قال: (وإن هتك اثنان حرزاً ودخلاه فأخرج أحدهما نصاباً وحده، أو دخل أحدهما فقدمه إلى باب النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه: قطعا.
وإن رماه الداخل إلى خارج فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده.
وإن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه: فلا قطع عليهما.
ويحتمل أن يقطعا إلا أن ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع).
أما كون الاثنين إذا اشتركا في الهتك والدخول وانفرد أحدهما بإخراج النصاب يُقطعان؛ فلأن المخرج إنما أخذ بقوة رقيقه.
أشبه ما لو اشتركا في الإخراج.
وأما كونهما إذا هتكا الحرز ودخل أحدهما فقدم المسروقَ من النقب وأدخل الآخر يده فأخذه يقطعان؛ فلأنهما اشتركا في الهتك والإخراج.
أشبه ما لو أخرجاه معاً.
وأما كون الداخل يقطع وحده إذا رماه إلى خارج فأخذه؛ فلأنه هو المُخرج للمتاع وحده فاختص القطع به.
فإن قيل: فقد اشتركا في الهتك.
قيل: شرط القطع الاشتراك في الهتك والإخراج، ولم يوجد الاشتراك في الإخراج فانتفى القطع؛ لانتفاء شرطه.
وأما كونهما إذا نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه لا قطع عليهما على المذهب: أما 1 على الذي نقب؛ فلأنه لم يسرق.
وأما على الذي أخرج؛ فلأنه لم يسرق من حرز هتكه.
وأما كونهما يحتمل أن يقطعا إذا لم ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق؛ فلأن فعل كل واحدٍ منهما إنما وقع بقوة الآخر.
أشبه ما لو اشتركا في النقب والإخراج.
وأما كونهما إذا نقب أحدهما وذهب وأتى الآخر فسرق من غير علم لا قطع عليهما من غير احتمال: أما كونه لا قطع؛ فلما تقدم.
وأما كونه من غير احتمال؛ فلأن احتمال القطع إنما كان لكون فعليهما ينزلا منزلة الفعل المشترك، ولا يمكن ذلك في هذه الصورة.
وإذا كان كذلك لزم انتفاء الاحتمال؛ لانتفاء علته.
فصل [الشرط الرابع]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن يُخرجه من الحرز.
فإن سرق من غير حرز، أو دخل الحرز فأتلفه فيه: فلا قطع عليه).
أما كون الرابع من شروط القطع أن يُخرج المسروق من الحرز؛ فلأنه إجماع أهل العلم إلا من شذ، وروي عن عمرو بن شعيب [عن أبيه] 1 عن جده «أن رجلاً من 2 مُزينةَ سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمار.
فقال: ما أُخذ في أكمامِه فاحتُمل ففيه 3 قيمته ومثله معه، وما 4 كان في الجران ففيه القطع إذا بلغَ ثمنَ المجن» 5. رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون من سرق من غير حرز، أو دخل الحرز فأتلف المسروق فيه لا قطع عليه؛ فلأن الإخراج من الحرز شرط لوجوب القطع، وهو منتفٍ هاهنا.
قال: (وإن ابتلع جوهراً أو ذهباً وخرج به، أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به، أو في ماء جار فأخرجه، أو قال لصغير أو معتوه: ادخل فأخرجه ففعل: فعليه القطع).
أما كون من ابتلع جوهراً أو ذهباً في الحرز وخرج به عليه القطع؛ فلأن آخذه أخرجه في معدته.
أشبه ما لو أخرجه في كمه.
وكلام المصنف رحمه الله شامل ما إذا خرج الجوهر والذهب منه أو لم يخرج.
وقال في المغني: إن لم يخرج فلا قطع وإن خرج ففيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه أخرجه في وعاء.
أشبه ما لو أخرجه في كمه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه ضمنه بالبلع.
فكان إتلافاً لا سرقه 1.
ولأنه مكره على إخراجه لا يمكنه أن يخرج 2 دونه.
وأما كون من نقب ودخل فترك المسروق على بهيمة فخرجت به أو في ماء جار فأخرجه عليه القطع؛ فلأن العادة مشي البهيمة بما وضع عليها والماء الجاري بما وضع فيه.
فكان السارق هو المخرج.
وأما كون من قال لصغير أو معتوه: ادخل فأخرجه ففعل عليه القطع؛ فلأن الصغير والمعتوه لا اختيار لهما.
فهما كالآلة له.
ولو أمرهما شخص بالقتل يُقتل الآمر.
قال: (وحرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه).
أما كون حرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه؛ فلأن الشرع ورد بالحرز ولم يضبطه ضابط.
فوجب الرجوع فيه إلى العادة؛ كالقبض.
وأما كون ذلك يختلف باختلاف ما ذكر؛ لأنه العادة.
قال: (فحرز الأثمان والجواهر والقُماش في الدور والدكاكين في العمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز البقل والباقلاء ونحوه وقدوره وراء الشرائج 3 إذا كان في السوق حارسٌ، وحرز الخشب والحطب الحظائر، وحرز المواشي الصير وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها، وحرز حمولة الإبل بتقطيرها وقائدها وسائقها إذا كان يراها، وحرز الثياب في الحمام بالحافظ، وحرز الكفن في القبر على الميت فلو نبش قبراً وأخذ الكفن قطع، وحرز الباب تركيبه في موضعه فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيزه قطع).
أما كون حرز الأموال؛ فلأن العادة في حرز ذلك بذلك.
وأما كون من نبش قبراً وأخذ الكفن الذي فيه يقطع؛ فلأنه سرق مالاً محترماً في حرز.
فوجب القطع به؛ كسرقة الذهب من الدكاكين الذي وراء الأغلاق.
وأما كون من سرق رتاج الكعبة يقطع؛ فلأن تركيبه في موضعه حرز له.
أشبه سرقة الكفن من القبر.
وأما كون من سرق باب مسجد أو تأزيزه يقطع؛ فلأنه سرق مالاً محترماً من 1 حرز.
أشبه غيره من المحرزات.
قال: (ولا يقطع بسرقة ستائرها.
وقال القاضي: يقطع بسرقة المخيطة 2 عليها).
أما كون سرقة ستارة الكعبة غير المخيطة لا يقطع بها؛ فلأنها غير محرزة.
وأما كون سرقة ستارتها المخيطة عليها لا يقطع بها على قول القاضي؛ [فبالقياس على غير المخيطة.
وأما كونها يقطع بها على قول القاضي] 3؛ فلأن خياطتها حرز مثلها في العادة.
قال: (وإن سرق قناديل المسجد أو حُصْرَهُ فعلى وجهين).
أما كون من سرق ما ذكر يقطع على وجه؛ فلأنه محرز بحرز مثله.
وأما كونه لا يقطع على وجه؛ فلأن له فيه حقاً وشبهة.
أشبهت السرقة من بيت المال.
قال: (وإن نام إنسان على ردائه في المسجد فسرقه سارق قطع.
وإن مال رأسه عنه لم يقطع بسرقته).
أما كون من سرق رداء إنسان نام عليه في المسجد يقطع؛ فـ «لأن صفوان بن أمية نامَ في المسجد وتوسَّدَ رداءهُ فأُخذ من تحت رأسه.
فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمر به أن يقطع... مختصر» 4. رواه أبو داود.
وأما كونه لا يقطع إذا سرقه وقد مال رأسه عنه؛ فلأن حرزه كون رأس النائم عليه، وهو مفقود هاهنا.
قال: (وإن سرق من السوق غزلاً وثم حافظ قطع، وإلا فلا).
أما كون من سرق ما ذكر يقطع إذا كان حافظ؛ فلأنه في حرز مثله.
فوجب القطع؛ كسارق ما يسرق من حرز.
وأما كونه لا يقطع إذا لم يكن ثمَّ حافظ؛ فلأنه مال غير محرز.
فلم يجب القطع؛ كسائر ما سرق من غير حرز.
قال: (ومن سرق من النخل والشجر من غير حرز فلا قطع عليه، ويضمن عوضها مرتين.
وقال أبو بكر: ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر).
أما كون من سرق ما ذكر لا قطع عليه؛ فلما روى رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَر» 1 أخرجه أبو داود وابن ماجة.
وأما كونه يضمن عوض ذلك مرتين؛ فلأن في حديث عمرو بن شعيب: «ومن خرجَ بشيء منه -يعني من الثمرِ المعلق- فعليه غرامةُ مثليه» 2. رواه الأثرم.
وأما كون 3 ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر على قول أبي بكر؛ فلأن الشرع ورد من غير تفصيل.
والأُولى -أي أن الأحراز تختلف 1 بما تقدم ذكره- أولى؛ لما تقدم.
وعدم ورود الشرع فيه بتفصيل لا يلزم عدم الرجوع إلى العرف فيه.
دليله القبض.
فصل [الشرط الخامس]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: انتفاء الشبهة.
فلا يُقطع بالسرقة من مال ابنه وإن سفل، ولا الولد من مال أبيه وإن علا.
والأب والأم في هذا سواء، ولا العبد بالسرقة من سيده، ولا مسلم بالسرقة من بيت المال، ولا من مال له فيه شركة، أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه).
أما كون الخامس من شروط القطع انتفاء الشبهة؛ فلأن القطع حد.
فيدرأ بالشبهة.
وأما كون الأب لا يقطع بالسرقة من مال ابنه وإن سفل؛ فلأن له فيه شبهة لقوله عليه السلام: «أنتَ ومالكَ لأبيك» 1.
ولأنه أخذ ما له أخذه؛ لأن في الحديث: «كلُوا من كسبِ أولادِكم» 2.
ولأن الحد يدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذُ ما أمر الشرع بأخذه.
وأما كون الولد لا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا؛ فلأن بينهما قرابة تمنع شهادة أحدهما للآخر 3. فلم يقطع بالسرقة من ماله؛ كالأب.
ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له.
فلا يجوز إتلافه حفظاً للمال.
وأما كون الأب والأم سواء؛ فلأنها أولى من الأب بالبر، وإذا لم تكن أولى منه في عدم القطع فلا أقل من المساواة.
وأما كون العبد لا يقطع بالسرقة من مال سيده؛ فلما روى السائب بن يزيد قال: «شهدتُ عمر بن الخطاب وقد جاءه عبدالله بن عمرو الحضرمي 4 بغلامٍ له.
فقال: إن غلامي هذا قد سرقَ فاقطع يده.
فقال عمر: ما سرقَ؟ فقال: مرآة امرأتي ثمنها ستون درهماً.
فقال: أرسله.
لا قطعَ عليه.
خادمكمْ أخذَ
مالكم، ولكنه لو سرقَ من غيرها قُطع» 1. وكان ذلك 2 بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً.
وعن ابن مسعود «أن رجلاً جاءه فقال: عبدي قد سرق قَباء لعبدٍ لي آخر.
فقال: لا قطع.
مالك سرقَ مالك» 3.
وأما كون المسلم لا يقطع بالسرقة من بيت المال؛ فـ «لأن عمر قال لابن مسعود لما سأله عمن سرقَ من بيت المال: أرسله فما من أحدٍ إلا وله في هذا المال حق» 4.
ولأن له فيه حقاً.
فيكون ذلك شبهة يدرأ بها الحد.
وأما كونه لا يقطع بالسرقة من مال له فيه شركة كالمال المشترك بينه وبين شريكه؛ فلأنه إذا لم يقطع الأب بسرقة مال ابنه لكونه له فيه شبهة.
فلأن لا يقطع الشخص بسرقة مال له فيه شركة بطريق الأولى.
وأما كونه لا يقطع بالسرقة من مال لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه فيه شركة كأبيه وابنه ونحو ذلك 5؛ فلأن له 6 فيه شبهة لكون أبيه أو ابنه أو من جرى مجراه له فيه شركة.
قال: (ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده لم يقطع.
وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين).
أما كون من سرق من الغنيمة ممن له حق أو 1 لولده أو لسيده؛ فلأن له في المال المسروق حقاً أو شبهة حق، وكلاهما يمنع الحد؛ لما تقدم.
وأما كون أحد الزوجين لا يقطع بسرقة مال الآخر المحرز عنه على روايةٍ؛ فلأن كل واحد [من الزوجين يرث صاحبه بغير حجب.
أشبه الولد والوالد.
ولأن كل واحد] 2 منهما ينبسط في مال صاحبه عادة.
أشبه الشريكين.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلعموم الآية.
ولأنه سرق مالاً محرزاً لا شبهة له فيه.
أشبه الأجنبي.
وفي تقييد المال المسروق بكونه محرزاً عنه: احتراز من سرقة ما ليس محرزاً عن أحدهما فإن ذلك لا يقطع به أحد الزوجين رواية واحدة؛ لأن وجوب القطع شرطه: كون المسروق في حرز ولم يوجد.
قال: (ويقطع سائر الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن، ويقطعان بسرقة ماله).
أما كون سائر الأقارب يقطع بالسرقة من مال أقاربهم؛ فلأن القرابة هنا لا تمنع قبول الشهادة.
فلا تمنع القطع.
ولأن الآية والأخبار تعُم كل سارق.
خرج منه ما تقدم ذكره؛ للأدلة المذكورة.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون المسلم يقطع بالسرقة من مال الذمي؛ فلأن ماله صار معصوماً بالجزية.
فوجب القطع بسرقته؛ كمال المسلم.
وأما كونه يقطع بالسرقة من مال المستأمن؛ فلأن ماله مثل مال 3 الذمي.
دليله وجوب الضمان بإتلافهما.
وأما كون الذمي والمستأمن يقطعان بسرقة مال المسلم؛ فلأنه إذا قطع المسلم بسرقة مالهم.
فلأن يقطعوا بسرقة ماله بطريق الأولى.
قال: (ومن سرق عيناً وادعى أنها ملكه لم يقطع.
وعنه: يقطع.
وعنه: لا يقطع إلا أن يكون معروفاً بالسرقة).
أما كون من ذكر لا يقطع على روايةٍ؛ فلأن ما ادعاه محتمل.
فيكون شبهة في درء الحد.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلأن سقوط القطع بدعواه يقتضي 1 أن لا يجب قطع سارق.
فتفوت مصلحة الزجر.
وأما كونه لا يقطع إلا أن يكون معروفاً بالسرقة على روايةٍ؛ فلأن غير المعروف بذلك لا يعلم كذبه.
بخلاف المعروف به.
قال المصنف في المغني: والأولى 2 أولى؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات، وإفضاؤه 3 إلى سقوط الحد لا يمنع اعتبارها.
قال: (وإذا سرق المسروق منه مال السارق أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة: لم يقطع.
وإن سرق من غير ذلك الحرز أو سرق من مال من له عليه دين قطع؛ إلا أن يعجز عن أخذه فيسرق قدر حقه فلا يقطع.
وقال القاضي: يقطع).
أما كون المسروق منه أو المغصوب منه 4 إذا سرق مال السارق أو الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لا يقطع؛ فلأن لكل واحد منهما شبهة في هتك الحرز من أجل أخذ ماله فإذا هتك الحرز صار كأنّ المال المسروق منه أُخذ من غير حرز.
وأما كون من سرق من غير ذلك الحرز الذي فيه المال المسروق أو المغصوب يقطع؛ فلأنه لا شبهة له في هتك الحرز المذكور.
فوجب القطع؛ لأن المسروق مال لا شبهة له فيه.
وأما كون من سرق من مال من له عليه دين وهو قادر على أخذ حقه يقطع؛ فلأنه مال لا شبهة له فيه.
وأما كونه إذا فعل وهو يعجز عن أخذ حقه لا يقطع على قول غير القاضي؛ فلأن بعض أهل العلم يبيح له ذلك.
فيكون الاختلاف في إباحة الأخذ شبهة دارئة للحد؛ كالوطء في نكاح مختلف في صحته.
وأما كونه يقطع على قول القاضي؛ فلأن مِن أَصْله أنه ليس له أخذه.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وهذا يعني تعليل القاضي لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف.
فإن قيل: من يعجز عن أخذ حقه إذا سرق أكثر منه.
قيل: إن قيل لا يقطع بسرقة قدر حقه هل يقطع هنا؟ فيه وجهان.
توجيههما ما ذكر في سرقة المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المغصوبة، وإن قيل: يقطع فيقطع هنا؛ لأن 1 الزائد لا شبهة له فيه.
قال: (ومن قطع بسرقة عين ثم عاد فسرقها قطع.
ومن أجّرَ داره، أو أعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قُطع).
أما كون القطع يتكرر بسرقة العين الواحدة؛ فلأنه فعل ثانياً مثل ما فعل أولاً.
فوجب أن يجب عليه ثانياً مثل ما وجب عليه أولاً؛ كما لو زنى فحد ثم زنى.
فإن قيل: لو تكرر القذف لم يتكرر الحد.
قيل: حد القذف شرع؛ لتكذيب القاذف، وذلك يحصل بالمرة الواحدة.
بخلاف القطع فإنه شرع للزجر فإذا سرق العين ثانياً علم أنه لم ينزجر.
فوجب أن يتكرر الحد 2؛ لتحصل الحكمة التي شرع القطع من أجلها.
وأما كون من سرق مال من أجّره داره أو أعارها إياها من الدار المذكورة؛ فلأنه سرق نصاباً لا شبهة له فيه.
فوجب القطع؛ كما لو كانت الدار ملكاً للمسروق منه.
فصل [الشرط السادس]
قال المصنف رحمه الله: (السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقرار مرتين، ولا ينزع عن إقراره حتى يُقطع).
أما كون السادس من شروط القطع ثبوت السرقة بما ذُكر ولا ينزع عن إقراره حتى يُقطع: أما ثبوت السرقة؛ فلأن الله تعالى إنما أوجب القطع على السارق ولا يتحقق ذلك إلا بعد ثبوتها.
وأما ثبوتها بشهادة عدلين أو إقرار مرتين: أما شهادة عدلين؛ فلأن ذلك طريق إلى ثبوت أكثر الحقوق.
فليكن الأمر كذلك هنا.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع.
وأما الإقرار مرتين؛ فلما روي عن أبي أمية المخزومي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترفَ.
فقال: ما إِخَالُكَ سرقت.
قال: بلى.
فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً.
قال: بلى.
فأمرَ به فقُطع» 1. رواه أبو داود.
وروي «أن علياً أتاه سارق.
فقال: إني سرقتُ.
فأعرضَ عنه، ثم أعاده 2 مرة أخرى.
فقال: إني سرقتُ.
فأمر به على أن يُقطعَ.
وقال: شهدتَ على نفسكَ مرتين» 3. رواه الجوزجاني وقال مكان: «فأعرض عنه»: «فطرده».
ورواه سعيد فقال: «فردّه».
ولأنه 1 يتضمن إتلافاً.
فكان من شرطه التكرار؛ كحد الزنى.
أو يقال: أحد حجتي القطع.
فيعتبر فيها التكرار؛ كالشهادة.
وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يقطع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق: «ما إخالُكَ سرقت» 2. عرّض له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في ذلك فائدة.
ولأن قطع السارق حد يثبت بالاعتراف.
فسقط بالرجوع؛ كحد الزنى.
ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه.
فسقط؛ كما لو رجع الشهود.
قال: (السابع: مطالبة المسروق منه بماله.
وقال أبو بكر: ليس ذلك بشرط).
أما كون السابع من شروط القطع مطالبة المسروق منه بماله على المذهب؛ فلأن المال مباح بالبذل والإباحة.
فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه 3 على طائفة المسلمين، أو على طائفةٍ السارق منهم، وأذن له في دخول حرزه.
فاعتبرت المطالبة؛ لتزول الشبهة.
وأما كون ذلك لا يشترط على قول أبي بكر؛ فلأن موجب القطع السرقة وقد وجدت.
فوجب أن يجب القطع من غير مطالبة؛ كالزنى.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والفرق بين القطع والزنى أن الزنى لا يستباح بالإباحة.
بخلاف السرقة.
ولأن القطع أوسع في الإسقاط.
ألا ترى أنه لو سرق من مال أبيه لم يقطع، ولو زنى بجاريته حد.
ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فلهم به تعلق.
فلم يستوف من غير مطالبة 4 به.
والزنى حق لله تعالى 1 محض.
فلم يفتقر إلى المطالب به.
ودعوى وجود الموجب للقطع ممنوعة 2، وعلى تقدير التسليم فله شرط ولم يوجد تعد.
فصل [في كيفية القطع]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت.
وهو: أن تغمس في زيت مغلي.
فإن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت.
فإن عاد حبس ولم يقطع.
وعنه: أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة).
أما كون القطع إذا وجب تقطع يده اليمنى أولاً؛ فـ «لأن قراءة ابن مسعود: فاقطعوا أيمانهما» 1.
وعن أبي بكر وعمر أنهما قالا: «إذا سرقَ السارقُ فاقطعوا يمينهُ من الكوع» 2، ولا مخالف لهما في الصحابة.
ولأن البطش بها أقوى.
فكانت البداءة بها أردع.
وأما كون القطع من مفصل الكف 3؛ فلأن القصاص لا يجب إلا من مفصل.
[فلأن لا يجب القطع في السرقة إلا من مفصل بطريق الأولى.
وأما كون المفصل مفصل] 4 الكف؛ فلأن اليد تطلق على اليد إلى الكوع، وعليها إلى المرفق، وعليها إلى المنكب، وإرادة الأول متيقنة، وإرادة ما عداه مشكوك فيها فلا يجب القطع مع الشك.
وفي الأثر عن أبي بكر وعمر: «إذا سرقَ السارقُ فاقطعوا يده من الكوع» 5.
وأما كون السارق إذا عاد تقطع رجله؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: «إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرقَ فاقطعوا رجلَه (1») 2.
وأما كون الرجل اليسرى؛ فلأن في المحاربة تقطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى.
فكذلك هاهنا.
ولأن في قطع اليسرى رفقاً به؛ لأنه يمكنه المشي على خشبة.
بخلاف 3 قطع الرجل اليمنى؛ فلأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.
وأما كون القطع من مفصل الكعب؛ فلأن الرِّجْل أحد العضوين المقطوعين.
فوجب كون القطع من المفصل المذكور؛ كاليد.
وأما كون من قطعت يده أو رجله أو هما يحسم؛ فلأن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُتي بسارق فقال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 4.
قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن تُغمسَ في زيتٍ مغلي؛ فبيان لمعنى الحسم.
والحكمة في ذلك أن العضو إذا قُطع فغُمس في ذلك الزيت استدّت أفواهُ العروق فينقطع الدم.
وأما كون السارق إذا عاد بعد قطع يده ورجله فسرق ثالثاً يحبس ولا يقطع على المذهب؛ فلأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس.
فلم يشرع في حد؛ كالقتل.
ولأن قطع اليدين بمنزلة الإهلاك؛ لأنه لا يمكنه أن يتوضأ، ولا يستنجي، ولا يحترز 5 من النجاسة ولا يزيلها، ولا يأكل ولا يشرب ولا يبطش، ولذلك1
أوجب الله تعالى في يديه دية جميعه، وفي الحديث عن علي: «إني لأستحيي 1 من اللهِ أن لا أدعَ له يداً يبطشُ بها ولا رجلاً يمشي عليها» 2.
وأما كونه تقطع يده اليسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة على روايةٍ؛ فلأن في حديث أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق: إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرق فاقطعوا رجلَه، [ثم إن سرقَ فاقطعوا يدَه، ثم إن سرقَ فاقطعوا رجلَه] (3») 4.
وعن جابر قال: «جيءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارقٍ فقال: اقتلوه.
فقالوا: يا رسول الله! إنما سرقَ.
فقال: اقطعوه.
قال: فقُطع، ثم جيء به الثانية.
فقال كذلك، [ثم جيء به الثالثة] 5، ثم جيء به الرابعة فقال كذلك... مختصر» 6. رواه أبو داود.
و«لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قطعا اليد في الثالثة».
قال المصنف رحمه الله في المغني: حديث جابر يتعين حمله على تخصيص ذلك الشخص لعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يوجب قتله.
ألا تراه أمر بقتله في كل مرة، وقول أبي وعمر معارض بقول علي.
على 7 أنه روي أن عمر أخذ بقول علي، ويؤيده أن الأصول تشهد بنفي القتل؛ لأن كل معصية لا توجب القتل في الابتداء لا توجبه بعد ذلك؛ كسائر المعاصي.3
قال: (ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى.
وإن سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع).
أما كون من سرق وليس له يد يمنى تقطع رجله اليسرى؛ فلأن اليمنى لمّا خرجت عن كونها محلاً للقطع انتقل القطع إلى ما يلي تلك.
ولأن الرجل تقطع في السرقة الثانية.
فلأن تقطع في السرقة الأولة؛ لتعذر استيفاء اليد اليمنى بطريق الأولى.
وأما كون القطع يسقط إذا سرق وله يمنى فذهبت؛ فلأن القطع تعلق بها.
فإذا ذهبت فات قطعها فسقط.
قال: (وإن ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الأولى، وتقطع على الأخرى).
أما كون يمنى من ذكر لا تقطع على الرواية الأولى وهي: أن السارق يحبس في الثالثة ولا يقطع؛ فلأن قطعها يتضمن تفويت منفعة الجنس وبقاءه بلا يد يبطش بها، وذلك غير جائز؛ لما ذكر في الرواية التي بني عليها الحكم.
وأما كونها تقطع على الرواية الأخرى وهي: أن السارق يقطع في الثالثة والرابعة؛ فلأن غاية ما فيه تعطيل منفعة الجنس وبقاؤه بلا يد يبطش بها، وذلك واقع في الرواية المذكورة.
فكذلك هاهنا بل أولى؛ لأن اليمنى تعلق بها القطع وفاقاً.
وإنما الخلاف في سقوطه بذهاب اليسرى.
بخلاف القطع في الثالثة والرابعة؛ فلأن الخلاف في نفس وجوب القطع فيهما 1.
قال: (وإن وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً فعليه القود.
وإن قطعها خطأ فعليه ديتها، وفي قطع يمين السارق وجهان).
أما كون من وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً على القاطع القود؛ فلأنه قطع ما لا يستحق قطعه عمداً.
وأما كونه إذا قطعها خطأ عليه ديتها؛ فلأن ما أوجب عمده القود أوجب خطؤه الدية.
دليله القتل.
وأما كون يمين السارق لا تقطع في وجهٍ؛ فلأن قطعها يفضي إلى قطع يدَيْ السارق وتفويت منفعة الجنس منه.
فلم يشرع؛ كقتله.
وأما كونه تقطع في وجهٍ؛ فلأن قطعها وجب بالسرقة، وقطع اليسار له مقابل وهو القود في العمد والدية في الخطأ.
قال: (ويجتمع القطع والضمان فترد العين المسروقة إلى مالكها.
وإن كانت تالفة غرم قيمتها وقطع).
أما كون القطع والضمان يجتمعان؛ فلأنهما حقان يجبان لمستحقين.
فجاز اجتماعهما؛ كالجزاء والقيمة في الصيد الحَرَمِي المملوك.
وأما كون العين المسروقة ترد إلى مالكها؛ فلأنها ملكه قُبضت بطريق التعدي.
فوجب ردها إلى مالكها؛ كالعين المغصوبة.
وأما كون التالفة يغرم سارقها قيمتها ويقطع: أما كونه يغرم؛ فلأن ما وجب رده إذا كان باقياً وجب غرامته 1 إذا كان تالفاً.
دليله: العين المغصوبة.
وأما كونه يقطع مع الغرامة المذكورة؛ فلما تقدم من اجتماع الضمان والقطع.
قال: (وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين).
أما كون الزيت من بيت المال على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 2. أمر بالحسم، وذلك يقتضي كون الزيت من بيت المال.
وأما كونه من مال السارق على وجه؛ فلأنه لحفظ نفسه.
أشبه الدواء الذي يتداوى به في مرضه.
باب حد المحاربين
والأصل 1 في حد المحاربين قول الله تعالى: ﴿إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفَوْا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
قال ابن عباس وكثير من العلماء: نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.
قال المصنف رحمه الله: (وهم: قطاع الطريق.
وهم: الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة.
فأما من يأخذه سرقة فليس بمحارب.
وإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين في قول الخرقي.
وقال أبو بكر: حكمهم في المصر والصحراء واحد).
أما قول المصنف رحمه الله: وهم قطاع الطريق؛ فبيان لمعنى المحاربين.
وأما قوله: وهم الذين يعرضون 2 إلى آخره؛ فيقتضي أنه يشترط في المحاربين أمور:
أحدها: أن يعرضوا للناس بالسلاح، فإن عرضوا بغير سلاح فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم.
وثانيها: أن يكونوا في الصحراء؛ لأن ذلك عادة المحاربين.
فإن كانوا في البنيان فسيأتي الكلام عليه بعد 3 إن شاء الله تعالى.
وثالثها: أن يأخذوا المال مجاهرة فإن أخذوه سرقة فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة.
وأما كونهم إذا فعلوا ذلك في البنيان لا يكونوا محاربين في قول الخرقي؛ فلأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء.
ولأنه في المصر يلحق به الغوث غالباً وتذهب شوكتهم ويكونون مختلسين، والمختلس 1 ليس بقاطع طريق.
وأما كونهم يكون حكمهم في المصر والصحراء واحد في قول أبي بكر؛ فلأن الفعل المذكور إذا وجد في المصر كان أعظم ضرراً.
فكان أعظم جرماً وفساداً، فكان بما ذكر أولى.
قال: (وإذا قُدر عليهم فمن كان منهم قد قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر.
وقال أبو بكر: يصلبُ قدر ما يقع عليه اسم الصلب، وعن أحمد: أنه يُقطع مع ذلك).
أما كون من قدر عليه من 2 المحاربين المذكورين يُقتل إذا كان قد قتل من يكافئه وأخذ المال؛ فلأنه مذكور في الآية.
ولأنه قَتَل من يكافئه عمداً.
وأما كونه يقتل حتماً ويصلب حتى يشتهر؛ فلأنه مذكور في الآية.
وفي حديث ابن عباس «وادع رسول الله أبا بردة فجاء ناسٌ يريدون الإسلام.
فقطع.
فنزل جبريل بالحد فيهم أن من قتلَ وأخذَ المالَ قُتلَ وصُلب، ومن قَتل ولم يأخذ المال قُتل، وإن 3 أخذَ المال ولم يَقتل قُطعت يدهُ ورجلهُ من خلاف» 4.
وأما كونه يصلب حتى يشتهر وهو قول الخرقي؛ فلأن المقصود منه زجر غيره ولا يحصل إلا بذلك.
وأما كونه يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب على قول أبي بكر؛ فلأن ذلك يصدق عليه اسم الصلب، والآية ما تدل إلا على ذلك.
ومحل الصلب بعد القتل؛ لأن المقصود زجر غيره لا عذاب المحارب نفسه؛ لأن القتل كافٍ في عذابه، ولذلك إذا اجتمع حدود في بعضها قتل اكتفي به.
وأما كونه يقطع مع ذلك على روايةٍ؛ فلأنه وجد منه ما يوجب القطع والقتل.
فوجب عليهما 1 جميعاً؛ كما لو زنى وسرق.
قال: (وإن قتل من لا يكافئه فهل يقتل؟ على روايتين).
أما كون من ذكر لا يقتل على روايةٍ؛ فلعموم قوله عليه السلام: «لا يُقتلُ حرٌ بعبد» 2.
ولأن القتل وجب قصاصاً.
بدليل أنه لو وجب حداً لسقط بالتوبة، وإذا كان قصاصاً وجب اعتبار المكافأة فيه؛ كغير المحارب.
وأما كونه يقتل على روايةٍ؛ فلأنه حد طُلِبَ به الزّجرُ.
فلم تعتبر فيه المكافأة؛ كالزنى.
والأولى أصح؛ لأنه ليس بحد.
بدليل ما تقدم وبه فارق الزنى.
ويؤيد عدم صحة قياسه على الزنى أن حد الزنى يسقط بالتوبة.
بخلاف حد المحاربة.
قال: (وإن جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتّم استيفاؤها 3؟ على روايتين).
أما كون استيفاء ما ذكر يتحتم على روايةٍ؛ فلأن الجناية على ما دون النفس جناية يجب فيها القصاص في غير المحاربة.
فإذا وجب فيها كان متحتماً؛ كالقتل.
وأما كونه لا يتحتم على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى ذكر حدود المحاربين وهي: القتل، والقطع، والصلب.
فلم يتعلق بالمحاربة سوى تلك.
ولأن النفس أكبر من الطرف.
بدليل وجوب الكفارة في النفس دونه.
قال: (وحكم الرِّدْء حكم المباشر).
أما كون حكم الردء حكم المباشر؛ فلأن حد المباشر حكم يتعلق بهما 4. فاستوى فيها الردء والمباشر؛ كالغنيمة.
يحققه: أن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة والجهاد كذلك، والمباشر فيهما لا يتمكن إلا بالردء.
فوجب
أن يستويا في الحكم؛ لاستوائهما في المعنى.
فالردء هو العون للمباشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسله معي ردْءاً يصدقني﴾ [القصص: 34].
قال: (ومن قَتل ولم يأخذ المال قُتل.
وهل يُصلب؟ على روايتين).
أما كون من ذكر يقتل؛ فلأنه قاتل.
فيدخل في الآية والخبر المتقدم ذكرهما.
وأما كونه لا يصلب على روايةٍ؛ فلأن جناية المحارب بالقتل وأخذ المال أعظم من جنايته بالقتل فقط.
فلو شرع الصلب في حق من قتل ولم يأخذ المال لاستويا.
وأما كونه يصلب على روايةٍ؛ فلأنه محارب.
أشبه آخذ المال.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
والقياس على آخذ المال لا يصح؛ لما بينهما من الفرق.
قال: (ومن أخذ المال ولم يَقتل قُطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا وخلي.
ولا يُقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله).
أما كون من أخذ المال ولم يَقتل تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو تُقَطّع أيديهم وأرجلُهم من خِلاف﴾ [المائدة: 33].
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿من خلاف﴾ يقتضي قطع يد من جانب ورجل من آخر 1. فلم كانت اليمنى يداً؟
قيل: لأن 2 السارق تقطع أولاً يده اليمنى [فكذا المحارب يجب أن تقطع يده اليمنى] 3؛ لأنه سارق وزيادة ويلزم من قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى لتحقق المخالفة.
وأما كون قطعهما في مقام واحد.
[ومعناه: أنه لا يهمل بقطع الرجل حتى تندمل اليد بل تقطعان في مجلس واحد] 4؛ فلأن الله تعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما.
وأما كونهما يحسمان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حق السارق فقال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» 1.
ولأن الحسم يَسُدّ أفواه العروق، ويمنع الدم من النزف.
ومعنى الحسم: أن يُغلى زيت ثم يوضع ما قطع فيه.
وأما كونه يخلى بعد ذلك؛ فلأن الحق الذي عليه استُوفي.
أشبه المدين إذا وفى دَينه.
وأما كون المحاربين لا يقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القطعُ في ربع دينار» 2. ولم يفصل بين المحارب وغيره.
ولأن الجناية المذكورة جناية يتعلق بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد؛ كالقتل لا يغلظ بغير الانحتام.
فكذلك هاهنا لا يتغلظ القطع بغير قطع الرجل مع اليد.
فلو تغلظ بما دون النصاب لتغلظ بأكثر من ذلك.
قال: (وإن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى.
وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة).
أما كون من كانت يمينه كما ذكر تقطع رجله اليسرى؛ فلأن ذلك واجب أمكن استيفاؤه.
وأما كون قطع يسرى يديه ينبني 3 على قطع أطراف السارق الأربعة على الروايتين المتقدم ذكرهما وتعليلهما في آخر باب السرقة 4؛ فلأنه في معناه.
فعلى هذا إن قلنا يقطع السارق مرة ثالثة قطعت يُسرى المحارب هنا؛ لأنها مستحقة القطع في الجملة.
فإذا تعذر استيفاء اليمنى تعين استيفاء اليسرى؛ كما لو سرق السارق ولا يد يمنى له ولا رجل.
وإن قلنا: لا يقطع السارق في الثالثة لم
تقطع يسرى المحارب هنا؛ لأن قطعها بطريق الإلحاق بالسارق 1. فإذا انتفى الحكم فيه انتفى فيما يجب إلحاقه به.
قال: (ومن لم يَقتل ولا أخذ المال نفي وشرد، فلا يُترك يأوي إلى بلد.
وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه).
أما كون من لم يقتل ولم يأخذ المال ينفى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو يُنفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
وأما كونه يُشرّد فلا يترك يأوي إلى بلد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
فإن قيل: التشريد ظاهر الإرادة من الآية.
فما وجه أن لا يترك يأوي إلى بلد؟
قيل: لأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33]، وذلك يقتضي النفي من جميعها.
وأما كون نفيه تعزيره بما يردعه على روايةٍ؛ فلأن الغرض الردع، وذلك حاصل بالتعزير المذكور.
والأول أصح؛ لأن النفي الطرد والإبعاد، والإقامة تبقيه.
قال: (ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى له عنها).
أما كون من تاب قبل القدرة عليه يسقط عنه حدود الله؛ فلأن الله تعالى قال 2: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: 34].
فعلى هذا يسقط عنهم جميع ما ذكر المصنف رحمه الله؛ لأنه لله تعالى.
وأما كونه يؤخذ بحقوق الآدميين مما ذكر إذا لم يُعْفَ له عنها؛ فلأنها حقوق عليهم لم يعفَ عنها.
فلم تسقط؛ كغير المحارب.
فإن قيل: الآية عامة في السقوط فما وجه التخصيص؟
قيل: الأدلة الدالة على أن حقوق الآدمي لا تسقط بغير رضاه.
ولأن حق الآدمي مبني على الضيق والشح.
بخلاف حق الله تعالى، وذلك يقتضي عدم التسوية بينهما، وسقوط ذلك 1 بالتوبة يقتضي التسوية بينهما.
قال: (ومن وجب عليه حد لله 2 سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط.
وعنه: أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل.
ومن مات وعليه حد سقط عنه).
أما كون من وجب عليه حد لله 3 سوى حد المحاربين لا يسقط بتوبته على المذهب؛ فلأن الله عز وجل قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما﴾ [النور: 2]، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] من غير فرق بين التائب وغيره.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وقطع السارق بإقراره من غير سؤال عن توبة.
ولأن الحد كفارة.
فلم تسقط بالتوبة؛ ككفارة اليمين.
وأما كونه يسقط على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: 16]، وقال: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: 39]، وفي الحديث: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» 4. ومن لا ذنبَ له لا حدَّ عليه.
ولأن الحد خالص حق الله.
فسقط بالتوبة؛ كحد المحارب.
إذا تقرر السقوط فقد صرح المصنف رحمه الله هنا أنه يسقط بمجرد التوبة من غير إصلاح العمل.
وقال في المغني: ظاهر الآيات تدل على اعتباره في غير المحارب.
فيكون إصلاح العمل في حق غير 5 المحارب بمنزلة توبة المحارب قبل القدرة هذا لفظه.
وأما كون من مات وعليه حد يسقط عنه؛ فلأن استيفاءه بعد موته متعذر.
فصل [في دفع الصائل]
قال المصنف رحمه الله: (ومن أُريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به، فإن لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه.
وإن قُتل كان شهيداً.
وهل يجب عليه الدفع عن نفسه؟ على روايتين.
وسواء كان الصائل آدمياً أو بهيمة).
أما كون من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله 1. أي قُصدت: له الدفع عن ذلك؛ فلأنه لو مُنع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله.
ولأنه لو لم يجز ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى الهرج والمرج.
وأما كون الدفع بأسهل ما يعلم دفعه به؛ فلأن الزائد عليه لا حاجة له به؛ لحصول الدفع بدونه.
فعلى هذا متى علم الدافع أن الصائل عليه يندفع بالقول لم يجز ضربه بشيء، وإن علم أنه يندفع بعصاً لم يجز ضربه بحديد.
وأما كون الدفع إذا لم يحصل إلا بالقتل له ذلك؛ فلأن ضرره إذا لم يندفع إلا به يتعين طريقاً إلى الدفع المحتاج إليه.
وأما كونه لا شيء عليه بالقتل المذكور؛ فلأنه قتلٌ لدفع شر الصائل.
فلم يجب به شيء؛ كقتل الباغي.
وروي عن عبيد بن عمير «أن رجلاً ضافَ ناساً من هذيل.
فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر.
فقال عمر: والله! لا يودى أبدًا» 2.
وأما كونه شهيداً إذا قُتل؛ فلما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن أريد ماله بغير حق فقاتلَ فقُتل فهو شهيد» 1. رواه الخلال بإسناده.
ولأنه قُتل لدفع ظالم.
فكان شهيداً؛ كالعادل يقتله الباغي.
وأما كون الدفع عن نفسه لا يجب على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة: «اجلس في بيتكَ.
فإن خفتَ أن يَبهَركَ شُعَاعُ السيفِ فغطِّ وجهك» 2. وفي لفظ: «فكن عبداللهِ المقتول ولا تكن عبداللهِ القاتل» 3.
ولأن عثمان رضي الله عنه ترك القتال مع إمكانه.
وأما كونه يجب على روايةٍ؛ فلأنه قدر على إحياء نفسه.
فوجب عليه فعلُ ما يبقى به؛ كالمضطر إذا وجد الميتة.
والأولى أصح؛ لأن المضطر لا غرض له في ترك الأكل.
بخلاف الدافع؛ لأن له في ترك الدفع غرضاً وهو إبقاء نفس 4 أخيه المسلم، وحصول الشهادة له.
وأما كون الصائل الآدمي والبهيمة سواء؛ فلاشتراكهما في المجوز للدفع، وهو الصول.
قال: (وإذا دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم من ذكرنا).
أما كون حكم من دخل منزل غيره متلصصاً أو صائلاً حكم من تقدم ذكره؛ فلأن حاجة صاحب المنزل إلى إخراجه كحاجة من تقدم ذكره.
فوجب تساويهما في الحكم؛ لتساويهما في المعنى الموجب له.
وأما المعنيّ بذلك فهو أن صاحب المنزل إن علم أن المتلصص أو الصائل يخرج بالقول لم يجز له أن يخرجه بالعصا، وإن علم أنه يخرج بالعصا لم يجز له أن يخرجه
بالحديد، وإن علم أنه لا يخرج إلا بالحديد فله إخراجه به، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه.
قال: (وإن عضَّ إنسان يد إنسان فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدراً.
وإن نظر في بيته من خَصاص البيت أو نحوه فخذف عينه ففقأها فلا شيء عليه).
أما كون من عضَّ إنسان يده فانتزعها من فيه فسقطت ثنايا العاضّ تذهب هدراً؛ فلما روى يعلى بن أمية قال: «كان لي أجيرٌ.
فقاتلَ إنساناً فعضَّ أحدهما يدَ الآخر قال: فانتزعَ المعضوضُ يده من في العاضّ فانتزعَ إحدى ثنيتيه.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأهدر ثنيته.
فحسبت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفيدعُ يده في فيكَ تعضها كأنها في في 1 فحل يقضمها» 2 متفق عليه.
[ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه.
فلم يضمن؛ كما لو صال عليه] 3. فلم يمكن الدفع إلا بقلع يده.
وأما كون من فقأ عين من نظر في بيته من خَصاص الباب أو نحوه لا شيء عليه؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن امرءاً اطّلع عليك بغير إذن فخذَفتهُ بحصاةٍ ففقأت 4 عينهُ لم يكن عليك جناح» 5 متفق عليه.
وعن سهل بن سعد: «أن رجلاً اطَّلعَ في جحر من بابِ النبي صلى الله عليه وسلم ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحكُّ رأسه بمدرَى في يده.
فقال عليه السلام: لو علمتُ أنك تنظرني 6 لطمستُ أو لطعنتُ بها في عينك» 7.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يعتبر في الرمي الدفع بالأسهل.
قيل: نعم.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد.
[ذكره المصنف رحمه الله] 1 في المغني.
ووجهه: التمسك بظاهر الحديث.
وقال ابن حامد 2: يدفعه بالأسهل.
فإن لم يندفع حلّ حذفه كما تقدم في الصائل.
باب قتال أهل البغي
الأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت -إلى قوله-: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: 9 - 10].
إذا علم ذلك ففي الآية فوائد:
إحداها: أن الباغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين.
وثانيتها 1: أن الله تعالى أوجب قتاله.
وثالثها: أن الله تعالى أسقط قتاله إذا فاء إلى أمر الله.
ورابعها: أنه 2 نفى عن التبعة فيما أتلفه.
وخامستها 3: أن الآية أشعرت بقتال كل من منع حقًا عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهم: القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة).
أما كون [أهل البغي هم الذين يخرجون على الإمام؛ فلأن من لم يخرج عليه طائع له.
فلا يكون من] 4 أهل البغي عليه.
وأما كون خروجهم عليه بتأويل سائغ؛ فلأن من خرج عليه لا بتأويل [أو بتأويل] 5 غير سائغ من قطاع الطريق، وحكمه حكمهم على ما مر.
وأما كونهم لهم 6 منعة وشوكة؛ فلأن من ليس له ذلك؛ كالواحد والاثنين وما أشبههما حكمه حكم قطاع الطريق عند أكثر أصحابنا؛ لأن حكم البغاة لو
ثبت في الواحد والاثنين في سقوط ضمان ما أتلفوه لأفضى إلى إتلاف أموال الناس.
وقال أبو بكر: لا فرق بين القليل والكثير وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
فعلى هذا لا حاجة إلى قوله: ولهم منعة وشوكة.
قال: (وعلى الإمام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة.
فإن فاؤوا وإلا قاتلهم).
أما كون الإمام عليه أن يراسل أهل البغي ويسألهم ما ينقمون منه؛ فلأن الله تعالى بدأ بالصلح فقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: 9].
والمراسلة والسؤال طريق إلى الصلح؛ لأنهما وسيلة إلى رجوعهم إلى الحق.
ويروى: «أن علياً رضي الله عنه راسلَ أهل البصرة قبل وقعةِ الجمل».
وروي «أنه لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبدالله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف» 1.
وأما كونه يزيل ما يذكرونه من مظلمة؛ فلأن ذلك وجب 2 مع إفضاء الأمر إلى القتل والهرج والمرج.
فلأن يجب في حالة تؤدي إلى ذلك بطريق الأولى.
وأما كونه يكشف ما يدعونه من شبهة؛ فلأن كشفها طريق إلى رجوعهم إلى الحق، وذلك مطلوب.
وأما كونهم إن فاؤوا وإلا قاتلهم؛ فلأن الصحابة أجمعت على قتال مانعي الزكاة، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان 3.
قال: (وعلى رعيته معونته على حربهم.
فإن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم.
وإن ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم).
أما كون [رعية الإمام عليهم معونته على حرب أهل البغي؛ فلأن الله تعالى] 1 قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59].
وروى عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة» 2. والإمام قائم مقامه.
فوجب أن يعطى حكمه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرجَ من الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ ماتَ ميتةً جاهلية» 3. رواه ابن عبدالبر.
وذلك يقتضي وجوب طاعة الإمام، ومعاونته طاعة له.
وأما كونه ينظرهم إذا استنظروه مدة يرجوا رجوعهم فيها؛ فلأن الانتظار المرجوّ به رجوعهم أولى من معاجلتهم بالقتال المؤدي إلى الهرج والمرج.
وأما كونه لا ينظرهم ويقاتلهم إن 4 ظن أن طلبهم 5 الإنظار مكيدة؛ فلأن الإنظار لا يؤمن منه أن يصير طريقاً إلى قهر أهل العدل.
قال: (ولا يقاتلهم بما يعم إتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة).
أما كون الإمام لا يقاتل أهل البغي بما يعم إتلافه لغير ضرورة؛ فلأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل، والقتل بما يعم إتلافه يلزم منه قتله، وذلك غير جائز.
وأما كونهم يقاتلهم بذلك لضرورة مثل: أن يختلط أهل البغي بمن لا يقاتل؛ فلأن ذلك حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
قال: (ولا يستعين في حربهم بكافر.
وهل يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على وجهين).
أما كون الإمام لا يستعين في حرب أهل البغي بكافر؛ فلأن الكافر لا يستعان به في قتال الكافر.
فلأن لا يستعان به في قتال المسلم بطريق الأولى.
وأما كونه لا يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم وهي الخيل التي لهم على وجه؛ فلأن أموال أهل البغي لا تستباح.
وأما كونه يجوز أن يستعين عليهم بذلك على وجه؛ فلأن الحاجة داعية إليه.
أشبه قتلهم.
قال: (ولا يتبع لهم مُدْبر، ولا يجاز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية).
أما كون أهل البغي لا يتبع لهم مُدْبر ولا يجاز على جريحهم؛ فلما روى عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا ابنَ أم 1 عبد! ما حكمُ من بغَى على أمتي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يُقتل أسيرهم» 2. رواه القاضي في شرحه.
وروي: «أن علياً رضي الله عنه قال يوم الجمل: لا يُذَففُ على جريح، ولا يُهتكُ ستر، ولا يفتحُ باب.
ومن أغلقَ باباً أو بابهُ فهو آمن، ولا يتبعُ مُدْبِر» 3. ونحو ذلك روي 4 عن عمار.
وعن علي «أنه ودَى قوماً من بيتِ مالِ المسلمين قتلوا مُدْبرين».
وعن أبي أمامة قال: «شهدتُ صفين.
فكانوا لا يجيزونَ على جريحٍ، ولا يطلبونَ مولياً، ولا يسلبون قتيلاً» 5.
وأما كونهم لا يغنم لهم مال؛ فلأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم.
بدليل قوله عليه السلام: «لا يحلُ مال امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث... الحديث» 1 وليس القتال والبغي واحداً منها.
وأما كونهم لا يسبى لهم ذرية فلأن الذراري [تبع لهم، وهم لا يجوز سبيهم لبقائهم على الإسلام.
فالذين هم تبع لهم بطريق الأولى.
ولأن الذراري] 2 لم يحصل منهم شيء أصلاً.
بخلاف أهل البغي فإنهم وجد منهم البغي والقتال.
قال: (ومن أُسر من رجالهم حُبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل.
وإن أُسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى في الحال؟ يحتمل وجهين).
أما كون من أُسر من رجالهم يحبس حتى تنقضي الحرب؛ فلأن في إطلاقهم ضرراً على المسلمين.
وأما كونه يرسل بعد ذلك؛ فلأن المانع من إرسالهم خوف مساعدة أصحابهم، وقد زال ذلك.
وأما كون من أسر من صبي أو امرأة يحتمل أن يفعل به ذلك على وجه؛ فلأن وقوع القتال منه يمكن وإن لم يكن من أهله.
أشبه الرجل.
وأما كونه يحتمل أن يخلى في الحال؛ فلأنه ليس من أهل القتال فينتفي المحذور المتقدم ذكره في الرجل.
قال: (وإذا انقضى الحرب فمن وجد منهم ماله في يد إنسان أخذه، ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوه عليهم حال الحرب من نفس أو مال.
وهل يضمن البغاة ما أتلفوه على أهل العدل في الحرب؟ على روايتين.
ومن أتلف في غير حال الحرب شيئاً ضمنه).
أما كون من وجد من أهل العدل والبغي ماله في يد إنسان يأخذه: أما أهل العدل؛ فظاهر.
وأما أهل البغي؛ فلأن مالهم كان معصوماً وبغيهم لم يحله.
فوجب بقاؤه على ما كان.
وأما كون أهل العدل لا يضمنون ما أتلفوه على أهل البغي؛ فلأنه إذا جاز قتلهم 1. فلأن يجوز إتلاف مالهم بطريق الأولى.
ولأن جواز قتلهم يستلزم عقر دوابهم، وكسر قسيهم وما أشبه 2 ذلك.
وإذا جاز فعل ذلك لم يجب ضمانه؛ لحصوله ضرورة.
وأما كون البغاة يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل في حال الحرب على روايةٍ؛ فلأنهم بغاة ظلمة بقتالهم، وفي الأثر أن أبا بكر قال لأهل الردة: «تدونَ قتلانا ولا ندي قتلاكم» 3.
وأما كونهم لا يضمنون ذلك على روايةٍ؛ فلما روى الزهري قال: «كانت الفتنة العظماء بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقامَ حد على رجل ارتكب فرجاً حراماً بتأويلِ القرآن، ولا يغرم مالاً أتلفه بتأويلِ القرآن» 4.
ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب.
فلم يضمن ما أتلفت على الأخرى بحكم الحرب؛ كأهل العدل.
ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة.
فلم يشرع؛ كتضمين أهل الحرب.
وهذه الرواية هي الأصح؛ لما ذكر.
وأجاب المصنف رحمه الله في المغني عن الأثر المذكور عن أبي بكر: أنه رجع عنه.
فإنه روي: «أن عمر قال له: إن تدون قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله».
فوافقه أبو بكر.
ولذلك لم ينقل أنه غرم أحداً شيئاً.
وقد قتل طلحة 1 عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم وتاب.
فلم يغرم شيئاً.
وأما كون من أتلف من أهل العدل والبغي ما أتلفوه في غير حال الحرب يضمنه؛ فلأن الأصل وجوب الضمان.
تُرك العمل به في حال الحرب؛ للضرورة فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وفي الأثر: «أن الخوارج لما قتلوا عبدالله بن خباب في غير الحرب أرسلَ إليهم علي افتدونا من عبدالله» 2 و «قتل ابن ملجم علياً في غير المعركة فأقيدَ به» 3.
قال: (وما أَخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم [ولا على صاحبه.
ومن ادعى دفع زكاته إليهم قُبل بغير يمين.
وإن ادعى ذمي دفع جزيته إليهم لم يقبل إلا ببينة.
وإن ادعى إنسان دفع خراجه إليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين] 4. وتجوز شهادتهم.
ولا ينقض مِن حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره).
أما كون البغاة تجوز شهادتهم؛ فلأنهم إذا صلحوا للقضاء.
فلأن يصلحوا لقبول الشهادة بطريق الأولى.
وأما كونهم لا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم حاكم المسلمين من أهل العدل؛ فلأن بغيهم في أمر يسوغ فيه التأويل.
أشبه الاختلاف في الفروع.
فعلى هذا إن خالف حكم حاكمهم نصاً أو إجماعاً نقض؛ كحكم حاكم المسلمين من أهل العدل وإلا فلا.
قال: (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم إلا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم، ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال).
أما كون عهد أهل الذمة ينتقض إذا أعانوا أهل البغي إذا لم يدعوا أنهم ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك؛ فلأن أهل الذمة لو قاتلوا منفردين انتقض عهدهم.
فكذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي.
وأما كونه لا ينتقض إذا ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من ذكر؛ فلأن ذلك شبهة فيدرأ به قتلهم المستحق بالانتقاض.
وأما كون أهل الذمة يغرمون ما أتلفوه لأهل العدل فيما ذكر؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب الضمان.
ترك العمل به في حق أهل البغي خوفاً من تنفيرهم، وتنفير أهل الذمة لا أثر له؛ لأن أهل البغي لهم قوة.
بخلاف أهل الذمة فلا يصح إلحاقهم بهم.
قال: (وإن استعانوا بأهل الحرب وأمنوهم لم يصح أمانهم، وأبيح قتلهم).
أما كون أمان البغاة لأهل الحرب لا يصح؛ فلأن من صحة الأمان الكف عن قتال المسلمين، والباغي لا يشترطه 1 بل يشترط عليهم عدمه.
وأما كونهم يباح قتلهم؛ فلأن أمان البغاة لم يصح.
فبقوا على ما كانوا عليه قبل الأمان.
فإن قيل: إباحة قتلهم عامة أم لأهل العدل فقط؟