الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 416-455

فصل [في الشك] قال المصنف رحمه الله: (وأما الشك.
فمن شك في عدد الركعات بنى على اليقين.
[وعنه يبني على غالب ظنه، وظاهر المذهب أن المنفرد يبني على اليقين] 1. والإمام على غالب ظنه.
فإن استويا عنده بنى على اليقين).
أما كون من شك يسجد؛ فلما يأتي في الأحاديث بعد.
ولأن الشاك قد يزيد فعله وقد ينقص وكل واحد منهما موجب لسجود السهو لما تقدم.
وأما كونه يبني على اليقين على روايةٍ إماماً كان أو منفرداً؛ فلما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى 2 فليبن على اليقين.
حتى إذا استيقن أن قد أتم فليسجد سجدتين قبل أن يسلم.
فإنه إن كانت صلاته وتراً فقد شفعها وإن كانت شفعاً فإن ذينك يرغمان الشيطان» 3 رواه مسلم.
ولأن الأصل واجب في ذمته بيقين فلا يزول إلا بيقين.
وأما كونه يبني على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين» 4 متفق عليه.
وأما كون المنفرد يبني على اليقين والإمام على غالب ظنه على روايةٍ؛ فلأن الإمام له من ينبهه ويذكره إذا أخطأ الصواب.
بخلاف المنفرد.

ويجب أن يحمل حديث أبي سعيد على المنفرد وحديث ابن مسعود على الإمام جمعاً بينهما.
وأما كون هذه الرواية هي ظاهر المذهب؛ فلأن فيها جمعاً بين الأحاديث، ولما تقدم من الفرق بين الإمام والمنفرد.
فإن قيل: الشاك هو الذي استوى عنده طرفا الشيء فكيف يقال: يبني على غالب ظنه؟ قيل: الشك في اللغة مطلق التردد ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك في ثلاث وأربع وأكثر ظنك على الأربع» 1. وتفسير الشك باستواء الطرفين اصطلاح حادث أصولي.
وأما كون من استوى عنده الأمران المتقدم ذكرهما يبني على اليقين بلا خلاف؛ فلأن اليقين إنما جاز تركه في مسألة غلبة الظن على روايةٍ لمعارضة غلبة الظن فإذا لم يوجد وجب الرجوع إلى اليقين لأنه الأصل وهو سالم عن المعارض.
قال: (ومن شك في ترك ركن فهو كتركه.
وإن شك في ترك واجب فهل يلزمه السجود؟ على وجهين.
وإن شك في زيادة لم يسجد).
أما كون من شك في ترك ركن فهو كتركه؛ فلأن الأصل عدم وجود الركن مع الشك فيكون كتركه.
وأما كون من شك في ترك واجب يلزمه السجود على وجهٍ؛ فلأن الشك في ترك واجب كتركه لما ذكر من أن الأصل عدمه ومن ترك واجباً يلزمه السجود.
وأما كونه لا يلزمه على وجهٍ؛ فلأنه شك في وجوب سجود السهو لأنه تابع لترك الواجب وذلك مشكوك فيه والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه والشيء لا يجب بالشك.
وأما كون من شك في زيادة لا يسجد؛ فلأن الأصل عدمها.

قال: (وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد.
فإن لم يسجد الإمام فهل يسجد المأموم؟ على روايتين).
أما كون المأموم ليس عليه سجود سهو إذا لم يسه إمامه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة ضمناء» 1. معناه والله أعلم ضمناء السهو.
ولأن معاوية بن الحكم تكلم في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بسجود سهو 2. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على من خلف الإمام سهو.
فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» 3 رواه الدارقطني.
وأما كونه عليه ذلك إذا سها إمامه وسجد؛ فلما تقدم من حديث ابن عمر 4. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا سجد فاسجدوا» 5. ولأن السجود من تمام الصلاة فلزم المأموم متابعته كغير المسبوق.
فإن قيل: إذا قضى المأموم المسبوق ما عليه هل يعيد السجود في آخر صلاته؟ قيل: فيه روايتان: إحداهما: يسجد؛ لأنه لزمه حكم السهو وما فعله مع الإمام لأجل المتابعة فلا يسقط ما لزمه.
والثانية: لا يلزمه لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما وحصل به الجبران فلا حاجة إلى إعادته كالمأموم إذا سها وحده.

وأما كون المأموم يسجد إذا لم يسجد الإمام على روايةٍ؛ فلأن صلاة المأموم تنقص بنقصان صلاة الإمام كما تكمل بكمالها فإن لم يجبرها الإمام جبرها المأموم.
وأما كونه لا يسجد على روايةٍ؛ فلأن المأموم إنما يسجد تبعاً.
فإذا لم يسجد الإمام لم يوجد المقتضي لسجود المأموم.
ولا بد أن يلحظ أن ترك الإمام السجود لعذر لأنه لو ترك الواجب عمداً 1 قبل السلام لغير عذر بطلت صلاته وصلاة المأموم جميعاً: أما صلاته؛ فلأنه فعل ما أبطل صلاته عمداً أشبه ما لو تكلم عمداً.
وأما صلاة المأموم؛ فلأنه اقتدى بمن صلاته باطلة.

فصل [في سجود السهو] قال المصنف رحمه الله: (وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، ومحله قبل السلام إلا في السلام قبل إتمام صلاته.
وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه.
وعنه أن الجميع قبل السلام.
وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله).
أما كون سجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجباً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وسجد له» 1 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 2. وقد ثبت وجوبه بما تقدم.
فيقاس عليه سائر الواجبات لاشتراك الكل في معنى واحد.
ولأنه سها فيجب عليه السجود لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين» 3. أمر والأمر للوجوب.
خُص منه ما إذا سها في سنة أو هيئة لأنه جبران لما ليس بواجب فلا يكون واجباً فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون محله قبل السلام إلا في موضعين الذين استثناهما المصنف رحمه الله على المذهب: أما كونه قبل السلام فيما عدا المستثنى؛ فلأن السجود من شأن الصلاة فكان قبل السلام كسائر أجزائها.
وأما كونه بعد السلام في المستثنى: أما فيما إذا سلم قبل إتمام صلاته مثل أن يسلم من ركعتين أو من ثلاث؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من ثنتين وسجد بعد السلام في حديث ذي اليدين» 4.

و «سلم من ثلاث وسجد بعد السلام في حديث عمران ابن حصين» 1. وأما فيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه؛ فلأن في 2 حديث عبدالله بن مسعود في لفظ البخاري: «فليسجد سجدتين بعد التسليم» 3. وأما كون الجميع قبل السلام على روايةٍ فلحديث أبي سعيد المتقدم ولفظه: «فليسجد سجدتين قبل أن يسلم» 4. وأما كون ما كان من زيادة فهو بعد السلام وما كان من نقص كان قبله على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في حديث ابن بحينة قبل السلام 5 وكان من نقص.
والصحيح أن كل سجود سجده النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام فهو بعد السلام وسائر السجود قبله.
والذي روي أنه سجد فيه بعد السلام أنه سلم من ثنتين ومن ثلاث وسجد فيها بعد السلام.
وحديث ابن مسعود المذكور أمر فيه بالسجود بعد السلام.
فعلى هذا الرواية الأولى الصحيحة لموافقتها النصوص.
قال: (وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل أو يخرج من المسجد.
وعنه أنه يسجد وإن بعد).
أما كون من نسي أن يسجد قبل السلام يقضي ما نسيه ما لم يطل الفصل ولم يخرج من المسجد فليتدارك ما ترك.
ولأن مقتضى الترك القضاء.
تُرك العمل به فيما إذا طال أو خرج من المسجد لما يأتي.
فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون تكلم أو لا؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام والكلام» 1. وأما كونه لا يسجد إذا بَعُد على المذهب؛ فلأن السجود تكميل للصلاة ومن أحكامها فاعتبر فيه الموالاة [وموضع الصلاة] 2 لتصحيح البناء كسائر أركانها.
وأما كونه يسجد على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في حديث ذي اليدين بعد السلام والكلام وخروج السُّرْعان من المسجد» 3. وأما كونه لا يسجد إذا خرج من المسجد على المذهب؛ فلأن المسجد محل الصلاة وموضعها فاعتبر لها كمجلس الخيار في الخيار.
وأما كونه يسجد على روايةٍ فكما لو كان في المسجد.
قال: (ويكفيه لجميع السهو سجدتان إلا أن يختلف محلهما ففيه وجهان).
أما كون من سها يكفيه سجدتان لجميع سهوه إذا لم يختلف محلهما؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين سلم 4 من ثنتين ناسياً وتكلم ناسياً واستدبر القبلة ومشى ناسياً واكتفى عن الجميع بسجدتين» 5. ولأن سجود السهو لما أُخّر عن سببه وجعل محله آخر الصلاة دل ذلك على أنه يجبر ما تقدمه من السهو وإن تعدد.
وأما كونه يكفيه سجدتان إذا اختلف محلهما في وجه؛ فلما تقدم.
فعلى هذا يسجدهما قبل السلام لأنه آكد.
وقيل: الحكم للأسبق لأنه بمجرد وجوده اقتضى السجود وما بعده تابع له فلو زاد ركوعاً في الركعة الرابعة سهواً وكان سلم من ثلاث خرج في ذلك الوجهان المذكوران لأن زيادة الركوع يقتضي السجود قبل السلام.
والسلام من نقصان يقتضي بعده على الرواية الصحيحة.
ولو زاد الركوع في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة ثم سلم من ثلاث سجد قبل السلام وجهاً واحداً وعلى هذا فَقِسْ.

وأما كونه يسجد قبل السلام سجدتين وبعده 1 سجدتين في وجهٍ؛ فلأنه اختلف محلهما وأحكامهما.
فالذي قبل السلام تركه عمداً مبطل ولا يفتقر إلى تشهد.
والذي بعد السلام بخلافه.
ولأنها عبادة يدخلها الجبران فيكرر لها السجود كجبران الحج.
قال: (ومتى سجد بعد السلام جلس فتشهد ثم سلم، ومن ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً بطلت الصلاة.
وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل).
أما كون من سجد بعد السلام يجلس فلأجل التشهد الآتي ذكر دليله.
وأما كونه يتشهد ثم يسلم؛ فلأن الترمذي وأبا داود رويا في حديث عمران ابن حصين «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسهى فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولأنه سجود بسلام له فكان معه تشهد يعقبه سلام كسجود صُلب الصلاة.
وأما كون من ترك السجود الواجب قبل السلام عمداً تبطل صلاته؛ فلأنه أخل بواجب في الصلاة عمداً فبطلت كما لو ترك واجباً غيره.
وأما كونه إن ترك المشروع بعد السلام عمداً لا تبطل صلاته؛ فلأنه جبران خارج الصلاة فلم تبطل الصلاة بتركه كجبرانات الحج.
وفرقٌ بين الواجب في الصلاة والواجب لها.
ألا ترى أن الأذان والجماعة كل واحد منهما واجب للصلاة.
ولا تبطل الصلاة بترك شيء من ذلك.
وعن أحمد تبطل إذا ترك المشروع بعد السلام عمداً قياساً على المشروع قبل السلام.
وقد تقدم الفرق.

باب صلاة التطوع

قال المصنف رحمه الله: (وهي أفضل تطوع البدن.
وآكدها صلاة الكسوف والاستسقاء).
أما كون الصلاة أفضل تطوع البدن؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» 1 رواه الإمام أحمد.
ولأن الصلاة المفروضة آكد الفروض؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها» 2. فتطوعها آكد التطوع.
ولأن الصلاة تجمع أنواعاً من العبادة: الإخلاص، والقراءة، والركوع، والسجود، ومناجاة الرب، والتوجه إلى القبلة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسبيح، والتكبير... إلى غير ذلك.
وأما كون صلاة الكسوف والاستسقاء آكدها؛ فلأنها تشرع لها الجماعة مطلقاً.
وذلك دليل التأكيد لما فيه من التشبه بالفرائض.
وصلاة الكسوف آكد من صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَدَعْ صلاة الكسوف عند وجود سببها.
وكان يستسقي تارة ويترك أخرى.
ولذلك قدمها المصنف رحمه الله.
قال: (ثم الوتر.
وليس بواجب، ووقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم الوتر؛ فمعناه: أنه أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاتي الكسوف والاستسقاء.
وذلك يقتضي أمرين: أحدهما: تأخيره في الفضيلة عن صلاتي الكسوف والاستسقاء.

وثانيها: تقديمه على ما عدا ذلك.
أما الأول؛ فلما تقدم من مشروعية الجماعة لهما مطلقاً.
وذلك غير موجود في الوتر.
فإنه وإن شرعت له الجماعة مع التراويح لا تشرع له مع غيرها.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصله في جماعة مطلقاً.
وأما الثاني؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله حضراً وسفراً».
ولأن الوتر شرع له الجماعة في الجملة.
وقد قيل بوجوبه وهو ثابت بالقول الذي لا يحتمل التخصيص.
فإن قيل: الوتر مختلف في وجوبه فينبغي أن يكون أفضل من صلاتي الكسوف والاستسقاء.
قيل: وصلاة الكسوف مختلف في وجوبها فلا ترجيح للوتر عليها بذلك.
وصلاة الاستسقاء مشروعية الجماعة لها مطلقاً ترجحها على الوتر.
وأما كون الوتر ليس بواجب؛ فلما روى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل.
ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل.
ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» 1 رواه أبو داود.
علقه على المحبة والواجب لا يعلق عليها.
ولأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة.
ولا يجوز ذلك في واجب.
وأما كون وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة تصلونها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح: الوتر» 2 رواه الإمام أحمد.
وقال صلى الله عليه وسلم: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» 3 متفق عليه.

قال: (وأقله ركعة.
وأكثره إحدى عشرة ركعة.
يسلم من كل ركعتين.
ويوتر بواحدة) 1. أما كون أقل الوتر ركعة؛ فلما تقدم من حديث أبي أيوب.
وأما كون أكثره إحدى عشر ركعة فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين العشاء إلى الفجر إحدى عشر ركعة.
يسلم من كل ركعتين.
ويوتر بواحدة» 2 متفق عليه.
قال: (وإن أوتر بتسع سرد ثمانية وجلس ولم يسلم ثم صلى التاسعة وتشهد وسلم.
وكذلك السبع.
وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن).
أما كون من أوتر بتسع أو بسبع يفعل كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلما روى سعد بن هشام قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها: أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: كنا نُعِد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه.
فيتسوك ويصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة.
فيذكر الله ويحمده ويدعوه.
ثم ينهض ولا يسلم.
ثم يقوم فيصلي التاسعة.
ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه.
ثم يسلم تسليماً يسمعنا.
ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنعه الأول» 3 رواه مسلم وأبو داود.
وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم 4 يجلس [إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» 5.

وأما عدم جلوس من أوتر بخمس] 1 إلا في آخرهن؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة 2 يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن» 3 متفق عليه.
قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بتسليمتين.
يقرأ في الأولى سبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد).
أما كون أدنى الكمال ثلاث ركعات؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بأقل من ثلاث.
وأما كونها بتسليمتين؛ فلما روى ابن عمر «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر.
فقال صلى الله عليه وسلم: افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» 4 رواه الأثرم.
وأما كون مصليها يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد؛ فلما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1]» 5 رواه أبو داود.
قال: (ويقنت فيها بعد الركوع.
فيقول: اللهم! إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك.
ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكّل عليك.
ونُثْني عليك الخير كله.
ونشكرك ولا نكفرك.
اللهم! إياك نعبد.
ولك نصلي ونسجد.
وإليك نسعى ونَحْفِد.
نرجو رحمتك ونخشى عذابك.
إن عذابك الجد بالكافرين

ملحق.
اللهم! اهدنا فيمن هديت.
وعافنا فيمن عافيت.
وتولنا فيمن توليت.
وبارك لنا فيما أعطيت.
وقِنا شر ما قضيت.
إنك تقضي ولا يُقضى عليك.
إنه لا يذل من واليت.
ولا يَعِزُّ من عاديت.
تباركت ربنا وتعاليت.
اللهم! إنا نعوذ برضاك من سخطك.
وبعفوك من عقوبتك.
وبك منك لا نحصي ثناء عليك.
أنت كما أثنيت على نفسك.
وهل يمسح وجهه بيديه؟ على روايتين).
أما كون من أوتر يقنت في الوتر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وأما كونه يقنت بعد الركوع؛ فلما روى أبو هريرة وأنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع» 1 رواه مسلم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يقنت في الوتر في جميع السنة.
وهو ظاهر المذهب لقول علي: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في آخر وتره: اللهم! إني أعوذ بك... الحديث» 2. ولفظ كان للدوام غالباً.
ولأنه ذكرٌ مشروع فشرع في جميع السنة كسائر الأذكار.
وعن أحمد: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى حسن عن عمر «أنه جمع الناس على أبيّ بن كعب.
فصلى بهم عشرين ركعة ليلة لا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» 3 رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نستعينك... إلى مُلْحِق.
فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه قنت في صلاة الفجر.
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم! إنا نستعينك إلى قوله: بالكفار ملحق.
اللهم! عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك» 1. قال ابن قتيبة: الحفد الإسراع في الطاعة.
وملحق بكسر الحاء وفتحها، والجد بكسر الجيم ضد اللعب.
وأما كونه يقول: اللهم! اهدنا إلى... تباركت ربنا وتعاليت.
فلما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم! اهدني فيمن هديت... وذكره بلفظ الإفراد إلى قوله: تباركت ربنا وتعاليت» 2 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وإنما قال المصنف رحمه الله: اهدنا بلفظ الجمع لأنه عنى الإمام.
والإمام يستحب له أن يشارك معه المأمومين.
وأما كونه يقول: اللهم! إنا نعوذ بك... إلى كما أثنيت على نفسك.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: «اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك... إلى قوله: كما أثنيت على نفسك» 3 رواه الإمام أحمد.
وأما كونه يمسح وجهه بيديه على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك، ولا تدعُ بظهورهما.
وإذا فرغت فامسح بهما وجهك» 4 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يستحب على روايةٍ؛ فلأنه عبث لم يصح معه تعبد.
فهو كمسح الوجه عند قراءة قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ [الإسراء: 82] والحديث رواية مجهولة.
والأولى أولى؛ للحديث.

و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح بهما وجهه» 1 رواه أبو داود.
إلا أن روايه ابن لهيعة.
وهو ضعيف.
والعمل بالحديث الضعيف في النوافل أولى من تركه.
قال: (ولا يقنت في غير الوتر.
إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة.
فللإمام خاصة القنوت في صلاة الفجر).
أما كون المصلي لا يقنت في غير الوتر إذا لم ينزل بالمسلمين نازلة؛ فلأن الإجماع منعقد على أنه لا يقنت في غير الوتر إلا الصبح.
والحجة على المخالف فيها ما روت أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القنوت في الفجر» 2. وروى ابن مسعود وأنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً بعد الركوع يدعو على حيٍّ من أحياء العرب.
ثم ترك» 3 متفق عليه.
قال عبدالله بن عمر: «القنوت في الفجر بدعة» 4. وروى أبو مالك الأشجعي عن أبيه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت.
وصليت خلف أبي بكر رضي الله عنه فلم يقنت.
وصليت خلف عثمان رضي الله عنه فلم يقنت.
ثم 5 قال: يا بني! إنها بدعة» 6.

قال البخاري: أبو مالك اسمه سعد بن طارق بن الأشيم.
له صحبة.
وهذا الإسناد صحيح.
ولأنها صلاة مفروضة فلم يسن فيها القنوت كسائر الصلوات.
وأما كون الإمام يقنت في صلاة الفجر إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر إذا دعى على قوم أو دعى لقوم» رواه سعيد في سننه.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأمرين: أحدهما: أن ذلك مختص بصلاة الفجر.
وهو صحيح لما ذكر من الحديث.
وقال أبو الخطاب: يدعو في المغرب والفجر؛ لما روى البراء بن عازب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب» 1 رواه الترمذي.
وثانيهما: أن ذلك مختص بالإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قنت فتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه وهو الإمام الأعظم أو نائبه دون غيرهما.
قال: (ثم السنن الراتبة.
وهي عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
وهما آكدها.
قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر.
ومن فاته شيء من هذه السنن سُنّ له قضاؤه).
أما كون قول المصنف رحمه الله: ثم السنن؛ فمعناه: أن أفضل تطوع البدن بالصلاة بعد صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الوتر السنن الرتبة.
وذلك يقتضي أمرين: أحدهما: تأخير السنن الراتبة عن ذلك.
وثانيهما: تقديمها على غير ذلك.

أما الأول؛ فلما تقدم ذكره في تقديم الوتر.
وأما الثاني؛ فلأنه جاء في فضل السنن الراتبة ما لم يجئ في صلاة التراويح.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليها ولم يداوم على صلاة التراويح.
وأما قوله: وهي عشر ركعات... إلى قوله: قبل الفجر؛ فبيان لعدد السنن الراتبة ولمواضعها.
والأصل فيها ما روى ابن عمر قال: «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يُدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.
حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن فطلع الفجر صلى ركعتين» 1 متفق عليه.
وأما كون ركعتي الفجر آكد السنن الراتبة فلما روت عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على 2 شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» 3.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» 4 رواهما مسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: قال أبو الخطاب: وأربع قبل العصر؛ فمشعر بأمرين: أحدهما: أنه لا سنة لها قبل العصر عند غير أبي الخطاب.
وهو صحيح لأن ذلك ليس مذكوراً في حديث ابن عمر.
وثانيهما: أن سنتها أربع عند أبي الخطاب.
والأصل في ذلك ما روى علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربعاً بتسليمتين» 5 [رواه الترمذي وحسنه] 6.

ولفظ كان: للدوام غالباً.
وقال عليه السلام: «من صلى قبل العصر أربعاً حرم الله لحمه ودمه على النار» 1. فإن قيل: ما وقت السنة؟ قيل: وقت السنة التي قبل الصلاة يخرج بفعل الصلاة؛ لأن بذلك تخرج عن القبلية وهي تشرع قبل.
والتي بعدها يخرج بخروج الصلاة المفروضة؛ لأنها تابعة لها فإذا خرج وقت المتبوع فالتابع أولى.
وأما كون من فاته شيء من السنن المذكورة يسن له قضاؤه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته سنة الظهر فقضاها» 2. ولأن في القضاء تداركاً للفائت.
قال: (ثم التراويح.
وهي عشرون ركعة.
يقوم بها في رمضان في جماعة.
ويوتر بعدها في الجماعة.
فإن كان له تهجُّد جعل الوتر بعده.
فإن أحب متابعة الإمام فأوتر معه قام إذا سلم الإمام فشفعها بأخرى).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم التراويح؛ فمعناه على نحو ما تقدم.
والأصل في تأخيرها عما تقدم ما تقدم، وفي تقديمها على سائر النوافل توقِيتها ومشروعية الجماعة لها.
وما ورد في فضلها من قوله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» 3 متفق عليه.

فإن قيل: صلاة الكسوف فُضلت على غيرها بمشروعية الجماعة فيها.
وهو موجود في صلاة التراويح.
قيل: العلة المذكورة تقتضي تقديم صلاة التراويح على سائر ما ذكر.
وصرح صاحب النهاية بتقديمها حتى على صلاة الكسوف.
ولم أجد أحداً من الأصحاب أخر صلاة التروايح غير المصنف رحمه الله.
وله أن يقول: مشروعية الجماعة فيها معارضة بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على السنن الراتبة وإذا ظهر تقديم السنن الراتبة ظهر تقديم البواقي عليها لأن المقدم على المقدم مقدم.
وأما كون التراويح عشرين ركعة يقوم بها في رمضان في جماعة؛ فلأن السائب بن زيد قال: «لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة» 1. وأما كون مصليها يوتر بعدها في الجماعة؛ فلما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في عهد عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة» 2. قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» 3. وأما كونه يجعل الوتر بعد التهجد إذا كان له تهجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» 4 متفق عليه.
وقوله: «إذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة» 5.

وأما كونه يشفع الوتر بأخرى إذا أحب متابعة الإمام فأوتر معه؛ فلأنها نافلة والمسنون في النوافل أن تكون مثنى.
قال: (ويكره التطوع بين التراويح.
وفي التعقيب روايتان.
وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة).
أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين.
وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه.
ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه.
وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنساً قال: «ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه».
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره صلى الله عليه وسلم في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» 1. وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يَتَطوع... إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب، وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة.
وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد.
والأصح أنه لا يكره مطلقاً لما تقدم.
وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة.
ويعضده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس» 2.

وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام.
أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولاً واحداً.
ذكره القاضي.
قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار.
وأفضلها وسط الليل.
والنصف الأخير أفضل من الأول).
أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» 1 حديث حسن.
وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها».
ولأن داود عليه السلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
ووصف ابن عباس تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل.
ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر.
ثم اضطجع حتى جاء المؤذن.
فصلى ركعتين خفيفتين.
ثم خرج فصلى الصبح» 2 رواه مسلم.
وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: 18].
وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري.
إلا أن العرش يهتز وقت السحر».
و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير.
فيقول: من يدعوني فأستجيب له.
من يسألني فأعطيه.
من يستغفرني فأغفر له» 3 متفق عليه.

قال: (وصلاة الليل مثنى مثنى.
وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس.
والأفضل مثنى).
أما كون صلاة الليل مثنى مثنى؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» 1 متفق عليه 2. وقيل لابن عمر: «ما مثنى مثنى؟ قال: يسلم من كل ركعتين» 3. وأما كون التطوع في النهار بأربع لا بأس به؛ فلأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة في النهار.
وأما كون الأفضل مثنى؛ فلأنه أبعد من السهو.
قال: (وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
ويكون في حال القيام متربعاً).

أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة» 4 رواه مسلم.
ولا بد أن يلحظ في هذا القدرة لأن مع العجز هما سواء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى قاعداً فله نصف أجر القائم» 5 رواه البخاري.
وقوله: «ما من أحد كان 6 يعمل في صحته عملاً يعجز عنه عند مرضه إلا وكّل الله ملكاً يكتب له ثواب ما عجز عنه» 7.

وأما كونه في حال القيام يكون متربعاً فليخالف قيامه قعوده.
قال: (وأدنى صلاة الضحى ركعتان.
وأكثرها ثمان.
ووقتها إذا عَلَت الشمس).
أما كون أدنى صلاة الضحى ركعتين؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» 1 متفق عليه.
وأما كون أكثرها ثمانياً؛ فلما روت أم هانئ «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة بيتها.
وصلى ثماني ركعات.
فلم أر صلاة قط أخف منها.
غير أنه يتم الركوع والسجود» 2 متفق عليه.
وأما كون وقتها إذا علت الشمس؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» 3 رواه مسلم.
قال: (وهل يصح التطوع بركعة؟ على روايتين).
أما كون التطوع بركعة يصح على روايةٍ؛ فلأن له نظير في الشرع وهو الوتر.
ولعموم قوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: 45].
ولأنه مصل عرفاً فيجب أن يكون مصلياً شرعاً.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن تنصيصه على كون صلاة 4 الليل مثنى يدل بمفهومه على أنه لا يصح دون ذلك.
والأولى أصح.

فصل [في سجود التلاوة] قال المصنف رحمه الله: (وسجود التلاوة صلاة.
وهو سنة للقارئ والمستمع دون السامع).
أما كون سجود التلاوة صلاة؛ فلأنه سجود لله تعالى.
يقصد به التقرب إلى الله تعالى.
له تحريم وتحليل.
فكان صلاة كسجود الصلاة.
فعلى هذا يشترط له جميع ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والنجاسة في البدن والمكان والثوب وستر العورة واستقبال القبلة والنية لأنه صلاة فاشترط له ذلك؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» 1. وقياساً على ذات الركوع.
وأما كونه يسن للقارئ والمستمع؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة.
فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته» 2 متفق عليه.
وأما كونه لا يسن للسامع؛ فـ «لأن عثمان بن عفان رضي الله عنه مر بقاصٍّ فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه.
فلم يسجد.
وقال: إنما السجدة على من استمع» 3.

قال: (ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إماماً له.
فإن لم يسجد القارئ لم يسجد).
أما كون القارئ يعتبر أن يكون يصلح إماماً للمستمتع؛ فلأن القارئ إمام للمستمع «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى نفر من أصحابه فقرأ رجل منهم سجدة.
ثم نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا» 1 رواه الشافعي.
وإذا كان القارئ إماماً للمستمع اعتبر أن يصلح إماماً له كسائر الأئمة.
فعلى هذا لو كان القارئ امرأة والمستمع رجلاً لم يسجد؛ لأنها لا تصلح لإمامة الرجل.
وعلى هذا فقس.
فإن قيل: لو كان القارئ أمياً أو عاجزاً عن القيام فسجد هل يسجد المستمع غير الأمي والقادر على القيام معه؟ قيل: نعم؛ لأن ذلك ليس بواجب في سجود التلاوة بخلاف الصلاة.
وأما كون المستمع لا يسجد إذا لم يسجد القارئ؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا».
ولقوله عليه السلام: «إذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع».
قال: (وهو أربع 2 عشرة سجدة: في الحج منها اثنتان).
أما كون عدد سجود التلاوة أربع عشرة سجدة فلما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وعن الإمام أحمد: أنه خمس عشرة لما روى عمرو بن العاص «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل وسجدتان في الحج» 3 رواه أبو داود.
والصحيح أن سجدة ص ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً» 4 رواه النسائي.

ولأنه روي عن ابن عباس أنه قال: «ليس ص من عَزائمِ السجود» 1 رواه أبو داود.
وإذا خرجت ص من سجود التلاوة بقي من خمس عشْرة أربع عشْرة.
وأما كون الحج فيها من السجدات اثنتان؛ فلما تقدم من حديث عمرو بن العاص.
وروى عقبة بن عامر قال: «قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: في الحج سجدتان؟ قال: نعم.
ومن لم يسجدها فلا يقرأهما» 2 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما مواضع السجدات؟ قيل: آخر الأعراف بعد قوله: ﴿وله يسجدون﴾ [206]، وفي الرعد بعد قوله: [﴿بالغدو والآصال﴾ [15]، وفي النحل بعد قوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [50]، وفي بني إسرائيل بعد قوله] 3: ﴿ويزيدهم خشوعاً﴾ [109]، وفي مريم بعد قوله: ﴿سجداً وبكياً﴾ [58]، وفي الحج الأولى بعد قوله: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [18]، والثانية بعد قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [77]، وفي الفرقان بعد: ﴿وزادهم نفورا﴾ [60]، وفي النمل بعد: ﴿العرش العظيم﴾ [26]، وفي الم تنزيل بعد: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ [15]، وفي حم السجدة بعد قوله: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [38]، وبعد آخر النجم [62]، وفي: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: 1] بعد: ﴿لا يسجدون﴾ [21] وبعد آخر: ﴿اقرأ﴾ [العلق: 19].

قال: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس 1 ويسلم.
ولا يتشهد).
أما كون من سجد للتلاوة يكبر إذا سجد وإذا رفع؛ فلأن ابن عمر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن.
فإذا مر بالسجدة كبر وسجد.
وسجدنا معه» 2 [رواه أبو داود] 3. ولأنه سجود منفرد فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه كسجود السهو بعد السلام.
وأما كونه يجلس ويسلم بعد ذلك؛ فلأنها صلاة يشترط لها التكبير فيشترط لها ذلك كالصلاة المسنونة.
وعن الإمام أحمد: لا يسلم لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه لا يتشهد؛ فلأن سجود التلاوة صلاة لا ركوع فيها فلم يشرع التشهد فيها كصلاة الجنازة.
وقال أبو الخطاب: يتشهد لأنه جلوس بعد سجود يعقبه السلام فشرع التشهد بعده كالصلاة.
قال: (وإن سجد في الصلاة رفع يديه.
نص عليه.
وقال القاضي: لا يرفعهما).
أما كون من سجد للتلاوة في الصلاة يرفع يديه على المنصوص؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر إذا خفض.
وإذا رفع.
ويرفع يديه في التكبير» 4. قال الإمام أحمد: هذا يدخل في هذا.
وأما كونه لا يرفعهما على قول القاضي؛ فلأن الرفع مسنون في ثلاثة مواضع وليس هذا منها.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إذا سجد» 5 في حديث ابن عمر المتفق عليه.
فكذا إذا سجد للتلاوة في الصلاة.

قال: (ولا يستحب للإمام السجود في صلاة لا يجهر فيها.
فإن فعل فالمأموم مخير بين اتباعه وتركه).
أما كون الإمام لا يستحب له السجود في صلاةٍ لا يجهر فيها إذا قرأ سجدة فلما في ذلك من الالتباس على المأمومين لأنهم يظنوه سها عن الركوع.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أولى.
فإنه روي «أنه صلى الله عليه وسلم سجد في الظهر.
ثم قام فركع.
فرأى أصحابه أن قرأ سورة السجدة» 1 رواه أبو داود.
وقوله: لا يستحب للإمام منقول عن بعض أصحابنا.
كذا ذكره في المغني.
ولم يعزه إلى الإمام.
وأما كون المأموم مخير بين اتباع إمامه إذا فعل ذلك وبين تركه على ما ذكره المصنف رحمه الله: أما الاتباع؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا سجد فاسجدوا» 2. وأما الترك؛ فلأن الإمام فعل مكروهاً في صلاته فناسب أن لا يُتبع.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وإذا سجد الإمام سجد المأموم.
وقال بعض أصحابنا: هو مخير بين اتباعه وتركه.
والأولى اتباعه.
فظاهر الأول أنه واجب اتباعه.
وهو صحيح لعموم الأدلة في وجوب متابعة الإمام.
قال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم.
ولا يسجد له في الصلاة).
أما كون سجود الشكر يستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد.
فسأله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك.
فقال: أتاني جبريل عليه السلام

فبشرني أن من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً.
فسجدت لله شكراً» 1 رواه الإمام أحمد.
وروى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بُشِّر بحاجة فخرَّ ساجداً» 2. رواه ابن المنذر.
[وروى أبو بكرة 3 رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجداً» 4. رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة] 5. والدارقطني.
و«سجد أبو بكر لما بُشر بفتح اليمامة وقَتْل مسيلمة» 6. و«سجد عمر لما بُشر بفتح اليرموك والقادسية» 7. و«سجد علي لما وجد ذا الثدية في قتلى النهروان» 8. وأما كونه لا يسجد له في الصلاة؛ فلأن سبب السجدة ليس منها.
فإن قيل: يشترط لسجود الشكر جميع ما يشترط لسجود التلاوة من الطهارة وسائر شروط الصلاة؟

قيل: نعم لما ذكر فيه.

فصل في أوقات النهي قال المصنف رحمه الله: (وهي خمسة: بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تَضَيَّفَت للغروب حتى تغرب.
ويجوز قضاء الفرائض فيها).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي خمسة بعد طلوع الفجر... إلى حتى تغرب؛ فبيان لأوقات النهي.
والأصل فيها ما روى 1 عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تَضَيّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» 2 رواه مسلم.
وروى أبو سعيد الخدري [رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] 3: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» 4 متفق عليه.
فإن قيل: لفظ الحديث في الفجر والعصر واحد فلم جُعل النهي في الفجر متعلقاً بالوقت وفي العصر بالفعل؟ قيل: وقت النهي في الفجر في إحدى الروايتين متعلق بالفعل فلا فرق، وفي الأخرى بالوقت وهي الصحيحة؛ لأن الفجر اسم للوقت بخلاف العصر.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» 5 رواه أبو داود.

فاستثنى ركعتي الفجر وهذا لا يكون استثناء متصلاً إلا إذا أريد بالفجر الوقت.
وفي لفظ للدارقطني: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» 1. وفي لفظ للترمذي: «إلا ركعتي الفجر» 2. وأما كون قضاء الفرائض يجوز فيها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» 3 رواه مسلم.
قال: (وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد [طلوع الفجر و] 4 العصر.
وهل يجوز في الثلاثة الباقية؟ على روايتين).
أما كون صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر تجوز؛ فلأن وقت النهي فيها يطول فجازت خوفاً على الميت من الفساد.
ولأنها من فروض الكفايات أشبهت الفرض.
وأما كونها تجوز في الأوقات الباقية على روايةٍ؛ فلشبهها بالفرائض.
ولما في ذلك من المبادرة إلى الدفن المطلوبة شرعاً.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فلأنه زمن يسير لا يخشى فساد الميت فيه.
وأما كون ركعتي الطواف بعد الفجر والعصر يجوزان؛ فلقوله عليه السلام: «يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة من ليل أو نهار» 5 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.

ولأنه تابع للطواف.
وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة.
فإذا جاز فعل المتبوع؛ فلأن يجوز فعل التابع بطريق الأولى.
وأما كونهما في الأوقات الباقية يجوزان على روايةٍ؛ فلظاهر الحديث المتقدم.
وأما كونهما لا يجوزان على روايةٍ؛ فلعموم النهي عن الصلاة.
ولأنه لا يشق تأخير ركعتي الطواف في هذه الأوقات لقصرها بخلاف الوقتين الأولين.
وأما كون إعادة الجماعة بعد الفجر يجوز؛ فلما روى يزيد بن الأسود قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر.
فلما قضى صلاته إذ هو برجلين لم يصليا معه.
فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم قد صلينا في رحالنا.
قال: لا تفعلا.
إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» 1 رواه أبو داود والترمذي والأثرم.
وأما كونها بعد العصر تجوز؛ فلمشاركته لما بعد الفجر في جميع ما تقدم.
وأما كونها في الأوقات الباقية تجوز على روايةٍ؛ فبالقياس على ما بعد الفجر.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فلعموم النهي عن الصلاة.
قال: (ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة إلا ما له سبب كتحية المسجد، وسجود التلاوة، وصلاة الكسوف، وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين).
أما كون التطوع بغير الصلوات المتقدم ذكرها مما لا سبب له كالنافلة المطلقة لا يجوز في شيء من الأوقات المذكورة؛ فلما تقدم من حديث أبي سعيد وحديث عقبة.

وأما التطوع الذي له سبب فعلى أضرب: أحدها: صلاة الجنازة وركعتا الطواف وإعادة الجماعة.
وقد تقدم ذكر ذلك جميعه.
وثانيها: تحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة وفيها روايتان: إحداهما: لا يجوز في الكل لعموم النهي المتقدم.
والثانية: يجوز: أما تحية المسجد؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» 1 متفق عليه.
وأما سجود التلاوة؛ فلأن التلاوة مستحبة في جميع الأوقات والسجود لها مأمور به ومستحب.
وأما الكسوف؛ فلقوله عليه السلام: «إذا رأيتموها فصلوا» 2. وأما قضاء السنن الراتبة؛ فلما روت أم سلمة قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد العصر.
فصلى ركعتين.
فقلت: يا رسول الله! صليتَ صلاة لم أكن أراك تصليها.
فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر.
وإنما قدم وفد بني تميم فشغلوني عنها فهما هاتان الركعتان» 3 رواه مسلم.
ولما روى قيس بن عمرو قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم» 4 رواه أبو داود.

وقال أبو الخطاب: الجواز فيما له سبب أصح لما ذكر من الحديث.
ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها كركعتي الطواف.
وقال القاضي: الصحيح من الروايتين أن ذلك لا يفعل لعموم النهي.
ولأن النهي عن ذلك نهي تحريم يحصل بفعله الإثم.
وما ذكر من أدلة ومن الأمر المراد به ندب واستحباب، وترك المندوب أولى من فعل المحظور لما فيه من الاحتياط.
والصحيح ما ذهب إليه القاضي لأن حديث تحية المسجد وصلاة الكسوف عام بالنسبة إلى الوقت، وحديث النهي خاصة بالنسبة إليه فوجب تقديمه، وكذا الأمر بسجود التلاوة لما ذكر.
ونص المصنف رحمه الله في المغني في صلاة الكسوف: أن النافلة لا تصلى في أوقات النهي سواء كان لها سبب أو لم يكن.
ووجهه ما تقدم.
وأما حديث أم سلمة فإن تتمته أنها قالت لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال: لا» 1 رواه مسلم.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك خاصاً به فلا دلالة إذاً على جواز ما ذكر.
وحديث قيس إن دل على الجواز لأنه عليه السلام سكت فما ذكرناه منطوق وهو راجح على دلالة السكوت.
ولأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» 2 رواه الترمذي.

باب صلاة الجماعة

قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال، لا شرط.
وله فعلها في بيته في أصح الروايتين).
أما كون الجماعة واجبة للصلوات الخمس على الرجال؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام.
ثم أنطلق معي برجال معهم حزم حطب إلى قوم لا يشهدون الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم» 1 متفق عليه.
وفي قول المصنف رحمه الله: على الرجال؛ إشعار بأنها لا تجب على النساء.
وهو صحيح؛ لأن الجماعة من شأنها الخروج إلى المسجد غالباً والمرأة لا يشرع لها ذلك.
ولذلك كان صلاتها في بيتها أفضل.
وأما كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» 2 متفق عليه.
ولو كانت الجماعة شرطاً لما صحت صلاة الرجل وحده فضلاً عن أن يكون له فيها فضل.
وقال ابن عقيل: هي شرط؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر.
قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى» 3 رواه أبو داود.

والصحيح الأول لما تقدم.
والحديث المروي عن ابن عباس من رواية أبو جناب واسمه يحيى بن أبي حية.
قال يحيى القطان: متروك لا أستحل أن أروي عنه.
وعلى تقدير صحته لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فإنه قد روي «أن شارب الخمر لا يقبل الله صلاته أربعين يوماً» 1. ولو صلى بعد صحوه صحت صلاته.
وعلى تقدير دلالته على كون الجماعة شرطاً فما ذكرنا راجح لأن حديثنا صحيح متفق عليه.
والعمل بالراجح متعين.
وأما كون من وجبت الجماعة عليه له فعلها في بيته في روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان» 2 متفق عليه.
وقد «صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفرض في بيته وهو مريض» 3 رواه البخاري.
وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ؛ فلأن حضور المسجد واجب في روايةٍ لقوله عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» 4. والأولى أصح لما تقدم.

قال: (ويستحب لأهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد.
والأفضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره.
ثم ما كان أكثر جماعة.
ثم في المسجد العتيق.
وهل الأولى قَصْد الأبعد أو الأقرب؟ على روايتين).
أما كون أهل الثغر يستحب لهم الاجتماع في مسجد واحد فلما في ذلك من التكاثر في عين العدو، وإعلاء الكلمة، وتعظيم الإسلام، وحصول الهيبة في قلوبهم والرهبة.
وأما كون الأفضل لغير أهل الثغر الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره؛ فلأن في حضوره تحصيلاً للجماعة وفي عدمه فواتاً لها بخلاف غير ذلك من المواضع.
وأما كون الأفضل بعد ذلك ما كان أكثر جماعة؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده.
وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل.
وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» 1 من المسند.
وأما كون الأفضل بعد ذلك المسجد العتيق؛ فلأن البقعة الحلال من شرائط الصلاة.
والمسجد العتيق أقرب إلى القرون المتقدمة.
فيكون أقرب إلى الحل.
وأما كون الأولى قَصْد الأبعد على روايةٍ فلما فيه من فضيلة السعي وكثرة الخطا والحسنات.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا! أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد... مختصر» 2 [رواه مسلم] 3. وأما كون الأولى قصد الأقرب على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» 4. ولأن له حق البر والصلة بالجوار فكذلك في حضور جماعته.

قال: (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه.
إلا أن يتأخر لعذر.
فإن لم يعلم عذره انتظر وروسل ما لم يُخش خروج الوقت).
أما كون أحد لا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إذا لم يأذن له ولم يتأخر لعذر؛ فلأن التقدم عليه بغير إذن ولا تأخر يسيء الظن به وينفر 1 الناس عن إمامته وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم إذ لا فائدة لكونه إمام حي إلا اختصاصه بالتقدم في ذلك المسجد.
وأما كونه يؤم فيه قبله إذا أَذِن له أو تأخر لعذر؛ فلأن ما ذكر لا يوجد في ذلك.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى صلح بني عوف.
فقدّم الناس 2 أبا بكر فصلى» 3 فلما رجع لم ينكر لأنه تأخر صلى الله عليه وسلم لعذر.
و«فعل ذلك عبدالرحمن بن عوف مرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنتم» 4 رواه مسلم.
وأما كون الإمام يُنتظر ويُراسل إذا لم يُعلم عذره ما لم يُخش خروج الوقت؛ فلأن الائتمام بإمام الحي سنة وفضيلة فلا يترك مع الإمكان.
ولأن في نصب إمام 5 سواه افتياتاً عليه وعقداً للقلوب على البغضاء.

وقد روي أن بلالاً قال: «استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإقامة.
فقال: أبرد.
ثم استأذنته ثانياً.
فقال: أبرد.
ثم استأذنته ثالثاً.
فقال: أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» 1. وفي تقييد الانتظار بعدم خشية خروج الوقت إشعار بأنه إذا خشي خروجه لا يُنتظر.
وهو صحيح لئلا تفوت الصلاة وتصير قضاء.
قال: (فإن صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له إعادتها إلا المغرب.
وعنه يعيدها ويشفعها برابعة.
ولا تكره إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة).
أما كون من صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد يستحب له إعادتها غير المغرب؛ فلما روى يزيد بن الأسود العامري «أن رجلين دخلا المسجد وأقيمت الصلاة.
فجلسا في ناحية المسجد لم يصليا.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته دعا بهما.
فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: صلينا في رحالنا.
قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلا.
إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد 2 جماعة فصليا.
فإنها لكما نافلة» 3. وأما كونه يعيد المغرب على روايةٍ؛ فلأنها نافلة والتنفل بالوتر غير مستحب.
وأما كونه يعيدها ويشفعها برابعة على روايةٍ؛ فلأن بذلك يخرج التنفل عن أن يكون وتراً.
فيحصل الجمع بين إعادة الجماعة وعدم التنفل بالوتر.

جارٍ التحميل