ونشأ الإمام أحمد يتيمًا في حجر أمه في بغداد، وترعرع فيها، وإن كانت الأخبار عن حياته المبكرة شحيحة قليلة، إلا أننا نستطيع أن نعرف بصورة عامة أنه كان يقضي آنذاك معظم وقته في كتاتيب بغداد التي كانت تزخر بالنشاط العلمي، فقد ذكر الخلال عن محمد بن الحسين عن المروذي، قال: "قال لي أبو عفيف وذكر أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقال: كان في الكُتّاب معنا، وهو غُلَيِّم نعرف فضله، وكان الخليفة بالرقة، فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل ليكتب لهن جواب كتبهن، فيبعثه، فكان يجيء إليهن مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهن، فربما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهن" 1.
وهذا يدلنا على نبله وعقله وخلقه في صباه.
ويذكر المؤرخون أن داود بن بسطام كان مسؤولًا من قبل الخليفة عن أخبار بغداد في تلك الأيام، فاتفق له مرة أن أخرت عنه جريدة الأخبار، فبعث إلى عم الإمام أحمد يستفسره عن سبب ذلك، فقال له: بعثت بها مع ابن أخي؛ يعني أحمد بن حنبل، وكان أحمد ألقى بها في الماء، واستنكر أن يوصلها إليه، ولعل ذلك لما كان فيها من الوشايات والأنباء التي لا ترضي دين الإمام أحمد وخلقه الرفيع 2.
وكانت الكتاتيب في ذلك الوقت تعلم اللغة العربية، وتحفظ القرآن للأطفال.
فقد قال ابن قتيبة في ذكر أسماء المعلمين: ومن المعلمين: علقمة بن أبي علقمة، مولى عائشة، كان يروي عنه مالك بن أنس، وكان له مكتب يعلم فيه العربية والنحو والعروض، ومات في خلافة المنصور 3.
وهكذا كان النبل والعقل والعفة سمة هذا الغلام من أول نشأته، حتى تَفَرَّس فيه أهل زمانه مستقبلًا متميزًا على أبناء جيله، فقال الحافظ الهيثم بن جميل الأنطاكي: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه 1.
وكان جادا في الطلب نشيطًا حريصًا، وريما كان يريد البكور في الحديث فتأخذ أمه بثيابه، وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا 2.
وكانت والدته رحمها الله تحوطه بالعناية وتغذوه بالرعاية في ظل الباقي من أسرته، وكان وحبدها.
وكان عيشهما من غلة ميراث تركه له والده.
قال ابن الجوزي: كان أحمد - رضي الله عنه - قد خلف له أبوه طِرزًا ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطِّرز ويتعفف بكرائها عن الناس 3.
الطور الثانى
طلبه للعلم والرحلة فيه
لما أناف الإمام أحمد على الربيع الخامس عشر من عمره توجه بنفسه إلى طلب علم الحديث، وقصد أهله المبرزين فيه، فبدأ بشيوخ بغداد فاستنفد ما عندهم، ثم تنقل في الأمصار المعروفة آنذاك بالحفاظ والفقهاء والأئمة، كالبصرة والكوفة والحجاز واليمن.
فبدأ بالطلب سنة 179 هـ وهي السنة التي توفي فيها عالم المدينة؛ مالك بن أنس، وإمام البصرة حماد بن زيد.
فسمع من علي بن هاشم بن البريد، لكنه سرعان ما بادره الموت به.
قال عبد الله: قال أبي: سمعت من علي بن هاشم بن البريد سنة 179 هـ في أول سنة طبت الحديث، ثم عدت إليه في المجلس الآخر، وقد مات، وهي السنة التي مات فيها مالك بن أنس 1. وكتب عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة.
وفي نفس السنة أي: سنة 179 هـ جلس إلى هشيم ابن بشير الواسطي، وأكثر من الأخذ عنه، ولازمه حتى توفي سنة 183 هـ ولأحمد من العمر عشرون سنة.
وكان هشيم ولد سنة 104 هـ بواسط، ثم قدم بغداد قديمًا واستقر فيها.
قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام محدث بغداد وحافظها 2.
وروى عنه من أقرانه وأهل طبقته جماعة كبيرة منهم: شعبة والثوري، وهما من شيوخه، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وغيرهم.
فكان الإمام أحمد من طبقة هؤلاء باعتبار هذه المشاركة العالية التي حظي بها.
قال أحمد في وصفه: لزمت هشيمًا أربع سنين أو خمسًا ما سألته عن شيء هيبة له إلا مرتين، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته 3.
وكانت حافظة الإمام أحمد تنال إعجاب الألباء، فقد حفظ كل ما سمعه من هشيم ابن بشير، حتى قال عن نفسه: حفظت كل شيء سمعته من هشيم، وهشيم حي قبل
موته.
وقال: مات هشيم وأنا ابن عشرين سنة وأنا أحفظ ما سمعت منه، ولقد جاء إنسان إلى باب ابن عُلية ومعه كتب هشيم فجعل يلقيها علي، وأنا أقول: إسناد هذا كذا، فجاء المعيطي، وكان يحفظ، فقال له: أجبه، فبقي، أي: لم يستطع الجواب، ولقد عرفت من حديثه ما لم أسمعه 1.
ولا جرم فقد كان هشيم محدثًا ولم يكن فقيها، لكن كان يجمع في مروياته الأحاديث والآثار وفتاوي الصحابة، يجمعها في الباب الواحد.
فقد قال عنه الإمام أحمد: كتبنا عنه كتاب الحج نحوًا من ألف حديث، ويعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتبًا صغارًا.
قلت (أي ولده صالح): يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر، وجاءنا موت حماد بن زيد ونحن على باب هشيم، وهشيم يملي علينا الجنائز 2.
وإلى جانب اهتمام الإمام أحمد بالحديث واشتغاله فيه منذ نعمومة أظفاره، فقد اطلع على بعض ما دونته مدرسة الرأي وانتهى إلى الناس هناك، فقد كان من شيوخ أحمد الأولين أبو يوسف -رَحِمَهُ اللهُ-.
قال أبو بكر الخلال: "كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها، ثم لم يلتفت إليها" 3.
• رحلات الإمام أحمد: قال ابن الجوزي: ابتدأ أحمد - رضي الله عنه - في طلب العلم من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد 4.
ويظهر أثر هذه الرحلات واضحًا في ترتيب كتابه "المسند" وكيفية تفننه في توزيع الصحابة على الأمصار والبلدان.
وقد استوعب الذهبي عددًا كبيرًا من شيوخه على عادته، ثم قال: فعدة شيوخه الذين روى عنهم في "المسند" مائتان وثمانون ونيف 1.
وقد رحل الإمام أحمد غِبَّ وفاة شيخه هُشيم سنة 183 هـ، وكان قد وفد عليهم عبد الرحمن بن مهدي قبل ذلك، فكتب عنه واستفاد منه.
فخرج من بغداد في صحبة أعرابي إلى الكوفة، وكان بها من أساطين المحدثين أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، من أبرز من خلف الأعمش -رَحِمَهُ اللهُ-، ووكيع بن الجراح الرؤاسي جامع علم سفيان الثوري وراويته.
وكان فيها من فقهاء الرأي جماعة كبيرة، فاطلع على ما عند الجميع وأفاد منهم، فحفظ حديث الثوري بواسطة وكيع، حتى شهد له عبد الرحمن بن مهدي بأنه أعلم الناس بذلك 2.
وقال عن نفسه -رَحِمَهُ اللهُ-: كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، وذكر مرة شيئًا، فقال: هذا عند هشيم؟ فقلت: لا.
وكان ربما ذكر العشر أحاديث فأحفظها، فإذا قام قالوا لي، فأمليها عليهم 3.
وكان أحمد في رحلته هذه في حال شظف من العيش حتى كان يتوسد اللَّبِن من قلة ذات اليد، فحُمَّ من جراء ذلك فرجع إلى أمه في بغداد 4.
ومن الكوفة إلى البصرة دار آبائه وأجداده من بني شيبان، وقد دخل البصرة في المرة الأولى سنة 186 هـ، وتردد عليها خمس مرات آخرها سنة 200 هـ، ولم يحظ بملاقاة محدثها حماد بن زيد (المتوفى سنة 179 هـ). لكن أخلفه الله بها إسماعيل ابن عُلَيَّة، وابن مهدي، ويحيى القطان، والمعتمر بن سليمان وغُنْدَر.
قال -رَحِمَهُ اللهُ-: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية 5.
ثم رحل إلى واسط سنة 187 هـ وأخذ فيها عن يزيد بن هارون.
وفاته جرير بن عبد الحميد بالري 1؛ لأنه لم يجد ما ينفق على نفسه في الرحلة إليه فتأسف على ذلك، كما تأسف على يحيى بن يحيى النيسابوري أحد الرواة المكثرين عن مالك بن أنس.
ثم رحل إلى الحجاز سنة 187 هـ، فقدم مكة حاجًا لأول مرة، وقد مات الفضيل بن عياض، فكتب عن إبراهيم بن سعد الزهري، وصلى خلفه عدة مرات، ولزم سفيان بن عِيينة وأخذ عنه، واعتبره خلف خير مما فاته من الرواية عن عالم المدينة مالك بن أنس، ولقي الشافعي هناك فروى عنه وأفاد منه قبل أن يجتمع به في المرة الثانية ببغداد.
وقد حج أحمد بيت الله الحرام خمس مرات: الأولى هذه، والثانية سنة 191 هـ وفيها حج الوليد بن مسلم محدث الشام، والثالثة في سنة 196 هـ وجاور هناك إلى سنة 197 هـ، والرابعة في سنة 198 هـ وجاور إلى سنة 199 هـ 2.
وكان سفيان قد توفي سنة 198 هـ، فلعل أحمد كان يكثر التردد على مكة في هذه السنوات من أجل سفيان، فلما مات خرج أحمد إلى صنعاء.
وقد قال الذهبي: ولقد كان خلق من طلبة الحديث يتكلفون الحج، وما المحرك لهم سوى لُقي سفيان بن عيينة لإمامته وعلو إسناده.
وجاور عنده غير واحد من الحفاظ 3. وذكره الشافعي، فقال: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند ابن عيينة سوى ستة أحاديث، ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثًا.
فهذا يدل على أن سفيان جمع أحاديث العراقيين، لأن أصله من الكوفة، إلى أحاديث الحجازيين 4.
ورحل اْحمد من مكة سنة 199 هـ متوجهًا نحو اليمن في صحبة يحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، وكان يقصد بالذات حافظ صنعاء وعالمها عبد الرزاق بن همام.
قال أحمد: أتينا عبد الرزاق قبل المائتين (250 هـ) وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع 5.
وكان الإمام أحمد حريصًا على عبد الرزاق؛ لأنه كان عنده حديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وكان الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه يذهبان إلى أن "الزهري عن سالم عن أبيه" أصح الأسانيد مطلقًا.
فاستطاب الرحلة لذلك واهتز طربًا إلى نيل الأمنية:
وإذا كانت النفوس كبارًا... تعبت في مرادها الأجسام
وجاء عنه أنه قال: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق، كتبنا عنه حديث الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة 1.
ورحل أحمد إلى الشام والجزيرة وأخذ عمن هناك من المحدثين والعلماء.
وبهذه الرحلات خاض لجة العلم، والتقط جواهر الحديث ولآلئه من قاموس بحره المحيط، وكان يدون كل ذلك ويحفظه في كتبه، ويحدث به بعد ذلك، وما حدث قط إلا من كتاب 2 إلا في حالات نادرة شاذة، وكانت هذه سنته وسنة رفيقيه يحيى بن معين وعلي بن المديني في ذلك، على الرغم من حافظته النادرة المجيبة.
مجمل شيوخ الإمام أحمد:
الشيخ في اصطلاح المحدثين خاصة هو: كل من رويتَ عنه ولو حديثًا واحدًا، فالمشيخة تثبت بالحديث الواحد، لذلك لا نعجب من كثرة شيوخ الأئمة والحفاظ، فإن بعضهم، كالبيهقي ينيف معجم شيوخه على الألف.
لكن من الشيوخ من يعد ذا فضل كبير وتأثير خاص على تلميذه، لطول الصحبة والملازمة والإستكثار من الرواية.
وكذلك كان الشأن مع الإمام أحمد، فإن له عددًا من الشيوخ أحصي منهم في "المسند" أكثر من (280) شيخًا 3، وقد جرد ابن الجوزي في "المناقب" أسماء شيوخه تفصيلًا، وسردهم المزي في "تهذيب الكمال" مرتبين على حروف المعجم.
قال البيهقي بعد أن ذكر جماعه من شيوخ الإمام أحمد: وقد أكثر أحمد بن حنبل في "المسند" وغيره الروإية عن الشافعي, وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة 1.
وفي جملة هذا العدد الضخم هناك من أكثر عنهم، وعرفت الصحبة بينه وبينهم، وأثنوا عليه وأعجبوا به وربَما رووا عنه.
وذلك كهشيم بن بشير الواسطي شيخه الأول ببغداد، ويزيد بن هارون وابن علية وعبد الرزاق ووكيع وحفص بن غياث وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان، وغيرهم.
وهؤلاء كانوا أئمة حديث في الغالب.
وأما شيوخه في الفقه والأصول ويعض العلوم الأخرى، فأبرزهم الإمام الشافعي، كما سبق في كلام البيهقي, وإذ كان الشافعي بهذه المثابة فإننا نقف وقفة بين الإمامين، ونسىجل ما كان بينهما من الفضل والعلم والإحترام المتبادل.
العلاقة بين الإمامين: الشافعي وأحمد:
مرَّ أن الإمام أحمد رأى الشافعي في مكة في حجته الأولى سنة 187 هـ، رآه وهو في سن الكهولة (37 سنة) وكان له هناك مجلس يفقه فيه ويعلم ويفتي، ويبدو أن الإمام أحمد لم يكن متفرغًا في ذلك الوقت لمجلس الشافعي لحرصه الشديد على جمع الحديث وتلقيه عن كبار أئمته، ولكنه بعدما قدم بغداد في القدمة الثانية جلس إليه ولازمه وأخذ عنه الكثير من الفقه والأصول والتفسير والأنساب وأشعار العرب وأيامهم التي رضعها الشافعي من المنهل الصافي بمكة واليمن.
وكان الشافعي قد دخل بغداد ثلاث مرات:
كانت الأولى سنة 184 هـ بسبب وشاية من بعض أهل اليمن اتهموه فيها بمعارضة
الحكم العباسي، فأخذ من هناك مكبَّلًا وحوكم في بلاط الرشيد، فكانت محاكمته ومحاورته مع الرشيد سبب إعجابه به 1.
وكان الشافعي بعد أن خرج منتصرًا من تلك التهمة الملفقة، قد اتصل بفقهاء العراق، وروى مذهبهم عن محمد بن الحسن الشيباني -رَحِمَهُ اللهُ- (ت 189 هـ) ثم عاد إلى مكة يفقه ويعلم.
وأما القدمة الثانية فكانت سنة 195 هـ واستمر سنتين هناك، وكانت هذه هي الفرصة الذهبية للإمام أحمد مع الشافعي، لأنه كان قد ألف كتبه، وأخذ يقرؤها على الناس.
قال الحسن الزعفراني راوية مذهبه القديم:
"قدم علينا الشافعي بغداد سنة 195 هـ فأقام عندنا سنتين، أي إلى سنة 197 هـ ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة 198 هـ، فأقام عندنا أشهرًا، ثم خرج وكان يخضب بالحناء وكان خفيف العارضين (2.
وقال ابن كثير:
"ثم عاد الشافعي إلى بغداد سنة 195 هـ فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم: أحمد بن حنبلْ، وأبو ثور، والحسين بن علي الكراييسي، والحارث بن سريج النقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزعفراني وغيرهم" 3.
وكانت القدمة الأخيرة عبارة عن بضعة أشهر في أواخر سنة 198 هـ ومنها تحول إلى مصر سنة 199 هـ حتى مات بها سنة 204 هـ -رَحِمَهُ اللهُ-.
وكان الشافعي قبل قدومه إلى العراق في المرة الثانية قد ذاع صيته، وأصبح الناس يثنون عليه ويتمنون لقاءه والإفادة من علمه وسارت بأخباره الركبان.
وكانت بغداد تعج بحلقات العلم، وقد غلب على تلك الحلقات أهل الرأي من الفقهاء، وأهل الإعتزال من المتكلمين، فجاء الشافعي ليرد الحق إلى نصابه، ويدافع عن
السنة في الفقه، والسنة في العقيدة، وكان قد صنف في ذلك كتاب "الرسالة" و"جماع العلم" و "إبطال الإستحسان" وغير ذلك من الكتب.
قال الخطيب البغدادي:
قدم الشافعي بغداد، وكان في المسجد إما نيف وأريعون أو خمسون حلقة، فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة، ويقول لهم: قال الله، قال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ما بقي في المسجد أحد غيره 1.
وقال الزعفراني:
حج بشر المريسي سنةً إلى مكة، ثم قدم، فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا ولا مجيبًا، يعني الشافعي، قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك بغداد، فاجتمع إليه الناس، وخَفُّوا عن بشر، فجئت إلى بشر يومًا فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم، قد قدم، فقال: إنه تغير عما كان عليه.
قال الزعفراني: فما كان مثله إلا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام حيث قالوا: سيدنا وابن سيدنا، فقال لهم: فإن أسلم؟ قالوا: شرنا وابن شرنا 2.
وبشر المريسي هذا هو الداعية إلى بدعة خلق القرآن في بغداد آنذاك.
وكان الشافعي يشدد على المتكلمين لما رأى من بدعهم وقولهم في الله وصفاته بغير علم، ومما يوثر عنه في ذلك قوله: حكمي في أهل الكلام أن يضرلوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام 3.
أقبل أحمد على الشافعي يأخذ منه ما ليس عنده، فسمع منه "الموطأ" بعد أن كان سمعه من جماعة، وقال: إني رأيته فيه ثبتًا 4. وكان يدل إسحاق بن راهويه عليه ويحضه على مجلسه، فيقول له: تعال أذهب بك إلى رجل لم تر عيناك مثله، فذهب به إلى الشافعي.
وقال الزعفراني: ما دخلت على الشافعي قط إلا وأحمد كان قد سبقني إليه 1.
وهكذا تضلع أحمد من كتب الشافعي، وتلقى عنه مذهبه القديم الذي يعتبر في أغلبه مذهب مالك وأهل المدينة، لكن الشافعي رجع عن كثير من ذلك المذهب القديم إلى مذهبه الجديد الذي دونه في كتاب "الأم"، ورواه عنه الربيع بن سليمان المرادي وأصحابه المصريون.
فهذه الصحبة المباركة بين الشافعي وأحمد كانت ذات أثر عميق في الإنسجام والتقارب بين المذهبين في الأصول والفروع على السواء، وقد ألف في ذلك الشيخ يوسف ابن عبد الهادي المتوفى سنة 959 هـ كتابًا خاصًا سماه "قرة العين فيما حصل من الإتفاق والإختلاف بين المذهبين".
وقد ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب في "مناقب الإمام أحمد"، فقال:
ومن الناس من يقول: ليس بين مذهب أحمد ومذهب الشافعي خلاف إلا في مسائل قليلة نحو ست عشرة مسألة.
وهذا قول بعض الأغبياء، إشارة منه إلى أنه لا حاجة إلى مذهب أحمد.
فإذا حقق الإنسان النظر وجد مذهب أحمد مخالفًا لمذهب الشافعي في أكثر من عشرة آلاف مسألة، بل وأكثر من ذلك.
هذا القاضي عز الدين صنف في المفردات المخالفة للمذاهب الثلاثة كتابه المشهور الذي فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة.
ولِمَ، وهي بالضرورة مخالفة لمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة؟ ومفردات مخالفة الشافعي فقط لم يدركها.
ومن قال ذلك، ينظر إلى الخلاف الضعيف، فإنه قلَّ مسألة إلا وفيها قول ضعيف في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي؛ فيقول: هي موافقة.
وهذا قول لا عبرة به.
وقد وضعت كتاب "قرة العين فيما حصل من الإتفاق والإختلاف بين المذهبين"، وذكرت من ذلك مسائل كثيرة 2.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: وموافقته أي أحمد للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما، ويعظمهما، ويرجح أصول مذهبهما على من ليست أصول مذهبه كأصول مذهبهما.
ومذهبه: أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق، هما عنده من أجل فقهاء الحديث في عصرهما، وجمع بينهما في مسجد الخيف فتناظرا في مسألة إجارة بيوت مكة 3.
واذ كان الشافعي ممتنًا على أحمد بالفقه والأصول وصناعة الحجج والأدلة على الأحكام، فإن أحمد هو الآخر ممتن على الشافعي بالكشف عن علل الأحاديث وأسانيدها وطرقها وما صح منها مما لم يصح.
قال ابن كثير:
وقد قال الشافعي لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد بعد سنة 190 هـ، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة، قال له: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث فاعلمني به، أذهب إليه حجازيًا كان أو شاميًا أو عراقيًا أو يمنيًا.
وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد واجلال له، وإنه عنده بهذه المثابة إذا صحَّح أو ضعَّف يرجع إليه في ذلك 1.
وقال ابن أبي حاتم:
سمعت أبي يقول: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث بصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه، وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلًا وبنى عليه 2.
ومن أجل هذا كان الإمام الشافعي يزوره، فلما قيل له في ذلك أنشد:
قالوا يزورك أحمدٌ وتزوره... قلت المكارم لا تفارق منزلَهْ
إن زارني فبفضله أو زرتُهُ... فلفضله فالفضل في الحالين لَهْ 3
وفي مرويات الشافعي عن أحمد لا يصرح باسمه، بل يقول: حدثني الثقة 4.
الطور الثالث
حياة الإمام أحمد في بغداد إلى بداية المحنة
• أسرة الإمام أحمد:
تزوج الإمام أحمد بعدما أوفى على الأربعين من عمره، فتزوج في البداية عباسة بنت الفضل، أم ولده صالح، أحد رواة علمه وحافظي مذهبه، ولم تنجب غيره حتى توفيت -رَحِمَهَا اللهُ-.
فتزوج بعد وفاتها ريحانة بنت عمر، أم ولده عبد الله.
قال ابن الجوزي: وهاتان زوجتان وما عرفنا أنه تزوج ثالثة 1. يعني بذلك أن بقية أولاده ما عدا صالحًا وعبد الله إنما كانوا من جاريته حُسنَ التي اشتراها بعد وفاة ريحانة أم عبد الله، فولدت حسنُ للإمام أحمد زينب أم علي، والحسن والحسين، وهما توأم، لكن لم يلبثا أن ماتا، ثم ولدت الحسن ومحمدا، فعاشا حتى صارا من السن إلى نحو من أربعين سنة، ثم ولدت سعيدًا 2.
• الإمام أحمد بعد زواجه:
كان الإمام أحمد يفضل عيش الكفاف طيلة حياته، ما ثبت عنه أنه ترفه يومًا بنعيم، أو تفكه بطيب عيش ولذيذ طعام وفاخر ثياب ورياش بيت، ولم يكن ذلك منه عن قلة ذات اليد، مع تلهف النفس وحرصها على أن تبلغ المنى في الرخاء والهناء، بل كان ذلك عن رغبة وزهد، وقناعة وغنى في القلب، ولو أراد أن يعيش عيشة المترفين والأغنياء لكان ذلك ميسور المنال داني القطوف، فقد كانت بغداد في ذلك الوقت مليئة بخيرات الدنيا، لا تنقطع
عنها فواكه الفصول الأربعة، بل جمعت فيها كل ألوان الملذات التي عرفت في ذلك الوقت، حتى إن شعبة بن الحجاج قال لأبي الوليد: أدخلت بغداد؟ قال: لا، قال: فكأنك لم تر الدنيا.
ومثله يروى عن الشافعي في قوله ليونس بن عبد الأعلى 1.
بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت أعطيات السلاطين والخلفاء وجوائزهم للعلماء معروفة مشهورة، وقد عرض ذلك على الإمام أحمد خصوصًا بعد انكشاف المحنة في زمن المتوكل، فرفض ذلك كله -رَحِمَهُ اللهُ-، فكان كما قال البوصيري:
راودته الجبال الشم من ذهب... عن نفسه فأراها أيما شمم
فأخباره في زهده وتعففه وتظلفه تملأ المجلدات، ونحن نجتزئ بالقدر الذي يفي بالغرض ويصور حياته هناك في بغداد -عليه رحمة الله-:
كان في أول الأمر يعيش مع زوجته الأولى عباسة، وولده الوحيد صالح نحوًا من عشر سنوات على حال وصفها ابنه صالح فقال: "ربما رأيت أبي يأخذ الكسَر ينفض الغبار عنها، ويصيرها في قصعة، ويصب عليها ماء، ثم يأكلها بالملح، وما رأيَته اشترى رمانا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز، وعنبًا وتمرًا..
وقال لي: كانت والدتك في الغَلاء 2 تغزل غزلًا دقيقًا، فتبيع الإستار 3 بدرهمين أو أقل أو أكثر، فكان ذلك قوتنا.
وكنا إذا اشترينا الشيء، نستره عنه كيَلا يراه، فيوبخنا، وكان ربما خبز له، فيجعل في فخّارة عدسًا وشحمًا وتمرات شِهْرِيز -نوع من التمر- فيجيء الصبيان، فيصوت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون ولا يأكلون، وكان يأتدم بالخل كثيرًا" 4.
فلما توفيت أم صالح، وكان سن صالح إذ ذاك يقارب العاشرة، تزوج ريحانة وأسكنها في دار كان قد ورثها من أبيه وحولها جوانب مؤجرة يعيش من غلتها.
قال الخلّال: وأخبرني
محمد بن علي السمسار، قال: كانت لأم عبد الله بن أحمد دار معنا في الدرب يأخذ منها درهما بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة فأصلحها عبد الله، فترك أبو عبد الله الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده علي 1.
وكانت الحاجة قد اشتدت بآل أحمد بن حنبل في أيام المحنة، وكثرت عليهم الديون، ومع ذلك لم يتزحزح الإمام الشيباني عن زهده وورعه، وتظلفه عن الأعطيات والصَّلات، فقد قال ولده صالح: دخلت على أبي في أيام الواثق، والله يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبْدٌ يجلس عليه قد أتت عليه سنون كثيرة قد بَلِيَ، فإذا تحته كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك منَ الدَّين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك، وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي.
فقرأت الكتاب، ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبة، ما هذا الكتاب؟ فاحمر وجهه، وقال: رفعته منك.
ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلي ونحن في عافية.
فأما الدَّين، فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة والحمد لله، فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فلما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل مثل ذلك، فرد عليه بمثل ما رد.
فلما مضت سنة أو نحوها ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها، كانت قد ذهبت 2.
وأما بيت الإمام أحمد فقد كان على حد كبير من البساطة والتواضع، قال الميموني في وصفه: كان منزل أبي عبد الله ضيقًا صغيرًا، وكان ينام في الحر في أسفله، وقال لي عمه: ربما قلت له، فلا يفعل ولا ينام فوقُ، وقد رأيت موضع مضجعه وفيه شاذكونة وبردعة، قد غلب عليها الوسخ 3.
• صور من حياته التعليمية في بغداد:
سبق القول: إن الإمام الشافعي كان قد دخل بغداد معلمًا مربيًا فيما بين 195 و 197 هـ، فكان أحمد يجلس إليه ويحرص على دروسه العامة والخاصة إلى أن غادر بغداد في أواخر 198 هـ بعد الزيارة الأخيرة التي وقعت له هناك.
وكانت هذه الفترة فترة اضطراب وفتن متكررة بين الأمين والمأمون، فقد بدأ الخلاف بينهما منذ تولي الأمين الخلافة سنة 193 هـ ثم تفاقم ذلك في سنة 194 هـ وفي سنة 195 هـ بدأت المواجهات المسلحة وظهرت آثار الخلاف في جميع الأمصار.
وفي سنة 196 هـ خلع أهل بغداد بيعة الأمين وأخذوا البيعة لأخيه المأمون.
وفي سنة 197 هـ تم حصار بغداد على الأمين، وكانت الوقاح والمشادات تترى بين جيش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين وبين أنصار الأمين، وانتهت الأحداث بقتل الأمين سنة 198 هـ واستقر الأمر من ذلك التاريخ لأخيه.
وقد وصف ابن كثير صورة من تلك الحوادث والمدلهمات، فقال: "استهلت أي سنة 197 هـ وقد ألح طاهر بن الحسين وهَرْثَمة بن أعين، ومن معهما من الجنود في حصار بغداد، والتضييق على محمد الأمين، وهرب القاسم بن الرشيد، وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما، وولّى أخاه القاسم جرجان، واشتد الحصار ببغداد، ونصبت عليها المجانيق والعرَّادات، وضاق الأمين بهم ذرعًا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقُتل من أهل البلد خلق كثير، وأخذت أموال كثيرة من التجار، وبعث محمد الأمين إلى قصور كثيرة، ودور شهيرة، وأماكن ومحالَّ كثيرة فحرقها لما رأى في ذلك من المصلحة، فعل كل هذا فرارًا من الموت، ولتدوم الخلافة له، فلم تدم، وقتل، وخُربت دياره، وفعل طاهر مثل ما فعل الأمين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها، فقال بعض الشعراء ذلك:
من ذا أصابك يا بغداد بالعين... ألم تكوني زمانًا قرة العين؟
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم... وكان قربهم زينًا من الزين؟ 1
فهذه الحوادث لم تكن لتترك بغداد هنيئة بالعلم والمعارف والإزدهار الثقافي الذي بكون من وراء الإستقرار السياسي والاجتماعي.
ثم إن الأمور لم تتحسن بعد ما أفضت الخلافة للمأمون، ففي سنة 201 هـ امتلأت بغداد بالشغب والفساد بسبب فساق الحربية 1 والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ، فآذوا الناس أذى شديدًا، وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق.
نخرج المتطوعون للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك 2.
وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يعيش تلك الأيام العجاف، ويذكر لنا المؤرخون أنه لم يجلس للناس يحدث ويعلم ويفتي إلا بعد تصرّم الأربعين من عمره، أي بعد سنة 204 هـ.
قال ابن الجوزي: "اعلم أن أحمد - رضي الله عنه - كان يفتي في شبابه في بعض الأوقات ويحدث إذا سئل ولا يعتبر سن نفسه.. فقد قال القومسي: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في مسجد الخيف بمكة في سنة 198 هـ مستندًا الى المنارة، وجاءه أصحاب الحديث فجعل يعلمهم الفقه والحديث ويفتي الناس في المناسك..
قال: إلا أن الإمام أحمد - رضي الله عنه - لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم ينصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة" 3.
ولا نعلم الأسباب التي جعلته يتحامى أن يتصدر إلى هذا السن، وقد حاول الشيخ أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن يعلل ذلك بالإقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: وعندي أن أحمد كان متبعًا للسنة لا يحيد عنها، كان يفعل ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ولا يفعل ما لم يفعله، حتى إنه كان اذا احتجم أعطى الحجام دينارًا؛ لأنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا 4، وأنه تسرى مع عدم رغبة الطبيعة فيه، بل تسرى؛ لأنه علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسرى، وقد استأذن زوجته في ذلك، فأذنت له لتعينه على الإتباع.
إذا كان أحمد حريصًا على الإتباع في هذه الأمور التي تضمن صغار الأعمال، فأولى أن يكون متبعًا في
ذلك الأمر الجليل الذي لا يوجد عمل أخطر منه في نظر أحمد وغيره، وهو عمل النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم -، ألا وهو الدرس والتحديث والإفتاء.
لقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأربعين، وبلغ رسالة ربه في هذه السن، ولم يرسله الله رحمة للناس إلا فيها، فلابد أن أحمد المتبع المقتدي استحيا أن يجلس للفتيا والحديث إلا بعد أن بلغ الأربعين، وبعد أن تكامل نموه في الجسم والروح.
هذا ما نراه تعليلًا لامتناعه عن الجلوس للحديث والفتوى قبل أن يبلغ هذه السن، وهو تعليل ملتمس من جملة أحواله، كان لم نجد نصًا عليه فيما تحت أيدينا من مصادر 1.
أقول: قوله: تسرَّى وقد استأذن زوجته في ذلك... إلخ.
هذا مخالف لما في بعض المصادر، فقد ذكر ابن الجوزي في الباب الثالث والستين في ذكر سراريه أنه اشترى جارية واحدة فقط، وهي حُسنُ التيْ ذكرناها في أسرته، وأنه اشتراها بعد ما غابت آخر زوجاته عن الحياة.
نعم ذكر ابن الجوزي الإستئذان المشار إليه في "المناقب" (ص 229) ولكن الرواية بذلك ضعيفة على ما يبدو، لأنه رواها بلاغًا، والدليل على ضعفها أنه لم يذكرها في إحصاء سراريه.
• وصف مجلسه:
كان مجلس الإمام أحمد مجلسًا جليلًا خلدت ذكره الأخبار، وسارت به الركبان في الأنجاد والأغوار، كان مجلس علم ومجلس حلم ومجلس وقار، فيه السمت وفيه الأدب وفيه الورع، فلا جرم كان بعض الطلاب يقصدون الحديث، فيكتبون، ويعضهم يقصدون أخذ الأدب والسمت، والنظر إلى وقار الإمام أحمد واحترامه للحديث والعلم.
قال المروذي: لم أر المفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، كان مائلًا إليهم، مقصرًا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تَعلوهُ
السكينة والوقار، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر 1.
وعن الحسين بن إسماعيل عن أبيه، قال: كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت 2.
ويظهر أنه كان له مجلسان للدرس والتحديث: أحدهما: في منزله يحدث فيه خاصة تلاميذه وأولاده.
والثاني: في السجد يحضر إليه العامة والتلاميذ، وقدْ رأينا كيف كان يذكر بعضهم أن درسه يبلغ من يحضره خمسة آلاف، وأن خمسمائة فقط هم الذين يكتبون، أي: نحو عُشر الحاضرين الذين ينقلون عنه الحديث، ويروونه، وهم الخاصة من تلاميذه والمستمعين إليه، وخاصة الخاصة من تلاميذه هم الذين كانوا يذهبون إلى بيته، ويتلقون عنه مع أولاده وأهله.
وقد كان وقت درسه في المسجد بعد العصر ولعله كان يختار ذلك الوقت؛ لأنه قبل عتمة الليل، وبعد وهج النهار، ولأنه وقت راحة لأكثر الناس فيتيسر لهم أن يحضروا، ولأنه وقت صفاء النفس، وفراغها من تشاغل الحياة واضطرابها، فيكون الحديث أو الإفتاء والنفس مستجمة مقبلة، لا كليلة مدبرة، والدرس عند إقبال النفس أعمق أثرًا فيها وأكثر شيوعًا في نواحيها 3.
• وصف عام للكتب التي كان يقرؤها على الناس:
وكان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، كسائر معاصريه من المحدثين، قد جمع الأحاديث التي رواها عن الأئمة من طبقة شيوخه في دواوين، ومسموعات مصنفة على الشيوخ، فحديث هشيم بن بشير في كتاب، وحديث يزيد بن هارون في كتاب، وحديث وكيع في كتاب، وهكذا، ولكنه لم يضع تراجم الشيوخ وأسماءهم على
ظهور تلك المسموعات، ومع ذلك لا يختلط عليه الحديث، ولا تلتبس عليه النسخ والمرويات والمسموعات، حتى كان أبو زرعة الرازي يعجب من ذلك، ويذعن بعدم القدرة على بلوغه ذلك الشأو.
فقد قال البردعي يومًا لأبي زرعة: يا أبا زرعة، أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل؟ قال: بل أحمد بن حنبل.
قال: وكليف علمت ذاك؟ قال: وجدت كتب أحمد بن حنبل، ليس في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممن سمع، وأنا، فلا أقدر على هذا 1.
كان الإمام أحمد يحدث بتلك الأحاديث، وهي على تلك الحال، وكان يحدث من تلك الصحف ولا يعتمد على حفظه تورعًا وتواضعًا.
فقد قال علي بن المديني: "ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة 2.
بالإضافة إلى هذا كان الإمام أحمد قد صنف جملة من الكتب والمؤلفات، وجعل يقرؤها على الناس، فهذه من جملة ما كان يلقي في دروسه، فقد صنف "المسند" و"فضائل الصحابة" و"العلل وصرفة الرجال" و"الأسامي والكنى" و"الزهد" و"الرد على الزنادقة والجهمية" و"الإيمان" و"الناسخ والمنسوخ" و"الأشربة" وغير ذلك من التصانيف.
ولكن لا نجزم أنه كان يقرأ هذه الكتب، أو قد قرأها جميعًا على الناس، على أن بعض تلك الكتب كان يقرؤها حسبما تفيد الروايات والأخبار، فقد قال أبو حاتم الرازي -رَحِمَهُ اللهُ-: "أتيت أحمد بن حنبل في أول ما التقيت معه سنة 213 هـ، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة" وكتاب "الأيمان" فصلى، ولم يسأله أحد فرده إلى بيته.
وأتيته يومًا آخر فإذا قد أخرج الكتابين فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر من السكر" 3.
• نهي الإمام أحمد عن كتابة فتاويه وسبب ذلك:
كان الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- يكره تأليف الكتب التي تحتوي على الرأي والتفريعات الفقهية ويحب التمسك بالأثر، وكان ينصح طلابه وتلامذته بذلك.
فقد أخرج ابن الجوزي عن عثمان بن سعيد قال: قال لي أحمد بن حنبل: لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع اسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل 1.
وإذا كان الإمام أحمد يوجه أصحابه الى الإشتغال بالحديث الذي هو أصل تلك الإجتهادات المدونة في زمنه ومنبعها، فشيء واضح أنه لا يسمح لأولئك التلاميذ أن يدونوا فتاويه ويكتبوا أجوبته عن المسائل التي يُسأل عنها، وإن كان يعرف عنه أنه كان يجيب بما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفتاوي الصحابة، وقد كان حافظًا لذلك لا يفوته إلا القليل النادر.
قال حنبل بن اسحاق: رأيت أبا عبد الله يكره أن يكتب شيء من رأيه أو فتواه.
ويلغه أن إسحاق بن منصور الكوسج قد صار يروي مسائله وفتاويه للناس بخراسان، فأشهد الناس أنه رجع عن ذلك 2، وذلك ليكف إسحاق عن نشر الفتاوي، وليس معناه أنه رجع بالفعل، لأننا لو حملنا كلامه على ظاهره للزم من ذلك أن تكون تلك المسائل كلها غلطًا صدر منه، ثم استدركه على نفسه، وهذه النتيجة تتنافى مع ما كان عليه من الورع والإقتفاء للسنن والآثار الثابتة عن الصحابة، وأن ذلك كان دأبه منذ النشأة الأولى، بل ما زالت تلك المسائل التي رواها اسحاق الكوسج محفوظة الى يومنا هذا، قد أوردها أو عامتها الإمام الترمذي في "جامعه" في تعليقاته على أحاديث الأبواب، وهي تدل على صدق ما قلناه.
بل ذكر ابن الفراء في ترجمة اسحاق المذكور، أنه لما بلغه رجوع الإمام أحمد عن تلك المسائل جمعها في جراب، وقدم اليه بها، فأقر بها ثانية، وأعجب بذلك أحمد من شأنه.
وقال أبو عبد الله الحسن بن حامد (403 هـ): وقد رأيت بعض من يزعم أنه منتسب إلى الفقه يُلَيِّن القول في كتاب إسحاق بن منصور، ويقول: إنه يقال: إن أبا عبد الله رجع عنه، وهذا قول من لا ثقة له بالمذهب، إذ لا أعلم أن أحدًا من أصحابنا قال بما ذكره، ولا أشار إليه 1.
ولماذا كان الإمام المبجل يكره الإشتغال بكتب الرأي ويتدوين مسائله وفتاويه وأقواله؟ هل هو مجرد التواضع لله سبحانه كما قال ابن الجوزي؟ أو هو شيء آخر بالإضافة إلى ذلك؟ فلو كان التواضع فقط لما كان هناك من داع إلى كراهته الإشتغال بما كتبه غيره، فالظاهر أنه -رَحِمَهُ اللهُ- كان يريد أن يرد الناس إلى السنة والأثر الذي رأى أنه قد ضاع في بغداد بين الفقهاء والمتكلمين، وأن الناس أقبلت على أقوال الناس ومؤلفاتهم في الفقه والإجتهاد؛ تحفظها وترويها كما تحفظ الحديث وترويه، فكان الواجب يقتضيه أن يحث الناس على حفظ الحديث والعناية به بقدرما كان غيره يحث على النظر والتفريع والبحث.
والذي يؤيد هذا ما رواه عنه ابنه عبد الله في "مسائله" أنه لما ذكر وضع الكتب عنده قال: أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتابًا، فجاء أبو يوسف فوضع كتابًا، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتابًا، فهذا لا انقضاء له، كل ما جاء رجل وضع كتابًا، وهذا مالك وضع كتابًا، وجاء الشافعي أيضًا، وجاء هذا، يعني أبا ثور، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلَّ ما جاء رجل وضع كتابًا وترك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه 2.
الطور الرابع
المحنة أسبابها.
مراحلها.
نتائجها
قال الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1 - 3].
وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين، ابتلي على حسب ذاك، وإن كان صُلب الدين ابتلي على حسب ذاك".
قال: "فما تزال البلايا بالرجل حتى يمشي في الأرض وما عليه خطيئة" (1).
وإذا كان الرجل يبتلى على حسب دينه فما تظن بدين اللإمام أحمد؟ فعلى قدر دينه تعرف قدر البلاء الذي ابتلي به، ولم يكن ذلك في مجرد الامتحان بمقالة خلق القرآن، كلا بل إن سيرته - رضي الله عنه - كانت سلسلة من الإبتلاءات التي جرها إليه شدة ورعه، وتصلبه في الحق، وحرصه على منهاج السلف.
كانت محنة القول بخلق القرآن حلقات من تلك السلسلة، وصفحات من تلك السيرة الطويلة في الصبر والثبات، ضرب فيها أروع الأمثال في الإلتزام بالحق، والصبر عليه.
وسيكون الكلام على المحنة في أمور ثلاثة:
الأمر الأول:
أسباب المحنة
.
الأمر الثاني: مراحل المحنة.
الأمر الثالث: نتائج المحنة.1
أسباب المحنة
كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. فلما استشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر - رضي الله عنه -، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان - رضي الله عنه - حتى ذبح صبرًا.
وتفرقت الكلمة، ووقعت وقعة الجمل، ثم وقعة صفّين، فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين.
وكان المأمون الخليفة ذكيًا متكلمًا، له نظر في المعقول.
فاستجلب كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخَبّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها.
وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمهَلْ، وهلك دعامه، وخلّى بعده شرًّا وبلاء في الدين، فإن الأمة مازالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف؛ كبيت الله وناقة الله.
فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين.
فلما ولي المأمون كان منهم وأظهر المقالة 1.
وهاتان الفرقتان اللتان كانت لهما صولة ودولة في تلك الأيام قد عرفتا وترجم لهما أصحاب الملل والنحل.
وإليك خلاصة التعريف بهما:
• الجهمية:
هي فرقة من الفرق الضالة المنحرفة، ضلت بمجموعة مقالات في الإعتقاد، خالفت فيها الحق وأهل السنة والجماعة، فعرفت بذلك، وصار هذا الإسم عنوانًا عليها، وهو
عبارة عن نسبة إلى زعيمها الأول "جهم بن صفوان" (ت 128 هـ)، وخلاصة آرائه الإعتقادية الضالة:
1 - أن الإنسان مجبَرٌ على أفعاله مضطرٌّ إليها، مسلوب الإستطاعة.
فلا فعل لأحد في الوجود غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين بالمجاز.
2 - أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان.
3 - الإيمان هو المعرفة بالله فقط، كما أن الكفر هو الجهل به فقط.
4 - أن علم الله تعالى حادث.
5 - الإمتناع عن وصف الله تعالى بأنه حيٌّ أو عالم أو مريد، مما يجوز إطلاقه على غيره من المخلوقات.
وأجاز وصفه تعالى بأنه قادر وموجد وفاعل وخالق ومحيي ومميت.
6 - القول بحدوث كلام الله تعالى كما قالت ذلك العتزلة 1.
بالإضافة إلى هذا الخلاف في العقيدة فإن جهمًا وأتباعه كانوا من الخارجين على الدولة الإسلامية بالسلاح منذ الدولة الأموية، وكانوا بنواحي خراسان ونهاوند.
• المعتزلة:
وهي الأخرى فرقة ضالة مشهورة في تاريخ الإسلام بمقالاتها، وكثرة أتباعها إلى قرون متأخرة.
وقد كان منشؤها بالبصرة في أيام الحسن البصري، ولم تعرف بنسبتها إلى زعيم بعينه، وإن كان أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين هو واصل بن عطاء (ت 131 هـ)، وتكونت مقالاتها شيئًا فشيئًا ابتداء من القول بنفي القدر، ولهذا سميت بالقدرية.
وهذه خلاصة آرائها:
1 - نفي الصفات الأزلية الثابتة لله سبحانه؛ كالسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم والحياة، فلم يكن لله سبحانه في الأزل اسم ولا صفة على حد قولهم هذا.
2 - نفي رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة، وأنه لا يرى نفسه.
وهل يرى غيره؟ اختلفوا في ذلك.
3 - حدوث كلام الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وحدوث أمره ونهيه وخبره.
ثم صاروا بعد ذلك يصرحون بان كلام الله مخلوق.
وهو الذي كان سببًا في المحنة.
4 - إن الله ليس بخالق لأفعال العباد الإختيارية، وكذلك أفعال الحيوانات الأخرى.
ولأجل هذه المقالة سُمُّوا بالقدرية.
5 - تنزيل الفاسق منزلة دون منزلة الإيمان وفوق منزلة الكفر.
وبهذا اعتزلوا قول الأمة بأسرها، فسموا معتزلة لذلك 1.
وهناك مقالات عديدة متفرعة عما ذكرناه سببها الجدل الطويل الذي عرفوا به، والفلسفة التي اتخذوها وسيلة لجدلهم في الدين، وتكونت أصولهم بعد ذلك في خمسة أبواب، شرحها القاضي عبد الجبار الهمداني في كتاب كبير، وهي:
1 - التوحيد، ويجمع مسائل الصفات التي سبقت الإشارة اليها.
2 - العدل، ومنه مقالاتهم في وجوب الثواب والعقاب والصلاح والأصلح على الله تعالى.
3 - الوعد والوعيد، ومنه نتج قولهم بعدم الشفاعة، وعدم المغفرة لمرتكب الكبيرة...
4 - المنزلة بين المنزلتين، وهو سبب التلقيب بالمعتزلة.
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه محتم على جميع المسلمين، كل حسب استطاعته باللسان والسيف واليد كيف قدروا على ذلك 2.
وبهذا يتبين لك أن الجهمية والمعتزلة شريكان في القول بخلق القرآن، لكن يجب أن تتنبه إلى الفرق بينهما في نشأة هذه المقالة بين صفوفهم، فالجهمية قالوا ذلك من أول يوم، والمعتزلة إنما حدث فيهم ذلك بعد مُضي زمن على نشأة فرقتهم بالبصرة.
وقد كان ينشر هذه المقالة ويدعو إليها ببغداد رجل من كبار المرجئة اسمه "بشر بن غياث المريسي" (ت 218 هـ)، وكان في أول أمره يتجه إلى الفقه، فجلس إلى أبي يوسف القاضي، وأخذ عليه وروى عنه الحديث وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة، ثم أخذ في تعاطي علم الكلام فانشغل به وأُشرب حبه، فنصحه الإمام الشافعي بتركه فلم يقبل منه.
وقال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك بالله أحب إليَّ من أن يلقاه بعلم الكلام.
قال ابن خلكان في المريسي: جرد القول بخلق القرآن وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مُرجئًا، وإليه تنسب المريسية من المرجئة 1.
قال الدورقي: إن هارون الرشيد قال: بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظفرني به لأقتلنه، قال: وكان متواريا أيام الرشيد، فلما مات الرشيد، ظهر ودعا إلى الضلالة 2.
وكان المأمون قد قرب المعتزلة، واتخذهم ندماءه وسُمّاره، واختصهم بمجلسه، فتلقف عنهم هذه البدعة حتى صار يلحن بها، ولكنه لم يجرؤ على إبدائها للناس والدعوة إليها علنًا؛ لأن بغداد، وباقي حواضر الإسلام، كانت تزخرُ بعلماء السنة من المحدثين والفقهاء وغيرهم.
فقد قال المأمون مرة ليحيى بن أكثم وجماعة: لولا يزيد بن هارون لأظهرت أن القرآن مخلوق.
فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يتقى؟! فقال: ويحك إني أخاف إن أظهرته فيرد علي، فيختلف الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة 3.
ويحيى بن أكثم من علماء السنة الذين كانوا يصحبون المأمون، وهو الذي أقنعه بالرجوع عن الإعتقاد بجواز نكاح المتعة بعد أن كان قد تبنى القول به.
وأما يزيد بن هارون فقد توفي سنة (206 هـ).
ومن ذلك الحين يقدر أن المأمون جعل يستعلن بهذه المقالة، ويعقد المجالس لمناقشتها، لأنه كان يسأل عن يزيد وموته باستمرار 4.
ثم إن المأمون امتحن القضاة والفقهاء والمحدثين والمؤرخين بهذه المقالة، كما سير بعد قليل إن شاء الله.
مراحل المحنة
• المرحلة الأولى في خلافة المأمون: (198 هـ - 218 هـ). • المرحلة الثانية في خلافة المعتصم: (218 هـ - 227 هـ). • المرحلة الثالثة في خلافة الواثق: (227 هـ - 232 هـ).
المرحلة الأولى
المحنة في زمن المأمون
كان ذلك في آخر خلافة المأمون سنة (218 هـ) لما توجه إلى غزو الروم وفتح حصونها المتبقية على حدودها الجنوبية على ساحل طرسوس وما حولها.
وكانت قصة هذه المحنة قد بدأت بكتابة رسالة وجهها المأمون، وهو لا يزال بالرقة، إلى عامله على بغداد 1 -وفي بعض الروايات والكتب: صاحب الشرطة ببغداد 2 - إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ت 235 هـ). وكان مضمون هذه الرسالة مصدرًا بالكلام على مسؤولية الخلفاء تجاه حفظ الدين وحماية معالمه، وأن من أهم ذلك الذود عما يتعلق بالله وتوحيده وصفاته وكللامه من الأخطاء والجهالات التي أصبحت مذهب "الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفْلة العامة ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والإستضاءة بنور العلم وبرهانه... " 3.
ثم ثنى بذكر جملة من الإستدلالات من كتاب الله التي تفيد -بزعمه- أن القرآن مخلوق.
ثم عرض بجماعة من العلماء الذين يخالفون هذه المقالة، فطعن بدينهم وأنهم "غروا الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيئ آرائهم... ", وأنهم إنما فعلوا ذلك ليقربوهم ويقبلوا شهاداتهم في القضاء... إلخ.
ثم ختم كتابه بأمر إسحاق أن يجمع القضاة ليقرأ عليهم الرسالة ويمتحنهم بها، ويكشف عن عقيدة كل واحد منهم في المسألة، وأن من ذهب إلى غير مذهب أمير المؤمنين فهو غير موثوق بدينه، وخلوص توحيده لله -عَزَّ وَجَلَّ-، وأنه سوف لا يبقيه في منصبه ما دام على هذه العقيدة الفاسدة -في زعم الخليفة وأشياعه- وكلفه أن يأمرهم بإعلان ذلك وتوقيعه والإشهاد عليه، وتسجيل من لم يستجب، وإثبات عدم إقراره بذلك.
فكانت هذه هي الرسالة الأولى، وكانت موجهة إلى القضاة خاصة، وكأن علماء
السنة كانوا قد تفطنوا لخطورة هذه البدعة التي شاعت في بغداد فأوعزوا إلى هؤلاء القضاة أن لا يقبلوا شهادة من يعتقد عقيدة القول بخلق القرآن.
إلى جانب ذلك طلب المأمون إرسال سبعة من العلماء إليه، وهم: محمد بن سعد، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد الدورقي 1. فامتحنهم، فأجابوا مكرَهين، وردهم إلى بغداد.
ثم كتب المأمون رسالة ثانية مطولة كالتي قبلها، ضمنها كلامًا مطولًا على خطورة الإعتقاد بأن القرآن غير مخلوق "فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عنه خلقه، وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته... " وأطال في الإستدلال لخلق القرآن.
ثم ثنى هذه المرة بأن من يزعم أن القرآن غير مخلوق فلا حظ له في الدين ولا نصيب من الإيمان واليقين، ويالتالي تسقط عدالتهم وترفض شهادتهم في الأقضية والمحاكمات.
وكلف إسحاق بن ابراهيم أن يأخذ على القضاة أن يمتحنوا جميع من يشهد عندهم بحق أو شيء من الأشياء أن يستعلنوا القول بخلق القرآن وإلا ردت شهادتهم، وخصوصا أولئك المبرزين المزكين الذين يحضرون مجالس القضاة.
فأحضرهم إسحاق إلى مجلسه، وكان منهم أحمد بن حنبل، وقرأ عليهم الرسالة وامتحنهم، وسجل أجوبتهم، وكانت أجوبتهم عامة تدل على عدم الموافقة على قول المأمون 2.
وهذه صورة ذلك الامتحان، وجواب الإمام أحمد عنه:
"إسحاق: ما تقول في خلق القرآن؟
أحمد: هو كلام الله.
إسحاق: أمخلوق هو؟
أحمد: هو كلام الله.
لا أزيد عليها".
فقدم إليه إسحاق الرقعة التي عرضت على من قبله، وامتحنهم بالموافقة على ما فيها، وقد كان فيها ما يلي:
"أشهد أن لا إله إلا الله أحدًا فردًا [ليس كمثله شيء] 1، لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يُشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه".
قال أحمدَ: أشهد... إلى: ليس كمثله شيء" ثم زاد من عنده: وهو السميع
البصير، وأمسك عن الباقي فلم يتكلم به.
وكانت التتيجة أن العلماء الذين امتحنوا في هذه المرة خالفوا في أكثرهم رأي المأمون، فكان أن رد عليهم برسالة ثالثة مليئة بالإنتقاص منهم وذكر مثالبهم، وكان حظ الإمام أحمد منها أن قال فيه: وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك القالة، وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها 2.
وأمر إسحاقَ بكل من لم يجب بصراحة إلى القول بخلق القرآن أن يبعثه إلى معسكر المأمون ليحمله على ذلك بحد السيف.
ويعد أن عرض عليهم ذلك من جديد أجابوا كلهم إلا أربعة: أحمد بن حنبل، وسَجّادة، والقواريري، ومحمد بن نوح، المضروب، ثم عرض عليهم بعد ذلك، فأجابوا إلا أحمد، ومحمد بن نوح.
ولا شك أن من أجاب كان مكرها يتقي من الفاتنين تقاة.
فأرسل أحمدَ وصاحبَه الى المأمون في عِدْلَي بعير موثقين بالحديد، ووجَّههما إلى المأمون وهو في عسكره بطرسوس، وأرسل مع ناقلهما رسالة تشرح موقفهما.
وأرسل رسالة مستقلة يشرح فيها نتيجة امتحان الآخرين، وأنهم أجابوا مكرهين، وتأولوا قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106). فلم يرض المأمون بذلك منهم، وبعث إليه أن يرسلهم أيضًا، ففعل.
فلما وصلوا جميعًا إلى الرقة بلغهم وفاة المأمون، وقد كان الإمام أحمد يدعو في طريقه أن لا يجمعه الله به، فأجاب الله دعوته وأنجز لو ليه ما كان يرجو 3.
هذه خلاصة تلك المحنة في مرحلتها الأولى التي طويت بوفاة المأمون، ويدأت مرحلة جديدة في خلافة أخيه المعتصم.
تعليق على رسائل المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم:
يرى الشيخ محمد أبو زهرة -رَحِمَهُ اللهُ- أن تلك الرسائل كانت من صنيع أحمد بن أبي داود، وزير المأمون وكاتبه، وصاحب السلطان في دولته، وأنه كتبها مستغلًا وضعية المأمون الصحية التي كانت تنذر بدنو أجله، ورجح أن المأمون لم يطلع عليها عند إرسالها، ووقعها من دون معرفة مضمونها، أو قد عرف مضمونها، ولكنه كان في حال ضعف لا يملك معه السيطرة الكافية على الأمور.
واستدل على ذلك بالقرائن التالية:
1 - الإسهاب الموجود في تلك الرسائل، وهو يتنافى مع المعهود من مكاتبات الملوك.
2 - ورد ذكر الخليفة بصيغة الغائب، مما يدل على أن الذي كتب وعبر هو غيره.
3 - النزول إلى السفاسف التي تأنف عنها سيرة المأمون وسائر الملوك والخلفاء، وذلك بالطعن واللإسفاف بأولئك العلماء الذين سجلت أسماؤهم في تلك المكاتبات.
4 - أن ذلك كان في آخر حياة المأمون، وقي وقت كان فيه بعيدًا عن بغداد ومشغولًا بجهاد الروم 1.
لكن هذا الذي رجحه الشيخ أبو زهرة إذا عرضناه على جوانب أخرى من وقائع تلك المكاتبات فإننا نجده غير مسلّم له.
وذلك للأمور التالية:
1 - إن الكتاب الأول الذي أرسله، إنما أرسله من الرقة، وأرّخه بتاريخ: ربيع الأول من سنة 218 هـ 2. وكان المأمون في ذلك الوقت قريبًا من بغداد، وفي كامل صحته.
2 - إن المأمون مرض بسبب وعكة أصابته فجأة، وهو على ساحل طرسوس في شهر جمادى الآخرة 218 هـ فلما اشتد به المرض، وظن أنه سوف يلقى ربه عما قريب كتب وصاياه إلى عماله، وفيها عهد إلى المعتصم أخيه بالخلافة 3.
فكيف يكون المأمون مغلولًا حتى يقدِّم ابنُ أبي دواد بين يديه؟ ثم كيف لا يكون عالمًا بتلك الرسائل ومحتوياتها، وقد تكررت عدة موات، وفيها الأجولة على تنفيذات إسحاق ابن إبراهيم، وكتابة ما قام به من الأعمال، بل وفيها الأمر بإشخاص الرجال المذكورين وإرسالهم إليه في معسكره ليمتحنهم بنفسه!!
إذن، فلنا أن نسلم بأن الكتابة كانت بيد ابن أبي دواد، ولكن لا نسلم أنه هو الذي صنع كل شيء وأنفذه، والمأمون لا يملك زمام الأمور.
والله أعلم.
المرحلة الثانية
المحنة في زمن المعتصم
انتهت المحنة في مرحلتها الأولى بموت المأمون، فتنفس الإمام أحمد ومن معه الصعداء، وظنوا أن الفتنة قد انكشفت، والمحنة قد انجلت، فأرجعوا إلى بغداد، ولكنهم وضعوا في إقامة جبرية مؤقتة.
وكان المعتصم قد خَلفَ أخاه المأمون على خلافة المسلمين، وهو بطرسوس، وكان المعتصم على عكس ما كان عليه المأمون من سعة الثقافة، حتى إنهم قالوا: كان أميًا لا يحسن الكتابة.
فقد أوقفه أبوه الرشيد عن التردد على الكُتَّاب، وهو صغير، فبقي أميًا 1.
وإذا كان المعتصم على هذا المستوى وقد تسلم مقاليد الخلافة، فلا ريب أن حجته هي السيف، لكن كان إلى جانبه ذلك الرجل المفوه العليم اللسان، الذي قد قويت شوكته في أيام المأمون، ثم استفحلت في زمن المعتصم والواثق من بعده، إنه أحمد بن أبي دواد الإيادي، فقد جاء به أبوه إلى الشام، وهو حدث صغير، فنشأ في طلب العلم، وخاصة الفقه والكلام حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء،
فأشربه هياج لبن الإعتزال من أول يوم 2.
كان أحمدُ البدعة يفتل للمعتصم في الذروة والغارب حتى يجيبه إلى ما يريد، كما كان يفعل مع المأمون قبل ذلك، بل كان عيبته ومن خواصه في كل شيء، حتى قال لازون ابن إسماعيل: ما رأيت أحدًا قط أطوع لأحد من المعتصم لإبن أبي دوَاد، وكان يُسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دواد، فيكلمه في أهله، وفي أهل الثغور، وفي الحرمين، وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد 3.
وكان المأمون قد أوصى به المعتصم عند موته، فقال له: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولا تتخذن بعدي وزيرًا.
فلما ولي المعتصم جعله قاضي القضاة 4.
وأما إمامنا أحمد، فقد أخذ مقيدًا في الأغلال بعدما مات رفيقه محمد بن نوح بالطريق، فحبس في قرية قرب بغداد، اسمها "الياسرية"، فمكث أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له ببغداد، ثم حول إلى السجن العام، فبقي هناك 28 شهرًا 1 من جمادى الآخرة سنة 218 هـ إلى رمضان سنة 220 هـ.
• حالة الإمام أحمد في السجن:
كان الإمام أحمد يعيش حياة السجناء في ذلك الوقت، وكان السجين يقيد في الأغلال طيلة فترة سجنه.
فقال الإمام أحمد: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد.
وكأن الله امتن عليهم بأحمد بن حنبل، كما امتن بيوسف عليه السلام على سجناء مصر، غير أن ذاك نبي، وهذا ولي.
وكان الناس يزورون السجناء بغير صعوبة 2، فكانت صلة الإمام أحمد بالناس مستمرة عبر هذه الزيارات، وكان الناس يعرفون قدره بعد أن تقررت له الفضائل وانعقدت له الإمامة في الدين.
وتذكر الروايات أن إسحاق بن إبراهيم كان يرسل إلى أحمد رجلين يناظرانه وهو في السجن، وتكرر ذلك يومين أو ثلاثة، فلما تنتهي المناظرة وتبوء بخيبتهم يشدد عليه الوثاق، فلما استيئسوا منه في اليوم الرابع حمل مكبلًا إلى مجلس المعتصم 3.
• ملاحظات على مسيرة الأحداث:
يتلخص من مجموع ما تقدم في حوادث ما قبل الضرب بين يدي المعتصم ما يلي: أولًا: كان ابن أبي دواد لا يفارق المعتصم، وهو اليوم قاضي القضاة؛ أي المسؤول عن جميع الشؤون العدلية في الدولة، فكان هو اللسان الناطق باسم المعتصم في محاججة
الإمام أحمد 1، وكان هو المحرض للمعتصم على تنفيذ أقسى عقوبة بحقه باعتبار أنه ضال مضل في نظر هذا الشقي!
ثانيًا: يبدو أن المعتصم لم يكن يعرف الإمام أحمد قبل مقابلته، بل وصف له وصفًا مخالفًا لما شاهده بعينه من سجيته وخلقته وسنه.
فدل ذلك على أن رائد المحنة هو أحمد بن أبي دواد، وأن المعتصم صار عصا غليظة في يده، يضرب بها كيف يشاء.
ثالثًا: بعد مرور جزء من المقابلة حين أظهر الإمام أحمد للمعتصم عدم وجود مسوغ لهذه المحنة، اعتذر إليه بأنه لم يكن سببًا فيها، وأنه إنما يتابع من قبله (المأمون).
رابعًا: كان أحمد بن أبي دواد يحرض الخليفة باستمرار على النيل من الإمام أحمد، وكان المجلس مليئًا بالقضاة والفقهاء، ويبدو أنهم كانوا على رأي ابن أبي دواد.
خامسًا: تكررت المقابلة والمناظرة ثلاثة أيام، وفيها سمع الإمام أحمد ببعض المصطلحات الفلسفية والكلامية التي يلحن بها الخصم، ولم يكن يعرفها أحمد من قبل، وكان يُغَلب الكتاب والسنة ويلتمس العذر في قصر الحجاج عليهما، مما أعجز المعتزلة وأثار حفيظتهم.
سادسًا: كان المعتصم يظهر من حين الى آخر خوفه من التورط في الإساءة إلى الإمام أحمد، وأنه ظالم له، فيرده أحمد بن أبي دواد ويشد من أزره، وكذلك إسحاق بن إبراهيم.
• مرحلة التعذيب الجسدي:
صدر الأمر ببداية التعذيب من قبل المعتصم بعدما اشتط غضبه، وكانوا قبل ذلك يرجون منه التنازل، ولو بشيء قليل عن موقفه، خشية هذه المواجهة التي تبين أن المعتصم كان غير مقتنع بها في قرارة نفسه.
وكان ابن أبي دواد يقول: يا أمير المؤمنين، والله لئن أجابك
لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعد من ذلك ما شاء الله!! فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقنَّ عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه 1!!
وهذا يدل على عظم مكانة أحمد في الناس واقتدائهم به.
وعندئذ جُرّد الإمام أحمد وأخذ إلى مكان التعذيب، فضرب نحوًا من ثلاثين سوطًا، ضربًا مبرحًا شديدًا، وكان ذلك بحضرة المعتصم وجماعته، وكان يعرض عليه أن يعود عن رأيه بين الضربات والضربات، فلم ينبس ببنت شفة، على الرغم من أنه أغمي عليه مرارًا، وكان ذلك في أواخر رمضان، وهو صائم، وكان قبل ذلك أخبر عن نفسه أنه لا يخاف من القتل بقدر ما يخاف من الضرب.
ثم أفرج عنه يوم 25/ رمضان/ 220 هـ، وسرح إلى أهله 2، فذهب مضرجًا بالدماء.
وهل أفرج عنه رحمة به؟ الواقع أن ذلك كان ليأسهم من حياته، ولكن كان المكر يقضي لهم بأن يتركوه يموت بعيدًا عن ساحة الخليفة، لئلا يكون في ذلك بطلًا في الثبات وشهيدًا لا ينسى.
قال ابن أبى دوادَ بعد ما أُشير على المعتصم بقتله: لا يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك، قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك، شك الناس في أمره، وقال بعضهم: أجاب، وقال بعضهم: لم يجب!! 3.
وهكذا كانت المكيدة تتوالى عليه!!
ويقي الإمام أحمد في بيته يمرَّض من قبَل أولاده، وقد أقعدته السياط وأثنته عن الحركة، وكان المعتصم خائفًا يترقب أخباره خَشية أن يموت من جراء ذلك، فيبوء بإثمه، فلما شفي أحمد وتماثل للعافية سُرّي عن المعتصم 4.
المرحلة الثالثة
المحنة في زمن الواثق
ذكر ابن كثير 1 في سياقة الأحلاث بعد المحنة: أن الإمام أحمد استمر منعزلًا في بيته، لا يشهد جمعة ولا جماعة، ولا يجلس للحديث طيلة أيام العتصم (218 هـ - 227 هـ) واستمر على هذه الحال في أيام ابنه الواثق (227 هـ - 232 هـ).
وذلك غير صحيح فيما نرى، فإن الإمام أحمد بعد ما برئ عاد إلى الجمعة والجماعة، وجلس يحدث الناس ويفتيهم، لم ينقطع عن ذلك، فقد صرح بذلك حنبل بن إسحاق ابن أخي الإمام أحمد 2.
نعم، إنما انقطع عن التحديث في أيام الواثق، قيل: بدون أي منع من السلطان 3، وقيل: لأن الواثق شدد عليه، وقال له: لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها 4. فكان أحمد في تلك الأيام متخفيًا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها.
والسبب في ذلك: أن الواثق كان قد مال إلى ابن أبي دواد أكثر من أبيه، وكان أحمد بن حنبل قد فاز بالنصرة والسمعة الحسنة بعدما ندم المعتصم وأعرض عن هذه الفتنة في بقية حياته، فأحله الإمام أحمد وكلَّ من شارك في تعذيبه، إلا دعاة البدعة وأنصارها.
فحنق ابن أبي دواد على هذه النصرة التي حظي بها إمام السنة في بغداد وخارجها، وسارت بها الركبان، وتحدث بها الناس في مجالسهم، فأحنق صدر الواثق من جديد، فبعث الفتنة بعد موتها حتى فرق بين بعض العلماء ويين زوجاتهم لأجل ذلك 5.
وصار يلقن للصبيان وهم في الكتاتيب: أن القرآن مخلوق بإيعاز من أحمد البدعة 1. ولكن لم يُصب الإمامَ أحمدَ من الواثق في هذه المرة إلا ما أشرنا إليه، إما لأنه علم أن لا فائدة مَن التشديد عليه بعدما عرض على الكير فخرج ذهبًا إبريزًا، وإما للخوف من عاقبة وقوف الناس في جانبه وانقلابهم على الخلافة برمتها.
نتائج المحنة
لكل امتحان نتائجه، ولكل بلية عواقبها وآثارها، ونار هذه الفتنة لم تخمد بموت المعتصم ولا بذهاب الواثق، لأنها مسألة تتعلق بالعقيدة وبكلام الله تعالى، ولئن كان الإمام أحمد واجهها بذلك الثبات، واستحق بثباته وسعة علمه وورعه أن يلقب بإمام أهل السنة، فإن القوم لم يهدأ روعهم، ولم يستقر قرارهم.
كان الفقهاء يساقون من الأمصار إلى بغداد، ليختبروا في هذه المسألة، ويفتش عن خبايا قلولهم، وكان منهم أبو يعقوب البويطي الفقيه المصري صاحب الشافعي، فقد جيء به من مصر محمولًا مقيدًا في الأغلال، وأودع السجن حتى مات فيه سنة 231 هـ. ومنهم نعيم بن حماد، فقد مات في سجن الواثق أيضًا سنة 228 هـ 1
وكان من أمر الواثق لما استخلف أنه كتب إلى قاضي مصر محمد بن الحارث بن أبي الليث (250 هـ) بامتحان الناس في القرآن، فهرب كثير منهم، وملأ السجون بالكثير ممن أنكر المسألة، وكتب على أبواب المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن وخالقه".
وعلى الرغم من تمدد مضاعفات هذه المحنة إلى الأمصار الإسلامية، واتباع الولاة مذهب الخليفة في استنطاق القضاة والفقهاء والمحدثين لمعرفة رأيهم في هذه المسألة، على الرغم من ذلك كله، فقد تغلب مذهب أهل الحق فيما بعد، وأدرك الواثق في آخر أيامه ضعف ما هو عليه مما ورث عمن قبله من سوء القول في كتاب الله العزيز، حتى روي أنه ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأولى ترك الإمتحان 2.
ولما ولي المتوكل بعد الواثق (232 - 247 هـ)، خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الإعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال
والمناظرة في الأداء، وعاقب عليه، وأمر بإظهار الرواية للحديث، فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس 1.
وقد زاد الله المسلمين إكرامًا بثبات إمام السنة، فأصيب ابن أبي دواد بالفالج، وعُزل عن القضاء، وولي ابنه من بعده، فلم يحسن السيرة في الناس، فسخط المتوكل عليه وعلى أبيه وصادر جميع أمواله، وولى يحيى بن أكثم الذي كان من بقية علماء السنة ممن صحب المأمون، وكان ينصحه ويبصره بالحق في مدلهمات الأمور.
وعظم شأن الإمام أحمد عند المتوكل، حتى صار إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يعظمه رغم أنفه، ورغب بجواره في عاصمة الخلافة الجديدة "سامراء"، فانتقل الإمام المبجل مع أسرته إلى هناك معززًا مكرمًا، بعدما تبينت براءته من وشاية تولى كبرها ابن الثلجي بالإدعاء على إمام السنة أنه أخفى رجلًا من العلويين في بته، وصار الناس يبايعونه سرًا عنده 2.
ولكن لم تكن حياة الإمام أحمد بجوار المتوكل إلا زيادة في الزهد، وابتعادًا عن الدنيا وشبهاتها، فلم ينعم بأي شيء مما كان يغدقه الخليفة على أسرته، وسرمد الصيام حتى عاد إلى بغداد في وضعية صحية كادت تأتي على حياته.
وكان المتوكل لا يولي أحدًا إلا بمشورة الإمام أحمد، ومكث إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها، -رَحِمَهُمَا اللهُ- جميعًا 3.
• رأي الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن:
مما ينبغي تسجيله في ذيل هذا الحادث الذي فُتن الناس به، وجعلهم يتقاولون ويتجادلون إلى حين، أن نترجم مذهب الإمام الشيباني الذي كان يسأله عنه الناس بعد تلك المحنة، حتى كان من جملة السائلين له إسحاق بن إبراهيم، بعدما عظم شأنه عند المتوكل، وقال له: "أسالك مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال لي: من أين