الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد من الله على المؤمنين بإكمال الدين، وأتم به النعمة قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة/ 3).
وكمال الدين أن يبلغ تمامه وغاية ما أريد به من إصلاح الناس، وتعبيدهم لربهم الحق، إن في الإعتقاديات وما بأركان الإيمان، أو قي العبادات وما يتصل بأركان الإسلام، أو في العادات وما يتصل بإصلاح الأبدان، أو في المعاملات وما يتممها من الأخلاق والآداب الشرعية، في مختلف مجريات الحياة وتقلبات الأحوال.
وقد أنزل الله تبارك اسمه كتابه العزيز، ليكون الأصل الأصيل والمشرع الرَّوِيّ السلسبيل، لكل حكم من أحكام الدين، فقال جل من قائل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل/89).
وأوكل إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - مهمة تبليغه، وبيان معانيه المجملة، فلا جرم كانت السنة النبوية من الكتاب العزيز، بمنزلة الشرح والتفصيل، مع ما اختصت به من إثبات أحكام مبتدأة ليست منصوصة في الكتاب.
ولما ثبت بما لا يحتمل الشك، من عموم الشرع للأزمنة والبقاع والأحوال إلى يوم الدين، وكانت تصرفات الناس أفراداً وجموعاً، غير منحصرة لاختلافها وتجددها وتغيرها، جعل الله التشريع المنصوص في الكتاب والسنة، على وِزَانٍ يفي بحكم مستجدات الحياة، بحيث أجريت أحكامه مجرى التمثيل والتأصيل لما ليس بمنصوص، ليهتدي أولو العلم إلى حمل كل فرع على مثاله، ورده إلى أصله بضروب من العموم للمعاني، وهو ما اصطلح على تسميته بالقياس؛ بقسميه الخاص القائم على اعتبار علةٍ أو معهنى خاص ثبت في أصلٍ معينٍ، وطَرْدِ حكمه في فروعه؛ والقياس العامّ القائم على اعتبار معنى عام مقْصِدِي دلت عليه جملة من النصوص، واطردت فروع الشرع على رَعْيِه.
وهذه الصفة التي أسس عليها شرعنا الحنيف، صفة الشمول والإستيعاب لأفعال المكلفين واجتهاداً، أمكنت فقهاء الأمة من إيجاد فقه إسلامي شامل لمجريات الحياة وتقلبات أحوالها، وفق طرائق للبحث منضبطة، ومسالك للنظر والإستنباط مرسومة، تميز بين الرأي الشرعي الصادر عن فهم النصوص وإدراك لمعاني ما دلت عليه من الأحكام، وبين الرأي العادي المبني على مجرد التخمين، وهو الذي ورد عن السلف ذمُّ إعماله في الشرع.
وكان من هؤلاء الفقهاء من زكى علمهم، وتوسع نظرهم في الفروع العملية، فرويت عنهم آلاف المسائل مما أفتوا فيه، وتوفر لهم من الأصحاب ما لم يتوفر لغيرهم، فاعتنوا بتلك المسائل، فحفظوها وجمعوها ودونوها، وقرأوها على الطلاب في المجالس.
ثم جاء بعدهم من رتبها وهذبها وحررها وبسطها، وخرج عليها فروعاً كثيرة، واحتج لها من دلائل الكتاب والسنة والإجماع، وفقه الصحابة والتابعين، ومن جهة القياس ومعقول الأصول المقررة.
وهكذا نشأت المذاهب الفقهية المشهورة المعروفة، فاشتغلت بها الأمة، وتفقهت عليها أجيالها وبثت مسائلها في الدروس والطروس، وجرت عليها الأقضية في الأمصار، والفتوى فيما يعوض للناس في شؤون عباداتهم ومعاملاتهم.
وقد استوعبت هذه المذاهب قي مجموعها، عامة فقه السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الذين لم يكتب لفقههم من الإشتهار والتدوين ما كتب لأصحاب هذه المذاهب، كالثوري والأوزاعي وأبي ثور وابن شبرمة والليث بن سعد؛ رحمهم الله جميعاً وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيراً.
وكان الإمام الرباني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المروزي ثم البغدادي، رحمه الله وأجزل مثوبته، أحدَ أئمة هذه المذاهب؛ برز فقهه في المسائل التي دونها عنه جماعة من أصحابه في بغداد، وجمعها وصنفها كتباً وأبواباً في ديوانه الجامع، أبو بكر أحمد بن هارون الخلال،
ثم غلامُه أبو بكر عبد العزيز في كتابيه الشافي وزاد المسافر، ثم أبو عبد الله الحسن بن حامد في كتابه الجامع.
ثم انتشر هذا المذهب في العديد من الأمصار والأقطار الإسلامية، بعد القرن الخامس، لا سيما في بلاد الشام ومصر، ثم في نجد في أواسط القرن العاشر.
وبرز فيه أعلام طبقت شهرتهم الآفاق، وانتفع الناس بعلمهم على مسترسل الأزمان، كالقاضي أبي يعلى الفراء وأصحابه البغداديين، وأبي محمد عبد الله ابن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، صاحب المغني الكتاب العجاب الذي شرح فيه الخرقي، وشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية، والحافظ ابن رجب الحنبلى البغدادي، وغيرهم كثير.
فخدموا هذا المذهب خدمة جليلة في مختلف أدواره من النشأة إلى النمو إلى الإنتشار إلى الإستقرار، في مختلف الوجوه التي خُدم فيها الفقه الإسلامي عموماً.
فمهدوا أصوله وحرروها غاية التحرير، وحققوا ما فيه من اختلاف الروايات والأقوال، وخرَّجوا كثيراً من الفروع على نصوص إمامه أو أصوله، واحتجوا لكل مسألة من النصوص والقياس في المصنفات المذهبية والخلافية، وقعَّدوا قواعده وما يلحق بها من الأشباه والنظائر والفروق، وجردوا مفرداته التى انفرد فيها عن الذاهب الأخرى، وصنفوا في أحاديث الأحكام وفي مسائل الخلاف.
فرحم الله سابقهم ولاحقهم، وأجزل لهم المثوبة بما خلفوا لن بعدهم من علم ينتفع به، وأي علم أنفع للناس من الفقه في الدين؟
ولما مَنَّ الله تعالى على المملكة العربية السعودية، بلم شعثها، وعصمة أمرها على إمام واحد، وراية واحدة راية الكتاب والسنة، ثاب الناس إلى الدين، وازدهرت العلوم الشرعية ونفقت سوقها، لإتصال القول بالعمل.
وكان علماؤها توارثوا هذا المذهب السني الجليل، منذ زمن بعيد، وأحبوه لحبهم إمامه الذي أجمع أهل السنة على إمامته، واستشرف السنة أو كاد، واعتمد في فقهه على فتاوى الصحابة، وقدم الأحاديث الضعيفة المنجبرة على القياس احتياطًا للنصوص, ومبالغة في التسليم للمنقول المأثور، واعتبر المصالح الثابتة قي الشرع، أصلاً تنتهي إليه الأحكام وتدور عليه، وأعمل سد الذرائع إلى المحرمات لِمَا دل الدليل القطعي على اعتبارها.
لأجل هذه الأسباب عني بالفقه الحنبلي في هذه البلاد المباركة، تعلماً وتعليمًا، وإفتاء وقضاءً، وإخراجاً لكنوزه من دفائق التراث، وتيسيرها بين الناس من الطلاب والعلماء والباحثين، مصححة نصوصها على أصولها الخطية، مع ما يتممها من تفسير الغريب وتراجم الأعلام، وعزو الآيات والأحاديث والآثار، والإحالة على النقول، وصناعة الفهارس، وما سوى ذلك من الأعمال التي درج عليها الناس في تحقيق التراث.
وكان من فضل الله علي أن ضربت بسهم في هذه المهمة الشريفة، وأمسكت بطرف من هذه الفضيلة المنيفة، بما يسر الله تعالى من تحقيقه من الكتب.
وكان هذا الإهتمام مني بمذهب الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ-، أمرًا اقتضاه الواقع الفقهي لمملكتنا الحبيبة؛ إذ هو المذهب السائد فيها، فى التعليم والإفتاء والقضاء.
ولهذا السبب اخترت دراسة أصوله موضوعًا لرسالة الدكتوراه، وتبين لي بجلاء مكانته السامقة في عدة مجالات، وقد أوضحت ذلك بشيء من التفصيل في مقدمة "أصول مذهب الإمام أحمد" ومقدمة تحقيق "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لابن بدران، فاتجه العزم لخدمته وإخراج ما تيسر من كتبه.
وكان تشجيع ولاة الأمر والأمراء في المملكة وبخاصة الملك فهد بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ- عونًا لي بعد الله سبحانه وتعالى، على نشرها وتوزيعها على طلاب العلم، احتذاء للسنة الحسنة التي سنها في ذلك، الإمام المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه.
ولما نفد ما طبع من تلك الكتب، وظهرت شدة الحاجة إليها، بتكاثر طلب طلاب العلم لها، رأيت إسعافهم بطلباتهم، في إخراج جملة منها في مجموع واحد سميته" موسوعة الفقه الحنبلي" ورجوت أن أتبعها ببقيتها، إن فسح الله تعالى في العمر وهيأ الأسباب.
وقد عرضت ذلك على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، فاستبشر بذلك -كما هو دأبه أدام الله
عليه سوابغ نعمه- ورحب أن يكون توزيعها على طلاب العلم، على نفقته الخاصة، حسبة لوجه الله وابتغاء لمرضاته، أجزل الله له المثوبة ومتعه بالصحة والعافية.
وكنت قد استدركت في بعض تلك الكتب، أشياء من التصويبات والإضافات، وبعضها أفاد بها بعض الإخوة، فسنح في الرغبة تلافيها ومراجعاتها في طبعة جديدة، غير أني وجدت أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل، وحاجة الطلاب حاضوة ملحة، فرأيت أن أَرجئ النظر فيها إلى حينٍ، وعسى أن يجعله الله قريباً.
والله ولي التوفيق.
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
المذهب الحنبلي «دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته»
تأليف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي
[الجزء الأول]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المذهب الحنبلي «دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومؤلفاته» [1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1423 هـ - 2002 م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
حقوق الطبع محفوظة © 2002 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى
دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مُقَدِّمَة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد.
فقد أنزل الله سبحانه كتابه العزيز بالحق على خاتم النبيين، ليبلغه إلى خاتمة الأمم، وجعله بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة, فهو حجته على الناس جميعًا, مهما باعدت بينهم الأقطار والأمكنة، ومهما توزعتهم الأعصار ولأزمنة، ومهما زايلت بينهم الألوان والعادات والألسنة.
وهو كلية الشريعة، وعمدة الملة الحنفية السمحة، وينبوع الحكمة البالغة، وآية الرسالة الخاتمة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة إِلا في التمسك يه واتباعه.
وجعل الله خاتم الرسل محمدًا - عليه الصلاة والسلام - حجة؛ بما علمه وأدبه، وحباه به من العصمة عن مقارفة الذنوب وملابسة المعاصي، فكانت أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته تشريعًا للناس، وسنة للمسلمين، وييانًا لما أنزل إليهم من ربهم، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].
قال الشاطبي -رَحِمَهُ اللهُ-:
"تعريف القرأن بالأحكام الشرعية أكثره كليّ لا جزئي.. ويدل على هذا المعنى -بعد الإستقراء المعتبر- أنه محتاج إلى كثير من البيان، فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هي ييان للكتاب.. وإذا كان كذلك، فالقرآن على اختصاره جامع, ولا يكون جامعًا إلا والمجموع فيه أمور كليات؛ لأن الشريعة تمت بتمام نزوله, لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3].
وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد، وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها قي القرآن، إِنما بينتها السنة, وكذلك العاديات من الأنكحة والعمود والقصاص والحدود وغيرها" 1.
فكان الهاديان: الكتاب العزيز والسنة المطهرة، حجة ومحجة، ونورًا مبينًا, وحبلًا متينًا، وصراطًا، من عمل بهما أجر، ومن تمسك بهما عصم، ومن دعا بهما وإليهما هدي إلى صراط مستقيم.
يوشك أن يفوز بالبغية، ويظفر بالطَّلِبة، ويجد نفسه من
السابقين في الرعيل الأول.
ومن تنكب عنهما كان من الضالين الزائغين، وياء يوم الفيامة بالخسران المبين.
ولم يزل الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن جاء بعدهم من أئمة الدين وفقهاء الإسلام، وهداة الأنام، ودعاة الخير من كل جيل، يبلغون هذا الدين الذي مما نزل به الكتاب وفصلته السنة، ويعلمون ما تَعلَّموا من علم جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا سليمًا من التحريف، آمناً من التغيير والتبديل، صافيًا من الأكدار، فلله الحمد والمنة وحده.
ولا يزال هذا الدين محفوظًا بحفظ الله له ما تعاقب الملوان، ذلك أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد استحفظ الأمم من قبلنا على دينه الذي شرع لهم، وكتبه التي أنزل على أنبيائهم ورسلهم، وأخذ على علمائهم من الأحبار والرهبان أن يبلغوه كما تبلغوه، وليبينُنَّه للناس ولا يكتمونه، ولا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، فخلفت من بعدهم خلوف نبذت هذا الميثاق، وأعملت أيدي التحريف، وتصرفت بالتبديل والكتمان والدس والتزيف، حتى عادت معالم الدين مطموسة، وحقائق العقيدة والشريعة مدرسة، فاستحقوا بذلك عقاب الله وسخطه، وحلت بهم نقمته إلى يوم الدين.
أما أمة الإسلام، فقد كُفيت ذلك كله فضلًا من الله ونعمة، وعجل الله لها البشرى من أول يوم أنه حافظ لكتابه، قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
فالقرآن الكريم محفوظ من التحريف والتغيير والتضييع، وإذا الكتاب حفظت السنة أيضًا بلا ريب، لأنها شرحه، وبيان وتفصيل لمجمله، وحلّ لمقفله، وتأويل لمشكله.
ثم إن الله سبحانه وتعالى أظهر ذلك الحفظ في الأسباب التي جنَّدها -وإذا أراد الله شيئًا هيأ له أسبابه- وجعل تلك الأسباب المجنَّدة من جملة خصائص هذه الأمة الخاتمة، فمن ذلك: الإسناد والإجماع:
فالإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وتميزت هذه الأمة بأنها أمة الإسناد، فلا يقول أحد قولاً في الدين إلاّ قُيض له من يقول له: من أين لك هذا؟.
كما أن إجماع علماء المسلمين في كل عصر من العصور حجة قاطعة، تلزم سائر المسلمين في العصور التي تلت وقت انعقاد الإجماع، فلا تتفق كلمتهم على ضلالة، ولا تجتمع آرهم على خلاف الحق، ولا تزال في المسلمين طائفة ظاهرةً على الحق لا يضرهم
من خالفهم من الطوائف، ولا يثني من عزيمتهم كثرة الأهواء وتشعب المِلل والنحَل والآراء، المتنكبة عن الصراط السوي والحبل القوي الذي هو كتاب الله وسنة رسوله.
ومن تلك الطائفه المنصورة، والجماعة المحبورة، حملة العلم المعتبرون ودعاته ورواته، فهم العدول من كل خَلَف، وهم القدوة الصالحة في كل جيل؛ يعلمون الناس دين نبيهم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، سواء كانوا من زمره الفقهاء، أم من جمله المحدثين، أم من عداد المفسرين، أم من غيرهم، كعلماء اللغة والأصول والتاريخ والأنساب، وسائر فنون المعارف التي تخدم الشريعة.
ولما كان الفقه الإسلامى يستمد لُحمته وسداه من العلوم المشار إليها، فإنه ما من شك يمكن أن يُساورَ النفوس في أنه يحتل المرتبة العالية والدرجة السامية من حيث الأهمية والإعتبار، كمَا يُعد المشتغلون به آخذين بالحظ الأوفر من التركة النبوية، حائزين على القدح المعلّى من سهامها.
وتلك مكانة موموقة ودرجة سامقة شريفة، رامها كثير من الطلاب، وانبوى لها ثلة ممن أراد الله بهم خيرًا، وذلك مصداقًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" 1.
فظهر الفقهاء فى هذه الأمة، في كل جيل من الأجيال منهم طائفة، وفى كل مصر من الأمصار منهم ثلة، حتى تكوَّن منهم في تاريخ الإسلام طبقات تعد بالألوف، من الصحابة، إلى التايعين، إلى الأئمة المجتهدين الذين عرفوا فيما بعد بمذاهب وطرائق في الإجتهاد والإستنباط، وانتسب إليهم من جاء بعدهم على توالي القرون، وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة, ومالك، والشافعي، وأحمد، وكانت إلى جانبهم مذاهب أخرى تألقت وسادت فترة من الزمن، ئم انقرضت 2 وبادت مع الأيام، كمذهب الثوري والأوزاعي وأبي ثور والليث بن سعد وابن جرير الطبري، وغيرهم.
ولم يكن أحد من هؤلاء الأئمة يقلل من شأن غيره من نظرائه، ولا يعيب الاجتهاد على مخالفه، ولا يدعو الناس الى التزام مذهبه وما أداه إليه اجتهاده، بل حفظ عنهم أنهم كانوا ينصحون تلامذتهم باجتناب التقليد الأعمى، لأنهم غير معصومين من الخطأ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-:
"وهولاء الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقودونه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه: أبو يوسف بمالك، فسأله عن مسألة الصاع، وصدقهَ الخضراوات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك، يما تدل عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت.
ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأصيب وأخطئ, فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة، أو كلامًا هذا معناه.
والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عوض الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي.
وفي "مختصر المزني" لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه، قال: مع إعلامه نَهْيَه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء.
والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا.
وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا" 1.
وإذا كان الأئمة أصحاب المذاهب على هذه المبادئ يسيرون، فالتعصب لهم من غير دليل ارتماء في عماية، وانزلاق في غواية، كما أن المفاضلة بينهم، وإقامة سوق الترجيح بين هذا المذهب وذاك، كل ذلك يعد تفريقًا بين أبناء الأمة الواحدة، وإثارة لأسباب الفرقة والشجار والخصام، لأن التمذهب ليس دينًا متزلًا، ولا شرعًا مقدسًا، وإنما هو ضرورة لابدّ منها للعامة، ومن يتدرج في طلب العلم ممن لم يبلغوا درجة النظر في الأدلة، ولأن المذهب الواحد لا يمكن أن يكون ملزمًا لجميع الأمة حتى يتعين تقليده
والإلتزام به، فمن ذا الذي لم يعزب عنه شيء عن الأحاديث التي جمعها أئمة الحديث في دواوينهم التي بلغت عدة الأحاديث فيها الآلاف المؤلفة؟ ومن ذا الذي سلم من الخطأ فيما بناه عن الأحكام على القياس والتنظير والتمثيل؟
فالأئمة الفقهاء أصحاب فضل بما سبقوا إليه من رسم قواعد الإستنباط ومسالك الإجتهاد والنظر, وبما بذلوا من جهود في تخريج أحكام الفقه الإسلامي، وفي اختلافهم رحمة وسعة على الأمة، ومذاهبهم فىِ جملتها تتكامل ولا تتفاضل، وتتآزر ولا تتنافر، وللباحثين المجتهدين بعد ذلك أن ينظروا في أقوالهم في مسائل الخلاف مع ما نصبوا عليها من الأدلة، وما استندوا إليه من الحجج، على أنها ظنون راجحة لديهم، وقد تكون مرجوحة عند غيرهم، وهي دائمًا تخضع للدليل وتوزن بموازين الأصول، ويرجح لعنها بقواعد العلم لا بمنازع الهوى.
ولا يجادل أحد في أن سلف الأمة الصالح خير من، وهم مع ذلك فد وقع بينهم الخلاف في الرأي، وعلى الرغم من ذلك لم يكن داعيًا للتعصب، ولا مسببًا للفرقة، بل كان مجرد اختلاف رأي، واجتهادًا يرجو أحدهم به أجر الله، أخطأ أم أصاب، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له فيما رواه عمرو بن العاص: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" 1،
ولم يذم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا عن الصحابة لخطإٍ وقع في اجتهاده, على كثرة ما وقع منهم.
وكذلك لم يكن أحد من أئمة الحق يتعمد مخالفة نص من نصوص الشريعة, وإذا وجد لأحد منهم ما يخالف نصًا صحيحًا، فلا بد له من عذر في تركه، إما لعدم اطلاعه عليه، أو لعدم اعتقاده أنه صادر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو لعدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، أو لمعارضة نصٍّ آخرَ له، أو غير ذلك من الأعذار.
التي قد لا نطلع عليها.
فلا يجوز للمسلمين أن يعدلوا عن قول ظهرت حجته بحديث لقول أي عالم، فتطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطوقه إلى الأدلة الشرعية، ومن خالفه من العلماء الذين لم يطلعوا عليه معذور، لا يلحقه عقاب ولا ذم، ولا يقال في حقه: إنه حلّل حرامًا، أو حكم بغير ما أنزل الله" 2.
وإذا كان الخلاف في الآراء والإجتهادات ظاهرة طبعية، كاختلاف الأمزجة والأشكال والألوان في البشر، وكان العذر قائمًا مع الأجر في حق من أخطأ في اجتهاده من أئمة الدين، فيما ليس فيه نص قطعي ولا إجماع صريح ثابت، فإن النتيجة الحاصلة من الإجتهاد الواقع في المسائل الشرعية التي يسوغ فيها النظر، لابد أن تسفر عن صواب أو خطأ، والصواب دليل على توفيق الله، كلما أن الخطأ دليل على عدم العصمة في الفهم والإستنباط.
ثم إن كل إمام من أئمة المذاهب الفقهية المدونة المتبعة، بل والمنقرضة أيضًا، قد عرف بعدد من الأصحاب والتلاميذ الذين لزموا منهجه قي النظر، وأخذوا بأصوله في الإستنباط، وإن كان منهم من خالفه في بعض ما ذهب إليه لحجة رآها راجحة عنده.
وهكذا أصبح المذهب الفقهي الواحد لا يمثله الإمام المنسوب إليه فحسب، بل تمثله تلك المجموعة المتألفة منه ومن أصحابه من تلامذته، وممن جاء بعدهم من أصحاب الوجوه والتخريج وغيره من طبقات المجتهدين فيه.
ولا تزال الحاجة إلى التعريف المتكامل بالمذاهب الفقهية؛ نشأة وتأسيسًا، ثم تكميلًا وتدوينًا، ثم تطورًا في الأعصار، وانتشارًا في الأمصار، والكشف عما لها من مزايا ومحاسن، وما خلفت من تراث ومأثر، والدراسة لخصائص كل واحد منها، ومؤلفاته وسائر مآثره بصفة عامة، لا تزال الحاجة إلى ذلك كله ماسة وملحة،
ومن هنا كان الهدف من هذا الكتاب هو تلبية هذه الحاجة بقدر الإمكان، والاستجاية لتلك الطلِبة المكنونة في نفوس الراغبين من الطلاب والدارسين، وذلك بالتطرق إلى إيراز ما يختص به المذهب الحنبلي من خصائص ومميزات، وما يمتاز به من مزايا وحسنات؛ وذلك من خلال المحاور التالية:
- تاريخ المذهب.
- سماته.
- أبرز أعلامه ومؤلفاتهم.
وتمثلت العناية في الجانب التاريخي بعقد دراسة عن الإمام أحمد؛ لبيان سيرته الذاتية والعلمية، ومنزلته بين أهل العلم، وتصانيفه من كتب ورسائل، والتي يمثل "المسند" حجر الزاوية فيها.
يلي ذلك تقسيم تاريخ المذهب الحنبلي إِلى ثلائة أدوار، تنتظم تطور المذهب في الزمان والمكان، والمواطن التي انتشر فيها منذ نشأته إلى يومنا هذا, وهذه الأدوار هي:
- دوو النشأة والتأسيس.
- دور النقل والنمو.
- دور الإنتشار.
وأما السمات التي اتسم بها، فتتمثل بتأثر عامة الحنابلة بسيرة الإمام أحمد في العلم والعمل، والإهتمام بالحديث الشريف وعلومه، والعناية بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والإلتزام بتطبيق هذه الفريضة التزامًا كاملًا، إلى غير ذلك.
والغاية المرجوة من وراء هذا وذاك هي لفت النظر إلى المآثر والمحاسن الطيبة التي غرسها الحنابلة في تاريخ الأمة الإسلامية، على أمل أن يقتدي الخلف بالسلف، ويهتدي اللاحق بعمل السابق، مستفيدًا من ذلك الرصيد المكنوز في تاريخنا المجيد.
وأما أبرز المؤلفات الففهية الحنبلية فهي جانب آخر من الجوانب التي توضح المنهج الحنبلي في التأليف والتصنيف والصناعة الفقهية، وتكشف عن مدى إسهام الحنابلة الكبير في إثراء مكتبة الفقه الإسلامي كثرة وتنويعًا.
تَمْهِيدْ
أولًا - كلمة "مذهب":
1 -
المذهب لغة:
مذهب على وزن "مَفعل" صياغة للمصدر الميمي المشتق من المادة، كما أنها صياغة لإسم الظرف منها: فأما المصدر الميمي، فإن مادة "ذ هـ ب" يمكنثا أن نصوغ منها ثلاثة مصادر:
- الذَّهاب، بالفتح والكسر، وهو مصدر سماعي مستعمل كثيرًا.
- الذُّهوب، كالركوب، وهو المصدر القياسي، وهو مستعمل أيضًا.
- المَذْهب، وهو المصدر الميمي للكلمة.
وأما اسم الظرف، فهو اسم لمكان الذهاب أو زمانه، فلنا أن تقول: ذهب القوم مذاهب شتى, على معنى تفرقوا قي طرائق مختلفة.
وقد ورد في الحديث من هذا المعنى: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد الغائط أبعد في المذْهب" (1). ولهذا يستعمل لفظ "المَذْهب" في معنى "المُتَوضَّأ" لأنه يذهب إليه.
ومعاني هذه المادة -أي: ذ هـ ب- تدور على أصلين، هما: - الحُسن والنضارة، وهو معظم الباب، كما قال ابن فارس.
- السير والمرور والمضي، ويستعمل حقيقة ومجازًا، ومن مجازه تكون المعنى العرفي للكلمة، كما سنوضحه (2).
2 -
المذهب عرفًا:
تكون المعنى العرفي لكلمة "مَذْهب" من مجاز المعنى الثاني، الذي استعمل فيه في لغة العرب -بمعنى السير والمرور والمُضي- فقد قال الزييدي: "المذهب: المعتقد الذي يذهب إليه، وذهب فلان لذهبه، أي: لمذهبه الذي يذهب فيه.
والمذهب الطريقة، يقال: ذهب فلان مذهبًا حسنًا، أي: طريقة حسنة" 3.12
3 -
المذهب اصطلاحًا:
لا ريب أن المعنى العرفي لكلمة "مذهب" لا يحقق لنا الغرض الذي من أجله عقدنا هذه المقدمة، فإن التطور الدلالي أكسب هذا اللفظ مضمونًا اصطلاحيًا شاع بين النحاة والفقهاء الأصوليين والمحدثين وعلماء الأدب، وسائر العلوم، فما من فوع من فروع المعرفة الإنسانية إلا ونجد فيه مذاهب تتقاسمه وتسهم في تكوين بنيانه.
والمذهب بهذا المعنى الاصطلاحي له معنى عام مشترك بين العلوم، ومعنى خاص في نطاق الفقه الإسلامي، وهو الذي يهمنا في بحثنا هذا:
• فأما المعنى العام للمذهب:
فهو مبادئ وآراء متصلة منسقة لعالم أو لمدرسة، ومنه المذاهب الفقهية والأدبية والفنية والعلمية والفلسفية 1.
• وأما المعنى الخاص للمذهب:
فهو جملة الأحكام التي ذهب إليها إمام من أئمة الققه الإسلامي.
فهو بهذا المعنى اسم للمسائل التي يقول بها المجتهد، والتي يستخرجها أتباعه من قواعده 2.
فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، هو جملة الأحكام التي ذهب إليها الإمام أحمد، أو مجموع المسائل الفقهية التي قال بها الإمام أحمد، وما ألحق بذلك مما خرجه أصحابه على قواعده وأصوله.
والجدير بالتنبيه أن الأحكام الفقهية تنقسم قسمين رئيسين:
قسم مقطوع يه ومجمع عليه، ومنصوص من قبل الشارع صراحة، كوجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم، وتحريم الخمر والسرقة، ونحو ذلك.
فهذه ليست محلًا للإجتهاد، وبالتالي، لا يظهر فيها تنازع الأنظار بين المجتهدين قط.
وقسم آخر مظنون، تتنازعه الإحتمالات مهما تباينت وتفاوتت في درجاتها، ويذلك كان هذا القسم محلًا لتنازع الأنظار، وموطنا للإختلاف والإتفاق.
وهذا النوع من الأحكام هو الذي يدور الإجتهاد والإستنباط في نطاقه.
واصطلح المتأخرون من فقهاء المذاهب على أن كلمه "مذهب أحمد" مثلًا إذا أطلقت، فلا يقصد بها دائمًا ما ذهب إليه الإمام نفسه، بل ما استقر عليه القول وجرت به الفتوى، سواء أكان هو قول الإمام نفسه، أم كان قولًا لأصحابه، أم كان قولًا مخرجًا معتمدًا، فيقولون: المذهب في المسألة كذا، ويقصدون هذا المعنى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة" (1)، وذلك لأن الأهم عند الفقيه المقلد هو ما به الفتوى دون غيره (2).
والمذهب بهذا المعنى الأخير لم يكن معروفًا في زمن الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة، فمالك والشافعي وغيرهما لم يكونوا يعرفون معنى المذاهب، وإنما كانوا ينشرون علم السنة، وفقه الصحابة والتابعين، ولذا قيل: إن نسبة المذهب إلى صاحبه لا يخلو من تسامح.
ثم تطورت دلالة هذه الكلمة حتى استقرت على مدلول كبير ومضمون واسع وأصبح إطلاق كلمة "المذهب الحنبلي" مثلًا في الأزمنة المتأخرة إلى يومنا هذا يعني ذلك المجموع المتكامل، والبنيان المتراصف المشيد من فقه وأصول وقواعد وضوابط وفروق واصطلاحات، تولدت وترتبت وهذبت، عبر مدة زمنية غير قليلة، وجهود كوكبة متلاحقة من العلماء، بنى اللاحق فيها على ما انتهى إليه السابق، منذ أن كان المذهب في طي تلك المسائل والفتاوي المتفرقة، والإجتهادات المنثورة في التصانِيف الأولى والأسمعة التي دونها الأصحاب رحمة الله أجمعين.
ثانيًا - نشأة المذاهب الفقهية وسببها:
من المعلوم أن المذاهب الفقهية لم تكن معروفة في زمن الصحابة ولا التابعين، على أن بعض الصحابة تفردوا بالمشيخة ليبعض فقهاء التابعين، فقد ذكر السخاوي12
عن علي ابن المديني أن المذاهب المقلَّدة أربابها من الصحابة ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، قال: وكان لكل منهم أتباع في الفقه يدون في علمهم وفتواهم قولهم 1.
ولنا أن نزعم أن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - كانت على حظ من ذلك؛ إذ تتلمذ عليها ابن أختها عروة بن الزبير، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة والأسود النخعيان، فقد جاء أكثر علمها من جهة هؤلاء.
وطبقة فقهاء الصحابة لم تكن تتميز بالأمصار والأقاليم، وإنما كانت متميزة بالزمن الذي أظل الخلافة الراشدة وما بعدها إلى نهاية القرن الأول.
وقد جرى الشيرازي على هذا المَهيع، فلم يوزع الصحابة الفقهاء على الأمصار الإسلامية، وإنما ترجم لهم ترجمة زمنية عامة، وقسمهم إلى كبار وصغار، مع أن منهم من مات بالمدينة، ومنهم من مات يالبصرة، ومنهم من مات بالشام، وهكذا.. فلما انتهى إلى فقهاء التابعين وزعهم على الأمصار الإسلامية المعروفة آنذاك 2.
فدل هنا على أن الفقه انتسب إلى البلدان في زمن التابعين، ويالخصوص في طبقة صغارهم، فاشتهر بالمدينة جماعة، وبمكلة جماعة، وبالبصرة والكوفة والشام واليمن ومصر كذلك.
ولسنا بحاجة إلى تفصيل ذلك، لكن نقول: إن هذه البلدان احتضنت من فقهاء التابعين أعدادًا متفاوتة بحسب تفاوت عدد الصحابة الذين ورثوهم من قبل، وهذا التفاوت هو السر في تكوين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، فقد كانت الخلافة بالمدينة أولًا، وكانت مجتمع الصحابة وموطن سراتهم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من غزوة حنين ترك بها اثني عشر ألفًا من الصحابة، مات بها منهم عشرة آلاف، وتفرق ألفان في سائر أقطار الإسلام، هكذا قال مالك وغيره 3.
ثم انتقلت الخلافة إلى الكوفة قبل أن تستقر في الشام، وانتقل إليها من الصحابة نحو من ثلاثمائة ونيف 4. وكان قد استوطن البصرة والكوفة من الصحابة المشهورين: علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، وغيرهم - رضي الله عنهم - جميعًا وأرضاهم.
وتولدت من الكوفة مدرسة الرأي التي تستعمل القياس، وتعمله بشكل واضح
ومنهجي في استنباط الأحكام، وكان رائدها إذ ذاك إبراهيم النخعي -رَحِمَهُ اللهُ-، وظهرت مدرسة الحديث بالحجاز، وكان حامل اللواء فيها هو سعيد بن المسيَّب.
والواقع أن الحجاز لم تكن فيها مدرسة ولا رائد، وإنما تميز الحجازيون بأنهم أهل حديث وأثر، كما تميز العراقيون باستعمال القياس وكثرة التفريع الفقهي, وقد كان صغار التابعين ومن بعدهم في الشام ومصر واليمن على سنن الحجازيين, كما أن فقهاء الأمصار استعملوا القياس، كما استعمله الصحابة، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يسكن المدينة، وهو شيخ مالك ابن أنس في الفقه، ومع ذلك كان يتعاطى الرأي حتى لقب بـ "رييعة الرأي"، كما كان الشعبي وابن سيرين من أعلام محدثي العراق وعلمائهم، ولم يكونا معروفين بالرأي.
فالحقيقة أن النزاع قام بين بعض الحجازيين والعراقيين بسبب أن معظم العلم انحصر في الحجاز والعراق، وكان قد دخل في طور الإنتساب إلى البلدان كما قلنا، فحصل ما يشبه تحاسد الأقران وتنازعهم على الفضائل، فكان علماء الحجاز يرون أنهم قد اجتمعت لهم السنة، وأن الإسناد الصحيح الثابث لا يزال متوارثًا فيهم، فأصح الأسانيد عندهم: الزهري عن سالم عن أبيه، ومالك عن نافع عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وأن الحديث إذا جاوز الحرّتين انقطع نخاعه.
وكان علماء العراق يرون أنهم هم الآخرون قد استغنوا بما حمل إليهم الصحابة الأولون من العلم، وخصوصًا عبد الله بن مسعود، وكان جادة الإسناد إليه: منصور عن إبراهيم عن علقمة عنه - رضي الله عنه -. ولكن لما قلّت بضاعتهم بالنظر إلى بضاعة الحجازين فتحوا باب الرأي والقياس ليسدوا الفراغ، ويحكموا في تلك الفروع الكثيرة التي خاضوا فيها.
إلى جانب ذلك فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وامتزجت الثقافات فيها، وتفرق الفقهاء في الأمصار، وكثرت الرحلات والفتاوى والوقائع، وشاع الجدل والمناظرات في المجالس، وأخذ التدوين، بمعنى التصنيف، يشق طريقه في صفوف العلماء، كما كثرت الترجمة لعلوم الأوائل، وتجرد كثير من الموالي وانتدبوا يتفقهون ويتعلمون حتى صاروا أئمة الناس وازدهر الفقه بهم ازدهارًا عظيمًا 1.
كل هذه العوامل تسببت في وجود علماء تميزوا بجمع الفقه، وكثرة الحفظ والتألق في الإجتهاد على ضوء ما انتهى إليهم من شيوخهم، وبذلك صاروا فيما بعد أئمة لمذاهب فقهية تعرف بأسمائهم بصورة تلقائية.
• ففي المدينة:
انتهى الفقه إلى مالك بن أنس، ومن كان في طبقته، من مثل: عبد العريز بن سلمة ومحمد بن أبي سبرة وكثير بن فرقد وابن أبي ذئب، رووه عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن هرمز وربيعة وأبي الزناد، والفقهاء السبعة الذين رووا بدورهم عن الصحابة -وكانوا في الغالب آباءهم- وهم: سعيدُ بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله، وخارجة بن زيد وسليمان بن يَسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وقيل: سالم بن عبد الله.
• وفي مكة:
انتهى الفقه إلى محمد بن إدريس الشافعي، عن شيخه الزَّنجي، عن ابن خريج وابن أبي نجيح عن أصحاب ابن عباس؛ كعكرمة وعمرو بن دينار وعطاء ومجاهد وابن أبي مليكة.
• وفي الشام:
انتهى الفقه إلى الأوزاعي، عن سليمان بن موسى الأشدق ومكحول ورجاء بن حيَوة وعبد الله بن زكريا وهانئ بن كلثوم، عن شَهْر بن حَوْشَب وأبي إدريس الخولاني؛ من تلامذة أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس.
• وفي مصر:
انتهى الفقه إلى الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج وعمرو بن الحارث ومرثد بن عبد الله اليزني، عن الصُّنابحي وعبد الله بن مالك الجيشاني، وهما من أصحاب عمر بن الخطاب.
• وفي الكوفة:
انتهى الفقه إلى أبي حنيفة والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، وهؤلاء عن الحكم بن عتيبة وحماد ابن أبي سليمان، وحبيب بن أبي ثابت والحارث بن يزيد العكلي، وهؤلاء عن الشعبي وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهؤلاء عن أصحاب علي وابن مسعود، كعلقمة والأسود النخعيين، ومسروق، وعَبيدة السلماني، وشُريح القاضي والحارث الأعور.
• وفي البصرة:
انتهى الفقه إلى عثمان البتّي، وعبد الرحمن بن مهدي، ونظرائهم؛ كأيوب ويونس ابن عبيد وابن عون وداود بن أبي هند، وهؤلاء عن الحسن البصري وجابر بن زيد
ومحمد بن سيرين وأبي العالية وحميد بن عبد الرحمن، وهؤلاء تلمذوا لكثير من الصحابة، أشهرهم أنس وابن عباس.
ثالثًا - أهمية المذاهب الفقهية في خدمة الشريعة الإسلامية:
ارتبطت كلمة "المذهب" في أذهان البعض بتلك الآثار السلبية التي أورثتها بعض التعصبات المذهيية لففهاء المسلمين, وحفلت بها بعض التراجم والردود والمناظرات والتأليفات المختلفة، كما أرتبطت هذه الكلمة أحيانًا يالتقليد والجمود على اجتهادات الأولين، والإستغناء بذلك عن الحاجة إلى الإجتهاد والبحث والتحقيق العلمي.
وقد أخفى هذا الإرتباط ما كان للمذاهب الفقهية من فضل على المسلمين وخدمة لشريعتهم، ولسنا بسيل أن نعرف ذلك الخير وذلك الفضل إلا إذا تصورنا تاريخ الفقه الإسلامي قد انتهى بجميع أدواره وحلقاته إلينا خاليًا من تلك المذاهب المدونة المتبعة، سواء منها ما انقرض أو ما بقي واستمر، فلننظر كيف سيكون الحال ووضع الفقه الإسلامي إذن؟ لا ريب أنه سيكون عبارة عن شتات ومنثورات، كتلك المنثورات التي كانت يين يدي الفقهاء والطلاب في بداية عصر التدوين.
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد من كشف النقاب عن مزايا المذاهب الفقهية المدونة المتبعة، وهذه المزايا بنظرنا تكمن على العموم في النقط التالية:
1 - استيعاب المذاهب غير المدوة، وكذلك المذاهب المنقرضة، في مصنفات المذاهب المتبعة، ويالتالي تسهيل الرجوع إليها.
ففقه السلف قد وصل إلينا في طي تلك المصنفات.
2 - تدوين الفقه الإسلامي وتسهيله للدارسين.
وذلك بفضل جهود فقهاء المذاهب في التبويب والفهرسة ووضع المصطلحات، وشرح المجملات وتكميل النقص.
3 - بيان طرائق الإجتهاد وقواعد الإستنباط من خلال ما كتب في أصول الفقه من وجهة نظر كل مذهب.
4 - ملء الفراغ الفقهي بواسطة الإجتهاد التخريجي والإجتهاد المقيد.
5 - تسهيل الإجتهاد لدى فقهاء ما بعد التدوين إلى عصرنا الحاضر؛ بإعطاء ثروة كبيرة من المقررات الفقهية والأدلة والقواعد والنصوص التي ترشد الباحث مهما كانت مسألة بحثه جديدة في الواقع.
الفصل الأول
في سيرة الإمام أحمد وعلمه
لما كان الإمام أحمد رائد المذهب الحنبلي وواضع أسسه الأولى، آثرنا أن نفرد سيرته بجانبيها الذاتي والعلمي بفصل مستقل، فقد بزغ فجر المذهب الحنبلي في شخصية إمام السنة مستمدًا من الكتاب والسنة، ثم امتد ظله الوارف على الحياة العملية والسلوك التطبيقي، فجاءت القدوة التي أورثها بين يدي أصحابه كاملة، ومَثُل أمام أعينهم منهج جديد يضاف إلى منهج الإمام الشافعي الذي رسمه من حصيلة الإستيعاب لمسلك العراقيين ومسلك الحجازيين.
وتأتي سيرة هذا الإمام الجليل وما خلفته من مآثر في آفاق الفقه والحديث والعلم والعمل، في سياق التطور العلمي والثقافي والسياسي للمجتمع الإسلامي في بغداد.
ومن ثَم اقتضى المنهج الدراسي أن نمهد للبحث بالوصف الإجمالي للحياة الإجتماعية في عاصمة الإسلام ومدينة السلام 1، في عصر الإمام المبجل، لنكشف للقارئ المناخ التربوي والثقافي الذي فتح هذا الإمام عليه عينيه، وتأثر به تأثرًا مباشرًا، لأن الإنسان ابن بيئته، كما يقولون.
وتنقسم سيرة الإمام أحمد، بحسب التدرج التربوي والثقافي الذي كان سائدًا آنذاك، إلى: سيرة النشأة والطفولة، أو السيرة التربوية، فطلب العلم والرحلة فيه، أو سيرة الطلب والتتلمذ، فتكوين الأسرة والحياة المعيشية والتعليمية بعد الزواج.
ثم جاءت المحنة بأسبابها وأطوارها ونتائجها.
ونختم هذه السيرة المباركة بكلمة موجزة عن وفاته، ثم نسجل في الأخير مجمل مناقب الإمام وعلمه، وهو القسم المهم من حياته بالنسبة إلى منهجنا، وسنقتصر على مختارات من تلك الأخبار الكثيفة الحافلة، لنصل إلى الإطلاع على الشخصية العلمية في
مرآة حياة الإمام المبجل من خلال ما شهدت به ألسنة العلماء الذين صاحبوه من شيوخ وتلاميذ، ثم من خلال الرواية عنه وتلقي العلوم من لسانه، سواء في قسم الحديث والآثار، أم في قسم الفقه والإجتهاد، ثم من خلال مؤلفاته التي تُكوّن القسم الثاني من أقسام التلقي لعلومه ومعارفه، سواء منها الكتب العامة أم الرسائل الشخصية التي كانت إحدى طرق التعليم آنذاك.
ولابد في الأخير من العطف على دعوى كون الإمام أحمد محدثًا وليس بفقيه، ونقدها في الميزان العلمي نقدًا يكشف عن مكنون تلك الدعوى ومنشئها، ثم بيان بطلانها في حقيقة الأمر وواقع المعارف التي تتصل بالإمام أحمد ومنزلته الفقهية بين المجتهدين، والله الموفق.
المبحث الأول
الحياة السياسية في عصر الإمام أحمد
ولد الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- سنة 164 هـ بعد مرور اثنتين وثلاثين سنة على ميلاد الدولة العباسية، على أنقاض الأمويين وأفول نجم دولتهم، ومات سنة 241 هـ. بعدما أنافت هذه الدولة على ما يزيد على القرن بعشر سنوات.
فكان الإمام أحمد شاهدًا لقرنها معاصرًا لثمانية من أشهر خلفائها على الإطلاق، وهم: المهدي (161 هـ 169 هـ)، والهادي (169 هـ - 170 هـ)، والرشيد (170 هـ - 193 هـ)، والأمين (193 هـ - 198 هـ)، والمأمون (198 هـ - 218 هـ)، والمعتصم (218 هـ - 227 هـ)، والواثق (227 هـ - 232 هـ)، والمتوكل (232 هـ - 247 هـ).
ولم يكن الإمام أحمد بمنأى عن مهد الخلافة ومقر إدارة شؤونها، بل كُتب له أن يولد ويعيش في عاصمتها بغداد -دارالسلام- التي اختطها العباسيون لأنفسهم من أول يوم، ولم تكن قبلهم شيئًا مذكورًا، فبناها المنصور، واتخذها عاصمة لدولته وسريرًا لملكه، وصارت منذ ذلك العهد مثابة للعلماء والأدباء والشعراء، ومشاهير الأعلام من كل صنف.
وكان القرن الذي عاصره الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- قرن فتوة الدولة العباسية وزهرة شبابها، فكان الخلفاء المذكورون أقوياء، على تفاوت بينهم، عملوا بما أمدهم الله من الجهد والعون والإخلاص لتوطيد دعائم الخلافة والتمكين لها، وفرض هيبتها على دولة الروم التي كانت لا تزال إذ ذاك الدولة التي ترفع عقيرتها طمعًا باسترجاع ما ضاع من تحت يدها من الأراضي الشامية والمصرية والمغربية، فكان الخلفاء يردون على كل محاولة بغزوة في الصيف أو في الشتاء، فيفتحون ويغنمون ويأسرون.
ولم يكن الخلفاء العباسيون المذكورون بالصورة التي أضفاها عليهم دهاقنة المستشرقين، ومن سار على شاكلتهم من أصحاب الأدب الروائي في عصرنا الحديث، معنمدين على روايات القصاص وأصحاب النوادر والكتب الأدبية، التي لا يعنيها الإسناد والتوثيق بقدر ما يعنيها تزويق المسامرات وتلفيق المنادمات وتدبيج الحكايات الطريفة في مجالس فلان وفلان.
فقد جاء في ترجمة هارون الرشيد أنه غزا في حياة أبيه مرارًا.. وكان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحجًا بنفسه.. وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم.. وكان يحب الفقهاء والشعراء والأدباء ويعطيهم كثيرًا ولا يضيع لديه بر ولا معروف.. وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعًا إلى أن فارق الدنيا 1.
وجاء في ترجمة المأمون أنه كان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبة وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة.. وكان كثير الغزو.. وفي سنة خمس عشرة -بعد المائتين- سار لغزو الروم، ومن غزوته عطف على دمشق، وفي سنة ست عشرة كرَّ غازيًا الروم، وجهز أخاه المعتصم ففتح حصونًا... وأقبل تُوفيل طاغية الروم، ثم وقعت الهدنة بعد أن كتب "تُوفيل"، فبدأ بنفسه، وأغلظ في المكاتبة، فغضب المأمون 2 وعزم على المسير إلى قسطنطينية، فهجم الشتاء.
وفي ترجمة المعتصم قال ابن كثير 3: فتح ثماني فتوحات: بلاد بابَك على يد الأفْشين، وعمورية بنفسه، والزُّطُ بعُجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشَّارَك، وفتح مصر بعد عصيانها.
وقال الخطيب البغدادي 4: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، ونصب على عموربة المجانيق....
وقد كانت الدولة العباسبة نشأت في خراسان بعيدًا عن البلاد العربية، فدخل في الدعوة إلى قيامها وتقويض ملك الأمويين جمهرة كبيرة من العجم، كالترك والفرس والديلم، وكان للعنصر الفارسي الحظ الأوفر والعدد الأكبر في ذلك، فلا جرم كان الخلفاء العباسيون يستعينون بهذه الألوان من الأمم العجمية في الإدارة والجيش والخدمات المختلفة.
فقد ولَّى العباسيون أسرة البرامكة مقاليد الوزارة ويعض ولايات الأقاليم منذ النشأة، فكان خالد بن برمك الفارسي توصل إلى أعلى المراتب في دولة أبي جعفر المنصور، ثم كان ابنه يحيى بمثابة رئيس الوزراء عند هارون الرشيد، فكان من أعظم الوزراء، وكان الرشيد يخاطبه: يا أبي، ثم كان ابنه جعفر نائبًا على دمشق بعد أن أخمد فيها فتنة العصبية هناك.
وتولَّى الفضل بن يحيى إمرة خراسان وعمل الوزارة 1.
واتخذ الفضل بن يحيى جندًا من العجم سماهم "العباسية"، وجعل ولاءهم له، ويلغ عددهم خمس مئة ألف رجل، فقدم منهم بغداد عشرون ألفا فسموا ببغداد الكَرنبيّة 2.
واعتمد المعتصم هو الآخر على العنصر التركي، ولعل ذلك بسبب أن أمه "ماردة" كانت من الأتراك.
فكون فرقة عسكرية كبيرة في جيش الخلافة بلغت نحوًا من عشرين ألفًا.
ولما ضاقت بهم بغداد، وكثرت الخصومات بينهم ويين الفرس من جهة، وبينهم ويين العامة من جهة ثانية استوطن لهم بالقاطول شرقي بغداد، وبنى به مدينة سماها "سَامُراء" فاتخذها معسكرًا للجيش وحاضرة لملكه 3.
ولكن هؤلاء الأتراك كانوا من بعد الواثق بالله بلاء على الخلافة وقتلوا عددًا من الخلفاء تترى، كالمتوكل والمستعين والمعتز والمهدي.
ومن المعلوم أن ثورات الخوارج والعلويين كانت مما تميز به العهد الأموي، فلما جاء العباسيون خفّت وطأة الفريقين، وانكسرت شوكة الخوارج، ولم يعد لهم في هذه الدولة شأن، وكذلك العلويون لم يكن لهم من بعد الرشيد قوة يصاولون بها بني عمهم وينازلون.
أما المتمردون على سلطان الدولة بسبب العداوة للإسلام والمخالفة لملته، فكانوا غير قليل، فقد كثر أتباع ابن الراوندي الرافضي بأصفهان في عهد المنصور، وكثرت الزنادقة في العراق الشرقي ويلاد فارس، وهي حركة كانت تسعى في وجهتها العامة
الى الرجوع الى الديانات التي كانت قبل الإسلام سائدة هناك، كالمانوية والزرادشتية، والمذاهب الإباحية، كالمزدكية.
وظهرت طائفة باطنية تسمى "الخُرَّمية"، قال ابن كثير في حوادث سنة (201 هـ): وفيها تحرك بابك الخُرَّمي واتبعه طائفة من السِّفْلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ قبحه الله ولعنه 1. واستمرت هذه الحركة تعيث فسادًا وتناوئ الخلافة العباسية وتتعاون مع الدولة الرومانية طيلة فترة خلافة المأمون، ولم يتمكن من القضاء عليها إلا في خلافة المعتصم سنة (223 هـ) على يد قائده الأفشين، بعد أن قُتل من المسلمين ما ينيف على ربع المليون 2.
وكان الغزو والجهاد مستمرًا، يغزو المسلمون مرتين في السنة الواحدة، فلذلك نجد المؤرخين يقولون: وغزا في صائفة هذه السنة فلان، وغزا في شاتيتها نلان.
وكانت أكثر تلك الغزوات متجهة الى دولة الروم الشرقية الثي كانت عاصمتها القسطنطينية، حتى إن المأمون مات وهو على الحدود الساحلية من نواحي طرسوس يجاهد ويفتح الحصون.
المبحث الثاني
الحياة الثقافية في عصر الإمام أحمد
ما إن نزل المنصور "بغداد" بعد أن ابتناها منتقلًا عن "الهاشمية" إليها حتى نقل إليها خزائنه ودواوينه، وفرغ لنشر العلوم، واستدعى إليها المترجمين، وبدأت حركة الترجمة، فترجم له عالم هندي كتابًا في علم حساب النجوم، وترجم ابن المقفع (106 - 142 هـ) كتب أرسطاطاليس في المنطق، وكتاب "كليلة ودمنة" في الأدب، وكان أول من أنشأ بها مدارس للطب والعلوم الإسلامية.
وكان أبو حنيفة (80 - 150 هـ) قد جلس في الكوفة يؤسس مدرسة الرأي.
ثم جاء المهدي بن المنصور، وكان نقادة للشعر، أديبًا، وفي أيامه وضع له وزيره أبو عبيد الله معاوية بن يسار كتاب "الخراج" ذكر فيه أحكامه الشرعية ودقائقه وقواعده، وكان أول من صنف في الخراج, وتبعه الناس بعد ذلك، فصنفوا في هذا الفن.
وألف.
المفضل الضبي كتابه "المفضليات" المشهور في الأدب.
ثم جاء الرشيد، وكان راغبًا في العلم محبًا للعلماء يجلُّهم ويقرلهم، فاستقضى أبا يوسف صاحب أبي حنيفة، وألف له كلتاب "الخراج" الشهير.
ويذل الرشيد الكثير من المال في سبيل خدمة العلم وتأسيس معاهده ومراكزه، وبلغت بغداد في أيامه مكانة لم تظفر بها مدينة في ذلك العهد، فأنشئت فيها المراصد والمكتبات والبيمارستانات (المشافي الجامعية) والمدارس، وإليه يعزى تأسيس "بيت الحكمة" الذي جمع له من الكتب شيئًا كثيرًا، وكان مجتمع المتصلين بالعلم والمشتغلين بالفن والراغبين في الأدب 1.
وأما أيام الأمين، فقد كانت خافتة في تألقها، ضعيفة في عطائها، قليلة في عددها، بسبب الفتن المتلاحقة بينه وبين أخيه المأمون، حتى انتهت بقتله وأفضت بالخلافة إلى أخيه الذي اتجه إلى "بيت الحكمة" الذي أسسه أبوه، فأفرد لكل عالم ركنًا، فازدحمت جنبات هذا البيت بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأساطين اللغة ورجال الأدب.
فترجم الحجاج بن يوسف بن مطر مصنفات إقليدس وكتاب بطليموس المعروف بالمجسطي 1.
وكان قبل ذلك قد توفي مالك بن أنس (179 هـ) بالمدينة، والليث بن سعد (175 هـ) بمصر، وسفيان الثوري (161 هـ) بالكوفة، والأوزاعي (157 هـ) بالشام.
وهؤلاء كانوا أئمة الناس في الحديث والفقه معًا، يرحل إليهم وتضرب لهم أكباد المطي.
وكان الشافعي قد مات بمصر (204 هـ) بعدما استقر بها وألقى عصا التسيار من الرحلات التي رحلها مترددًا بين مكة واليمن والمدينة والعراق.
ويزغ نجم أئمة الحديث ونقاده وحفاظه، كشعبة بن الحجاج وخالد الحذاء وجرير ابن حازم وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ويزيد بن هارون، وغيرهم.
وترك هؤلاء الأئمة، آثارهم وصنفوا التصانيف في الفقه والحديث على حَدٍّ سواء، فوضع مالك بن أنس كتابه "الموطأ" على نحو بديع لم يسبق إلى مثله أحد، وألف سحنون كتاب "المدونة" في الفقه المالكي بعدما ذاكر بها ابن القاسم فيما رواه من فقه عن شيخه مالك بن أنس.
ووضع سفيان الثوري كتابًا جامعًا في مسائل الفقه إلى جانب كتابه "الجامع" في الحديث.
كما ألَّف الأوزاعي كتاب "السنن"، وألَّف الشافعي كتبه المشهورة المعروفة "الرسالة" في الأصول، و"الأم" و "المبسوط" في الفقه 2، وغيرها.
ودوَّن محمد ابن الحسن فقه أبي حنيفة وأبي يوسف، وفقهه هو ثالث الثلاثة.
وبرز من الكُتَّاب والأدباء والشعراء والإخباريين والنسابة أعلام تألقوا نجومًا في سماء التاريخ، كالخليل بن أحمد، وسيبويه، والأصمعي، وأبي عييد القاسم بن سلام، والجاحظ، وابن قتيية، وابن السِّكِّيت، وابن سعد، والواقدي، ومحمد بن إسحاق بن يسار.
لقد كان عصر الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ- عصر النضج الثقافي إلى جانب النضج السياسي، فالتقى العلماء وتدارسوا الفقه، وكانت الرحلات قد كثرت بين البلدان والأمصار، وكان الإمام أحمد أحد روادها، وأخذ حديث العراقيين يجتمع إلى حديث الحجازيين إلى حديث المصريين إلى حديث الشاميين إلى حديث اليمنيين، وأخذ الفقه يجمع من فلان وفلان وفلان، ويتلاقح، ليظهر في ثوب جديد، بعد أن كان متفرقًا في الأمصار من لدن عهد الصحابة إلى ذلك العهد.
ولا ريب أن الإمام أحمد كان متصلًا بذلك الرصيد الذي تجمع بين يديه ببغداد ورحل إلى مثله في بقية الأمصار.
قال ابن الجوزي: "ابتدأ أحمد - رضي الله عنه - في طلب العلم من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد" 1.
وكان في تلك الرحلات يستوعب ما عند الناس في ذلك الزمن، ولو لم يكن يتفق مع مسلكه، فقد قال أبو بكر الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها 2. ويلغ به الحفظ لما عند سفيان الثوري من المرويات والعلوم حدًا قال فيه عبد الرحمن بن مهدي: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي الثوري فلينظر إلى هذا.
وقال: ما نظرت إلى أحمد إلا ذكرت به سفيان 3.
وعاصر الإمام أحمد تأسيس علم أصول الفقه ومناهج الإستنباط، بل كان تَلْمَذَ لواضعه وأول المصنفين فيه، وهو الإمام الشافعي صاحب "الرسالة" الشهيرة، و"جماع العلم" في الإحتجاج بخبر الواحد، و"إبطال الإستحسان"، وغير ذلك.
كما بزغت شمس المناظرات والمساجلات بين الفقهاء، وكذلك بين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة وغيرهم، وكانت مجالس المأمون مشهورة بذلك الجدل وتلك المناظرات، مما يدل على أن المذاهب في الفقه والكلام أصبحت يانعة ناضجة الثمار، لها رجالها الذابون عنها، وخصومها المحاججون لها الرادون عليها.
وقد صور ابن قتيبة الجانب السلبي مما كان في تلك المناظرات والإحتكاكات، فقال: وكان طالب العلم فيما مضى يسمع ليعلم، ويعلم ليعمل، ويتفقه في دين الله لينتفع وينفخر، فقد صار طالب العلم الآن يسمع ليجمع، ويجمع ليُذكر، ويحفظ ليغالب ويفخر.
وكان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس، فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع، وفيما قد انقرض من حكم الكتابة وحكم اللعان ورجم المحصن، وصار الغرض فيه إخراج لطيفةٍ وغوصًا على غريبةٍ، وردًا على منقدم، فهذا يرد على أبي حنيفة، وهذا يرد على مالك، وآخر يرد على الشافعي بزخرف من القول، ولطيف من الحيل، كأنه لا يعلم أنه إذا رد على الأول صوابًا عند الله بتمويهه فقد تقلد المآثم عن العاملين به دهر الداهرين.
وهذا يطعن بالرأي على ماض من السلف، وهو يرى، وبالإبتداع في دين الله على آخر، وهو يبتدع.
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر، وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الإستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى.
وكان آخر ما وقع من الإختلاف أمرًا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين، وبالإتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون، ويستتر منهم بالنحل ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا، ولا يتضع فيه إلَّا من وضعوا 1.
تلك كانت صورة تقريبية عن الواقع الثقافي للمسلمين في ذلك العصر، ولا ريب أن الثقافة كانت إسلامية على الرغم من كل ما هنالك من الجوانب السلبية، وكانت إلى جانب الثقافة الإسلامية ثقافات ثانوية قد ورثتها الشعوب التي دخلت تحت دولة الإسلام، كالثقافة الفارسية والثقافة اليونانية والثقافة الرومانية والثقافة الهندية.
وتعتبر الثقافة الفارسية آخذة بالحظ الأوفر في التعايش مع الثقافة الإسلامية والعربية؛ لاْن الدولة الفارسية سقطت بكاملها في أيدي المسلمين.
ومن أجل ذلك ظهرت الحركة الشعوبية في تلك التخوم، وذَرَّ قرنُ الزندقة والنِّحلِ الداعية إلى إحياء ما كان قد اندرس من الزرادشتية والمانوية والمزدكية وغيرها.
المبحث الثالث
الحياة الإجتماعية في عصر الإمام أحمد
الحياة الإجتماعية هي وليدة الحياة السياسية والحياة الثقافية، وقد سبق في تصوير الحياة السياسية بيان كيف اختلط العنصر العجمي بالعنصر العربي في المجتمع الإسلامي غب ميلاد الدولة العباسية.
فقد ازدحمت بغداد بالفرس والترك إلى جانب العرب، بل كان هناك العنصر الرومي والهندي والزنجي، ولا يخفى ما في تلك الغزوات المتتالية لبلاد الروم مما كان يأسر المسلمون فيها من الرجال وَيسْبُون من النساء، بالإضافة إلى أن الفضل ابن يحيى البرمكي قد جنَّد خمس مئة ألف من الفرس بخراسان، وأدخل منهم عشرين ألفًا إلى بغداد، وأما المعتصم فقد اتخذ هو الآخر عشرين ألفا من غلمان الترك وبوأهم "سامراء" مدينة يعيشون فيها ويقومون على الشؤون المدنية المختلفة لعاصمة الخلافة.
وتسارع الناس في اقتناء الإماء واستيلادهن والرفع من شأنهن، حتى صار المولدون منهن في سدة الخلافة، فكانت أم الرشيد أم ولد يمانية اسمها "الخَيْزُران" وكانت أم المأمون أم ولد أيضًا اسمها "مراجل" باذغيسية، وكذلك المعتصم، فقد كانت أمه أم ولد تركية اسمها "ماردة".
وقد أجمل الحافظ الخطيب البغدادي وصف مدينة السلام، وما كانت تنعم به من الهناء والحياة الكريمة لأهلها، فقال: قال أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي: ثم إن بغداد
سميت حين سكنت: مدينة السلام، فليس في الأرض مدينة على هذا الاسم غيرها، وكان بعض إخواننا إذا ذكرها يقرأ قول الله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15].
قال أبو الحسين: هذا إلى تركنا ذكر أشياء كثيرة من مناقبها التي أفردها الله بها دون سائر الدنيا شرقا وغربًا، ويين ذلك من الأخلاق الكريمة، والسجايا المرضية، والمياه العذبة الغدقة، والفواكه الدمثة، والأموال الجميلة، والحذق في كل صنعة، والجمع لكل حاجة، والأمن من ظهور البدع، والاغتباط بكثرة العلماء والمتعلمين، والفقهاء والمتفقهين، ورؤساء المتكلمين، وسادة الحساب والنحوية، ومجيدي الشعراء، ورواة الاْخبار والأنساب، وفنون الآداب، وحضور كل طرفة، واجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد، لا يوجد ذلك في بلد من مدن الدنيا إلا بها، سيما زمن الخريف.
ثم إن ضاق مسكن بساكن وجد خيرًا منه، وإن لاح له مكان أحب إليه من مكانه لم يتعذر عليه النقلة إليه من أي جانب من جانبيه أراده، ومن أي طرف من أطرافه خف عليه.
ومتى هرب أحد من خصمه وجد من يستره في قرب أو بعد، وإن آثر أن يستبدل دارًا بدار أو سكة بسكة أو شارعًا بشارعِ أو زقاقًا بزقاق وغير ذلك من التبديل اتسع له الإمكان في ذَلك حسب الحَالة والوقت.
ثم عيون التجارًا المجهزين والسلاطين المعظمين، وأهل البيوتات المبجلين في ناحية ناحية، تنبعث الخيرات بهم إلى الذين هم في الحال دونهم غير منقطع ذلك ولا مفقود، فهي من خزائن الله العظام التي لا يقف على حقيقتها إلا هو وحده 1.
هكذا كان مسقط رأس الإمام أحمد ومهد أيامه الأولى، وفيها كان مستقره من بعد الرحلات التي قضاها في حواضِرِ العالم الإسلامي طلبًا للعلم وحرصًا على جمع الحديث من أئمته وأساطينه.
المبحث الرابع
سيرة الإمام أحمد
حياة الإمام أحمد لم تسجل تسجيلًا عاديًا ولم تحفظ لنا في سطور، بل هي حياة حافلة بالمآثر، مليئة بالمناقب، انبرى للتأليف فيها ثلة من المؤرخين والعلماء وأصحاب التراجم، ذلك أن الزهد لا يذكر إلا وذكر معه هذا الإمام، ولا تذكر السنة إلا وأحمد إمامها، ولا يذكر الحديث وأهله إلا والإمام أحمد مرجع الناس في علله وحفظ متونه وأسانيده ورجاله.
وهكذا نجد الامام أحمد على غير العادة يترجم له في طبقات الزهاد وفي طبقات الحفاظ وفي طبقات الفقهاء وغير ذلك.
ولهذا لا نستطيع أن نقدم في هذه الوجازة إلا عبون سيرته ومناقبه وأخباره، وذلك حسب التقسيم التالي:
الطور الأول: النشأة والطفولة.
الطور الثاني: طلبه للعلم والرحلة فيه.
الطور الثالث: حياة الإمام أحمد في بغداد إلى بداية المحنة.
الطور الرابع: المحنة: أسبابها ومراحلها ونتائجها.
الطور الأول
النشأة والطفولة
ينسب الإمام أحمد بن حنبل إلى جده الأدنى، واسمه الكامل: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله.
وينتهي نسب الإمام أحمد إلى شيبان بن ذُهل بن ثعلبة، فكان نسبهُ في العرب شيبانيًا صريحًا.
وقد وقع خَطَأٌ في نسبه من بعض النُّساب صححه الخطيب البغدادي، فنُسب إلى بني ذهل بن شيبان.
وسبب الخطأ هو أن ذهل بن شيبان اسم لعم ذهل بن ثعلبة الواقع في سياق نسب الإمام أحمد 1.
وكان جد الإمام، وهو حنبل بن هلال، من مؤسسي الدولة العباسية، فقد كان من أبناء الدعوة إليها بعدما كان واليًا للأمويين.
وكان أبوه محمد من أجناد مرو، مات شابًا في سن الثلاثين تقريبًا 2.
وكان مولد الإمام أحمد ببغداد، جاءت به أمه صفية بنت ميمونة الشييانية من مرو وهو حمل في بطنها، على الراجح من الروايات، وعلى ما صرح به هو عن نفسه، إذ قال: قدم بي من خراسان وأنا حمل، وولدت هاهنا، ولم أر جدي ولا أبي 3.
وكان مولده -رَحِمَهُ اللهُ- في ربيع الأول سنة 164 هـ، وقيل في ربيع الآخر، ولكن لم يختلف في سنة ولادته، فقد صرح هو عن نفسه بذلك في غير ما رواية.