يومنا هذا، فإننا نجد سائر المذاهب لا زالت نحتفظ بكتب المتقدمين "كالمدونة" عند المالكية، ومختصري الطحاوي والقدوري عند الحنفية، و"الأم" عند الشافعية، أما المذهب الحنبلي فإنه لا يكاد يعرف إلا من خلال مؤلفاته التي صنفها الأئمة فيما بعد القرن الرابع.
وهذا يدل بصفة عامة على مدى الجهود المبذولة في تنمية هذا المذهب وتقويته على مدى القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور على الأقل.
ويبدو أن بداية هذا الدور تميزت بفجوة أخذت لتكون وتتنامى في صفوف العلماء، وهي انقسام العلماء إلى فقهاء ومحدثين.

وقد رصد الخطابي المتوفى سنة 388 هـ تلك الفجوة، وأقام النكير على تكونها، فقال في "معالم السنن": "ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر.
وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو كالفرع.
وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب.
ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين: فأما هذه الطبقة، الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وَكْدُهُم الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث، الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء، وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما يينهم، من غير تثبت فيه أويقين علم به، فكان ذلك ضلالة في الرأي وغبنًا فيه.
وهؤلاء -وفقنا الله إياهم- لو حكى لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم، وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه، طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة" 1.

وقد واجه المذهب الحنبلي في انتشاره في ديار الإسلام صعوبة بسبب تأخره في الزمان، وذلك أن الناس قد استقروا على المذاهب التي انتهت إليهم، ودرجوا على تلك المذاهب في شأن الفتوى والقضاء والتعلم والتعليم والتصنيف وغير ذلك.
وعلى الرغم من تلك العوائق، فإن هذا المذهب لم ينقرض، كما انقرضت بعض المذاهب مع مطلع القرن الخامس للهجرة، بل كتب له الإستمرار في مسقط رأسه وموطن نشأته: دار السلام، فبقي هناك يدرّس ويعلّم، ويتلقاه اللاحق عن السابق إلى عهود متأخرة، كما انتشر هنا وهناك في الأقطار الإسلامية، كحرآن، والشام، ومصر، والجزيرة العريية، وملأ سجلات التاريخ الإسلامي برجاله وآثاره، فما من فن من الفنون إلا وللحنابلة فيه مشاركة عالية ويد بيضاء سابغة.
وفي المراحل الأولى من هذا الدور ازدهر المذهب الحنبلي ازدهارًا شاملًا، وتكامل تكاملًا نسبيًا، وتدريجيًا، وذلك بالأعمال العلمية التالية: أولاً: ضبط القواعد العامة في نقل المسائل المروية عن الإمام أحمد وأصحابه، ومن ثَمَّ تبين ما هو منصوص، وما ليس منصوصًا، وما هو منصوص: هل فيه رواية واحدة أو أكثر؟ وهل الروايات المتعددة مختلفة أو متفقة؟ وهكذا.
ثانياً: نشاط المجتهدين في المذهب بتخريج الفروع على الأصول، وبناء غير المنصوص على المنصوص.
ثالثا: نشاط المجتهدين في الترجيح بين الروايات، والوجوه، والإحتمالات، وتولدت من جراء ذلك عدة اصطلاحات فنية استخدامية.
وهذا النوع من النشاط الإجتهادي امتد حتى عصور متأخرة، وكثرت عليه التعقبات والتصحيحات، حتى أواخر القرن التاسع تقريباً، وكان خاتمتهم في ذلك العلامة علاء الدين المرداوي (885 هـ). الذي وصفه العليمي بقوله: "شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه" 1.

رابعًا: وضع "قواعد" عامة و"ضوابط" خاصة لفقه المذهب، وتنظيم فروعه، ليسهل على الطلاب والعلماء والمحققين معرفة القول الشاذ من المطرد، ورد كل حكم إلى قاعدته ما أمكن، وجمع النظير إلى النظير، وقرن الشبيه بالشبيه، وضبط ما يمكن ضبطه من المتشابهات في الباب الواحد بضابط عام، كما ظهرت إلى جانب ذلك جهود كثيرة في تحديد "الفروق" بين المسائل المتشابهة.
فبهذه الأعمال الجليلة دخل الفقه الحنبلي في طور جديد، وأصبح مُمكنًا بفضل فقه القواعد وفقه الضوابط وفقه النظريات وفقه الفروق 1. خامسًا: استكمال البحث في أصول الفقه الحنبلي على غرار المذاهب الأخرى، لبيان القواعد العامة والخاصة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، بالإضافة إلى طرق الإستنباط ومناهج الإجتهاد والفتوى، وييان المصادر التشريعية التبعية الأخرى، وتحديد موقف الحنابلة منها اعتبارًا وإلغاء، بالإضافة إلى طرق الترجيح عند التعارض بين الأدلة.
ولا ريب أن هذا الإستكمال في هذه الجوانب أمَدَّ فقهاء المذهب فيما بعد - فضلًا عن أصول فقه الأدلة والإستنباط، ومصادر التشريع- بعُدّة لا بأس بها طبقت على كيفية التصرف مع كلام المتقدمين، والموازنة بين المرويات من الأقوال والوجوه والإحتمالات، وغير ذلك.
سادسًا: إثراء المذهب بالصطلحات المختلفة التنوعة، كالإصطلاحات المفردة في ألفاظ الإمام أحمد، والإصطلاحات المختصة بالنقل والرواية، والإصطلاحات المختصة بالترجيح وطرقه، والإصطلاحات اللفظية الموضوعية في التعبير عن الأحكام، ومختلف أنواعها ودرجاتها.
وهذه المصطلحات كثرت وطغت على كتب المختصرات، ومصنفات المتأخرين، الذين عنوا بتصحيح المذهب، وتولد عند الحنابلة فقه خاص بالمصطلحات يسمى "لغة الفقهاء".
ويعد ابن الجوزي (597 هـ) صاحب الفضل في السبق إلى التأليف في هذا الموضوع 2.

ويمكن القول بأن المذهب الحنبلي قد استقر من الناحية التنقيحية بعد القرن التاسع، إذ لم نر بعد نهاية هذا القرن غير النقول، والفتاوي، والحفظ، والتدريس، والإعتناء بالتراجم، وبالتالي فوصف "الإستقرار" لم يكن عاما لهذا الدور، بل اختص بالقسم الأخير منه فقط.
وسيتم بحث هذا الدور الكبير في مداه الزمني، الحافل بالأعمال والحوادث والتغيرات، مراعيًا تطور المذهب وتوضعه هنا وهناك، في محوري الزمان والمكان بآن واحد.

المبحث الأول

المذهب في العراق

نشأ المذهب الحنبلي في العراق كما هو معروف، وبالتالي فنحن إذا تحدثنا عن انتشاره، فإنما نتحدث عن وجوده ونموه خارج بغداد، ولكن آثرنا أن نفرد عاصمة المذهب الأولى بتسليط الضوء على ما كان فيها من جهود وأعمال في ظل ذلك الإنتشار، الذي أخذ ظله يتمدد في بلاد الإسلام عبر زمن طويل، وذلك من أجل الكشف عن جهود البغاددة في خدمة هذا المذهب السني وإعلاء شأنه، وتصديره إلى الخارج.
ويغمز الحنابلة بأنهم قليلو الأتباع، لم يحظو بما حظي به غيرهم من كثرة الإنتشار في الأمصار، وأن سحائبهم لم تبلّ بوابلها إلا قلًّا قليلاً من الأراضي والديار، إذ بزغ النجم الحنبلي بعدما ملأت نجوم غيره الآفاق بضيائها.
وهذا المغمز إنما يتضرر منه من يعد المناقب بعدد الأتباع والأشياع، وينظر إلى الأمور يمنظار الحساب المادي الذي لا قيمة له في بعض المواطن بتاتا، فإن العبرة في قوة المذاهب وضعفها بأئمتها وشيوخها المجتهدين، وعلمائها العاملين، لا بالسواد الذي لا يقدم شيئًا ولا يؤخره في هذا المضمار 1. وإذاكانت العبرة بالعلماء لا بالعوام، وبالأئمة لا بالطَّغام، فإن العالم الواحد قد يقاس بأمة، وذلك بما يبذله من الجهود العظيمة وما يقدمه للأمة من الأعمال الجليلة التي تَخْلُدُ مِنْ بَعده، وتتوارثها الأجيال، لا تفتأ تستفيد منها، مما لا يستطيعه العشرات.
فهذا ابن حزم لا يكاد يُعرف المذهب الظاهري إلا من خلال كتبه ومصنفاته التي لا يستطيع تأليف مثلها إلا الفحول الأفذاذ.

فالحنابلة إن قل عددهم بالنظر إلى غيرهم، فقد بورك في تلك القلة، حتى انتشر علمها، وكثر المستفيد منها، ونهل من معينها الصافي القريب والبعيد، وصارت بذلك كثرة في المعنى، كما قال القائل 1: يقولون لي: قد قل مذهب أحمدٍ... وكلُّ قليل في الأنام ضئيلُ فقلت لهم: مهلًا غلطتم بزعمكم... ألم تعلموا أن الكرام قليلُ وما ضرنا أنا قليل وجارنا... عزيز وجار الأكثرين ذليلُ على أن أبا الوفاء ابن عقيل (513 هـ) البغدادي رد سبب هذه القلة إلى ميل الأصحاب إلى التزهد والإنقطاع إلى العبادة، فقال في ذلك: "هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع واحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات.
فكانت الولاية لتدريسه واشتغاله بالعلم.
فأما أصحاب أحمد، فإنه قل فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد، لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم" 2. ولكلن هذا الحكم من ابن عقيل ليس عامًا، بل هو وصف لأصحابه البغدايين فقط، فقد تقلد الحنابلة في الشام ومصر مناصب القضاء، وإدارة المدارس، وشؤون الفتوى، بل عمل بعضهم في الوزارة كابن هبيرة (560 هـ) والسفارة كأبي محمد التميمي (488 هـ). وانتشار المذهب بعد القرن الرابع خارج بغداد يدل على قوته، وتلقي الناس له بالرضا والقبول، وترجيحه على غيره عند كثير من العلماء 3.

والمذهب الحنبلي، وإن انتشر خارج بغداد خلال هذا الدور واشتد ساعده بعد ذلك في الشام ومصر والجزيرة العربية، إلا أن الفضل في ذلك إنما يرجع إلى ما بذله البغداديون من الجهود والأعمال، وذلك كما قال القائل 1: نقِّل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى... ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ فقد كان علماء العراق مثابة للطلاب من الأنحاء المختلفة، إليهم تضرب أكباد اللإبل في الأغوار والأنجاد، فكانوا هم السبب في تصدير المذهب إلى بلدان مختلفة.
وقد ضرب الحنابلة في بغداد أروع الأمثال في الصبر والثبات، والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، ومواجهة البدع، والدفاع عن السنة ومذهب السلف 2. وقد التزم الحنابلة القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بغداد أيما التزام، فقد كانوا يأخذون على أيدي العصاة والفساق، ويداهمون دور الفساد، ويقيمون الحسبة على الناس في أسواقهم، وبيعهم وشرائهم، ويمنعون اختلاط الرجال بالنساء، والخلوة المحرمة بين الجنسين، حتى سجلوا في ذلك مقامات وقصصًا مشهورة، دونها الأخباريون والمؤرخون في سجلاتهم.
قال ابن الأثير في حوادث سنة 323 هـ: "وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها، وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه: من هو؟ فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد" 3.

فلما أبلى الحنابلة البلاء الحسن وصبروا في ذات الله بوأهم الله المراتب العالية والمناصب المرموقة، فتولوا القضاء، والتدريس في المدارس الرسمية وغير الرسمية، والقيام ببعض الأعمال في الدولة العباسية، كتولي الوزارة، والقيام بالسفارة.
ومن أبرز العلماء الذين خدموا المذهب في بغداد:

1 -

القاضي أبو يَعْلى (380 - 458 هـ):

وهو محمد بن الحسين، المعروف بالفراء، تلميذ الحسن بن حامد (403 هـ). تتلمذ على يديه منذ السنة العاشرة من عمره، والشيخ ابن حامد هذا كان إمام الحنابلة وفقيههم في زمانه.
أخذ القاضي عنه أخلاقه، ونهل من علمه وتفقه على يديه، وفاق أقرانه، ولاحظ ذلك الشيخُ الأستاذُ الذكاءَ والتفوق يبرق في عيني تلميذه أبي يعلى، فاعتنى به، وكانت له فراسة، فرأى في أبي يعلى مع صغر سنه بين أصحابه الذين يدرسون ويتفقهون عليه أنه أجدرهم بحمل الراية من بعده، وتولي رئاسة حلقة الحنابلة ليدرسهم ويفتيهم.
قال أبو بكر ابن الخياط: "سألت أبا عبد الله ابن حامد إمام الحنبلية في وقته عند خروجه إلى الحج في سنة 402 هـ. فقلت: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى.
وأشار إلى القاضي الإمام أبي يعلى" 1. وهذا يدل على أنه تصدر للتدريس والتعليم في سن الثانية والعشرين.
ومعنى ذلك أنه بقي في هذا الشأن بالإضافة إلى القضاء والتأليف مدة ست وخمسين سنة!! وقد بدأ بالتصنيف في هذه السنة أيضًا، أي: سنة 402 هـ، على ما ذكر عنه ولده، لذلك كثرت مصنفاته وتنوعت.
ويمكن القول بأن القاضي أبا يعلى خدم المذهب الحنبلي من خلال ثلاث قنوات رئيسة: التأليف، والتعليم، والقضاء.

فأما التأليف: فقد حاز فيه قصب السبق، إذكانت كتبه كثيرة ومتنوعة ومفيدة في نفس الوقت.
قال الذهبي في وصفها: "صاحب التعليقة الكبرى، والتصانيف المفيدة في المذهب" 1. وقد تجاوزت مصنفاته الخمسين في عدتها، أحصاها ولده 2. وكانت هذه التصانيف موزعة على علوم التفسير، وأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه بكافة فروعه، والأدب، والطب، وغير ذلك.
وقد كانت عمدة الطالبين، وبغية الباحثين، عول عليها الشيوخ وبنوا في قالبها، ونسجوا على منوالها.
قال ولده أبو الحسين في وصفها: "ومن نظر في تصانيفه حقيقة النظر، علم أن ما وراءه مرامًا ولا مقالًا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء، ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء.
فلقد حمل الناس عنه علماً واسعًا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن الأصول والفروع" 5.346789101112

ولم تكن مصنفاته نقولًا لكلام من تقدم عليه فحسب، بل هي مليئة بالتحقيقات والإجتهادات والإختيارات والوجوه.
والإحتمالات التي لأبي يعلى تشكل نسبة عالية من الإحتمالات الواردة في الفقه الحنبلي كله.
قال البعلي: "وكثير من الإحتمالات في المذهب، بل أكثرها للقاضي أبي يعلى محمد بن الفراء في كتابه "المجرد" وغيره" 1. لا شك أن هذه الإحتمالات فعلت فعلها الإيجايي البَنّاء في إثراء المذهب وتنميته.
والدليل على ذلك أن فقهاء الحنابلة عدوا القاضي أبا يعلى في زمرة المجتهدين في المذهب في الدرجة العالية.
فقد قال ابن القيم في النوع الثاني من أنواع المجتهدين ما نصه: "النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس مالم ينص من ائتم به [عليه] على منصوصه، من غير أن يكون مقلداً لإمامه، لا في الحكم، ولا في الدليل.
لكن سلك طريقه في الإجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره.
فهو موافق له في مقصده وطريقته معاً.
وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة: القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في شرح "الإرشاد" الذي له" 2. وأما التعليم: فقد كان القاضي أبو يعلى شيخ الحنابلة في وقته بلا منازع، يدرس ويعلم، لم يفتر عن ذلك حتى مع تقدم السن به، فبرز على يديه تلامذة نجباء، وعلماء أعلام.
فمن الذين تفقهوا على يديه: الشريف أبو جعفر، وأبو علي ابن البناء، وأبو الوفاء ابن عقيل، ومحفوظ الكلوذاني (أبو الخطاب).
وغيرهم عدد كثير 3.

وأما القضاء: فقد عاش القاضي أبو يعلى في ظل خلافة القادر بالله، الذي تعتبر مدته في الخلافة أطول المدد، فقد أنافت على أربعين سنة، وكان من الفقهاء المشتغلين بالعلم حتى عده ابن الصلاح في طبقات فقهاء الشافعية.
وكان القادر بالله يميل إلى القاضي أبي يعلى ويقربه.
فلما توفي سنة 422 هـ، وخلفه ولده القائم بأمر الله، ولاه على قضاء الحريم، وكان يُشترط لهذا المنصب الجمع بين العلم والزهد، وكان القاضي أبو يعلى على جانب عظيم من الزهد والورع والعبادة والعفة والنظافة.
وأما العلم فهو المفسر الأصولي الفقيه المحدث المناظر.
فكان هو المرشح الوحيد لهذا المنصب في رأي القائم بأمر الله.
فوافق أبو يعلى على ذلك بعد إلحاح شديد وتمنع متكرر، واشترط على الخليفة شرائط، منها: أن لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، وفي كل شهر يقصد نهر المعلّى يوما وياب الأزج يوماً، ويستخلف من ينوب عنه في الحريم.
فاستجاب الخليفة لشروطه، وولاه القضاء في الدماء والفروج والأموال، وأسند إليه قضاء حرّان وحلوان العراق 1. فسار في القضاء سيرة الأبرار النزهاء، فأصلح الفساد، وأنصف المظلوم، وأوصل الحقوق، وفصل الخصومات، وكان في ذلك كله يعرض المذهب الحنبلي على ميدان الواقع، ولا يخفى ما في ذلك من إعطاء هذا المذهب قوته وحيويته في الجانب القضائي، وكان القاضي أبو يعلى من السابقين الأولين في الكتابة في موضوع الأحكام السلطانية 2 من وجهة نظر الإجتهاد الحنبلي، ولعل عمله في القضاء وعلاقته الطيبة مع الخليفة هي التي حفزت همته لذلك.

ومع ما كان لديه من الحظوة عند الخلفاء العباسيين، فإنه لم يكن مداهناً لهم، بل بالعكس كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن كتابه "تبرئة معاوية" لأعظم دليل على أنه بعيد كل البعد عن مداهنة الخلفاء.
-رَحِمَهُ اللهُ- وجزاه خيراً على ما قدم وأبلى.

2 -

أبو الخَطّاب (432 - 510 هـ):

محفوظ بن أحمد الكَلْوَذَاني.
تلميذ القاضي أبي يعلى.
ويعتبر أبرز من جاء بعد القاضي بالنسبة إلى تحقيق المذهب وخدمته والإجتهاد فيه، فقد درس على أبي يعلى ولزمه حتى برع في المذهب والخلاف.
وقرأ عليه بعض مصنفاته، وقرأ الفرائض على أبي عبد الله الوني، وبرع فيها أيضاً، وصار فريد عصره في الفقه، ودرّس وأفتى، وقصده الطلبة 1. قال ابن رجب في وصفه: "كان أبو الخطاب - رضي الله عنه - فقيهاً عظيماً كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن في مسائل الفقه وأصوله شيء كثير جداً، وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب" 2. ثم شرع في إيراد تلك التفردات معلقاً عليها.
وهذا التحقيق والتدقيق الذي أشار إليه ابن رجب، قد بثه أبو الخطاب فيما خلّف من ذخائر المواريث، وهي مصنفاته الحسان في المذهب والأصول والخلاف، ومن جملتها: "الهداية" في الفقه، وقد طبع في الرياض في جزأين، والخلاف الكبير سماه "الانتصار في المسائل الكبار" حُقق منه مسائل: الطهارة والصلاة والزكاة في ثلاث رسائل جامعية، والخلاف الصغير المسمى "رؤوس المسائل" وهى التي كان يشير صاحب "المحرر" إلى أن ما ذكره فيها ظاهر المذهب 3. ومن تأليفاته أيضاً: "التهذيب" في الفرائض، و"التمهيد" في أصول الفقه، وقد طبع في جامعة أم القرى في أريعة مجلدات، و"مناسك الحج".

بالإضافة إلى هذا يعتبر الكلوذاني من الأدباء الشعراء المجيدين، وظف شعره في خدمة العلم، فقد نظم قصيدة دالية في بيان اعتقاده في مسائل الصفات وغيرها.
وقد أوردها العليمي (1) كاملة، ومن جملة ما جاء فيها: قالوا: فتزعم أنْ على العرش استوى... قلت: الصوابُ كذاك أخبر سيدي قالوا: فما معنى استِواه؟ أبِن لنا... فاجبتهم: هذا سُؤالُ المعتدي قالوا: فأنت تراه جسمًا قُلْ لنا... قلت: المجسِّم عندنا كالمُلحِدِ وقد تخرج على يدي أبي الخطاب عدد من أعلام المذهب، منهم: أبو المحاسن هبة الله بن أبي القاسم منصور الحراني، وعبد الوهاب بن حمزة البغدادي، وعلي بن الحسن الدواحي، وأبو بكر أحمد الدينوري، وعبد الله بن هبة الله السامُرّي، وعبد الرحمن الحلواني، وأحمد الأزجي، وعبد القادر الجيلي، وابن الدجاجي، ومسلم ابن ثابت المأموني، وأحمد بن أبي الوفاء البغدادي.

3 -

ابن المَنِّي (501 - 583 هـ):

نصر بن فِتْيان بن مطر النهرواني.
وهو وإن لم يكن معروفا بمؤلفاته، إذ لم يذكر له مترجموه إلا تعليقة كبيرة في الخلاف، فإنه صاحب المنة على كثير من الحنابلة من مختلف البلدان الإسلامية، فقد رحلوا إليه، وتربوا بين يديه، وتلقوا الفقه من لسانه.
قال ابن رجب في وصفه:"ناصح الإسلام، وأحد الأعلام، وفقيه العراق على الإطلاق" 2. وقد صرف همته طول عمره إلى الفقه أصولًا وفروعًا، وطال عمره، وبعُد صيته، وتخرج عليه أئمة كثيرون.
قال ناصح الدين ابن الحنبلي -وهو من حنابلة الشام-: "رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورًا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورًا، فأنخت راحلتي بربعه، وحططت زاملة بغيتي على شرعة شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدين القويم المنير، والفجر المستطيل المستطير، والعالم الخبير،1

فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح، فتح الله عليه.
حفظ القرآن العظيم، وهو في حداثة من سنه، ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح مَنُّه على كل مَنّ بفضل الله تعالى ومَنّه، ولم ينقل عنه أنه لعب، وَلَاَلهَا، ولا طرق باب طرب ولا مشى إلى لذة ومشتهى" 1. وقال ابن الحنبلي أيضًا: أفتى ودرّس نحوًا من سبعين سنة، ما تزوج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسًا... وكان لا يتكلم في الأصول.
ويهذا تدرك السر الذي لأجله كثر تلاميذ هذا الشيخ وذاعت أخباره ورحل إليه الرجال من الآفاق.
فمن تلامذته البغداديين: أبو بكر الحلاوي، وقاضي القضاة نصر بن عبد الرزاق، حفيد الشيخ عبد القادر الجيلي.
ومن تلامذته الشامين: الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، والحافظ عبد الغني المقدسي، وكلاهما غني عن التعريف، ومنهم الناصح ابن الحنبلي.
ومن تلامذته الحرانيين: الشيخ المفسر فخر الدين ابن تيمية، والموفق ابن صديق، ونجم الدين ابن الصيقل.
قال الناصح بن الحنبلي: "وفقهاء الحنابلة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه".

وعقب ابن رجب على ذلك، فقال: "وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك، فإن أهل زماننا، ومن قبلهم إنما يرجعون في الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسي، ومجد الدين ابن تيمية الحراني.
فأما الشيخ موفق الدين، فهو تلميذ ابن المنّي، وعنه أخذ الففه، وأما ابن تيمية فهو تلميذ نلميذه أبي بكر محمد بن الحلاوي" (1).

4 -

ابن الجَوزي (2) (509 - 597 هـ):

هو الشيخ العلامة، الحافظ، المفسر، شيخ الإسلام، جمال الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد.
ينتهي نسبه إلى خليفة المسلمين الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - 3. ولد في بغداد سنة (509 هـ) ونشا فيها وتعلم حتى برع في كثير من الفنون والعلوم، وصار شيخ وقته، وواعظ زمانه.
وكان مولده بدرب حبيب -محلة ببغداد- وتوفي أبوه وهو صغير لا يتجاوز الثالثة من العمر، فقامت على رعايته وكفالته أمه وعمته، وكانت عمته جاهدة حريصة على تعليمه وتحفيظه، فحملته عند ترعرعه إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر، فاعتنى به وأسمعه الحديث 4. وهكذا أخذ يتدرج ويتقدم في العلوم حتى نضج واكتمل وبرع، ومالت نفسه إلى الوعظ منذ صغره، فلهج به وهو مراهق، ووعظ الناس وهو صبي.
وبدأ مسيرته العلمية سنة (516 هـ)، وقد تحدث هو بنفسه عن تلك البداية في مقدمة مشيخته فقال: "حملني شيخنا ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر، وأسمعني العوالي، وأثبت12

سماعاتي كلها بخطه، وأخذ لي إجازات منهم.
فلما فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم، وأوثر من أرياب النقل أفهمهم، فكانت همتي تجويد العُدد لا تكثير العدد.
ولما رأيت من أصحابي من يؤثر الإطلاع على كبار مشايخي ذكرت عن كل واحد منهم حديثًا" 1. وكانت بغداد إلى ذلك الوقت لا تزال عاصمة العلم يجتمع فيها الجهابذة في كل فن، فكان ذلك نعمة على ابن الجوزي وفضلًا من الله، إذ إنه لم يحتج إلى أن يرحل في طلب العلم، فالشيوخ بين يديه تزخر بهم بغداد في كل فن، فجعل يختار منهم الأعلم والأفهم، ومع هذا الإنتقاء فقد حصلت له مشيخة حافلة تنوف على الثمانين شيخًا 2، ومن أشهر هؤلاء الشيوخ:

  • أبو بكر الدينوري الحنبلي، وهو شيخه في الفقه والخلاف والجدل والأصول.
  • القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء.
    وهو شيخه في الفقه.
  • أبو حكيم النهرواني.
    وهو شيخه في الفقه أيضًا.
  • أبو الحسن بن الزاغوني.
    أخذ عنه الفقه والوعظ.
  • سبط ابن الخياط.
    وهو شيخه في القرآن.
  • أبو منصور الجواليقي.
    وهو شيخه في اللغة والأدب.
    فهؤلاء الأئمة اجتمعوا على تكوين ثقافة ابن الجوزي وتعاونوا على تثقيف قلبه وعقله ولسانه، وانضاف إلى ذلك ما كان متوفرًا بين يديه من الكتب التي كانت موقوفة على المدارس آنذاك، إلى جانب حصافة في الذهن وحذاقة في الفكر وذاكرة عجيبة تحفظ ما يستودع فيها.
    وكان يثابر على طلب العلم بنهمة لا تنقطع.
    وهكذا حتى جاءت مرحلة النضج سريعة مبكرة، فصار الفتى شيخًا مصنفًا وهو في ريعان شبابه، فقد صنف وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة 3، وكان شيخه وشيخ الحنابلة في وقته؛ أبو حكيم النهرواني، قد أسند إليه إعادة دروسه في المدارس التي وكان يتولاها 4.

ونبغ ابن الجوزي في كثير من الفنون والعلوم، له المشاركة الواسعة، فكان بحرًا في التفسير، علّامة في السِّير والتاريخ، موصوفًا بحسن الحديث ومعرفة فنونه، فقيهًا، عليمًا بالإجماع والإختلاف، جيد المشاركة في الطب، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، وإكباب على الجمع والتصنيف، مع التصوّن والتجمل، وحسن الشارة ورشاقة العبارة، ولطف الشمائل، والأوصاف الحميدة، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام 1. وقد أورث لنا ابن الجوزي مكتبة لا يزال الزمان يتحدث بها إلى اليوم في كثرتها وتنوعها، كشف عنها بالتفصيل مطبوعًا ومخطوطًا ومفقودًا الأستاذ عبد الحميد العلوجي، فبلغ (574) عنوانًا، المطبوع منها (66)، والمخطوط منها (166) عنوانًا، والباقي مفقود 2. ومن تلك المصنفات الكثيرة والمتنوعة نجد مجموعة تختص بخدمة الفقه الإسلامي والمذهب الحنبلي في أصوله وفروعه.
وإليك جريدة بأسماء بعض تلك الكتب مع وضع علامة (ط) أمام المطبوع، وعلامة (خ) أمام المخطوط، وعلامة (ف) أمام المفقود.
1 - أحكام النساء.
(ط).
2 - الإنصاف في مسائل الخلاف.
(ف).
3 - إيثار الإنصاف وآثار الخلاف.
(خ).
4 - تعظيم الفتوى (خ).
5 - تقرير القواعد وتحرير الفوائد.
(خ).
6 - الدلائل في منثور المسائل (ف).
7 - السر المصون في الفرائض.
(ف).
8 - العدة في أصول الفقه (ف).

9 - فتوى فقيه العرب.
(ف).
10 - الفرائض للوازم الفقه.
(ف).
11 - فضائل الفقه.
(ف).
12 - لغة الفقه.
(ف).
13 - المَذهب الأحمد في فقه الإمام أحمد.
(خ).
14 - المُذْهَب في المَذْهَب.
(ف).
15 - المعتمد في الأصول.
(ف).
16 - المنفعة في المذاهب الأريعة.
(ف).
17 - منهاج الوصول إلى علم الأصول.
(خ).
18 - التحقيق في أحاديث التعليق.
(ط).
19 - عمدة الدلائل في مشهور المسائل.
(ف).
20 - المسائل المفردة.
(ف).
21 - الخواتيم.
(خ).
22 - مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ط).
ولئن لم يكن ابن الجوزي.
قد تخصص في خدمة الذهب الحنبلي، كما تخصص القاضي أبو يعلى وأمثاله، فإنه كان إمامًا في الوعظ قدوة في الزهد والورع، يجتمع على مجلسه الألوف، وأوقع الله في القلوب القبول والهيبة.
وهو من هذا الجانب، بالإضافة إلى ما خلف من كتب، وتولى من الدارس، وعلم من الطلاب، وتخرج على يديه من أمثال الحافظ عبد الغني وموفق الدين القدسيين، كان بذلك كله مفخرة للحنابلة، فلتة من الزمان رمى الله بها المبتدعة في بغداد وقطع دابرهم بما كان له من الحجة، والمنزلة عند السلطان 1. توفي -رَحِمَهُ اللهُ- ببغداد سنة (597 هـ).

وبعد، فهؤلاء الأريعة الذين عرفنا بهم: أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الفتح، وأبو الفرج، هم أساطين المذهب الحنبلي في بغداد خلال قرنين من الزمن (الخامس والسادس).
وهذا لا يعني الغض من شأن غيرهم، كإبن عقيل وابن الزاغوني، وأبي حكيم النهرواني، وغيرهم، وهم كثر، ذلك لأن المقصود من هذا البحث هو بيان المسار العام للمذهب، دون الترجمة لأعيانه وفقهائه.
والحقيقة أن المذهب أخذ يتناقص في بغداد بعد ابن المنيّ، الذي يعتبر نقطة انعطاف في تاريخه، وجعل يتقوى في حرّان والشام على وجه الخصوص، كما تنوه كلمة ابن رجب السابقة في ترجمة ابن لمنّي.
ولا يخفى أن بغداد كانت موطنًا للمذهب الشافعي، ولا ريب فقد كانت المساجلات بين المذهبين تقوم من حين إلى آخر في شأن المناظرات الفقهية تارة، وفي شأن العقيدة وأصول الدين تارة أخرى، والسبب في ذلك أن كثيرًا من الشافعية كانوا على مذهب الأشعري في الإعتقاد، فكانت تقع الواقعات بينهم ولين الحنابلة بسبب الخلاف في مسائل الصفات وأخبارها على وجه الخصوص.
ومن تلك المساجلات ما وقع بين ابن القشيري والشريف أبي جعفر، تلميذ القاضي أبي يعلى، وكانت الخلافة إذ ذاك في جانب الحنابلة، والوزارة في جانب الشافعية إلا أن الوزير كان في تلك الأيام قويا نافذًا أمره 1. بالإضافة إلى ذلك كانت المعتزلة مستمرة الوجود هي الأخرى في عاصمة الخلافة، وكان الحنابلة بالمرصاد في مواجهتها، ودحض شبهها، ومع ذلك فقد كاد يقع بعض كبار رجالاتهم في شركها في أول نشأتهم العلمية، فقد كان ابن عقيل (513 هـ) يتردد في أول أمره على ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما علم الكلام سرًا، ثم استدرك على نفسه بعد ذلك وأعلن توبته من تلك الأباطيل 2.

وكانت الحنابلة تُتهم بصفة متكررة على أنهم مجسمة مخالفون لما يعتقده علماء الإسلام وأئمته، ولم يكونوا يرضون بهذه التهمة العظيمة والفرية الكبيرة، التي تطعن عليهم في أصل الدين وصميمه، فكانوا يردون بأبلغ الردود على ذلك، ويجابهون الخصوم بأسنة الأقلام وقوارع الحجج.
ويذكر المؤرخون أن السلطان جلال الدولة لما دخل إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك سنة 482 هـ، قال النظام: أريد أن أستدعي بهم -يعني الحنابلة- وأسالهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة، فانبرى ابن عقيل لذلك وتصدى للرد عليه، وكان خلاصة ما أعد لهم من الحجة أن يقول لهم: نحن نقلد فيما نعتقد من اعتقادات الإمام أحمد ابنَ حنبل، الذي أجمعت الأمة على أنه إمام السنة وحامل لوائها، فإن طعن أحد علينا فليطعن عليه 1. وقد وكانت علاقة الحنابلة بالخلافة العباسية جيدة على وجه العموم خلال هذه الفترة، ومن أجل ذلك تقلدوا عدة مناصب في القضاء والوزارة، وعملوا في بعض السفارات، وأشرفوا على إدارة المدارس والمكتبات.
ولا يسعنا المجال في الراد تلك التقاليد لئلا نخرج عن الصدد، ويإمكان أي منا أن يطلع على ذلك من خلال تواريخ الوزارء والقضاة والمدارس والمكتبات في بغداد.
وإننا لنقرأ على سبيل المثال في ترجمة عبد العزيز بن دُلف البغدادي أنه: "ولي نظر خزانة الكتب بمسجد الشريف الزيدي، ثم خزانة كتب التربة السلجوقية، ثم صرف عنها، ثم أعيد إليها" 2.

المبحث الثاني

المذهب في حَرَّان

هذه البلدة تتميز بحسن موقعها الجغرافي، فإنها قريبة من بغداد نسبيًا، كما أنها كانت ملتقى الطرق المؤدية إلى الشام والروم والموصل في نفس الوقت، ولا ريب أن الذاهب والجائي من تلك البلدان يتعرف عليها وعلى أهلها، كما يتعرف أهلها عليه.
فتحها أمير المؤمنين عمر بنُ الخطاب - رضي الله عنه - بواسطة أميره عياض بن غنم، وكانت قبل الإسلام موطنًا للصابئة عبدة النجوم 1. فلا غرو أن تسهل الرحلة على الحرانيين إلى عاصمة العلم والحضارة الإسلامية بغداد، فيتعلموا من هناك، ثم يعودوا علماء دعاة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بألسنتهم وأقلامهم.
وكان في عداد هؤلاء المتعلمين من تفقه على المذهب الحنبلي وتلمذ لأصحابه البغداديين.
وإننا لنجد في "المقصد الأرشد" لإبن مفلح قائمة بأسماء الحرّانيين تقارب الأربعين عالمًا.
فمن جملة هؤلاء الرجال: أبو الفتح عبد الوهاب ابن جلبة البغدادي، ثم الحراني، تلميذ القاضي أبي يعلى ونائبه على قضاء حرّان، المقتول شهيدًا في فتنة الرافضة التي كان يقودها مسلم بنُ قريش العقيلي، حاكم الموصل آنذاك، وذلك سنة 476 هـ 2. قال ابن أبي يعلى: "قدم بغداد من ثغر حَرَّان، قاصدًا لمسجد الوالد السعيد، وطالبًا لدرس الفقه، فتفقه عليه، وكتب كثيرًا من مصنفاته، وكان يلي القضاء

بحران من قبل الوالد السعيد، كلتب له عهدًا بولاية القضاء بحران.
وكان ناشرًا لمذهبنا داعيًا إليه في تلك الديار، وكان فقيهها وواعظها وخطيبها ومدرسها" 1. وهذا يدل على أنه صاحب الفضل والسبق في نشر المذهب هناك، وأنه خدم المذهب الحنبلي من خلال: القضاء، والفتوى، والوعظ والخطابة، والتدريس، والتأليف.
ومن تأليفاته القيمة: اختصار "المجرد" الذي صنفه شيخه أبو يعلى، و"رؤوس المسائل" و"أصول الفقه" و"أصول الدين" و"النظام بخصال الأقسام" 2. والذي يتراءى لنا من سياقة تراجم حنابلة حرّان، أن هذه البلدة كانت خالصة لهم، لا ينازعون فيها، فكانت مقاليد القضاء والفتوى مسندة إليهم، ففي ترجمة فتيان بن مياح (566 هـ ظنًا) قال ابن رجب 3: "وتفقه بمذهب الإمام أحمد، وعاد إلى بلده، فأفتى ودرّس به إلى أن مات" وفي ترجمة حامد بن محمود (570 هـ) قال 4: "شيخ حرّان وخطيبها ومفتيها ومدرسها".
ونقل عن الشيخ ناصح الدين ابن الحنبلي أنه قال فيه: "كان شيخ حرّان في وقته، بنى نور الدين محمود المدرسة في حَرّان لأجله، ودفعها إليه، ودرس بها، وتولى عمارة جامع حرّان، فما قصر فيه".
وفي ترجمة فخر الدين ابن تيمية (622 هـ) نجد: "شيخ حَرَّان وخطيبها.. ولي الخطابة والإمامة بجامع حرّان، والتدريس بالمدرسة النورية.
وبنى هو مدرسة بحران أيضًا.
قال الناصح ابن الحنبلي: انتهت إليه رئاسة حَرَّان، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس بالمدرسة النورية، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها" 5.

جارٍ التحميل