قال: (وفي المعدود المختلف غير الحيوان روايتان: إحداهما يسلم فيه عدداً، والأخرى وزناً.
وقيل: يسلم في الجوز والبيض عدداً وفي الفواكه والبقول وزناً).
أما كون المعدود المختلف غير الحيوان يسلم فيه عدداً في روايةٍ؛ فلأنه يُقَدَّر بذلك عند العامة.
وأما كونه يسلم فيه وزناً في روايةٍ؛ فلأنه يتباين والوزن يضبطه.
وأما كونه يسلم في المعدود المتقارب كالجوز والبيض عدداً، وفي المتفاوت كالفواكه والبقول وزناً على قولٍ؛ فلأن التفاوت في المتقارب يسير ولهذا لا تكاد القيمة تتفاوت بين البيضتين والجوزتين بخلاف التفاوت في المتفاوت.
وأما تقييد المصنف رحمه الله المعدود المختلف بكونه غير حيوان؛ فلأن السلم في الحيوان لا يكون إلا عدداً فلا يجري فيه الخلاف المذكور.
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يشترط أجلاً معلوماً له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم ونحوه لم يصح إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح).
أما كون رابع الشروط 1 المتقدم ذكرها أن يشترط أجلاً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 2. أمر بالأجل والأمر للوجوب.
ولأنه أَمَرَ بهذه الأمور تبييناً لشروط السلم ومنعاً 3 منه بدونها ولذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن.
ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل ذلك إلا بالأجل فكان من شروطه كالكتابة.
ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الإسم فإنه يسمى سلماً وسلفاً لتعجّل أحد العوضين وتأخير الآخر، وأما المعنى فظاهر.
وأما كون الأجل معلوماً فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ [البقرة: 282]، وقوله عليه السلام: «إلى أجل معلوم» 4.
وأما كون الأجل له وقع في الثمن كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الأجل إنما اعتبر تحقيقاً للرفق ولا يحصل ذلك بما لا وقع له في الثمن.
فعلى هذا لا يصح في الحال ولا إلى أجل غير معلوم ولا إلى أجل لا وقع له في الثمن لفوات شرط الصحة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء فاستثناء لهذه الصورة مما تقدم ذكره لأن السلم في ذلك جائز وإن فات في بعضه الأجل المشترط في غيره لأن العرف جارٍ بذلك والحاجة داعية إلى جوازه.
وظاهر كلامه تعميم الجواز في كل شيء يؤخذ أجزاء معلومة.
وقال أبو الخطاب: فإن أسلم في لحم أو خبز يأخذ منه كل يوم أرطالاً معلومة جاز نص عليه.
وظاهره الاختصاص بهما دون غيرهما.
والعلة المتقدمة تدل عليه إذ العرف والحاجة يدلان على الصحة فيهما دون غيرهما.
قال: (وإن أسلم في جنس إلى أجلين، أو في جنسين إلى أجل صح).
أما كون السلم في جنس إلى أجلين يصح؛ فلأن كل بيع صح إلى أجل صح إلى أجلين وآجال كبيوع الأعيان.
وأما كون السلم في جنسين كالحنطة والشعير والتمر والزبيب إلى أجل يصح؛ فلأن جمعهما في عقد واحد حال صحيح.
فكذلك السلم.
قال: (ولا بد أن يكون الأجل مقدراً بزمن معلوم.
فإن أسلم إلى الحصاد أو الجذاذ أو شرط الخيار إليه فعلى روايتين).
أما كون الأجل لا بد أن يكون مقدراً بزمن معلوم فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليسلف إلى أجل معلوم» 1.
وأما كون السلم إلى الحصاد أو الجذاذ لا يصح على روايةٍ فلما روى ابن عباس أنه قال: «لا تبتاعوا إلى الحصاد والدياس».
ولأن ذلك يختلف ويَقْرُب ويبعد فلا يصلح أن يكون أجلاً كقدوم زيد.
وأما كونه يصح على روايةٍ فـ «لأن ابن عمر كان يبتاع إلى العطاء».
ولأن الاختلاف في ذلك يسير أشبه غير المختلف فيه.
وأما كونه إذا شرط الخيار إلى الحصاد أو الجذاذ فيه الخلاف المتقدم فلما مر.
قال: (وإذا جاءه بالسلم قبل مَحِلِّه ولا ضرر في قبضه لزمه قبضه، وإلا فلا).
أما كون المسلِم يلزمه قبض ما لا ضرر في قبضه كالحديد والرصاص والنحاس والزيت والعسل وسائر ما لا يختلف قديمه وحديثه إذا جاء به قبل محله؛ فلأن غرضه حاصل وزيادة تعجيل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة.
وأما كونه لا يلزمه قبض ما في قبضه ضرر إما لكونه مما يتغير كالفاكهة والأطعمة كلها، وإما لكون قديمه دون حديثه كالحبوب ونحوها؛ فلأن له غرضاً في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت.
وكذا الحيوان لا يلزم قبضه قبل محله لأنه لا يأمن تلفه ويحتاج إلى نفقة وكذا ما يحتاج في حفظه إلى مؤونة كالقطن ونحوه.
وكذا لو كان الوقت مخوفاً يخشى تلف ما يقبضه لأن عليه ضرراً في قبضه ولم يأت محل استحقاقه فجرى مجرى نقصان الصفة فيه.
وفي قول المصنف رحمه الله: قبل مَحِلِّه إشعار بأنه إذا جاء بالمسلَم فيه في محله لزمه قبضه سواء كان في قبضه ضرر أو لم يكن لأنه أتاه بحقه في محله فلزمه قبضه كالمبيع المعين.
فإن امتنع من قبضه قيل له إما أن تقبض أو تبرئ.
فإن امتنع من أحدهما قبضه الحاكم وبرئت ذمة الدافع لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته إلا أنه لا يملك الإبراء لما فيه من الضرر.
فصل [الشرط الخامس]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يكون المسلَمُ فيه عامَّ الوجود في محله.
فإن كان لا يوجد فيه أو لا يوجد إلا نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى غير وقته لم يصح.
وإن أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لم يصح).
أما كون خامس الشروط 1 المتقدم ذكرها أن المسلَم فيه عامُّ الوجود في محله؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لم يمكن تسليمه فلم يصح كبيع الآبق، وبل أولى لأن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر الغرر فيه.
وأما كون السلم فيما لا يوجد في محله أو لا يوجد إلا نادراً كالسلم في العنب والرطب إلى غير وقته لا يصح؛ فلأن شرطه أن يكون عام الوجود فيه لما تقدم وذلك مقصود فيما ذكر فلم يصح لانتفاء شرطه.
وأما 2 كون السلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لا يصح؛ فلأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال بعينه أو صنجة بعينها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أسلف إليه يهودي في تمر فقال: من تمر حائط بني فلان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى» 3 رواه الجوزجاني.
قال: (وإن أسلم إلى محل يوجد فيه عاماً فانقطع خُيِّر بين الصبر وبين الفسخ والرجوع برأس ماله أو عوضه إن كان معدوماً في أحد الوجهين، وفي الآخر ينفسخ بنفس التعذر).
أما كون المسلم يخير فيما ذكر بين الصبر إلى أن يوجد وبين الفسخ في وجهٍ؛ فلأن المسلم إليه صار بانقطاع المسلم فيه عاجزاً عن دفعه وذلك يوجب الخيرة المذكورة.
دليله ما لو ظهر المشتري معسراً.
وأما كون السلم ينفسخ بنفس التعذر في وجهٍ؛ فلأن المسلم فيه يجب أن يكون من ثمرة العام بدليل أنه يجب التسليم منها فإذا هلكت انفسخ العقد كما لو باع قفيزاً من صبرة فهلكت.
والصحيح الأول لأن العقد صح وإنما تعذر التسليم أشبه ما لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض.
ولأنهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غير ثمرة ذلك العام جاز وإنما أجبر على دفع ثمرة العام؛ لأنها على صفة ما وقع عليه العقد.
فعلى هذا إذا انفسخ العقد أو فسخه هو يرجع برأس ماله إن كان باقياً أو بمثله إن كان تالفاً وكان مثلياً وبقيمته إن لم يكن مثلياً لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن فإن كان باقياً استحق عينه لأنه عين حقه وإن كان تالفاً وكان مثلياً استحق مثله كما لو أتلف مثلياً لآدمي وإن لم يكن مثلياً استحق قيمته كالمتلف.
فصل [الشرط السادس]
قال المصنف رحمه الله: (السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد.
وهل يشترط كونه معلوم الصفة والقدر كالمسلم فيه؟ على وجهين).
أما كون سادس الشروط 1 المتقدم ذكرها أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد؛ فلأنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يشترط قبض جميع الثمن.
وصرح به الخرقي لأن ما اشترط قبضه في المجلس اشترط قبض كله كالصرف.
وأما كونه يشترط أن يكون معلوم الصفة والقدر على وجهٍ؛ فلأنه لا يمكن إتمامه في الحال ولا تسليم المعقود عليه ولا يؤمن من انفساخه فوجب معرفة رأس مال السلم صفة وقدراً كالقرض والشركة.
ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقاً فينفسخ العقد في قدره فلا يدري كما بقي وكم انفسخ.
فإن قيل: هذا موهوم والموهومات لا تعتبر؟
قيل: التوهم معتبر هاهنا لأن الأصل عدم الجواز وإنما جوز إذا أمن من الغرر ولم يؤمن هاهنا.
وأما كونه لا يشترط على وجهٍ؛ فلأنه عوض مشاهد فلم يحتج إلى معرفة ما ذكر.
قال: (وإن أسلم ثمناً واحداً في جنسين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس).
أما كون ما ذكر لا يجوز مع عدم بيان ثمن كل جنس؛ فلأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول فلم يجز كما لو عقد عليه مفرداً بثمن مجهول.
ولأن فيه غرراً لأنه لا يؤمن الفسخ بتعذر أحدهما فلا يعرف ما يرجع به وهذا غرر يؤثر مثله في السلم.
وأما كونه يجوز مع البيان؛ فلأن المقتضي للمنع ما ذكر من الجهالة والغرر وكلاهما منتف فيما ذكر.
فصل [الشرط السابع]
قال المصنف رحمه الله: (السابع: أن يسلم في الذمة، فإن أسلم في عين لم يصح.
ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كالبرية فيشترط ذكره ويكون الوفاء في مكان العقد، فإن شرط الوفاء فيه كان تأكيداً وإن شرطه في غيره صح.
وعنه: لا يصح).
أما كون سابع الشروط 1 المتقدم ذكرها أن يسلم في الذمة؛ فلأن العين لا يؤمن تلفها فيتعذر تسليمها عند انقضاء الأجل.
ولأنه إذا لم يجز السلم في ثمرة بستان بعينه؛ فلأن لا يجوز في عين بطريق الأولى.
وأما كون السلم في عين لا يصح؛ فلأن شرطه أن يكون في الذمة لما تقدم وذلك مفقود في العين.
وأما كون ذكر مكان الإيفاء إذا كان موضع العقد مما يمكن الوفاء فيه كمدينة وقرية ونحوهما لا يشترط؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 2 ولم يذكر مكان الإيفاء.
ولأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء كبيوع الأعيان.
وأما كون ذكر مكان الوفاء إذا كان موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كالبرية ونحوها يشترط؛ فلأن الوفاء في موضع العقد متعذر وليس البعض أولى من البعض فوجب تعيينه بالقول كالمكيل والموزون.
وأما كون الوفاء في مكان العقد في موضع لا يشترط ذكره؛ فلأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
وأما كون شرط الوفاء في مكان العقد تأكيداً؛ فلأنه شرط ما هو مقتضى العقد فيكون مؤكداً له لأن ذلك يزيل اللبس.
وأما كونه إذا شرطه في مكان غيره يصح على المذهب فقياس على بيوع الأعيان ومكان العقد.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه شرط خلاف مقتضى العقد لأن العقد يقتضي إيفاءه في مكانه فلم يصح كما لو شرط أن لا يسلمه.
قال: (ولا يصح بيع المسلَم فيه قبل قبضه، ولا هبته، ولا أخذ غيره مكانه، ولا الحوالة به).
أما كون بيع ما ذكر لا يصح فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه» 1. و «عن ربح ما لم يضمن» 2.
ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يصح بيعه قبل قبضه كالطعام قبل قبضه.
ويدخل في قول المصنف رحمه الله: ولا يصح بيع المسلَم فيه الشركة فيه والتولية فيه لأنهما بيع في الحقيقة لأن الشركة بيع لبعضه بقسطه من الثمن والتولية بيع لجميعه بجميع الثمن.
وأما كون هبته لا تصح؛ فلأنها نقل للملك قبل قبضه فلم يصح كالبيع.
وأما كون أخذ غيره مكانه لا يصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 3. رواه ابن ماجة.
ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع له فلم يصح كبيعه من غيره.
وأما كون الحوالة لا تصح؛ فلأن الحوالة إنما تصح على دين مستقر والسلم بعرضية الفسخ.
ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يصح كالبيع.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثل ذلك الطعام من قرض أو سلم آخر فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم.
وإن أحال المسلم إليه المسلم بالذي عليه لم يصح أيضاً 1.
قال: (ويجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس، ولا يجوز لغيره).
أما كون بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته يجوز؛ فلأن ابن عمر قال: «كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وهذه من هذه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة.
فقلت: رويدك أسألك.
إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وليس بينكما شيء» 2 رواه أبو داود والترمذي.
وأما قول المصنف رحمه الله: بشرط أن يقبض عوضه في المجلس فتنبيه على اشتراط قبض العوض في المجلس.
والأصل فيه ما تقدم من الحديث.
ولأنه إذا لم يقبض صار بيع دين بدين وذلك لا يجوز لما تقدم.
وفي قوله: المستقر إشعار بأنه لا يجوز بيع غير المستقر لمن هو في ذمته كالسلم ونحوه وقد صرح به في المغني.
ودليله ما مر من قوله عليه السلام: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 1.
وأما كون بيعه لغير من هو في ذمته لا يجوز؛ فلأنه غير قادر على تسليمه أشبه بيع الآبق.
قال: (وتجوز الإقالة في السلم، وتجوز في بعضه في إحدى الروايتين إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة، وإن انفسخ العقد بإقالة أو غيرها لم يجز أن يأخذ عن الثمن عوضاً من غير جنسه).
أما كون الإقالة في السلم تجوز؛ فلأنها فسخ على الصحيح ورفع للعقد من أصله.
وأما كونها تجوز في البعض في روايةٍ؛ فلأن الإقالة مندوب إليها.
وكل مندوب إليه جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء.
وأما كونها لا تجوز فيه في روايةٍ؛ فلأن السلَم يقل فيه الثمن من أجل التأجيل فإذا فسخ في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه فلم يجز كما لو شرطه في ابتداء العقد.
وقول المصنف رحمه الله: إذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإقالة مشعر بأنه لا تجوز الإقالة في البعض إذا لم يوجد قبض أحد الأمرين وهو صحيح صرح به أصحابنا.
ووجهه: أنه إذا لم يقبض أحد الأمرين يصير ذلك القدر ديناً على المسلم إليه وعليه بقدر السلم فيصير ذلك بمعنى البيع والسلف وهو منهي عنه.
وأما أخذ العوض عن ثمن ما انفسخ بإقالة أو غيرها من غير جنسه لا يجوز فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 2.
ولأن ما ذكر رأس مال السلم فلم يجز أخذ العوض عنه كالمسلم فيه.
وقول المصنف رحمه الله: من غير جنسه فيه إشعار بأنه يجوز له الأخذ من جنسه لأنه إذا جاز له أخذ النوع عن النوع في السلم بشرط اتحاد الجنس؛ فلأن يجوز أخذ النوع عن نوع آخر برأس مال السلم بطريق الأولى.
قال: (وإن كان لرجل سَلَم وعليه سَلَم من جنسه فقال لغريمه: اقبض سلمي لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه، وهل يقع قبضه للآمر؟ على وجهين.
وإن قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح.
وإن قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده فهل يجوز؟ على روايتين.
وإن اكتاله ثم تركه في المكيال وسلمه إلى غريمه فقبضه صح القبض لهما).
أما كون المسلِم لا يصح قبضه لنفسه فيما إذا قال له المسلم إليه: اقبض سلمي لنفسك؛ فلأنه لا يجوز قبضه لنفسه قبل قبض مالكه له.
وأما كون القبض يقع للآمر على وجهٍ؛ فلأنه أذن له في القبض أشبه قبض وكيله.
وأما كونه لا يقع له على وجهٍ؛ فلأنه لم يجعله نائباً عنه في القبض فلا يقع له بخلاف الوكيل.
فعلى الأول يكون ملكاً للمسلم إليه لأنه إنما يزول ملكه عنه بقبض المسلم أو نائبه ولم يوجد.
وأما كون قبض المسلِم لنفسه يصح فيما إذا قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك؛ فلأنه وكله في قبضه فإذا قبضه لموكله وجب أن يصح لوجود الإذن وعدم المفسد وإذا صح أن يقبضه لموكله صح أن يقبضه لنفسه بعد ذلك كما لو كان له وديعة عند من له عليه دين فقال المدين له: اقبض حقك مما لي عندك.
وأما كونه إذا قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده يجوز على روايةٍ؛ فلأنه قد شاهد كيله وعلمه فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان» 1. وهذا داخل فيه.
ولأنه قبضه بغير كيل أشبه ما لو قبضه جزافاً.
وأما كون القبض يصح لكل واحد من المدين ورب المال إذا اكتاله ثم تركه في المكيال وسلمه إلى غريمه فقبضه؛ فلأن الأول قد اكتاله حقيقة والثاني حصل له استمرار الكيل واستمرار الكيل كيل كما أن استدامة اللبس والركوب لبس وركوب.
قال: (وإن قبض المسلم فيه جزافاً فالقول قوله في قدره، وإن قبضه كيلاً أو وزناً ثم ادعى غلطاً لم يقبل قوله في أحد الوجهين).
أما كون القول قول القابض في قدر المسلم فيه المقبوض جزافاً؛ فلأنه منكر، والقول قول المنكر.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا قبضه كيلاً أو وزناً ثم ادعى غلطاً في وجهٍ؛ فلأنه ادعى خلاف الظاهر فلم يقبل قوله.
وأما كونه يقبل في وجهٍ؛ فلأن الأصل أنه لم يقبض غير ما ثبت بإقراره.
قال: (وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه؟ على روايتين).
أما كون الرهن بالمسلم 1 فيه يجوز على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه -إلى قوله-: فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 282]. وجه الحجة منه: أن ابن عباس وابن عمر قالا: المراد به السَّلَم.
ولأن اللفظ عام فيدخل فيه السلم.
ولأنه أحد نوعي البيع فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الأعيان؟
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن الرهن إن أُخذ برأس مال السلم فهو آخذ للرهن بما ليس بواجب ولا مآله إلى الوجوب، وإن أُخذ بالمسلم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن.
ولأنه لا يؤمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفياً لحقه من غير المسلم فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 2 رواه أبو داود.
وأما كون الكفالة بالمسلم فيه تجوز على روايةٍ ولا تجوز على روايةٍ؛ فلأنها وثيقة أشبهت الرهن.
باب القرض
القرض جائز بالسنة والإجماع: أما السنة فما روى أبو رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً» 1.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيتُ ليلةَ أسريَ بِي على بابِ الجنةِ مكتوباً: الصدقةُ بعشرِ أمثالها والقرضُ بثمانيةَ عشر.
فقلتُ: يا جبريل! ما بالُ القرضِ أفضلُ من الصدقة؟ قال: لأن السائلَ يسألُ وعنده.
والمستقرضُ لا يَستقرضُ إلا مِن حاجَة» 2 رواهما ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على جواز القرض.
قال المصنف رحمه الله: (وهو من المرافق المندوب إليها، ويصح في كل عين يجوز بيعها إلا بني آدم، والجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما).
أما كون القرض من المرافق التي ندب الشرع إليها فلما تقدم من حديث ابن مسعود، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كَشفَ عن مسلمٍ كُربةً من كُربِ الدنيا كَشفَ اللهُ عنه كُربةً من كُربِ يومِ القيامة.
واللهُ في عَونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عونِ أخيه» 3.
وعن أبي الدرداء أنه قال: «لأن أُقرض دينارين ثم يُرَدّا ثم أقرضهما أحب إليَّ من أن أتصدق بهما» 1.
وفي قول المصنف: المندوب إليها إشعار بأنه ليس بواجب وهو صحيح لأنه من المعروف أشبه صدقة التطوع.
وأما كون القرض يصح في كل عين يجوز بيعها ما عدا المستثنى؛ فلأن مقصود القرض حاصل من ذلك لأنه ينتفع به ويتمكن من بيعه.
وأما كون بني آدم لا يصح قرضهم في وجهٍ؛ فلأنه لم ينقل ولا هو من المرافق.
ولأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطؤها ثم يردها.
وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فلأن السلم فيهم جائز فصح قرضهم كالبهائم.
وأما كون الجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه لا يصح قرضها؛ فلأنها لا تنضبط بالصفة ولا يمكن فيها رد المثل، ومقتضى القرض رد المثل.
وأما كونها يصح قرضها في وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأن ما لا مثل له تجب قيمته والجواهر وشبهها كغيرها في القيمة.
وقول المصنف رحمه الله: في أحد الوجهين متعلق بالمستثنى لا بقوله: مما لا يصح السلم فيه.
وقوله: فيهما راجع إلى بني آدم والجواهر ونحوها لأنه لو لم يقل فيهما لتوهم أن الوجهين في الجواهر دون بني آدم.
قال: (ويثبت الملك فيه بالقبض فلا يملك المقرض استرجاعه، وله طلب بدله، فإن رده المقترض عليه لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان فتكون له القيمة وقت القرض).
أما كون الملك يثبت في القرض بالقبض؛ فلأنه عقد تمليك فيثبت الملك فيه بالقبض كالهبة.
وأما كون المقرض لا يملك استرجاعه؛ فلأنه أزال ملكه بعوض من غير خيار فلم يكن له الرجوع فيه كالبيع.
وأما كونه له طلب بدله؛ فلأن العوض يثبت في الذمة حالاً فكان له طلبه كسائر الديون الحالة.
وأما كونه يلزمه قبوله إذا رده المقترض بشرطه؛ فلأنه رده على صفة حقه فلزمه قبوله كما لو أعطاه غيره وكما في عقد السلم.
واشترط المصنف رحمه الله في لزوم القبول شرطين:
أحدهما: أن لا يكون قد تعيب كحنطة ابتلت أو عفنت وما أشبه ذلك لأنه لم يدفع ذلك على صفة حقه.
الثاني: أن لا يكون فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان؛ لأن ذلك معنى يمتنع إنفاقها ويبطل ماليتها.
أشبه كسرها أو تلف أجزائها.
وأما كونه له القيمة وقت القرض؛ فلأن ذلك حينئذ يثبت في ذمته فوجب اعتبار القيمة به لأنه وقت الوجوب.
قال: (ويجب رد المثل في المكيل والموزون، والقيمة في الجواهر ونحوها، وفيما سوى ذلك وجهان).
أما كون رد المثل في المكيل والموزون يجب فلا خلاف فيه.
ولأن رد المثل أقرب شبهاً بالقرض من القيمة.
وأما كون رد القيمة في الجواهر ونحوها يجب؛ فلأن ذلك لا مثل له أشبه ما لو أتلفه.
وأما كون رد القيمة فيما سوى ذلك كالحيوان وشبهه يجب في وجهٍ؛ فلأنه لا مثل له أشبه الجواهر.
وأما كون رد المثل تقريباً يجب في وجهٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً فرد خيراً منه» 1. وهو مثله تقريباً.
وخالف هذا الإتلاف لأن القيمة أخصر ولا مسامحة فيه والقرض أسهل ولهذا جازت النسيئة فيه فيما فيه الربا.
قال: (ويثبت العوض في الذمة حالاً وإن أجله، ويجوز شرط الرهن والضمين فيه ولا يجوز شرط ما يجر نفعاً نحو: أن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه أو في بلد آخر.
ويحتمل جواز هذا الشرط).
أما كون عوض القرض يثبت العوض في الذمة حالاً؛ فلأنه بدل شيء مقبوض أشبه عوض ثمن المبيع إذا ظهر مستحقاً.
وأما كونه يثبت حالاً وإن أجله؛ فلأنه حال لما تقدم والحال لا يتأجل بالتأجيل.
وأما كون القرض يجوز شرط الرهن فيه؛ فلأنه يصح الرهن فيه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه على شعير اقترضه لأهله» 1. وما جاز فعله جاز شرطه.
ولأن الرهن إنما يراد للتوثق بالحق وليس ذلك بزيادة.
وأما كونه يجوز شرط الضمين فيه؛ فلأنه في معنى الرهن.
وأما كونه لا يجوز شرط ما يجر نفعاً؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل قرض جر منفعة فهو حرام» 2.
وعن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم «أنهم نهوا عن قرض جر منفعة».
ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شُرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه.
وأما قول المصنف رحمه الله: نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه أو في بلد آخر فتمثيل لصور فيها نفع بسبب الشرط.
وقوله: ويحتمل جواز هذا الشرط راجع إلى شرط القضاء في بلد آخر.
ولذلك قيده بهذا.
وفي ذلك وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن فيه نفعاً في الجملة ولهذا قالوا: يجوز قرض مال اليتيم للمصلحة مثل: أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر فيربح خطر الطريق.
والثاني: يجوز لأنه ليس بزيادة في قدر ولا صفة بل فيه مصلحة لهما فجاز كشرط الرهن.
وفصل المصنف في المغني فقال: إن كان المقرض يحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن يحمله مؤنة جاز لأنه رفق بهما جميعاً ومصلحة في حقهما من غير ضرر والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة منها.
قال: (وإن فعله بغير شرط أو قضاه خيراً منه أو أهدى له هدية بعد الوفاء جاز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد خيراً منه وقال: خيركم أحسنكم قضاء» 1. وإن فعله قبل الوفاء لم يجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض).
أما كون فعل المقترض ما فيه نفع وقضائه خيراً مما اقترض 2 وهديته بعد الوفاء بغير شرط يجوز فلما ذكر المصنف رحمه الله من أن النبي صلى الله عليه وسلم رد خيراً ومدح فاعله.
وأما كون ذلك قبل الوفاء مع عدم العادة لا يجوز فلما روي «أن رجلاً كان له على سَمّاك عشرون درهماً فجعل يهدي له السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهماً فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم» 3 رواه الأثرم.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أَقرضَ أحدكُم قرضاً فَأهدَى إليه أو حَملهُ على الدابةِ فلا يَركبْهَا ولا يَقبلهُ إلا أن يكونَ جرى بينهُ وبينهُ قبلَ ذلك» 4 رواه ابن ماجة.
وأما كون ذلك مع العادة يجوز فلما تقدم من حديث أنس.
ولأن مع العادة يكون سبب ذلك العادة لا القرض فلا يكون ذلك نفعاً جره القرض.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: بعد الوفاء بم يتعلق؟
قيل: يحتمل أن يتعلق بأهدى.
فعلى هذا يكون فعل ما يجر نفعاً غير مقيد وذلك يقتضي أن المقترض لو أسكن المقرض داره بغير عوض جاز إذا كان بغير شرط سواء كان ذلك قبل الوفاء أو بعده لأن المقترض فعل ذلك من غير شرط أشبه ما لو لم يكن للمقرض عنده شيء، ويحتمل أن يتعلق ذلك بقوله: وإن فعله بغير شرط.
فعلى هذا لا يجوز أن يسكنه داره ونحو ذلك قبل الوفاء لأنه يصير القرض قرضاً يجر نفعاً ويجوز بعده لأنه حينئذ لا دين له عليه أشبه من لم يقترض منه بالكلية.
وهذا الاحتمال موافق لما في المغني والكافي فإن المصنف صرح بالمنع فيما ذكر قبل الوفاء.
والاحتمال الأول ظاهر كلام المصنف هنا ويوافق قول طائفة من الأصحاب.
قال صاحب الهداية فيها: ولا يجوز كل شرط يجر منفعة مثل: أن يقرضه على أن يسكنه داره أو يعطيه أجود مما أخذ أو يكتب له به سفتجة إلى بلد آخر فإن بدأه المقترض بفعل ذلك من غير شرط جاز.
ويؤيد هذا الاحتمال أن بعد الوفاء إذا لم يختص بالهدية يجب أن يكون طرفاً لما قبله من المسائل وذلك لا يصح في قوله: أو قضاه خيراً منه لأن القضاء يستحيل أن يكون بعد الوفاء لأن القضاء نفس الوفاء والشيء يستحيل أن يكون بعد نفسه.
فعلى هذا كل نفع يوجد بعد الوفاء يجوز لما تقدم وكل نفع يوجد قبله ينظر فيه فإن لم يكن بينهما عادة به: فعلى الاحتمال الأول وما نقله الأصحاب يجوز ما لم يكن هدية، وعلى الاحتمال الثاني وما نقله المصنف في المغني والكافي لا يجوز وهو أظهر دليلاً من حيث الأثر والمعنى: أما الأثر فعموم قوله عليه السلام: «كل قرض جر منفعة حرام» 1، ونهي الصحابة المتقدم ذكرهم عن قرض جر منفعة 2.
وأما المعنى فهو أن الأصحاب اتفقوا على المنع من الهدية قبل الوفاء.
ولا فرق بينها وبين سكنى الدار ونحو ذلك.
فإن قيل: لو وجد ذلك حالة الوفاء؟
قيل: ينظر فيه فإن كان النفع صفة في الوفاء مثل: أن يقضيه خيراً منه جاز لما تقدم.
وإن كان زيادة في القضاء مثل: أن يقرضه درهماً فيعطيه أكثر منه لم يجز لأنه ربا.
وقال المصنف في المغني والكافي: تجوز الزيادة في الصفة والقدر لما تقدم من الحديث وحكى أبو الخطاب من غير تقييد روايتين.
قال: (وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وإن أقرضه غيرها لم تلزمه.
فإن طالبه بالقيمة لزمه أداؤها).
أما كون المقترض تلزمه الأثمان فيما ذكر؛ فلأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه كما لو طالبه في بلد القرض.
وأما كونه لا يلزمه غير الأثمان كالحنطة والشعير وغير ذلك مما لنقله مؤونة؛ فلأن عليه مؤونة في حمله 1.
وأما كونه يلزمه أداء القيمة؛ فلأنه إذا تعذر رد المثل تعينت القيمة.
باب الرهن
الرهن في اللغة: الثبوت.
يقال: ماء راهن أي راكد، ونعمة راهنة أي ثابتة دائمة.
قال الشاعر:
وفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا
وفي الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى منه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283].
وأما السنة فما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ورهنه درعه» 1 متفق عليه.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظهرُ يُرْكَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويشربُ النفقة» 2 رواه البخاري.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهن» 3 رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهو وثيقة بالحق لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن يجوز عقده مع الحق وبعده ولا يجوز قبله إلا عند أبي الخطاب).
أما كون الرهن وثيقة بالحق؛ فلأن الحق يستوفى منه عند تعذر الوفاء من المدين.
وأما كونه لازماً في حق الراهن؛ فلأن الحظ في الرهن لغيره فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن.
ولأنه وثيقة أشبه الضمان.
وأما كونه جائزاً في حق المرتهن؛ فلأن الحظ فيه له وحده فكان له فسخه كالمضمون له.
وأما كونه جائزاً مع الحق مثل أن يقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك فلاناً فيقول: اشتريت منك ورهنتك عبدي؛ فلأن الحاجة داعية إلى جوازه لأنه لو لم يجز مع ثبوت الحق كان من عليه الحق بالخيار بين أن يرهن وبين أن لا يرهن.
وأما كونه جائزاً بعد الحق فبالإجماع.
ولأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به.
ولأن الله قال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283] جعله بدلاً عن الكتابة فيكون في محلها وكتابة الدين تكون صحيحة بعد وجوبه وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: 282] ذكره بفاء التعقيب.
وأما كونه لا يجوز قبله على المذهب؛ فلأن الرهن وثيقة بحق فلم يجز قبل ثبوته كالشهادة.
ولأن الرهن بيع فلم يجز أن يتقدم الحق كالثمن لا يتقدم المبيع 1.
وأما كونه يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه وثيقة بحق فجاز قبل الحق كالضمان، أو فجاز على حق يحدث في المستقبل كضمان الدرك.
فإن قيل: ما صورة المسألة؟
قيل: هي أن يدفع إلى رجل ثوباً ويقول: رهنتك هذا على عشرة دراهم تقرضنيها غداً ثم يقرضه الدراهم المذكورة.
قال: (ويصح رهن كل عين يجوز بيعها إلا المكاتب إذا قلنا استدامة القبض شرط لم يجز رهنه).
أما كون رهن كل عين يجوز بيعها ما خلا المكاتب يصح؛ فلأن مقصود الرهن الاستيثاق ليتوصل إلى استيفاء الحق من ثمنه عند تعذر الوفاء من الراهن وهو حاصل في رهن كل عين يجوز بيعها.
وأما كون رهن المكاتب إذا قيل استدامة القبض شرط لا يصح؛ فلأن استدامة القبض تنافي عقد الكتابة لأن المكاتب يحتاج إلى التصرف والتنقل والتسبب في أداء كتابته.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا قلنا استدامة القبض شرط فمشعر بأن في الاستدامة خلافاً وسيأتي ذكر ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال: (ويجوز رهن ما يسرع إليه الفساد بدين مؤجل ويباع ويجعل ثمنه رهناً).
أما كون رهن ما يسرع إليه الفساد بدين كالعنب والرطب والبطيخ؛ فلأنه يجوز بيعه فيحصل مقصود الرهن.
وقول المصنف رحمه الله: بدين مؤجل ليس قيداً في المسألة بل ذكره تنبيها على أن التأجيل لا أثر له في منع صحة ذلك وذلك أنه ربما توهم أن عقد الرهن يقتضي بقاء المرهون إلى استحقاق الاستيفاء فإذا كان الدين مؤجلاً أدت الصحة إلى مخالفة الاقتضاء المذكور وليس كذلك لأن بيع ما ذكر وجعل ثمنه مكانه يقوم مقام العين لأن الثمن بدل العين وبدل الشيء يقوم مقامه.
وأما كونه يباع؛ فلأن تركه يؤدي إلى تلفه وضياعه وذلك منهي عنه.
ولم يفرق المصنف رحمه الله بين ما يمكن تجفيفه كالعنب والرطب وبين ما لا يمكن تجفيفه كالبطيخ والطبيخ.
وصرح في المغني بأن ما يمكن تجفيفه يجب على الراهن أن يجففه لأن ذلك من مؤونة حفظه وتبقيته فكان على الراهن كنفقة الحيوان وأن ما لا
يمكن تجفيفه يباع لما في تركه من ضياع المال وهذا صحيح يجب حمل كلام المصنف عليه.
وأما كونه يجعل ثمن الرهن رهناً؛ فلأنه بدل عن رهن وحكم البدل حكم المبدل.
قال: (ويجوز رهن المشاع ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز وإن اختلفا جعله الحاكم في يد أمين أمانة أو بأجرة).
أما كون رهن المشاع يجوز؛ فلأنه يجوز بيعه فجاز رهنه كالمفرز.
وأما كونه إذا رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما يجوز؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما.
وأما كون الحاكم يجعل ذلك في يد أمين أمانة أو بأجرة إذا اختلف الشريك والمرتهن؛ فلأن قبض المرتهن واجب ولا يمكن ذلك منفرداً لكونه مشاعاً فيتعين ما ذكر؛ لكونه وسيلة إلى القبض الواجب.
قال: (ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه إلا على ثمنه في أحد الوجهين).
أما كون رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه على غير ثمنه يجوز؛ فلأنه يجوز بيعه قبل قبضه، وما جاز بيعه جاز رهنه لما تقدم ذكره قبل 1.
وأما كون رهنه قبل قبضه على ثمنه يجوز في وجهٍ؛ فلأن الثمن صار ديناً في الذمة والمبيع صار ملكاً للمشتري فجاز رهنه بالثمن كغيره من الديون.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن المبيع محبوس بالثمن فلا فائدة في صيرورته رهناً.
ولأن بين الرهن والبيع تنافيا لأن حكم الرهن أن يباع في الدين عند التعذر وحكم البيع إيفاء الثمن من غيره.
ولأن البيع يقتضي تسليم المبيع أولاً والرهن يقتضي تسليم الدين أولاً.
وأما كون رهن المكيل والموزون قبل قبضه لا يجوز فمبني على الرواية التي
اختارها المصنف رحمه الله وهي أن المنع من بيع المبيع قبل قبضه مختص بالمكيل والموزون وقد تقدم في ذلك أربع روايات 1:
إحداها: أن المنع مختص بهما.
والثانية: أن ذلك مختص بالمبيع غير المعين كقفيز من صبرة.
فعلى هذه لا يجوز رهن المعين قبل قبضه ويجوز رهن ما عداه على غير ثمنه، وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
والثالثة: أن المنع من البيع مختص بالمطعوم.
فعلى هذه لا يجوز رهن المطعوم قبل قبضه ويجوز رهن ما عداه على غير ثمنه، وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
والرابعة: أن المنع يعم كل مبيع.
فعلى هذه لا يجوز رهن كل مبيع قبل قبضه على غير ثمنه وفي رهنه على ثمنه الخلاف.
قال: (وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه إلا الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع في أحد الوجهين).
أما كون رهن ما لا يجوز بيعه -غير الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع- كأم الولد والوقف والعين المرهونة لا يجوز؛ فلأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه.
وأما كون رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه لا يجوز بيعها.
وأما كونه يجوز في وجهٍ وهو الأصح؛ فلأن الرهن لا يصح قياسه على البيع لأن النهي عن البيع إنما كان لعدم الأمن من العاهة وقد تقدم ما يدل عليه وحكمته أن بتقدير وجودها يفوت مال المشتري مجاناً ولهذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح وهذا مفقود هنا لأن بتقدير وجود العاهة لا يفوت حق المرتهن من الدين لتعلقه بذمة المدين.
ولأن رهن المرتد وما يسرع إليه الفساد يجوز؛ فلأن يجوز هذا بطريق الأولى.
قال: (ولا يجوز رهن العبد المسلم لكافر إلا عند أبي الخطاب إذا شرطا كونه في يد مسلم).
أما كون رهن العبد المسلم لكافر مع عدم شرط كونه في يد مسلم لا يجوز؛ فلأن مقتضى الرهن أن يكون المرهون في يد المرتهن والمرتهن هاهنا ليس أهلاً لذلك.
وأما كون رهنه مع شرط ذلك لا يجوز -قاله القاضي-؛ فلأن القبض واستدامته شرط والكافر لا يكون له يد على مسلم ولذلك أُمِر ببيع عبده إذا أسلم.
وأما كونه يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه مال فجاز رهنه عند الكافر كسائر الأموال وما ذكر مندفع بالاشتراط المذكور.
قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقبض واستدامته شرط في اللزوم.
فإن أخرجه المرتهن باختياره إلى الراهن زال لزومه.
فإن رده إليه عاد اللزوم.
ولو رهنه عصيراً فتخمر زال لزومه فإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق.
وعنه: أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط، فمتى امتنع الراهن من تقبيضه أُجبر عليه).
أما كون رهن غير المتعين لا يلزم بغير القبض؛ فلأن الله قال: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]. وصفه بكونه مقبوضاً.
ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول فافتقر إلى القبض كالقرض.
ولأنه رهن لم يقبض فلم يلزم إقباضه 1 كما لو مات الراهن.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا فرق بين المكيل والموزون وغيرهما وصرح به في المغني لعموم ما ذكر.
وحكي في المغني أيضاً عن بعض الأصحاب 2 أنه قال: المكيل والموزون لا يلزم فيهما إلا بالقبض وفيما عداهما روايتان كالبيع.
وهذا القياس ليس بصحيح لأنه يوهم أن البيع في غير المكيل والموزون لا يلزم في روايةٍ ولا خلاف في لزومه لأن أحد المتبايعين لو أراد فسخه لم يملكه بخلاف الرهن وإنما الخلاف في ضمانه هل هو
على البائع أو على المشتري فإذاً حكم المقيس والمقيس عليه مختلف لأن الكلام في الرهن في اللزوم وفي البيع في الضمان.
وأما كون رهن المتعين لا يلزم إلا بالقبض على المذهب فكغيره.
وأما كونه يلزم بمجرد العقد على روايةٍ؛ فلأن تعيينه قائم مقام قبضه ولذلك قام مقام قبضه في البيع في رواية.
وأما كون استدامة القبض شرطاً في اللزوم على المذهب؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283].
ولأنها إحدى حالتي الرهن.
فكان القبض فيها شرطاً؛ كالابتداء.
ولأن الرهن يراد للوثيقة 1 ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم يحصل وثيقة.
فعلى هذه الرواية إن أخرجه المرتهن باختياره زال اللزوم؛ لأن استدامة القبض شرط في اللزوم وقد زالت.
فوجب أن يزول اللزوم لزوال شرطه.
وقيد إخراج المرتهن الرهن باختياره احترازاً من خروجه لا باختياره؛ كالغصب والسرقة ونحوهما؛ لأن ذلك لا يزيل اللزوم؛ لأن يد المرتهن ثابتة عليه حكماً فكان حكمه حكم من لم يزل يده.
وإن رده عاد اللزوم بحكم العقد السابق.
ولا يحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن العقد قد وجد، ولم يوجد ما يبطل الصحة.
أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد.
ولو كان الرهن عصيراً فتخمر زال لزومه أيضاً؛ لأن تخمير العصير بمنزلة إخراجه من يده في زوال يده؛ لأنه لا يد لمسلم على خمر.
ولأن صيرورته خمراً يخرجه عن صحة العقد؛ فلأن يخرجه عن اللزوم بطريق الأولى.
وإن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق؛ لأن صيرورته خمراً شارك إخراج الرهن من يد المرتهن في زوال اللزوم فوجب أن يشارك عوده خلاً عود الرهن إلى يد المرتهن في عود اللزوم.
ولقائل أن يفرق بين إعادة الراهن الرهن وبين تخلل الخمر؛ لأن العقد مقتض للصحة واستدامة القبض شرط في اللزوم، فإذا زالت الاستدامة بقيت الصحة، فإذا عادت
الاستدامة عاد اللزوم مستنداً إلى العقد المقتضي للصحة بخلاف ما إذا تخلل الخمر فإنه لما صار خمراً خرج عن اللزوم وعن الصحة إذْ لا يصح رهن الخمر فارتفع موجب العقد، فإذا تخلل لم يجد اللزوم ما يستند إليه.
وقد صرح المصنف رحمه الله ببطلان الرهن بصيرورته خمراً وبأن اللزوم يعود بتخلله، وأورد ما ذكر من الإشكال.
وأجاب عنه: بأن العقد إذا وقع صحيحاً ثم حدث بالمعقود معنى أخرجه من حكم العقد، ثم زال ذلك لا يمتنع 1 عود حكم العقد؛ كزوجة الكافر إذا أسلمت فإنه يحرم وطؤها ويخرج عن حكم العقد فإذا أسلم الزوج في العدة عاد حكم العقد.
وفي هذا الجواب نظر فإن الزوج إذا أسلم بعد زوجته يحكم ببقاء النكاح لا بعوده.
بناء على أن الفرقة تتوقف على انقضاء العدة على الصحيح من المذهب.
وعلى روايةِ وقوع الفرقة باختلاف الدين لا يحكم بعود النكاح؛ لأنه انفسخ فكيف يعود بعد 2 فسخه.
ولقائل أن يقول في مسألة التحلل: إن الصحة تبقى مراعاة؛ كالكافرة إذا أسلمت.
إلا أنه يناقض منصوص المصنف في المغني بالبطلان.
ويجاب عنه: بأن مقتضى الدليل أن لا يثبت صحة شيء مع ما ينافيها خولف ذلك في إسلام أحد الزوجين؛ لأن جماعة من الصحابة أسلم الأزواج قبل النساء وبالعكس فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
قال: (وتصرف الراهن في الرهن لا يصح إلا العتق فإنه ينفذ ويؤخذ منه قيمته رهناً مكانه.
وعنه: لا ينفذ عتق المعسر.
وقال القاضي: له تزويج الأمة ويمنع الزوج وطئها ومهرها رهن معها.
والأول أصح).
أما كون تصرف الراهن في الرهن بغير العتق والتزويج كالبيع والهبة والإجارة والوقف والرهن لا يصح؛ فلأنه تصرف يبطل حق الوثيقة، وليس بمبني على السراية والتغليب فلم يصح كما لو فسخ عقد الرهن.
وأما كون تصرف الموسر بالعتق ينفذ؛ فلأنه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك فنفذ كعتق المستأجر.
ولأن الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق فنفذ فيها عتق المالك كالمبيع في يد البائع.
ولأن العتق مبني على السراية والتغليب وينفذ في ملك الغير؛ فلأن ينفذ في ملكه بطريق الأولى.
فعلى هذا يجب عليه قيمته لأنه أبطل حق المرتهن من الوثيقة فوجبت عليه قيمته كما لو أتلفه ويؤخذ منه فيجعل رهناً لأنها نائبة عن العين أو بدل عنها.
وأما كون تصرف المعسر بالعتق ينفذ على المذهب فلما ذكر في الموسر.
فعلى هذا تبقى القيمة 1 في ذمته كما إذا أتلف شيئاً من مال غيره.
فإن قيل: فأيّ فائدة في بقاء القيمة في ذمته والدين ثابت فيها؟
قيل: فائدته أنه إذا أيسر قبل حلول الدين ملك المرتهن مطالبته بالقيمة ليكون رهناً.
وتعتبر القيمة حال الإعتاق لأنها حال الإتلاف.
وأما كونه لا ينفذ عتق المعسر على روايةٍ؛ فلأن نفوذ عتقه يسقط الوثيقةَ وبدلَها فلم ينفذ لما فيه من الإضرار بالمرتهن، وكما لو أعتق شِرْكاً له في عبد وهو معسر.
وذكر أبو الخطاب هذه الرواية في الهداية احتمالاً.
وذكرها المصنف رحمه الله في المغني عن أبي الخطاب تخريجاً.
وأما تصرفه في التزويج فقال القاضي وجماعة من أصحابنا: إذا زوج الأمة المرهونة صح؛ لأن محل عقد النكاح غير محل عقد الرهن بدليل صحة رهن الأمة المزوجة.
ولأن الرهن لا يزيل الملك فلم يمنع التزويج كالإجارة.
فعلى هذا يكون المهر رهناً معها لأنه من نماء الرهن فكان رهناً لما يأتي إن شاء الله تعالى.
ويمنع الزوج وطئها لئلا تحبل فتنقص قيمتها وربما تلفت بسبب الحمل.
واختار أبو الخطاب أن التزويج لا يصح لأنه تصرف ينقص قيمتها ويشغل بعض منافعها فلم
يملكه الراهن بغير رضى المرتهن كالإجارة.
وصحح المصنف اختيار أبي الخطاب لما ذكر.
ولأن التزويج يذهب رغبات المشترين فيها فينقص من أجل ذلك ثمنها وليس للراهن ذلك كما لو فسخ عقد الرهن.
قال: (وإن وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرهن وأُخِذت منه قيمتها فجعلت رهناً).
أما كون الجارية المرهونة تخرج من الرهن بالإيلاد؛ فلأنها تصير به أم ولد.
وأما كون قيمتها تؤخذ من الواطئ؛ فلأنه فوت على المرتهن الرهن فوجب أن يؤخذ منه بدله كما لو أتلفه.
وأما كون القيمة تجعل رهناً؛ فلأنها بدله والبدل يعطى حكم مبدله.
قال: (وإن أذن المرتهن له في بيع الرهن أو هبته ونحو ذلك ففعل صح وبطل الرهن.
إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً أو يعجل له 1 دينه من ثمنه).
أما كون فعل ما ذكر بإذن المرتهن يصح؛ فلأن المنع منه كان لحقه فإذا أَذِن زال المنع.
وأما كون الرهن يبطل في غير المستثنى؛ فلأنه لا يجتمع مع ما ينافيه.
وأما كونه لا يبطل إذا أذن المرتهن في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً أو يعجل له دينه من ثمنه؛ فلأنه لو شرط ذلك بعد حلول الحق جاز.
فكذلك قبله.
قال: (ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه من الرهن ومؤونته على الراهن وكفنه إن مات وأجرة مخزنه إن كان مخزوناً).
أما كون نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه من الرهن؛ فلأن الرهن عقد وارد على العين فيدخل فيه ما ذكر كالبيع والهبة.
ولأن ما ذكر تبع للأصل فكان رهناً كأساسات الحيطان.
وأما كون مؤونته وكفنه وأجرة مخزنه على الراهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» وجميع ما ذكر من غرمه.
ولأن الرهن ملك الراهن فكان عليه جميع ما ذكر كغير المرتهن.
قال: (وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه.
وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين).
أما كون الرهن أمانة في يد المرتهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرهن: «لصاحبه غنمه وعليه غرمه» 1.
ولأن الرهن لو ضمن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان وذلك وسيلة إلى تعطيل القروض والمداينات غالباً وفي ذلك ضرر عظيم والضرر منفي 2 شرعاً.
ولأن الرهن مقبوض بعقد واحد بعضه أمانة فكان كله أمانة كالوديعة.
وأما كونه لا شيء على المرتهن إذا تلف بغير تعد منه؛ فلأنه أمانة في يده فلم يكن في تلفه شيء كالوديعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا تلف بغير تعد منه ففيه إشعار بأنه يضمنه مع التعدي؛ لأن الوديعة إذا تعدى فيها ضمن فكذا هاهنا.
وأما كون شيء من الدين لا يسقط بهلاكه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهن لصاحبه غُنمه وعليه غُرمه» 3 رواه الأثرم.
ولأنه مقبوض على وجهِ الأمانة فلم يسقط الحق كالوديعة إذا تلفت في يد من له عند صاحبها دين.
وأما كون باقي الرهن رهناً بجميع الدين؛ فلأن الدين كله يتعلق بجميع أجزاء الرهن.
لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (ولا ينفك شيء من الرهن حتى يقضي جميع الدين.
وإن رهنه عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه.
وإن رهنه رجلان شيئاً فوفاه أحدهما انفك في نصيبه).
أما كون الرهن لا ينفك شيء منه حتى يقضي جميع الدين؛ فلأنه عين تعلق به حق فلا ينفك من الرهن بحساب ما قضى كالمكاتب لا يعتق بعضه إذا أدى بعض المكاتبة.
ولأن الأعيان تزيد قيمتها وتنقص باختلاف الأسعار ورغبة الطلاب فلو خرج من الرهن شيء بقدر ما قضي لم يؤمن أن الباقي لا يفي ببقية الحق لنقصان سعره.
وأما كونه ينفك في نصيب من وفى إذا كان الرهن عند رجلين فوفى أحدهما؛ فلأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفرداً.
وقال أبو الخطاب في الهداية: يكون ذلك رهناً عند الآخر حتى يوفيه نظراً إلى أن العقد واحد.
وقال المصنف في المغني: كلام أحمد وأبي الخطاب -يعني في ذلك- محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن لما عليه فيه من الضرر لا بمعنى أن العين كلها تكون رهناً إذ لا يجوز أن يقال: رهنه نصف العبد فصار جميعه رهناً.
وأما كون ينفك في نصيب من وفى إذا كان الراهن رجلين فوفى أحدهما؛ فلأن الراهن متعدد فتعلق ما على هذا بنصيبه وما على هذا بنصيبه لأن الرهن لا يتعلق بملك الغير إلا إذا كان مأذوناً في رهنه ولم يوجد ذلك.
قال: (وإذا حل الدين وامتنع الراهن من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووفى الدين وإلا رفع الأمر إلى الحاكم فيجبره على وفاء الدين أو بيع الرهن فإن لم يفعل باعه الحاكم وقضى دينه).
أما كون المرتهن أو العدل يبيع الرهن إذا حل الدين وامتنع الراهن من وفائه وكان الراهن قد أذن في بيعه؛ فلأنه مأذون له في ذلك.
وأما كونه يوفي الدين؛ فلأن ذلك هو المقصود من البيع.
وأما كونه يرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره على الوفاء أو بيع الرهن إذا لم يكن الراهن أذن في بيعه؛ فلأن شأن الحاكم ذلك.
وظاهركلام المصنف أن الحاكم لا يبيع الرهن بنفسه هنا لأنه قال: يجبره على الوفاء أو بيع الرهن.
وقال في المغني: إن رأى حبسه وتعزيره فعل وإن رأى بيعه بنفسه أو بأمينه فعل.
وأما كون الحاكم يبيع ذلك إذا امتنع الراهن من كل واحد من الأمرين؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى أداء الحق الواجب أداؤه.
وأما كونه يقضي دينه؛ فلما تقدم.
فصل
قال المصنف رحمه الله: (وإذا شرط في الرهن جعله على يد عدل صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن.
وإن شرط جعله في يد اثنين لم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه).
أما كون شرط جعل الرهن على يد عدل يصح؛ فلأنه قبض في عقد فجاز التوكيل فيه كقبض الموهوب.
وأما كون قبض العدل يقوم مقام قبض المرتهن؛ فلأنه وكيله، وقبض الوكيل يقوم مقام قبض الموكل.
وأما كون أحد الاثنين لا يكون له الانفراد بحفظ الرهن إذا شرط جعله في يد اثنين؛ فلأن الراهن لم يرض إلا بحفظهما فلم يجز لأحدهما الانفراد بحفظه كالوصيين.
قال: (وليس للراهن ولا المرتهن إذا لم يتفقا ولا للحاكم نقله عن يد العدل إلا أن تتغير حاله وله رده عليهما ولا يملك رده إلى أحدهما فإن فعل فعليه رده إلى يده فإن لم يفعل ضمن حق الآخر).
أما كون كل واحد من الراهن والمرتهن ليس له نقل الرهن عن يد العدل إذا لم تتغير حاله؛ فلأنهما رضيا به ابتداء.
وقول المصنف رحمه الله: إذا لم يتفقا مشعر بأنه مع الاتفاق منهما يجوز نقله.
وصرح به في المغني؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
وأما كون الحاكم ليس له ذلك؛ فلأن الراهن إذا لم يملك ذلك وهو صاحب الحق؛ فلأن لا يملكه الحاكم بطريق الأولى.
وأما كون كل واحد من الراهن والمرتهن له نقل الرهن عن يد العدل إذا تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة ونحو ذلك؛ فلأن في مقامه في يده ضرراً على الطالب.
فعلى هذا إن اتفقا على شخص يضعانه عنده جاز لأن الحق لهما وإن اختلفا وضعه الحاكم عند عدل لأن الحاكم شأنه قطع التنازع وذلك طريق إليه.
وأما كون العدل له رده على الراهن والمرتهن؛ فلأنه أمين متطوع بالحفظ فكان له رده كسائر الأمانات.
وأما كونه لا يملك رده إلى أحدهما؛ فلأن للآخر حظا في إمساكه في يده.
وفي رده إلى أحدهما تضييع له.
وأما كون العدل عليه أن يرده إلى يده؛ فلأن في ذلك عوداً للحق إلى مستحقه.
وأما كونه يضمن حق الآخر إذا لم يفعل الرد؛ فلأنه فوّت عليه ما استحقه بعقد الرهن أشبه ما لو أتلفه.
قال: (وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد.
فإن كان فيه نقود باع بجنس الدين فإن لم يكن فيها جنس الدين باع بما يرى أنه أصلح).
أما كون العدل ليس له أن يبيع إلا بنقد البلد إذا أذن له في البيع من غير تعيين؛ فلأن الحظ في ذلك للرواج فيه.
وأما كونه يبيعه بجنس الدين إذا كان في البلد نقود؛ فلأنه أقرب إلى وفاء الحق.
وأما كونه يبيعه بما يرى أنه أصلح إذا لم يكن في النقود جنس الدين؛ فلأن عليه الاحتياط فيما هو متوليه أشبه الحاكم.
واعلم أن المصنف قال في المغني: إذا تعددت 1 النقود باع بأغلبها لأنه راجح على غيره.
فيجب حمل كلامه هنا على ما إذا كانت النقود متساوية جمعاً بين نقليه 2 في كتابيه.
وقال في المغني أيضاً بدل قوله: باع بما يرى أنه أصلح عين له الحاكم ما يبيعه به.
وهو أولى لأنه أعرف بالأحظ وأبعد من التهمة.
قال: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فهو من ضمان الراهن.
وإن استحق المبيع رجع المشتري على الراهن.
وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر ولم يكن قضاه ببينة
ضمن.
وعنه: لا يضمن إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل.
وهكذا الحكم في الوكيل).
أما كون الثمن التالف في يد العدل من ضمان الراهن؛ فلأنه وكيله في البيع والثمن ملكه وهو أمين له في قبضه أشبه سائر الأمانات.
وأما كون المشتري يرجع على الراهن إذا استحق المبيع؛ فلأن المبيع له فالرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه.
واشترط المصنف رحمه الله في المغني في الرجوع على الراهن دون العدل أن 1 يكون العدل قد أعلم المشتري أنه وكيل؛ لأنه إذا لم يعلم كان هو البائع ظاهراً فإذا ادعى بعد ذلك أنه وكيل لم يقبل لمخالفته الظاهر وللتهمة.
وأما إذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكر ولا بينة للعدل عليه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون أمره بالإشهاد فيضمن لتفريطه ومخالفة أمر موكله.
وثانيهما: أن يطلق ولم يأمره بإشهاد ولا غيره وفيه روايتان:
إحداهما: يضمن؛ لأنه فرط حيث لم يُشْهِد.
ولأنه إنما أذن له في قضاء مبر ولم يحصل.
والثانية: لا يضمن؛ لأنه أمينه.
وقيّد المصنف رحمه الله رواية الضمان بعدم البينة بينهما.
على أن القضاء إذا كان ببينة لا يضمن لعدم التفريط.
ولا فرق في عدم الضمان بين أن تكون البينة قائمة أو ميتة أو غائبة لما ذكر.
ولا بد أيضاً من قيد ثان وهو: أن لا يكون قضاؤه بحضرة الموكل صرح بذلك جماعة من أصحابنا؛ لأنه لا يعد مفرطاً.
واشترط في روايةِ عدم الضمان: أن لا يكون الموكل أمره بالإشهاد.
فلم يفعل يضمن قولاً واحداً؛ لما تقدم من أنه يعد مخالفاً مفرطاً.
وأما كون حكم الوكيل حكم العدل فيما ذكر؛ فلأنه في معناه.
قال: (وإن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح.
فإن عزلهما صح عزله.
وإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول أو إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له لم يصح الشرط.
وفي صحة الرهن روايتان).
أما كونه إذا شرط أن يبيع المرتهن أو العدل الرهن يصح؛ فلأن كل واحد منهما أهل للوكالة أشبه الأجنبي.
ولأن ما صح توكيل غيرهما فيه صح توكيلهما فيه كبيع عين أخرى.
وأما كونه يصح عزلهما؛ فلأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كسائر الوكالات.
وقال المصنف في المغني: قال ابن أبي موسى: يتوجه أن لا يصح؛ لأن الوكالة هنا صارت من حقوق الرهن.
والأول المنصوص؛ لما ذكر.
وكونها من حقوق الرهن لا يمنع جوازه كما لو شرطا الرهن في البيع فإنه لا يصير لازماً؛ كما لو مات الراهن بعد الإذن فإنه تنفسخ الوكالة.
وأما كونه إذا شرط أن لا يبيعه عند الحلول لا يصح؛ فلأنه شرط ينافي مقتضى عقد الرهن.
وأما كونه إذا شرط إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له لا يصح فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَغْلَقُ الرهن» 1.
قال الأثرم: قلت لأحمد: ما معنى قوله: لا يَغْلَق الرهن؟ قال: لا يدفع رهناً إلى رجل ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وإلا فالرهن لك.
وروي «أن رجلاً رهن داراً بالمدينة إلى شيء مسمى.
فمضى الأجل.
فقال الذي ارتهن: منزلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يَغْلَقُ الرهن» رواه الأثرم.
ولأنه علق البيع على شرط لأنه جعله مبيعاً بشرط أن لا يوفيه الحق في محله والبيع المعلق بشرط لا يصح.
وأما كون الرهن صحيحاً ففيه روايتان مبنيتان على الروايتين في البيع.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: قال القاضي: يحتمل فساد الرهن بالشرط الفاسد بكل حال لأن العاقد إنما بذل ملكه بهذا الشرط فإذا لم يسلم له أفضى إلى أخذ ماله بغير رضاه.
والقياس يقتضي ذلك في البيع لكن ترك فيه للأثر 1 فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس.
ولأنه شرط فاسد فأفسد عقد الرهن كما لو وقته.
ونصر أبو الخطاب في رؤوس المسائل صحته استدلالاً بقوله عليه السلام: «لا يَغْلَقُ الرهن» 2. وهو مشروط فيه شرط فاسد ولم يحكم بفساده.
[وقيل: ما يَنْقص بفساده] 3 حق المرتهن 4 يُبْطله وجهاً واحداً، وما لا يَنْقص به فعلى وجهين.