الوصايا: جمع وصية.
مثل: العطايا جمع عطية.
والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُتِب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إنْ ترك خيراً الوصيةُ﴾ [البقرة: 180]، وقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾ [النساء: 11].
وأما السنة؛ فما روى سعد بن أبي وقاص قال: «جاءني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ حجةِ الوداعِ يعودني من وجعٍ اشتدّ بي.
فقلتُ: يا رسولَ الله! قد بلغَ بي من الوجعِ ما ترى.
وأنا ذو مالٍ 1 ولا يرثني إلا ابنةٌ.
أفَأَتصدّقُ بثلُثَي مالي؟ قال: لا.
قلتُ: فبالشطرِ؟ قال: لا.
قلت: فبالثلثِ؟ قال: الثلثُ والثلثُ كثير.
إنكَ أن تذرَ ورثتكَ أغنياء، خيرٌ من أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكَفّفُونَ الناس» 2.
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حَقُ 3 امرئٍ مسلمٍ، لهُ شيء يُوصي فيهِ، يَبيتُ ليلتينِ إلا ووصيتهُ مكتوبةٌ عندَه» 4 متفق عليهما.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأمر بالتصرف بعد الموت.
والوصية بالمال هي: التبرع به بعد الموت.
وتصح من البالغ الرشيد، عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً.
ومن السفيه في أصح الوجهين.
ومن الصبي العاقل إذا جاوز العشر.
ولا تصح ممن له دون السبع.
وفيما بينهما روايتان).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأمر بالتصرف بعد الموت؛ فهو بيان لمعنى أحد ضربي الوصية، وذلك أن الوصية على ضربين أحدهما: أن يوصي إلى رجل على ولده، أو في تفريق ثلثه، أو ما أشبه ذلك.
فهذه هي الأمر بالتصرف بعد الموت.
وفي قوله: بعد الموت احترازاً من الوكالة؛ فإنها أمرٌ بالتصرف لكن في الحياة.
وأما قوله: والوصية بالمال 1 هي التبرع به بعد الموت؛ فبيان لمعنى الضرب الآخر وذلك أن الضرب الثاني: أن يوصي مثلاً لزيد بشيء.
فهذه هي التبرع بالمال بعد الموت.
وفي قوله: بعد الموت احترازاً عن الهبة؛ فإنها تبرعٌ بالمال لكن في الحياة.
وأما قوله: وتصح من البالغ... إلى آخره فعائدٌ إلى الوصية بالمال؛ لأن الوصية على الولد لا تصح من فاسقٍ ولا سفيهٍ، ولا يتصور من صبيٍّ لم يجاوز العشر.
أما كون الوصية بالمال من البالغ الرشيد تصح فلا شبهة فيها؛ لأن ذلك يصح تصرفه في ماله حياته.
فكذا مماته.
وأما كونها تصح من الفاسق كالعدل؛ فلاشتراكهما في صحة تصرفهما في الحياة.
وأما كونها تصح من المرأة كالرجل، ومن الكافر كالمسلم؛ فلما ذكر في الفاسق والعدل.
وأما كون السفيه تصح وصيته في أصح الوجهين؛ فلأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله، وليس في وصيته إضاعة لماله؛ لأنه إن عاش كان له، وإن مات كان له ثوابه، وهو حينئذٍ لا يحتاج إلا إلى الثواب.
وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فلأنه تصرف.
فلم يصح من السفيه؛ كبيعه.
وأما كونها تصح من الصبي العاقل إذا جاوز العشر؛ فـ «لأن صَبياًّ من غسان له عشرُ سنين أوصَى لأخوالٍ له.
فرفعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فأجازَ وصيتَه» 2 رواه سعيد.
ولأنه يميز بين ما ينفعه وما يضره، ولهذا ضُرِبَ في الصلاة 3.
ولأنه لا ضرر عليه في ذلك؛ لما ذكر في السفيه.
وأما كونها لا تصح ممن له دون سبع سنين؛ فلأنه لا تمييز له.
وأما كونها تصح ممن له سبع ولم يجاوز العشر في روايةٍ؛ فلأنه يميز في الجملة، ولذلك أُمِرَ بالصلاة.
وأما كونها لا تصح في روايةٍ؛ فلأنه ضعيف الرأي، ضعيف الأخذ لنفسه.
فكان إلحاقه 1 بمن له دون سبع سنين أولى.
قال: (ولا تصح من غير عاقلٍ؛ كالطفل، والمجنون، والمبرسم.
وفي السكران وجهان).
أما كون الوصية من غير عاقلٍ؛ كالطفل، والمجنون، والمبرسم: لا تصح؛ فلأنه لا حكم لكلامهم، ولا تصح عبادتهم ولا شيء من تصرفاتهم.
فكذا الوصية بل أولى؛ لأنه إذا لم يصح إسلامه ولا صلاته التي لا ضرر فيها.
فلئلا يصح بذله لمالٍ يتضرر به وارثه بطريق الأولى.
ولأنه تصرفٌ يفتقر إلى إيجاب وقبول.
فلم يصح ممن ذكر؛ كالبيع والهبة.
وأما كون وصية السكران لا تصح من وجهٍ؛ فلأنه زائل العقل.
أشبه المجنون.
وأما كونها تصح في وجهٍ؛ فلأنه يقع طلاقه.
فصحت وصيته بالقياس عليه.
وفرّق المصنف في المغني بين الطلاق والوصية من حيث: إن الطلاق وقع تغليظاً؛ لارتكابه المعصية.
بخلاف الوصية فإنه لا ضرر عليه فيها بل الضرر على وارثه.
قال: (وتصح وصية الأخرس بالإشارة.
ولا تصح وصية من اعتقل لسانه بها.
ويحتمل أن تصح).
أما كون وصية الأخرس تصح بالإشارة؛ فلأن إشارته أُقيمت مقام نطقه في طلاقه ولعانه وغيرهما.
فكذلك يجب أن تقوم مقامه في وصيته.
وأما كون وصية من اعتقل لسانه لا تصح بالإشارة على المذهب؛ فلأنه غير مأيوس من نطقه.
فلم تصح وصيته بالإشارة؛ كالقادر على الكلام.
وأما كونها يحتمل أن تصح؛ فلأنه غير قادرٍ على الكلام.
أشبه الأخرس.
قال: (وإن وجدت وصيته بخطه صحت.
ويحتمل أن لا تصح حتى يشهد عليها).
أما كون الوصية المذكورة تصح على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما حقُ امرئٍ مسلمٍ، له شيء يوصِي فيه، يبيتُ ليلتينِ إلا ووصيتهُ مكتوبةٌ عندَ رأسِه» 1. فلو لم تكن الكتابة كافية لم يكن في كتابة الوصية فائدة.
والشرع لا يحثّ على ما لا فائدة فيه.
وأما كونها يحتمل أن لا تصح حتى يشهد عليها؛ فلأن المثبت للشيء شهادة الشهود لا الكتابة.
بدليل البيع والهبة وغير ذلك من العقود.
فصل [في حكم الوصية]
قال المصنف رحمه الله: (والوصية مستحبةٌ لمن ترك خيراً.
وهو: المال الكثير بخمس ماله.
ويكره لغيره إن 1 كان له ورثة.
فأما من لا وارث له فتجوز وصيته بجميع ماله.
وعنه: لا تجوز إلا بالثلث).
أما كون الوصية لمن ترك خيراً مستحبة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿كُتِب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إن ترك خيراً الوصيةُ﴾ [البقرة: 180]. نُسخ الوجوب وهو المنع من الترك.
بقي الرجحان وهو المستحب.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقولُ الله عز وجل: يا ابنَ آدمَ! جعلتُ لكَ نصيباً من مالكَ حينَ أخذتُ بِكَظْمِكَ لأُطَهِّرَكَ وأُزَكِّيك» 2. رواه ابن ماجة.
وكل شيء حصل التطهير والتزكية يكون فعله مستحباً.
وأما قول المصنف رحمه الله: لمن ترك خيراً فمشعرٌ بأن الوصية لا تستحب لمن لم يترك خيراً.
وهو صحيح؛ لأن الله تعالى شرط ترك الخير بقوله: ﴿إن ترك خيراً﴾ [البقرة: 180]، والمعلّق على شرطٍ عدمٌ عند عدمه.
وأما كون الخير هو المال الكثير؛ فلأنه هكذا فُسّر، واختلف العلماء في مقداره فروي عن الإمام أحمد: أنه إذا ترك دون الألف لا يستحب له الوصية.
فيدل على أنه لو ترك ألفاً فصاعداً يستحب له الوصية.
ومن شرط الاستحباب عنده: أن يترك كثيراً فيلزم أن يكون ذلك كثيراً عنده.
وعن علي: أربعمائة دينار.
وعن ابن عباس: سبعمائة درهم.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة فلا تستحب الوصية؛ لأن النبي علل المنع بقوله: «إنكَ أن
تذرَ ورثتكَ أغنياء خيرٌ من أن تدعهمْ عالةً يتكففونَ الناس» 1. فدل على أن المتروك إذا كان يَفضل عن غنى الورثة يكون عنده كثيراً.
وأما كون القدر الموصى به على سبيل الاستحباب الخمس؛ فلما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه «أنه أوصى 2 بالخمس.
وقال: رضيتُ بما رضيَ اللهُ لنفسهِ به.
يعني قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]» 3.
وعن علي: «لأن أُوصي بالخمسِ أحبُّ إلىّ من الربع» 4.
وأما كون الوصية تكره لغير من ترك خيراً إن كان له ورثة؛ فلأنه عدل عن صلة أقاربه المحاويج إلى الأجانب.
وعن الشعبي «ما منْ مالٍ أعظم أجراً من مال يتركه الرجل 5 لولدهِ يغنيهمْ به عن الناس».
[ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من الوصية بزيادة على الثلث بأنه يدع ورثته عالة يتكففون الناس] 6. وهو موجودٌ هاهنا.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ابدأ بنفسكَ ثم بمنْ تَعُول» 7، والورثة ممن يعول.
فلا يقدم عليهم الأجانب.
وأما كون من لا وارث له تجوز وصيته بجميع ماله على المذهب؛ فلأن المنع من الوصية بأكثر من الثلث لحق الوارث.
فإذا لم يكن وارثٌ وجب أن يزول المنع لزوال علته.
وأما كونه لا يجوز إلا بالثلث على روايةٍ؛ فلأن له من يعقل عنه.
فمُنِع من
الزيادة على الثلث من أجله؛ كالوارث.
ولأن لبيت المال حقاً في ماله.
أشبه الوارث.
قال: (ولا يجوز لمن له وارث بزيادةٍ على الثلث لأجنبي، ولا لوارثه بشيء إلا بإجازة الورثة.
إلا أن يوصي لكل وارثٍ بمعين بقدر ميراثه فهل يجوز؟ على وجهين).
أما كون الوصية لمن له وارث لا تجوز لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثلث بغير إجازة الورثة 1؛ فلما تقدم من حديث سعد بن أبي وقاص 2.
وأما كونها لا تجوز لوارثه بشيء غير معين بغير إجازة الورثة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله أَعطَى كلَّ ذِي حقّ حقهُ.
فلا وصيةَ لوارِث» 3 رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.
وقال: حديث صحيح.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من عطية بعض ولده في الصحة مع إمكان تلافي العدل وقوة الملك.
ففي حال مرضه وموته أولى.
وأما كون الوصية لكل وارثٍ بمعينٍ بقدر ميراثه؛ كرجلٍ مات وخلّف ابناً، وبنتاً، وعبداً قيمته مائة، وأمة قيمتها خمسون.
فأوصى بالعبد للابن، وبالأمة 4 للبنت: تصح بغير إجازة كل واحدٍ منهما للآخر على وجهٍ؛ فلأن حق الوارث في القدر لا في العين.
بدليل ما لو عاوض المريض بعض ورثته أو أجنبياً.
وأما كونها لا تصح إلا بإجازة كل واحدٍ 5 منهما للآخر على وجهٍ؛ فلأن في الأعيان غرضاً صحيحاً.
فكما لا يجوز إبطال حق الوارث من القدر.
فكذا لا يجوز من العين.
وأما كون جميع ذلك يجوز بإجازة الورثة؛ فسيأتي ذكره فيما بعد.
إن شاء الله تعالى.
قال: (وإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصّوا فيه، وأدخل النقص على كل واحد بقدر وصيته.
وعنه: يقدم العتق).
أما كون أرباب الوصايا يتحاصّون في الثلث إذا لم يف بها، وكون النقص يدخل على كل واحدٍ بقدر وصيته على المذهب؛ فلأنهم تساووا في الأصل وتفاوتوا في المقدار.
فوجب أن يتحاصّوا.
ويدخل النقص على ما ذكر؛ كالورثة إذا كانت مسألتهم عائلة.
وأما كون العتق يُقدم على روايةٍ؛ فلأنه آكد.
بدليل سرايته ونفوذه في الملك المحجور عليه في التصرف فيه كالرهن ونحوه، والمؤكد مقدم على غيره.
قال: (وإن أجاز الورثةُ الوصيةَ جازت.
وإجازتهم تنفيذٌ في الصحيح من المذهب لا تفتقر إلى شروط الهبة.
ولا تثبت أحكامها فيها.
[فلو كان المجيزُ أباً للمجاز له لم يكن له الرجوع فيه، ولو كان المجاز عتقاً كان الولاء للموصي يختص به عصبته، ولو كان وقفاً على المجيزين صح.
وعنه: ما يدل على أن الإجازة هبةٌ فتنعكس هذه الأحكام] (1».
أما كون الوصية إذا أجازها الورثة جازت؛ فلأن المنع من أجلهم فإذا جازوا وجب أن يجوز لزوال علة المنع.
وعن الإمام أحمد: لا تجوز لوارثٍ وإن أجازها بقية الورثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وَصيةَ لوارِث» 2، وذلك عامٌ مع الإجازة وعدمها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأنه تصرفٌ صدر من أهله في محله.
فصح؛ كما لو وصى لأجنبيٍ بزيادةٍ على الثلث فأجازه الورثة.
والخبر المذكور قد روي فيه: «... إلا أن يجيز الورثة» 3. ثم لو خلا من الاستثناء فمعناه: لا وصية لازمةٌ أو نافذة.1
وأما كون إجازة الورثة تنفيذاً على الصحيح من المذهب؛ فلأنها إمضاءٌ لقول الموروث، ولا معنى للتنفيذ إلا ذلك.
فعلى هذا لا تفتقر إلى شروط الهبة ولا تثبت فيها أحكامها؛ لأنها ليست بهبة.
وأما كونها هبةً على روايةٍ؛ فلأن الورثة يتمكنون من إبطالها.
فإذا أمضوها فكأنهم 1 وهبوا ذلك من عندهم.
ولأن الوصية موقوفةٌ على قولهم.
أشبه ما لو لم يتقدم ذلك وصية 2.
فعلى هذا تفتقر إلى شروط الهبة من الإيجاب والقبول والقبض وما أشبه ذلك، وتثبت فيها أحكامها.
فيملك المجيز الرجوع إن كان ممن يملكه في الهبة، وما أشبه ذلك.
وسيذكر إن شاء الله تعالى 3.
وهذا الخلاف مبني على أن الوصية لوارثٍ بشيء أو لأجنبيٍ بزيادةٍ على الثلث هل هي صحيحة موقوفة على إجازة الورثة، أم لا تصح بالكلية؟
فإن قيل: هي صحيحةٌ 4 كانت إجازتهم تنفيذٌ؛ لأن 5 الإجازة تنفيذٌ في الحقيقة.
وإن قيل: هي باطلةٌ كانت إجازتهم هبة؛ لأن وجود الوصية من الموروث كالعدم.
ولأن هذا شأن الباطل.
وقد تقدم أن الصحيح في المذهب أن الوصية فيهما صحيحة، وإنما تقف على الإجازة.
فلتكن إجازة الورثة تنفيذاً على الصحيح؛ لأن المبني على الشيء يتبعه صحة وفساداً.
فعلى هذا للاختلاف فوائد:
·? منها: أن رجلاً لو 6 أوصى لابن أخيه بشيءٍ زائدٍ على الثلث وكان أبو ابن الأخ وارثاً لأخيه فأجاز لابنه:
فإن قيل: الإجازة تنفيذٌ لم يملك الرجوع؛ لأن الأب يرجع فيما وهب لا فيما وهبه 1 غيره.
وإن قيل: هي هبة فله الرجوع؛ لما تقدم في باب الهبة 2.
·? ومنها: أن رجلاً لو أعتق عبداً زائداً على الثلث فأجاز الورثة العتق:
فإن قيل: الإجازة تنفيذ كان الولاء للموصي؛ لأنه هو الذي أعتقه، وفي الحديث: «إنما الولاءُ لمن أَعتَق» 3. فتختص به عصبته؛ كما لو أعتقه في صحته.
وإن قيل: الإجازة هبة كان الولاء مشتركاً بين كل الورثة من العصبة وغيرهم؛ كما لو باشروا عتق عبدٍ مشتركٍ بينهم.
·? ومنها: أن رجلاً لو وقف على بنيه شيئاً:
فإن قيل: الإجازة تنفيذٌ صح الوقف روايةً واحدة؛ لأن الواقف عليهم أبوهم لا هم.
وإن قيل: الإجازة هبة خُرِّج في صحة الوقف الروايتان المذكورتان في باب الوقف فيما إذا وقف إنسان على نفسه.
هذا شرح كلام المصنف رحمه الله.
واعلم أن كلام المصنف رحمه الله يحتاج إلى زيادة تحرير وذلك أن قوله: فلو كان المجيز أباً لم يكن له الرجوع فيه، ولو كان المجاز عتقاً كان الولاء للموصي يختص به عصبته، ولو كان وقفاً على المجيزين صح.
وعنه: ما يدل على أن الإجازة هبة فتنعكس هذه الأحكام.
يُفهم منه أنه إذا قيل: الإجازة هبة كان للأب الرجوع في جميع ما وصى به لابنه، وكان جميع الولاء مشتركاً بين العصبة وبين غيرهم من الورثة، وكان الوقف في صحة جميعه روايتان:
والأول: مدخول من حيث إن الأب لا يملك الرجوع في قدر الثلث روايةً واحدةً، وإنما الخلاف في الزائد على الثلث.
والثاني: مدخول من حيث إن العصبة يختصون بثلث الولاء روايةً واحدةً، وإنما
الخلاف فيما زاد.
والثالث: مدخول من حيث إن الوقف يصح في قدر الثلث روايةً واحدةً من هذه الجهة، وإنما الخلاف فيما زاد.
وتحرير العبارة في ذلك أن يقول: فلو كان المجيز أباً لم يكن له الرجوع في الزائد على الثلث.
ولو كانت الوصية عتقاً كان ثلثا الولاء كالثلث في اختصاصه بالعصبة.
ولو كانت وقفاً على المجيزين صح فيما زاد على الثلث.
ثم بعد ذلك يقول: وعنه هي هبة.
فتنعكس هذه الأحكام.
ولقائل أن يقول: لفظ الإجازة مشعرٌ بأنها في موضع يفتقر إليها وذلك إنما يكون في الزائد على الثلث أو في الوصية لوارث فكان كلام المصنف رحمه الله في جميع ما ذكر عائداً 1 إلى الزائد على الثلث.
ويؤيد ذلك أن قوله: ولو كان المجاز معناه: ولو كان الذي تعتبر إجازته.
وهذا صحيح إلا أنه فيه غموضٌ لا يكاد يُفهم، ولذلك صرح بقية المصنفين بالحكم بالنسبة إلى جميع الوصية وفصّلوا كما ذكرت لك.
ثم يصح أن يقال: أوصى زيدٌ بعتق عبدٍ لا مال له سواه فأجاز الورثة وصيته.
ويُفهم منه مجموع الوصية لا بعضها.
قال: (ومن أوصى له وهو في الظاهر وارث فصار عند الموت غير وارثٍ صحت الوصية له 2. وإن وصى له وهو غير وارث فصار وارثاً بطلت؛ لأن اعتبار الوصية بالموت).
أما كون الوصية تصح في الصورة الأولى وتبطل في الثانية؛ فلما علل المصنف رحمه الله.
وأما تعليله ففيه تنبيهٌ على الفرق بين الوصية وبين الإقرار؛ لأنه لو أقرّ لوارثٍ ثم صار عند الموت غير وارثٍ لم يصح الإقرار.
بخلاف العكس؛ لأن الإقرار لوارثٍ مُنع منه للتهمة وهي موجودة عند الإقرار لا عند الموت.
بخلاف الوصية فإن المانع كونه وارثاً عند الموت؛ لأنها حالة التمليك.
قال: (ولا تصح إجازتهم وردّهم إلا بعد موت الموصي.
وما قبل ذلك لا عبرة به).
أما كون إجازة الورثة وردّهم قبل الموت لا تصح؛ فلأنها 1 حقٌ لم يملكوه.
فلم يصح فيما ذكر؛ كالمرأة تسقط مهرها قبل النكاح، والشفيع يسقط شفعته قبل البيع.
[وأما كون ذلك يصح بعد الموت؛ فلأنه حق لهم حينئذ؛ كالمرأة تسقط مهرها بعد النكاح، والشفيع يسقط شفعته بعد البيع] 2.
ولأنه إسقاطُ حقٍّ ملكوه.
فصح؛ كسائر الحقوق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وما قبل ذلك لا عبرة به فزيادة إيضاح وبيان؛ لأن الإجازة والرد 3 إذا لم يصحا قبل الموت عُلم أنه لا عبرة بذلك في ذلك الوقت.
قال: (ومن أجاز الوصية ثم قال: إنما أجزتُ لأنني ظننت المال قليلاً فالقول قوله مع يمينه.
وله الرجوع بما زاد على ظنه في أظهر الوجهين.
إلا أن يقوم عليه بينة.
وإن كان المجاز عيناً فقال: ظننتُ باقي المال كثيراً: لم يقبل قوله في أظهر الوجهين).
أما كون القول قول المجيز في الصورة الأولى في وجهٍ مع عدم البينة؛ فلأن الإجازة: إما تنفيذ وإما هبة، وكلاهما لا يصح في المجهول، وقد ادّعاه مع كونه مجهولاً.
ولأنه يحتمل صدقه فلا يحصل للموصى له نقل الملك.
ويحتمل كذبه فيحصل له ذلك.
وإذا احتمل واحتمل وجب بقاء الأمر على ما كان عملاً بالاستصحاب.
وأما كونه لا يقبل قوله فيها في وجهٍ؛ فلأنه قولٌ يُسقط حق الغير بعد الإقرار به.
فلم يقبل؛ كالإنكار بعد الإقرار.
والأول أظهر؛ لما تقدم.
والفرق بين ذلك وبين الإقرار ظاهر، وذلك أن الموجب للملك هنا قوله: أجزته ولم يتحقق، وفي الإقرار ليس كذلك.
ضرورة كونه مالكاً قبله، وإنما الإقرار أظهره.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلأنه يحتمل كذبه.
وأما كونه يرجع بما زاد على ظنه إذا قيل القول قوله؛ فلأنه إذا قيل القول قوله لم يكن الموجب للنقل متحققاً بالنسبة إليه.
وأما كونه لا يقبل قوله وجهاً واحداً إذا قامت عليه البينة؛ فلأنها تكذبه.
ولم يتعرض المصنف رحمه الله إلى صفة ما تقوم به البينة، وصرح أبو الخطاب بأنها تشهد أنه كان عالماً بمقدار الزيادة حين إجازته.
وأما كونه في الصورة الثانية لا يقبل قوله في أظهر الوجهين؛ فلأن العبرة بالموصى به وهو معلومٌ [لا جهالة فيه] 1.
وأما كونه يقبل قوله في وجهٍ؛ فلأنه يمكن صدقه.
ولأنه قد يسمح بذلك ظناً منه أنه يبقى له ما يكفيه.
فإذا بان بخلافه لحقه الضرر في الإجازة.
فقبل قوله؛ كالمسألة قبلها.
وأما كون الأول أظهر بخلاف ما تقدم؛ فلما ذكر.
وفيه تنبيهٌ على الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة قبلها من حيث: إن المجاز هنا معلوم، وفي التي قبلها هو غير معلوم.
[فإن قيل: ما صورة المسألتين؟
قيل: صورة الأولى: أن تكون الوصية بجزءٍ كالنصف أو الثلثين أو ما أشبههما.
فيجيز الوصية بناء على أن المال المخلف عن موروثه قليل كمائةٍ أو نحوها ثم يبين له أنه كثيرٌ كألفٍ أو نحوه.
فيدعي أنه إنما أجاز بناء على ذلك.
فيقبل قوله فيما زاد على ظنه، وهو في مسألة النصف مائة وخمسون، وفي مسألة الثلثين ثلثمائة.
ويبقى للموصى له في مسألة النصف ثلثمائة وخمسون؛ لأنه له ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث وقد أجاز له ستة عشر وثلثين؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث المائة المظنونة ونصفها.
وفي مسألة الثلثين له ثلثمائة وستة وستون
وثلثان؛ لأنه له ثلث الألف ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث وقد أجاز له ثلاثة وثلاثين وثلثاً؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث المائة المظنونة وثلثيها.
وصورة الثانية: أن تكون الوصية بعبدٍ معينٍ قيمته ستمائة.
فيجيز الوصية بناء على أن باقي المال المخلّف عن موروثه كثيرٌ كألف.
ثم يبين له أنه قليل كستمائة.
فيدعي أنه إنما أجاز بناء على ذلك.
فعلى الأظهر جميع العبد للموصى له، وعلى الآخر له ثلثا العبد وتسعه؛ لأنه له ثلث المال بالأصل وهو أربعمائة وقد أجاز له ستة وستين وثلثين؛ لأن ذلك هو ما بين ثلث الألف وستمائة المظنونة قيمة العبد.
فإن قيل: الفرق المتقدم ذكره إنما يتحقق بين المشاع والمعين لا بين العين وغير العين، وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بالعكس.
قيل: ما ذكر صحيح.
غير أن العين يلزم منها أن تكون معينة.
ومدار الفرق على ذلك لا على العين] 1.
قال: (ولا يثبت الملك للموصى له إلا بالقبول بعد الموت.
فأما قبوله وردّه قبل الموت فلا عبرة به).
أما 2 كون الملك للموصى له لا يثبت إلا بالقبول؛ فلأن الوصية تمليكٌ لمن هو من أهل الملك.
فلم يثبت إلا بالقبول؛ كالهبة والبيع.
ولا بد أن يُلحظ أن الموصى له معين.
فإن كان غير معين 3 كالفقراء والمساكين وبني هاشم: لم يفتقر ثبوت الملك في الوصية إلى القبول، ولزمت بمجرد الموت؛ لأن اعتبار القبول من جميعهم متعذرٌ.
فسقط؛ كالوقف عليهم.
وأما كون القبول بعد الموت؛ فلأن الوصية تمليكٌ بعد الموت.
فكان القبول حينئذ.
وأما كون القبول والرد قبل الموت لا عبرة به؛ فلأن قبل الموت لم يثبت للموصى له حق، ولذلك لم يصح ردّ الورثة ولا إجازتهم قبل الموت.
قال: (وإن مات الموصَى له قبل موت 1 الموصي بطلت الوصية.
وإن ردّها بعد موته بطلت أيضاً.
وإن مات بعده وقبل الرد والقبول قام وارثه مقامه.
ذكره الخرقي.
وقال القاضي: تبطل الوصية على قياس قوله).
أما كون الوصية تبطل [إذا مات الموصى له قبل موت الموصي] 2؛ فلأنها عطية صادفت المعطي ميتاً.
فبطلت؛ كما لو وهب لميتٍ شيئاً.
وأما كونها تبطل إذا ردّها بعد موته؛ فلأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه.
أشبه عفو الشفيع عن الشفعة بعد البيع.
ولا بد أن يُلحظ في هذا البطلان أن يكون الرد بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له.
فلو قَبِل وقبض، أو قَبِل ولم يقبض، وكان غير مكيلٍ أو موزونٍ ثم ردّ: لم تبطل الوصية؛ لأن ملكه استقر عليه.
أشبه ما لو ردّ سائر ملكه.
وأما كون وارث الموصى له يقوم مقامه إذا مات بعد الموصي وقبل الرد والقبول على ما ذكره الخرقي؛ فلأن الرد والقبول حقٌ ثبت للموروث.
فثبت للوارث بعد موته؛ لقوله عليه السلام: «من ترك حقاً فلِوَرَثَتِه» 3، وكخيار الرد بالعيب.
وأما كونها تبطل على قول القاضي على قياس قول الإمام أحمد؛ فلأن هذا في معنى سقوط خيار المجلس، والشرط، والشفعة بالموت، ولا يقوم الوارث في ذلك مقام موروثه.
نص عليه أحمد.
فكذا هنا.
ولأن الوصية عقدٌ يفتقر إلى القبول.
فيبطل بموت الموصي قبل القبول؛ كالهبة.
قال: (وإن قبلها بعد الموت ثبت الملك حين القبول في الصحيح.
فما حدث قبله من نماء منفصل فهو للورثة، وإن كان متصلاً تبعها.
وإن كانت الوصية بأمة فوطئها الوارث قبل القبول وأولدها: صارت أم ولد له، ولا مهر عليه، وولده حر لا تلزمه قيمته، وعليه قيمتها 1 للموصي.
وإن أوصى لرجلٍ بزوجته فأولدها قبل القبول: لم تصر أم ولد له، وولده رقيق.
ومن أوصي له بأبيه فمات قبل القبول.
فقبل ابنه: عتق الموصى به حينئذٍ ولم يرث شيئاً.
ويحتمل أن يثبت الملك حين الموت فتنعكس هذه الأحكام).
أما كون الملك يثبت مع كمال الشروط فيه حين القبول لا قبله على الصحيح من المذهب؛ فلأن الوصية تمليكٌ لمعين تفتقر إلى القبول.
فلم يسبق الملك فيها القبول؛ كسائر العقود.
ولأن القبول من كمال السبب، والحكم لا يتقدم سببه.
ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل.
فعلى هذا ما حدث قبل القبول من نماء منفصل فهو للورثة؛ لأنه نماء ملكهم.
وإن كان متصلاً تبع العين الموصى بها؛ لأنه لا يمكن انفصاله.
فتبعت الأصل؛ كالفسوخ والرجوع في الهبة.
وإن كانت الوصية بأمة فوطئها الوارث قبل القبول وأولدها: صارت أم ولده؛ لأنه وطئ مملوكته.
ولا مهر عليه؛ لأن الإنسان لا يجب عليه مهر من وطء مملوكته.
وولده حر؛ لأنه من وطء في ملك.
ولا تلزمه قيمته؛ لأنه لا حق لأحدٍ فيه بل انعقد جزءاً من وطء في ملكه.
وعليه قيمة الأمة للموصي؛ لأنه فوّتها عليه.
أشبه ما لو أتلفها.
وإن وصى لرجلٍ بزوجته فأولدها قبل القبول لم تصر أم ولد له.
وولده رقيق؛ لأنه من وطء في ملك غيره.
وإن وصى له بأبيه فمات قبل القبول فقبل ابنه: عتق الموصى به عند قبول
الابن؛ لأن الملك حينئذ وجد.
والقاتل له ابن ابنه.
فعتق عليه؛ لكونه من ذوي رحمه.
ولم يرث من ابنه شيئاً؛ لأنه كان عبداً عند موته.
وأما كونه يحتمل أن يثبت الملك حين الموت؛ فلأن ما وجب انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب عند الإيجاب؛ كالهبة والبيع.
ولأنه لا يجوز ثبوت الملك للميت؛ لأنه لم يبق محلاً له.
بدليل: ما لو وصى له بشيء فإنه لا يصح.
ولا للوارث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾ [النساء: 11].
ولأن الإرث بعد الوصية.
فعلى هذا تنعكس الأحكام المذكورة قبلُ.
فيكون النماء المنفصل للموصى له مع المتصل؛ لأنه نماء ملكه.
وإذا كان الموصى به أمة فأولدها الوارث قبل القبول لم تصر أم ولده؛ لأنه وطءٌ في غير ملك.
وعليه المهر؛ لأنه وطئ مملوكة غيره.
وولده رقيق لذلك.
وإذا كانت الوصية لشخصٍ بأبيه عتق من حين الموت؛ لأنه دخل في ملك ابنه وورث ابنه؛ لأنه كان حراً عند موته.
فصل [في الرجوع في الوصية]
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز الرجوع في الوصية.
فإذا قال: قد رجعتُ في وصيتي أو أبطلتُها ونحو ذلك: بطلت).
أما كون الوصية يجوز الرجوع فيها؛ فلأنه يروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «يغيرُ الرجل ما شاءَ من وَصيتِه» 1.
ولأنها تمليك.
فملك الموصي الرجوع فيه قبل تنجيزه؛ كهبة ما يفتقر إلى قبض قبل تقبيضه.
وأما كونها تبطل إذا قال: قد رجعتُ في وصيتي أو أبطلتُها ونحو ذلك؛ فلأن ذلك دالٌ على الرجوع حقيقة.
قال: (وإن قال في الموصى به: هذا لورثتي، أو ما أوصيتُ به لفلان فهو لفلان: كان رجوعاً.
وإن وصى به لآخر ولم يقل ذلك فهو بينهما).
أما كون قول الموصي في الموصى به: هذا لورثتي، أو ما أوصيتُ به لفلان فهو لفلان رجوعاً؛ فلأنه صرّح باستحقاق الورثة، وفلان الآخر لما أوصى به أوّلاً، وذلك يقتضي كونه مستحقاً للورثة وللموصى له ثانياً وهو ينافي استحقاق الموصى له أوّلاً.
وأما كون الموصى به بين الموصى له أولاً وثانياً إذا أوصى به لآخر ولم يقل ما تقدم ذكره؛ فلأنه تعلق به حق كل واحدٍ منهما على السواء.
فاشتركا فيه؛ كما لو قال: هو بينهما.
قال: (وإن باعه، أو وهبه، أو رهنه: كان رجوعاً.
وإن كاتبه، أو دبّره، أو جحد الوصية: فعلى وجهين).
أما كون بيع الموصى به وهبته رجوعاً؛ فلأن كل واحدٍ منهما ينقل الملك، وذلك ينافي الوصية.
ولأن كونه مملوكاً قابلاً للنقل عند تمليكه شرطٌ للصحة، وذلك غير حاصلٍ فيما بيع أو وهب عند الموت.
وأما كون رهنه رجوعاً؛ فلأن الرهن يراد للبيع.
أشبه ما لو باعه.
ولأن الوصية نقلٌ للملك عند الموت، وذلك يعتمد القابلية له، والقابلية للنقل غير موجودة فيما رهنه.
بدليل: أنه لو باع المرهون لم يصح.
وأما كون كتابته رجوعاً على وجهٍ؛ فلأنها بيعٌ.
أشبهت البيع.
وأما كونها لا تكون رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.
وأما كون تدبيره رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن تدبيره أقوى من الوصية به؛ لأنه يتنجز بالموت.
بخلاف الوصية فإنها تفتقر إلى القبول.
والوصية به في بعض الصور رجوع.
فما هو أقوى منها أولى.
وأما كونه لا يكون رجوعاً على وجهٍ؛ فلأنه لا ينقل الملك.
أشبه ما لو لم يدبره.
وأما كون جحود الوصية رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن الجحود يدل على أنه لا يريد إيصاله إلى الموصى له.
وأما كونه لا يكون رجوعاً؛ فلأن ذلك لا يزيل ملكه.
أشبه ما لو أجّره.
قال: (وإن خلطه بغيره على وجهٍ لا يتميز، أو أزال اسمه فطحن الحنطة أو خبز الدقيق، أو جعل الخبز فتيتاً، أو نسج الغزل، أو نجّر الخشبة باباً ونحوه، أو انهدمت الدار، أو أزال اسمها: فقال القاضي: هو رجوع.
وذكر أبو الخطاب: فيه وجهين.
وإن وصى له بقفيزٍ من صَبُرَةٍ، ثم خلط الصبرة بأخرى: لم يكن رجوعاً).
أما كون ما ذكر غير خلط الصبرة رجوعاً على قول القاضي؛ فلأن الخلط المذكور جَعَله على وجهٍ لا يمكن تسليمه، وإزالة الاسم أخرجته عن دخوله في الاسم الدالّ على الموصى به.
وأما كونه على وجهين على ما ذكر أبو الخطاب؛ فلأن دليل الرجوع وعدمه موجودان فيه: أما الرجوع؛ فلما تقدم.
وأما عدمه؛ فلأن الموصى به باقٍ.
أشبه ما لو غسل الثوب.
وأما كون خلط الصبرة الموصى بقفيزٍ منها بصبرة أخرى لا يكون رجوعاً؛ فلأنه كان مشاعاً ولم يَزَل.
فهو باق على صفته.
بخلاف ما تقدم فإنه كان معيناً ثم زال ذلك، وذلك يمنع من تسليمه إليه.
قال: (وإن زاد في الدار عمارة أو انهدم بعضها فهل يستحقه الوصي 1؟ على وجهين).
أما كون الوصي 2 يستحق العمارة على وجهٍ؛ فلأنها تبعٌ للدار.
وأما كونه لا يستحقها على وجهٍ؛ فلأنه لم يوص له بها.
وأما كونه يستحق ما انهدم على وجه؛ فلأنه داخل في وصيته.
بدليل ما لو ينهدم.
وأما كونه لا يستحقه على وجهٍ؛ فلأنه انتقل إلى اسم آخر غير الذي كان تسمى به.
قال: (وإن وصى لرجلٍ ثم قال: إن قَدِم فلان فهو له.
فقدم في حياة الموصي: فهو له.
وإن قدم بعد موته فهو للأول في أحد الوجهين، وفي الآخر: هو للقادم).
أما كون الموصى به للقادم إذا قدم في حياة الموصي؛ فلأن المالك وصى له به معلقاً على شرط، وقد وجد.
فيترتب عليه مقتضاه.
وأما كونه له إذا قدم بعد موت الموصي على وجهٍ؛ فلأنه استحقه بالموت وملكه بالقبول.
فلم ينقل إلى غيره؛ كسائر الأملاك المملوكة بالقبول.
وأما كونه للقادم على وجهٍ؛ فلأنه موصى له به بشرط قدومه وقد وجد.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والشرط يجب فيه لحظ حياة الموصي؛ لأنه بعد الموت أجنبي منه.
فصل [تخرج الواجبات من رأس المال]
[قال المصنف رحمه الله] 1: (وتخرج الواجبات من رأس المال أوصى بها أو لم يوص.
فإن وصى معها بتبرع اعتبر الثلث من الباقي).
أما كون الواجبات تخرج من رأس المال؛ فلأن ذلك يجب عليه وفاؤه في حياته من غير اعتراضٍ للورثة عليه.
فكذلك بعد وفاته.
وأما كون ذلك كذلك أوصى بالواجبات أو لم يوص؛ فلوجوب الوفاء في الحالين.
وأما كون الثُّلُث يعتبر من الباقي إذا وصى مع الواجبات بتبرع؛ فلأن الواجبات يجب إخراجها من رأس المال؛ لما تقدم.
فيكون جميع ماله الذي يملك التصرف في ثلثه الباقي بعد أداء الواجبات.
وإذا كان الباقي بعد أداء الواجبات هو جميع ماله وجب اعتبار الثلث منه.
قال: (وإن قال: أخرجوا الواجب من ثلثي.
فقال القاضي: يُبدأ به.
فإن فضل من الثلث شيء فهو لصاحب التبرع وإلا بطلت وصيته.
وقال أبو الخطاب: يزاحم به أصحاب الوصايا.
فيحتمل على هذا أن يُقَسِّم الثلث بينهما ويتمم الواجب من رأس المال فيدخله الدَّور).
أما 2 كون الواجب يُبدأ به إذا قال الموصي ما ذُكر على قول القاضي؛ فلأنه آكد من التبرع.
فقُدِّم عليه؛ لأن التأكيد له أثر.
وأما كون الفاضل من الثلث عن ذلك لصاحب التبرع؛ فلأنه كان يستحق جميع ما أوصي له به لولا مزاحمة الواجب.
فإذا زالت المزاحمة استحق الفضلة عملاً بوصيته السالمة عن المزاحمة.
وأما كون الوصية تبطل إذا لم يفضل شيء من الثلث؛ فلأنها لم تصادف
محلاً.
أشبه من وُصي له بشيء فلم يخلّف الميت 1 شيئاً.
وأما كونه يزاحم به أصحاب الوصايا على قول أبي الخطاب؛ فلأنهما استويا في الوصية بهما.
أشبها الموصى لهما.
فعلى هذا يحتمل أن يقسم الثلث بينهما على قدر حَقَّيْهما؛ كالموصى لهما.
ويتمم الواجب من رأس المال؛ لأنه لا بدّ من وفائه ولم يبق من الثلث ما هو محل له.
ويدخله الدَّور؛ لأنه لا يُعلم قدر الثلث حتى يُعلم ما هو تتمة الواجب، ولا يعلم تتمة الواجب حتى يُعلم ما يستحقه بالمزاحمة، ولا يُعلم ما يستحقه بالمزاحمة حتى يعلم الثلث.
فإن قيل: لم 2 قال المصنف رحمه الله: فيحتمل على هذا؟
قيل: لأن المزاحمة ليست صريحة فيه؛ لأن قول القاضي يصدق عليه أيضاً أن الواجب زاحم الوصايا؛ لأنه إذا أخذ الواجب أولاً صدق أنه زوحم به أصحاب الوصايا.
قال: (فلو كان المال ثلاثين، والواجب عشرة، والوصية عشرة: جعلتَ تتمة الواجب شيئاً يكن الثلث عشرة إلا ثلث شيء بينهما: للواجب خمسة إلا سدس شيء.
يُضم إليه شيئاً يكن عشرة.
فتجبر الخمسة بسدس شيء من الشيء يبقى خمسة أسداس شيء يعدل خمسة فالشيء ستة ويحصل للوصي الآخر أربعة).
أما كون تتمة الواجب تجعل شيئاً؛ فلأنه غير معلوم، وفي التنكير في الحال تعريف لذلك في المآل.
وأما كون الثلث يكون عشرة إلا ثلث شيء؛ فلأنك إذا أسقطت شيئاً من ثلاثين يكون ثلثها ذلك.
وأما كون ذلك بين الواجب والوصية؛ فلتساويهما في القدر.
وأما كون الواجب له خمسة إلا سدس شيء؛ فلأن له نصف ما ذُكر، وذلك
نصفه.
وأما كون الشيء يضم إليه؛ فلأنه تتمته.
وأما كون ذلك يكون عشرة؛ فلأن الشيء ستة خرج منه سدسٌ جبراً للخمسة.
فيبقى خمسة وخمسة أسداس، وذلك عشرة.
وكان الأجود أن يُقال هاهنا: تكن خمسة وخمسة أسداس شيء.
وأما كون الخمسة تجبر بسدس شيء؛ فلتبقى بلا كسر.
وأما كون الشيء يبقى منه خمسة أسداس؛ فظاهر.
وأما كون ذلك يعدل خمسة؛ فلأن الخمسة وخمسة الأسداس تعدل عشرة خمسة تعدل خمسة يبقى خمسة أسداس تعدل خمسة.
وأما كون الشيء ستة؛ فلأن الخمسة إذا عدلت خمسة أسداس كان كل سدس يعدل واحداً.
فيكون الشيء ستة ضرورة.
فإن قيل: كيف طريق عمل ذلك؟
قيل: أن تجعل تتمة الواجب شيئاً مُنَكَّراً -لما تقدم من أن المسألة المذكورة يدخلها الدَّور- ثم تسقطه من جميع المال.
ثم تنظر كم بقي.
فتأخذ ثلثه.
ثم تقسمه على قدر الواجب والتبرع.
فلو كان أحدهما مثل الآخر كما ذكره المصنف رحمه الله قسمته بينهما نصفين.
ولو كان أحدهما مثلي الآخر قسمته أثلاثاً ثم تضم الشيء المنكر المخرج من رأس المال إلى ما حصل للواجب من الثلث؛ لأنه يكمله حقه ويجبر المجهول الحاصل بالقسمة.
فما بقي من الشيء فاجعله باقياً على تنكيره مع 1 العدد الذي جبرته.
فتقول في مسألة المصنف: أسقط شيئاً من ثلاثين.
يبقى ثلاثون إلا شيئاً.
ثلثها عشرة إلا ثلث شيء.
مقسومة نصفين يكون نصيب الواجب خمسة إلا سدس شيء.
ضُم إليها الشيء تصير خمسة إلا سدس شيء وشيئاً.
اجبر سدس الشيء المستثنى من الخمسة بسدس شيء يكون المجموع خمسة وخمسة أسداس شيء [تعدل عشرة؛ لأنها جميع حقه.
أسقط خمسة بخمسه تبقى خمسة أسداس شيء] 2 تعدل خمسة فالشيء إذاً ستة.
ثم ارجع 3 إلى الأول فقل
الشيء ستة.
بقي أربعة وعشرون ثلثها ثمانية مقسومة بينهما نصفين: يكون لصاحب الواجب أربعة.
ضمها إلى الستة يبقى عشرة.
وهو حق الواجب.
ولو كان الواجب خمسة عشر والتبرع خمسة فأسقط تتمة الواجب من المال واقسم ثلثه بين الواجب والتبرع أرباعاً يكن الواجب سبعة ونصفاً ونصف شيء وربع شيء يعدل خمسة عشر قابل سبعة ونصفاً بسبعة ونصف يبقى نصف شيء وربعه يعدل سبعة ونصفاً فالشيء إذاً عشرة.
باب الموصَى له
قال المصنف رحمه الله: (تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم وذمي ومرتد وحربي.
وقال ابن أبي موسى: لا تصح لمرتد).
أما كون الوصية تصح لكل من يصح تمليكه من مسلم وذمي؛ فلأن الوصية تمليكٌ عند الموت.
فإذا كان الموصى له ممن يصح تمليكه وجب أن تكون صحيحة؛ كما لو باعه شيئاً أو وهبه له ونحو ذلك.
وأما كونها تصح لمرتدٍّ على المذهب؛ فقياسٌ على الذمي.
وأما كونها لا تصح له على قول ابن أبي موسى؛ فلأنه مستحق القتل.
يغلب على الظن موته به.
أشبه الميت.
وأما كونها تصح لحربي؛ فلأنه يصح تمليكه.
أشبه الذمي وفارق المرتد.
وإن اشتركا في استحقاق القتل من حيث إنه 1 لا يغلب على الظن موته به لعدم القدرة عليه.
قال: (وتصح لمكاتبه ومُدَبّره وأم ولده).
أما 2 كون الوصية تصح لمكاتبه؛ فلأنه معه كالأجنبي في المعاملات.
فكذلك في الوصية.
ولأنه يملك المال بالعقد.
فصحت الوصية له؛ كالحر.
وأما كونها تصح لمدبّره وأم ولده؛ فلأن كل واحدٍ منهما يعتق عند الموت.
فيكون حينئذٍ قابلاً للتمليك، وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنه وصَّى لأمهاتِ أولادهِ بأربعة آلاف أربعة آلاف».
رواه سعيد 3.
قال: (وتصح لعبد غيره.
فإذا قبلها فهي لسيده).
أما كون الوصية تصح لعبد غيره؛ فلأنه يصح اكتسابه.
فصحت الوصية له؛
كالحر.
وأما كونها لسيده إذا قبلها؛ فلأنها كسبٌ من أكساب العبد.
فكان لسيده؛ كالصيد.
قال: (وتصح لعبده بمشاع كثلثه.
فإذا وصى له بثلثه عتق وأخذ فاضل الثلث، وإذا لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث).
أما كون الوصية لعبده تصح 1 بمشاعٍ كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك وسيلةٌ إلى عتقه.
أشبه ما لو وصى بعتقه.
وأما كونه يعتق إذا وصى له بثلثه؛ فلأنه كل الثلث أو بعضه فيتعين الوصية فيه نظراً إلى تحصيل العتق.
ويعتق؛ لأنه ملك نفسه.
وأما كونه يأخذ ما فضل من الثلث؛ فلأنه حرٌ وقد أوصي له بالثلث.
فاستحق بقيته؛ كالحر.
وأما كونه يعتق منه بقدر الثلث إذا لم يخرج منه؛ فلأن وصيته تصح في ذلك.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: أنه لا يعتق منه أكثر من ذلك.
وهو صحيح؛ لأن الوصية لا تنفذ في الزائد عن الثلث إلا بإجازة الوارث ولم توجد.
قال: (وإن وصى له بمعين أو بمائة لم يصح.
وحكي عنه أنه يصح).
أما كون الوصية لعبد الموصي 2 بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه يصير ملكاً للورثة فيملكون وصيته فكأنه وصى لورثته بما يرثونه.
فلم يصح؛ لعدم الفائدة فيه.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأن تلك إحدى الوصيتين.
فصحت؛ كما لو وصى له بمشاع في مال.
قال: (وتصح للحمل إذا علم أنه كان موجوداً حين الوصية بأن تضعه لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج، أو سيد يطؤها أو لأقل من أربع سنين إن لم يكن كذلك في أحد الوجهين.
وإن وصى لمن تحمل هذه المرأة لم يصح).
أما كون الوصية تصح للحمل؛ فلأنه يرث، والوصية تجري مجرى الميراث من حيث إنها انتقال المال من إنسان بعد موته إلى الموصى له بغير عوض؛ كانتقال الميراث إلى الوارث.
وقد سمى الله الميراث وصية بقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: 11].
ولأن الوصية أوسع من الميراث؛ لأنها تصح للمخالف في الدين والعبد.
بخلاف الميراث.
وأما كون العلم بوجوده حين الوصية شرطاً لصحتها؛ فلأنه إذا لم يكن موجوداً تكون الوصية لحمل يحدث، وذلك غير صحيح؛ لما يذكر بعدُ.
وإذا اشتُرط كونه موجوداً فلا بد من العلم بذلك ليتحقق الشرط.
وأما قول المصنف رحمه الله: بأن تضعه فبيان 1 لطريق العلم به.
فعلى هذا يُنظر فإن كانت المرأة ذات فراش من زوجٍ أو سيدٍ 2 يطؤها ووضعته لستة أشهر فما دون.
عُلم أنه كان موجوداً؛ لاستحالة أن يولد لأقل من ذلك.
ولم يذكر المصنف رحمه الله ستة أشهر ولا بد منها فإنها إذا وضعت لستة أشهر علم أيضاً أنه كان موجوداً؛ لاستحالة [أن يولد ولد لأقل من ذلك] 3. وصرح به في المغني.
وإن وضعته لأكثر من ذلك لم يعلم كونه موجوداً حين الوصية؛ لاحتمال حدوثه بعد الوصية.
وإن لم تكن ذات فراش، أو كان لها فراش إلا أنه لم يكن 4 يطأ ووضعته لأربع سنين فما دون: ففيه وجهان:
أحدهما: تصح الوصية؛ لأنه محكومٌ بوجوده لاحقٌ بأبيه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه مشكوك في وجوده.
فلم يصح مع الشك فيه.
ولا يلزم من لحوق النسب صحة الوصية.
فإن النسب يثبت بالاحتمال.
والكلام في قول المصنف: لأقل من أربع سنين كالكلام في قوله: لأقل من ستة أشهر.
وإن وضعته لأكثر من ذلك لم يعلم وجوده لا حقيقة ولا حكماً.
وأما كون الوصية لمن تحمل هذه المرأة لا تصح؛ فلأن الوصية تمليكٌ.
فلا تصح للمعدوم.
ولأن الوصية أُجريت مجرى الميراث.
ولو حدث حملٌ يرث عند موت قريبه لو كان موجوداً لم يرث.
فكذلك الوصية.
فإن قيل: لو وقف على من يحدث من ولده أو لد ولده صح.
فالوصية أولى؛ لأنها تصح بالمعدوم والمجهول.
قيل: الوقف يراد للدوام.
فمن ضرورته إثباته للمعدوم.
قال: (وإن قتل الوصي الموصي بطلت وصيته.
وإن جرحه ثم أوصى له فمات من الجرح لم تبطل في ظاهر كلامه.
وقال أصحابنا في الوصية: للقاتل روايتان).
أما كون الوصية تبطل إذا قتل الوصي الموصي؛ فلأنه قصد تعجيل وصيته.
فعورض بنقيض قصده؛ كالوارث إذا قتل موروثه، والزوج إذا طلّق زوجته في مرض موته.
وأما كونها لا تبطل إذا جرحه ثم أوصى له فمات من الجرح في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها.
فصحت عملاً بالمقتضي للصحة السالم عن المبطل.
وأما كون الوصية للقاتل فيها روايتان على قول الأصحاب سواء وصى له فقتله أو جرحه جرحاً صالحاً للزهوق ثم وصى له؛ فلدلالة الدليل عليهما: أما على البطلان في الأولى؛ فلما تقدم.
وأما في الثانية؛ فلأنه قاتلٌ.
فبطلت وصيته؛ كالأولى.
وأما على عدمه فيهما؛ فلأن الهبة تصح للقاتل.
فكذلك الوصية.
والأولى ما ذكر المصنف رحمه الله من الفرق 1 بين القاتل بعد الوصية وبين من وُصي له بعد الجرح من حيث: إن القاتل بعد الوصية استعجل وصيته بقتل الموصي.
فعورض بنقيض قصده.
بخلاف من جرح ثم وُصي له فإنه لا ينسب إليه استعجال وصيته؛ لأنها لم تكن موجودة بعد.
قال: (وإن وصى لصنفٍ من أصناف الزكاة، أو لجميع الأصناف: صح.
ويعطى كل واحدٍ منهم القدر الذي يعطاه من الزكاة).
أما 2 كون الوصية تصح لمن ذُكر؛ فلأنه أهلٌ للتمليك.
بدليل الزكاة، والوصية تمليك.
ولأن الوقف يصح عليه؛ لما ذكر في موضعه.
فلأن تصح الوصية له بطريق الأولى.
وأما كون كل واحدٍ منهم يعطى من الوصية المذكورة ما يعطى من الزكاة؛ فلأن مطلق كلام الآدمي يحمل على المقيد من كلام الله.
قال: (وإن وصى لكَتْب القرآن، أو العلم، أو لمسجدٍ، أو لفرسٍ حبيسٍ ينفق عليه: صح.
وإن مات الفرس رُدّ الموصى به أو باقيه إلى الورثة).
أما كون الوصية لأحد ما ذُكر تصح؛ فلأن كل واحدٍ من ذلك فيه قُربة.
فصحت الوصية له؛ كالفقير.
وأما كون الموصى به للفرس أو باقيه يُردّ إلى الورثة إذا مات؛ فلأنه لما بطل محل الوصية وجب الرد على الورثة؛ كما لو ردّ الموصى له الوصية.
قال: (وإن وصى في أبواب البر صُرف في القُرَب.
وقيل عنه: يصرف في أربع جهات: في أقاربه، والمساكين، والحج، والجهاد.
وعنه: فداء الأسرى مكان الحج).
أما كون ما وصي به في أبواب البرّ يُصرف في القُرب على ما ذكر المصنف
رحمه الله [هنا وهو اختياره] 1؛ فلأن القُرب هي أبواب البر.
وأما كونه يُصرف في الأقارب والمساكين والحج والجهاد على روايةٍ قيلت عن الإمام وهي المذهب؛ فلأن أبواب البر وإن كانت عامة في كل قربةٍ إلا أن الظاهر من حال الموصي أنه أراد المشهور من ذلك، والجهات الأربع هي أشهر القرب.
وأما كون فداء الأسرى مكان الحج على روايةٍ؛ فلأن فيه تخليص رقبةٍ مؤمنةٍ من أيدي الكفار.
ولأن تخليص الأسير يتضمن نفع المخلص ونفع نفسه.
بخلاف الحج فإنه لا يتضمن إلا نفع من حج عنه.
قال المصنف في المغني: يعني اختصاص الجهات المذكورة ليس على سبيل اللزوم والتحديد بل يجوز صرفه في جهات البر كلها؛ لأن اللفظ للعموم فيجب حمله على عمومه.
وفيه إشعارٌ بكون قوله أولاً: صُرف في القرب على جهة الاختيار منه لا أنه 2 منقولٌ عن أحد من الأصحاب.
ولذلك نبّه عليه عند شرحه.
ويعضده أن أبا الخطاب لم ينقل أنه في غير الجهات المذكورة.
قال: (وإن وصى أن يحج عنه بألفٍ صُرف في حجةٍ بعد أخرى حتى ينفذ.
ويدفع إلى كل واحدٍ قدر ما يحج به).
أما كون الوصية بما ذكر تُصرف في حجةٍ بعد أخرى حتى ينفذ؛ فلأن مقتضى الوصية صرف المال فيما وصي به، وقد وصى بألفٍ في حجٍ.
فيجب أن يُصرف في حجةٍ بعد حجة.
وأما كونه يُدفع إلى كل واحدٍ قدر ما يحج به؛ فلأن حاجته إلى ذلك يقتضي ذلك.
وفيما ذكر إشعارٌ بأنه لا يجوز أن يزاد من يحج على ما يحتاج إليه.
وهو صحيح؛ لأنه تصرف بطريق النظر.
فلم تجز الزيادة على ما تقتضيه العادة.
قال: (وإن قال: يُحج عني حجة بألف دفع الكل إلى من يحج.
فإن عيّنه في الوصية فقال: يحج عني فلان بألف فأبى الحج 1 وقال: اصرفوا إليّ الفضل لم يُعْطَه وبطلت الوصية).
أما كون الكل فيما ذُكر يدفع إلى من يحج عن الموصي؛ فلأنه أوصى به في حجة واحدةٍ.
فوجب أن يعمل بها.
وأما كون الفضل لا يعطى للموصى له إذا كان معيناً وأبى أن يحج وقال: اصرفوا إليّ ذلك؛ فلأنه إنما أوصي له بالزيادة بشرط الحج ولم يوجد.
وأما كون الوصية تبطل؛ فلأن الموصى له لم يقبل الوصية وامتنع من فعلها.
أشبه ما لو أوصي له بمال فردّه.
[فإن قيل: بطلان الوصية مشعرٌ بأن المال الموصى به للورثة، وذلك ظاهر في أنه لا يحج عنه.
وذلك مشكل من وجوه:
أحدها: أن الوصية المذكورة فيها حقٌّ للحج وحقٌّ للموصى له.
فردّه يُبطل حقه.
فَلِمَ يبطل حق غيره.
ولذلك زاد بعض من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح في حقه.
وثانيها: أنه قال في الكافي: فإن أبى المعين الحج صرف إلى من يحج عنه نفقة المثل والباقي للورثة.
وبين ذلك وبين ما تقدم تناقض.
وثالثها: أن الموصي إذا كان ممن وجب عليه الحج، ولم يحج تعين الحج عنه.
ولذلك قال صاحب المحرر فيه: ومتى أبى المعيَّن أن يحج أقيم غيره بنفقة المثل والفضل للورثة.
قيل: الجوابُ عن إشعار بطلان الوصية بأن المال الموصى به للورثة صحيح وهو كذلك.
وعن قوله: وذلك ظاهر في أنه لا يحج عنه من الموصى به لكونه موصى به لا في أنه لا يحج عنه مطلقاً؛ لأن الكلام لا دلالة له على ذلك.
وكونه لا يحج عنه من المال الموصى به لكونه موصى به صحيح؛ لأن الوصية إذا بطلت بطل تعين الحج من الموصى به.
وعن قوله: الوصية فيها حقٌ للحج فكيف يبطل برد المعين: بأن اللفظ المذكور دالٌ على حج المعين لا على الحج مطلقاً.
وقد تعذر حصول ما دل اللفظ عليه بردّه فيبطل.
وعن زيادة بعض من أذن له المصنف رحمه الله بأنها زيدت لنفي ما توهم أولاً؟ ويرد عليها: أنها توهم عدم بطلان الوصية بالنسبة إلى الحج حتى أن ذلك يقتضي الحج من الموصى به؛ لكونه موصى به.
وليس كذلك؛ لما تقدم ذكره.
وعن قوله في الكافي: صُرف إلى من يحج عنه نفقة المثل: بأن ذلك ليس صريحاً في الصرف من الوصية بل يجوز أن يكون من التركة ونحن نقول به.
لا يقال ظاهره ذلك، لأنا نقول يجب حمله على ما ذكر؛ لما تقدم.
على أن كلامه عام فيمن عليه حج ومن لا حج عليه وليس ذلك مراداً، ولذلك صرح صاحب المحرر فيه بأن من أوصى ولا حج عليه بطلت الوصية بالرّد.
وإذا حمل كلامه على ما ذكر لا تناقض.
وعن قوله: أن الموصي إذا كان ممن يجب الحج عليه تعين الحج عنه: بأنه يتعين الحج عنه من تركته أم من المال الموصى به؟ الأول: مسلم، والثاني: ممنوع.
وعن قوله: ولذلك قال صاحب المحرر فيه ما تقدم: بأنه ليس في قوله تصريحٌ بأن ذلك من الموصى به.
فإن قيل: ظاهره ذلك كقوله: والفضل للورثة.
ولأنه حكم ببطلان الوصية فيما إذا كان الموصي لا حج عليه وسكت عن ذلك هنا.
قيل: يجب صرفه عن ظاهره؛ لما تقدم.
والحكم ببطلان الوصية فيمن لا حج عليه والسكوت عن ذلك هنا لنفي التوهم المتقدم ذكره] 1.
قال: (وإن وصى لأهل سِكَّته فهو لأهل دربه.
وإن وصى لجيرانه تناول أربعين داراً من كل جانب.
وقال أبو بكر: مستدار أربعين داراً).
أما كون الوصية لأهل سِكَّته لأهل دربه؛ فلأن دربه سكته وقد أضافها إليه.
فتعين كون المراد ذلك.
وأما كون الوصية لجيرانه يتناول أربعين داراً من كل جانب على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجارُ أربعونَ داراً هكذَا وهكذَا وهكذَا».
رواه الإمام أحمد.
وأما كون ذلك مستدار أربعين داراً على قول أبي بكر؛ فلأن أولئك أقرب ممن ذكر.
والأول أولى؛ لما تقدم من الحديث.
قال: (وإن وصى لأقرب قرابته وله أب وابن فهما سواء.
والجد والأخ سواء.
ويحتمل تقديم الابن على الأب، والأخ على الجد، والأخ من الأب.
والأخ من الأم سواء، والأخ من الأبوين أحق منهما).
أما كون الأب والابن سواء في الوصية لأقرب قرابته على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما يليه في القرب.
فلم يكن أحدهما أقرب من الآخر.
وأما كون الجد والأخ سواء؛ فلأن كل واحدٍ منهما يدلي بالأب.
فكانا سواء.
وأما كونه يحتمل تقديم الابن على الأب، والأخ على الجد؛ فلأن الوصية يُلحظ فيها الصلة.
فينبغي أن تحمل حالة الموت على حالة الحياة، وصلة الحي إلى ابنه وأخيه أكثر من أبيه وجده.
وأما كون الأخ من الأب والأخ من الأم سواء؛ فلأنهما في درجةٍ واحدة.
[فإن قيل: كيف يسوّى بين الأخ من الأب وبين الأخ من الأم؟ ولو وصى لقرابته لم يدخل في ذلك الأخ من الأم على المذهب، ومن لا يدخل في القرابة لا يدخل في أقرب القرابة؟
قيل: ذلك مخرّج على الرواية الأخرى.
ذكره صاحب المغني فيه.
فأما على المذهب فلا؛ لما ذكر] 1.
وأما كون الأخ من الأبوين أحق منهما؛ فلأنه يساويهما في إحدى الجهتين ويمتاز بالأخرى.
فله مزيد قُرب.
فصل [لا تصح الوصية لكنيسة]
قال المصنف رحمه الله: (ولا تصح الوصية لكنيسةٍ، ولا بيت نارٍ، ولا لكَتْب التوراة والإنجيل، ولا لملكٍ، ولا لميتٍ، ولا بهيمة).
أما كون الوصية لا تصح للثلاثة الأول؛ فلأن كل ذلك معصية.
فلم تصح الوصية له؛ كالوقف عليه.
وأما كونها لا تصح للثلاثة الأُخَر؛ فلأن الوصية تمليكٌ والثلاثة لا تقبل التمليك؛ لما تقدم.
قال: (وإن وصّى لحيٍ وميتٍ يَعلم موته فالكل للحي.
ويحتمل أن لا يكون له إلا النصف.
وإن لم يَعلم فللحي نصف الموصى به).
أما كون الكل للحي إذا عَلم الموصي موت الآخر على المذهب؛ فلأنه إذا وصّى بذلك مع علمه بموته فكأنه قصد الوصية للحي وحده.
فيكون له وحده؛ كما لو صرّح به.
وأما كونه يحتمل أن لا يكون له 1 إلا النصف؛ فلأنه أضاف الوصية إليهما.
فإذا لم يكن أحدهما محلاً للتمليك بطلت 2 في نصيبه وبقي نصيب الحي وهو النصف.
وأما كونه له نصف الموصى به وجهاً واحداً إذا لم يَعلم؛ فلأنه أضاف الوصية إليهما، ولا قرينة تدل على عدم إرادة الآخر؛ لأنه لم يَعلم موته، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون للحي إلا النصف.
عملاً بالمقتضي السالم عن القرينة.
قال: (وإن وصّى لوارثه وأجنبي بثلث ماله.
فرد الورثة: فللأجنبي السدس.
وإن وصى لهما بثلثي ماله: فكذلك عند القاضي.
وعند أبي الخطاب: له الثلث كله).
أما كون الأجنبي له السدس في الوصية بالثلث؛ فلأنه لما وصى لهما 1 بذلك اقتضى أن يكون لكل واحدٍ منهما السدس.
فصح السدس للأجنبي؛ لأنه لا اعتراض للورثة عليه، وبطل سدس الوارث؛ لأن الوصية له لا تصح إلا بإجازة الورثة.
وأما 2 كون الحكم كذلك عند القاضي في الوصية بالثلثين؛ فلأن الورثة لما ردوا الوصية بقي الثلث بينهما، وسدس الوارث يسقط بالرد.
فيبقى للأجنبي السدس.
وأما كونه له الثلث كله عند أبي الخطاب؛ فلأنه موصى له بالثلث، وإنما يرجع إلى السدس عند مزاحمة الوارث، والوارث هنا سقط بالرد.
فوجب أن يكون للأجنبي الثلث عملاً بوصيته السالمة عن المعارض.
قال: (وإن وصّى بماله لابنيه وأجنبي.
فردا وصيته فله التسع عند القاضي، وعند أبي الخطاب: له الثلث.
وإن وصى لزيد وللفقراء والمساكين بثلثه فلزيدٍ التسع).
أما كون الأجنبي له التسع عند القاضي إذا وصّى بماله لابنيه وأجنبي فردا وصيته؛ فلأن بالرد رجعت الوصية إلى الثلث، والموصى له هنا ثلاثة: ابنان وأجنبي.
فيكون للأجنبي التسع؛ لأنه ثلث الثلث.
وأما كونه له الثلث عند أبي الخطاب؛ فلأن الأجنبي موصى له بالثلث، وبالرد بطلت وصية الوارث.
فوجب أن يكون له الثلث عملاً بالوصية السالمة عن المزاحم.
وأما كون زيدٍ له التسع إذا وصى له وللفقراء والمساكين بثلثه؛ فلأنه جعل ثلثه لجهاتٍ ثلاثٍ.
فوجب أن يقسم بينهما؛ كما لو قال: لزيدٍ وعمروٍ وبكرٍ.
باب الموصَى به
قال المصنف رحمه الله: (تصح الوصية بما لا يُقدر على تسليمه؛ كالآبق، والشارد، والطير في الهواء، والحمل في البطن، واللبن في الضرع.
وبالمعدوم كالذي تحمل أمته، أو شجرته أبداً، أو في مدة معينة.
فإن حصل منه شيء فهو له، وإلا بطلت الوصية).
أما كون الوصية تصح بما لا يُقدر على تسليمه؛ فلأنها تصح بالمعدوم لما يأتي؛ فلأن تصح بالموجود بطريق الأولى.
وأما كونها تصح بالمعدوم؛ فلأن الغرر والخطر ليس بمانعٍ في الوصية؛ لأنه ليس في مقابلتها عوض يتضرر صاحبها بفواته.
بخلاف البيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالآبق والشارد والطير في الهواء والحمل في البطن واللبن في الضرع؛ فتمثيلٌ لما لا يُقدر على تسليمه.
وقوله: كالذي تحمل أمته أو شجرته تمثيل للمعدوم.
وأما قوله: أبداً أو في مدة معينة؛ فتنبيهٌ على أن الوصية بالمعدوم على ضربين:
أحدهما: أن يكون الحمل فيما ذكر للموصى له على التأبيد.
وثانيهما: أن يكون له ذلك مدة معينة كسنة دون ما عداها.
وأما كون ما يحصل من ذلك للموصى له به؛ فلأن الوصية صحت.
فوجب أن يكون الموصى به للموصى له.
وأما كون الوصية تبطل إذا لم يحصل من ذلك للموصى به شيء؛ فلأنها لم تصادف محلاً.
أشبه ما لو وصى بثلث ماله.
فلم يخلّف شيئاً.
قال: (وإن وصى له بمائة لا يملكها صح.
فإن قدر عليها عند الموت أو على شيء منها 1، وإلا بطلت).
أما كون الوصية بمائة لا يملكها الموصي تصح؛ فلأن غاية ما يُقَدَّر في ذلك
أنها معدومة، والوصية بالمعدوم صحيحة.
وأما كونها تبطل إذا لم يقدر عليها عند الموت ولا بقي شيء منها؛ فلأن الوصية لم تصادف محلاً.
قال: (وتصح الوصية بما فيه نفعٌ مباحٌ من غير المال؛ كالكلب، والزيت النجس.
فإن لم يكن للموصي مال فللموصى له ثلث ذلك.
وإن كان له مال فجميع ذلك للموصى له وإن قل المال في أحد الوجهين، وفي الآخر: له ثلثه.
وإن لم يكن له كلبٌ لم تصح الوصية به (1».
أما كون الوصية تصح بما فيه نفعٌ مباحٌ من غير المال؛ فلأن الوصية تفيد اختصاصاً بالموصى له.
فصحت بما ذكر؛ كالإرث.
وبه فارقت البيع؛ لأن البيع يعتمد المال.
وأما كون الموصى له: له 2 ثلث ذلك إذا لم يكن للموصي مال؛ فلأن الوصية إنما تنفذ في الثلث.
وأما كونه له جميع ذلك إذا كان للموصي مال وإن قلّ في وجهٍ؛ فلأن الثلث أكثر منه.
وأما كونه له ثلثه 3 لا غير في وجهٍ؛ فلأن ذلك ليس من جنس المال، وإنما هو حق منفرد.
فلم يكن له جميعه؛ لئلا يلزم أن يكون له شيء ليس للورثة مثلاه.
وأما كون الوصية بالكلب لا تصح إذا لم يكن له كلبٌ؛ فلأنها لم تصادف محلاً يثبت الحق فيه.
قال: (ولا تصح الوصية بما لا نفع فيه؛ كالخمر، والميتة، ونحوهما).
أما كون الوصية بما لا نفع فيه لا تصح؛ فلأنه خالٍ عن مقصودٍ شرعيٍ من وجه ما.
ولأن من جملة ذلك الخمر، وقد حث الشرع على إراقته وإعدامه.
فلم يناسب الحال صحة الوصية به.1
ولأن ذلك لو كان في يد شخص لأجبر على إزالته.
فلئلا يُقَرّ عليه أحد من جهة غيره بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالخمر والميتة ونحوهما؛ فتعداد لصور لا نفع فيها.
قال: (وتصح بالمجهول؛ كعبدٍ، وشاةٍ.
ويعطى ما يقع عليه الاسم.
فإن اختلف الاسم بالحقيقة والعرف؛ كالشاة في العرف للأنثى.
والبعير والثور هو في العرف للذكر وحده، وفي الحقيقة للذكر والأنثى: غلب العرف.
وقال أصحابنا: تغلب الحقيقة.
والدابة: اسم للذكر والأنثى من الخيل والبغال والحمير).
أما كون الوصية بالمجهول كعبدٍ وشاةٍ تصح؛ فلأن الموصى له يخلّف الميت في الثلث؛ كما يخلّفه الوارث في الثلثين، والوارث يخلّف موروثه في ثلثيه مع الجهالة.
فكذلك الموصى له.
وأما كونه يعطى ما يقع عليه الاسم؛ فلأن بذلك يخرج عن عهدة الوصية.
وأما كونه يُغلب العرف على اختيار المصنف إذا اختلف الاسم بالحقيقة والعرف؛ فلأن ذلك هو المراد غالباً.
بدليل تبادره إلى الفهم.
ولأن الشارع لو خاطب أقواماً بشيء لهم فيه عرف.
فحملوه على ما يعرفونه: لم يعدوا مخالفين.
فعلى هذا لو كانت الوصية بشاةٍ أعطي الموصى له أنثى؛ لأنها لها في العرف.
ولو كانت ببعيرٍ أو ثورٍ أعطي الذكر وحده؛ لأن كل واحدٍ منهما له في العرف.
وأما كونه يُغلب الحقيقة على قول أصحابنا؛ فلأنها الأصل.
فعلى هذا يعطى الموصى له ذكراً أو أنثى؛ لأن كل واحدٍ 1 من ذلك يسمى شاة وبعيراً وثوراً حقيقة.
وأما كون الدابة اسماً للذكر والأنثى من الخيل والبغال والحمير؛ فلأن ذلك هو المتعارف.
قال: (ومن وصى له بغير معين؛ كعبدٍ من عبيده: صح.
ويعطيه الورثة ما
شاءوا منهم في ظاهر كلامه.
وقال الخرقي: يعطى واحداً بالقرعة.
فإن لم يكن له عبيد لم تصح الوصية في أحد الوجهين، وتصح في الآخر.
ويشترى له ما يسمى عبداً.
وإن كان له عبيد فماتوا إلا واحداً تعينت الوصية فيه.
فإن قتلوا كلهم فله قيمة أحدهم على قاتله).
أما كون الوصية بغير معينٍ كعبدٍ من عبيده تصح؛ فلأن الجهالة في هذا أقل من الجهالة في عبدٍ، وقد صحت فيه؛ لما تقدم.
فلأن تصح هاهنا بطريق الأولى.
وأما كون الموصى له يعطيه الورثة ما شاءوا من تلك العبيد في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأنه يتناوله الاسم.
فيرجع إلى رأيهم فيه؛ كما لو وُصّي له بحظٍ أو جزء.
وأما كونه يُعطى واحداً بالقرعة على قول الخرقي؛ فلأنهم استووا بالنسبة إلى استحقاقه.
فأقرع بينهم؛ كما لو أعتق واحداً منهم.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي قول الخرقي رواية.
وأما كون الوصية لا تصح إذا لم يكن له عبيد في وجهٍ؛ فلأنه وصى بما لا يملك.
أشبه ما لو وصى بدارٍ ولا دار له.
وأما كونها تصح في وجهٍ؛ فلأنه لما تعذّرت الصفة بقي أصل الوصية.
فعلى هذا يشترى له ما يسمى عبداً؛ لأن الاسم يتناوله فيخرج به عن عهدة الوصية.
وأما كون الوصية تتعين في الحي إذا كان له عبيدٌ فماتوا إلا واحداً؛ فلأنه لم يبق غيره.
وأما كون الموصى له له قيمة أحدهم على قاتله إذا قتلوا كلهم؛ فلأن حقه في واحدٍ منهم وقد قتلهم كلهم.
فوجب عليه ضمانه؛ كما لو قتل شخص عبد غيره.
قال: (وإن وصّى له بقوسٍ، وله أقواسٌ للرمي والندف والبندق فله قوس النشاب؛ لأنه أظهرها.
إلا أن تقترن به قرينة تصرف إلى غيره.
وعند أبي الخطاب: له واحد منها كالوصية بعبدٍ من عبيده).
أما كون الموصى له بقوس له قوس النشاب فيما ذكر إذا لم تقترن به قرينة
تصرف إلى غيره؛ فلما علل المصنف رحمه الله من أنه أظهرها.
وأما كونه له واحد منها على قول أبي الخطاب؛ فلأنه في معنى الوصية بعبدٍ من عبيده.
وأما كونه له ما تقترن به قرينة تصرف إليه؛ فلأن القرينة كالصريح.
قال: (وإن وصى له بكلبٍ أو طبلٍ وله منها مباح ومحرم انصرف إلى المباح.
وإن لم يكن له إلا محرم لم تصح الوصية).
أما كون الوصية تنصرف إلى المباح فيما ذُكر؛ فلأن وجود المحرم كعدمه شرعاً.
ولأنه لو صرح بالوصية بالمحرم لم تصح.
فلئلا يشمله اللفظ عند الإطلاق بطريق الأولى.
وأما كون الوصية لا تصح إذا لم يكن له إلا محرم؛ فلأن الوصية بالمحرم معصية.
فلم تصح؛ كما لو وصى للكنيسة.
قال: (وتنفذ الوصية فيما علم من ماله وما لم يعلم.
وإذا وصى بثلثه فاستحدث مالاً دخل ثلثه في الوصية.
وإن قُتل وأُخذت ديته فهل تدخل الدية في الوصية؟ على روايتين.
وإن وصى بمعين بقدر نصف الدية فهل تحسب الدية على الورثة من الثلثين؟ على وجهين).
أما كون الوصية تنفذ فيما عُلم من ماله وما لم يعلم؛ فلأن كليهما من ماله.
فدخل في وصيته؛ كالآخر.
ولأن المعدوم يدخل في ذلك؛ فلأن يدخل الموجود 1 غير المعلوم بطريق الأولى.
وأما كونه يدخل ثلث ما استحدثه في الوصية؛ فلأن وصيته بثلث ما يملك عند موته، والحادث مملوكٌ له عند موته.
وأما كون الدية تدخل في الوصية ففيه روايتان مبنيتان على أنها هل تثبت للميت ثم تنتقل إلى الورثة أو تثبت للورثة ابتداء؟ وفيه روايتان: