الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 215-254

الحدود جمع حد.
والحد في اللغة: المنع، ومنه قيل للبواب حداد؛ لأنه يمنع من دخول الدار.
وفي الشرع: عبارة عن عقوبة مخصوصة.
فإن قيل: لم سميت العقوبة في الشرع حداً؟ قيل: لأنها تمنع من الدخول في المعاصي المختصة بها.
قال المصنف رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم).
أما كون الحد لا يجب على غير بالغ عاقل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبيِّ حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائمِ حتى يستيقظ» 1. وأما كونه لا يجب على غير عالم بالتحريم؛ فلأن عمر وعلياً رضي الله عنهما قالا: «لا حَدَّ إلا على من عَلِمَه» 2. ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والجهل شبهة.
وأما كونه يجب على بالغ عاقل عالم بالتحريم؛ فلعموم النصوص المقتضية لوجوبه السالمة عن معارضة ما تقدم ذكره.

قال: (ولا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ إلا السيد فإن له إقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن.
وهل له القتل في الردة، والقطع في السرقة؟ على روايتين.
ولا يملك إقامته على مكاتبه، ولا على من بعضه حر، ولا على أمته المزوجة).
أما كون الحد لا يجوز أن يقيمه غير الإمام أو نائبه أو سيده فلأن 1 الإقامة تفتقر إلى ثبوت واجتهاد ونظر، وذلك مفقود فيمن ذكر.
فإن قيل: ما ذكر موجود في السيد، وهو يقيمه.
قيل 2: خرج من ذلك السيد لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كونه يجوز أن يقيمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمه»، وكذلك الخلفاء بعده.
وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه؛ فلأن أنيساً رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم 3. ولأن نائب الإمام في غير ما ذكر كالإمام.
[فكذلك يجب أن يكون فيما ذكر.
قياساً للبعض على البعض.
ولأن نواب الإمام] 4 يقيمون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير.
وأما كون السيد له إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنتْ [أمةُ أحدكم فاجلدُوها، ثم إن زنتْ فاجلدُوها، ثم إن زنتْ] 5 فاجلدُوها، ثم بيعوها ولو بضَفِير» 6، ولعموم قوله عليه السلام: «أَقيموا الحدَّ على ما ملكتْ أيمانكم» 7.

وأما كونه له قتله في الردة وقطعه في السرقة على روايةٍ؛ فلعموم الحديث المذكور.
ولأنه روي عن حفصة «أنها قَتَلَتْ أمةً لها سَحَرَتْها» 1، و «عمرُ قطعَ عبداً له سَرق» 2. وأما كونه ليس له ذلك؛ فلأن الجلد ضرب، والسيد له ضرب عبده؛ لإصلاحه.
والقتل والقطع ليس كذلك.
فوجب أن لا يقيمه إلا الإمام أو نائبه؛ كالحر.
وأما كونه لا يملك إقامته على مكاتبه؛ فلأنه معه كالأجنبي.
وأما كونه لا يملك إقامته على من بعضه حر؛ فلأنه ليس له ولاية على كله، والحد تصرّف في الكل.
وأما كونه لا يملك إقامته على أمته المزوجة؛ فلأن في الحديث المذكور: «فإن كانت مزوَّجة فليرفعه إلى الحاكم».
ولأن أحكام الملك نقصت 3 بالتزويج بها.
بل إنه يجب على الزوج نفقتها مدة إقامتها عنده وفطرتها.
قال: (وإن كان السيد فاسقاً أو امرأة فله إقامته في ظاهر كلامه.
ويحتمل أن لا يملكه).
أما كون السيد إذا كان فاسقاً له إقامة الحد على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن إقامة السيد لذلك ولاية مستفادة بالملك.
فلا ينافيها الفسق؛ كولاية نكاحها.
وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك الإقامة.
فاشترط فيه العدالة؛ كالإمام.

وأما كونه إذا كان 1 امرأة لها ذلك على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن السيد إنما يملك ذلك بالملك، وهو موجود في المرأة.
وأما كونها يحتمل أن لا تملكه؛ فلأنها في مظنة الدين.
أشبهت الفاسق.
قال: (ولا يملكه المكاتب.
ويحتمل أن يملكه).
أما كون المكاتب 2 لا يملك إقامة الحد على رقيقه على المذهب؛ فلأنه ليس من أهل الولاية.
ولأن ملكه على عبده ناقص، ولذلك لا تجب عليه الزكاة.
وأما كونه يحتمل أن يملكه؛ فلأن إقامة الحد في حق السيد مستفادة بالملك.
فملكه المكاتِب؛ كسائر تصرفاته.
قال: (وسواء ثبت ببينة أو إقرار.
وإن ثبت بعلمه فله إقامته.
نص عليه.
ويحتمل أن لا يملكه كالإمام).
أما كون الثبوت بالبينة والإقرار في إقامة السيد الحد سواء؛ فلأن كل واحد منهما حجة في ثبوت الزنى.
فوجب أن لا يختلف حال السيد فيه.
فلهذا للسيد أن يسمع إقراره ويقيم عليه الحد، وليس له أن يسمع البينة؛ لأن البينة تحتاج إلى بحث عن العدالة والسيد ليس من أهلها.
فعلى هذا إن ثبت ذلك على الحاكم أقام الحد، وإلا توقف على ثبوت الزنى عنده.
وقيل: إن كان السيد يعرف شرط العدالة؛ لأنه يلي إقامة الحد فيلي 3 سماع البينة مع الإقامة كالحد على رقيقه إذا ثبت بعلمه على منصوص الإمام.
ولأنه قد ثبت عنده.
أشبه ما لو أقر به عنده.
وأما كونه يحتمل أن لا يملكه؛ فلأن السيد أحد من يملك إقامة الحد.
فلم يملكه بعلمه؛ كالإمام.
وسيأتي دليله بعد إن شاء الله تعالى.

قال: (ولا يقيم الإمام الحد بعلمه.
ولا تقام الحدود في المساجد).
أما كون الإمام لا يقيم الحد بعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: 15]، وقال: ﴿فإذ 1 لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: 13].
ولأنه متهم في حكمه بعلمه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
وأما كون الحدود لا تقام في المساجد؛ فلما روى حكيم بن حزام «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى أن يُستقادَ في المساجد، وأن يُنشدَ فيه الأشعار، وأن تُقامَ فيه الحدود» 2. وروي عن عمر رضي الله عنه «أنه أُتي برجلٍ في منى فقال: أخرجاهُ من المسجدِ فاضرباه».
وعن علي رضي الله عنه «أنه أُتي بسارق فقال: يا قنبر! أخرجه من المسجد فاقطع يده».
ولأنه لا يؤمن أن يُحدث في المسجد إذا حد فيه فينجسه ويؤذيه.
قال: (ويُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلَق.
ولا يُمدّ ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه القميص والقميصان.
ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد.
ويُفَرّقُ الضربُ على أعضائه؛ إلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل).
أما كون الرجل يضرب في الحد قائماً؛ فـ «لأن علياً أمرَ بضربِ 3 الرجلِ قائماً» 4. ولأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب، وذلك مطلوب شرعاً؛ لما يأتي في قول المصنف رحمه الله: ويفرق الضرب على أعضائه.

وأما كون السوط لا جديد ولا خلق؛ فلأنه يروى «أن رجلاً اعترفَ عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى.
فدعى له بسوطٍ.
فأُتي به مكسوراً.
فقال: فوقَ هذا.
فأتي بسوطٍ جديد لم يُكسر.
فقال: بين هذين» 1. ولأن الغرض الإيلام دون الجرح، والجديد يجرح، والخَلَق لا يؤلم.
وأما كونه لا يمد ولا يربط ولا يجرد؛ فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مدّ يد أحد 2 ولا ربطها ولا جرّدها في الحد، وعن ابن مسعود: «ليس في ديننا مدٌ ولا قيدٌ ولا تجريد» 3. وأما كونه عليه القميص والقميصان؛ فلأن ذلك صيانة له عن التجريد.
مع أن ذلك لا يرد ألم الضرب، ولا يضر بقاؤهما عليه.
وأما كونه لا يبالغ في ضربه بحيث 4 يشق الجلد؛ فلأن الغرض تأديبه وزجره عن المعصية لا قتله، والمبالغة تؤدي إليه.
وأما كونه يفرّق الضربُ على أعضائه سوى الوجه والفرج وموضع المقتل؛ فلأن توالي الضرب على عضو واحد مما يؤدي إلى القتل.
وأما كونه لا يضرب رأسه ولا وجهه؛ فلأنه 5 روي عن علي رضي الله عنه: «أنه قال للجلاّد: اضرب وأوجِع.
واتَّقِ الرأسَ والوجه» 6. ولأنهما أجمل ما في الإنسان، وفي إصابة الضرب لهما خطر؛ لأنه 7 ربما عمي، أو ذهب عقله.
وأما كونه لا يضرب فرجه وموضع مقتله؛ فلأن الضرب في ذلك الموضع يؤدي إلى القتل وهو غير مأمور به بل مأمور بعدمه.

قال: (والمرأة كذلك؛ إلا أنها تضرب جالسة، وتشدُّ عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف).
أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأن الأصل كونها كالرجل إلا أن 1 يقوم دليل على التخصيص، ولا دليل عليه فيما عدا المواضع المستثناة.
فوجب كونها كالرجل.
عملاً بالأصل السالم عن المعارض.
وأما كونها تضرب جالسة وتشدّ ثيابها عليها وتمسك يداها؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله.
ولأن المرأة عورة.
ولأن فيما ذكر ستراً لها، وذلك مطلوب في نظر الشرع، وكذلك يشرع لها في الصلاة أن تجمع نفسها في الركوع والسجود، وفي الحديث عن علي رضي الله عنه: «تُضربُ المرأةُ جالسَة» 2. قال: (والجلد في الزنى أشد الجلد، ثم جلد القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
وإن رأى الإمام الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك).
أما كون جلد الزنى أشد الجلد ثم القذف ثم التعزير... إلى آخره؛ فلأن 3 عدده أكثر.
فكذلك يجب أن تكون صفته.
وأما كون جلد القذف أشد من الشرب؛ فلأن جلد القذف متفق عليه في العدد والضرب بالسوط، وجلد الشرب مختلف فيه في ذلك.
ولأن 4 جلد القذف جلد 5 لجناية على آدمي ولحق 6 الله تعالى، وجلد الشرب جلد بجناية 7 على حق الله فقط.

وأما كونه أشد من التعزير؛ لأنه أشد من الشرب لما تقدم، والشرب أشد من التعزير؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما كون 1 جلد الشرب أشد من التعزير؛ فلأن التعزير لا يزيد على عشرة أسواط على الصحيح.
بخلاف الشرب.
وأما كون الإمام له الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال إذا رأى ذلك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بشاربٍ.
فقال: اضربوه.
فضُرب بالأيدي والنعالِ وأطرافِ الثيابِ وحثوا عليه التراب» 2. قال 3: (قال أصحابنا: ولا يؤخر الحد للمرض.
فإن كان جلداً وخشي عليه من السوط أقيم بأطراف الثياب والعثكول.
ويحتمل أن يؤخّر في المرض المرجو زواله).
أما كون الحد لا يؤخر لأجل المرض على قول الأصحاب؛ فلأن الله تعالى أوجب الجلد.
فلم يجب تأخير ما أوجبه الله تعالى.
ولأن عمر رضي الله عنه أقامَ الجلد على قدامة وهو مريض 4. وأما كونه يقام بأطراف الثياب والعثكول إذا كان المريض 5 جلداً وخشي عليه من السوط؛ فلما روى أبو أمامة بن سهل عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أُضنيَ فعادَ جلداً على عظم.
فدخلتْ عليه جاريةٌ لبعضهم فوقعَ عليها.
فلما دخلَ عليه رجال قومه يعودونَهُ أخبرهم بذلك.

فقال 1: استفتُوا لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.
فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الضر مثلَ ما 2 هو به.
لو حملناهُ إليك لتفسَّخَتْ 3 عظامُهُ ما هوَ إلا جلدٌ 4 على عظمٍ.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له [مائة] شمراخٍ 5 فيضربوهُ بها 6 ضربة» 7. وأما كونه يحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله؛ فلأن في التأخير استيفاء الحد على وجه الكمال من غير خوف فواته.
وبه فارق المريض المرض الذي لا يرجى زواله؛ لأنه يخاف فوات الحد.
قال: (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله.
فإن زاد سوطاً أو أكثر فتلف ضمنه.
وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين).
أما كون المحدود إذا مات في جلده فالحقّ قتله؛ فلأنه روي عن علي أنه قال: «ليسَ أحدٌ أقيمُ عليه حداً فأجد في نفسي شيئاً أن الحقَ قتلهُ؛ إلا حدَّ الخمرِ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّهُ لنا» 8. ولأنه حد وجب لله.
فلم يجب ضمان من مات به على أحد؛ لكونه غير القاتل حكماً.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله عام، وكلام عليّ غير عام؛ لأنه أخرج حد الخمر.
قيل: ما أخرجه من أن الحق قتله، وإنما أخرجه من الوجدان النفساني، وذلك لا ينفي أن الحق قتله.

وأما كونه يضمنه مَن حدَّهُ إذا تلف بزيادة في الحد؛ فلأنه [تلف بتعديه من حده.
أشبه ما لو قتله.
وأما كونه يضمن جميعه على وجه؛ لأنه] 1 تلف تلفاً بأمر حصل من جهة الله تعالى وعدوان آدمي.
فكان ضمان جميعه على الآدمي؛ كما لو ضرب مريضاً سوطاً فقتله.
وأما كونه يُضمن بنصف الدية على وجه؛ فلأنه مات من فعل مضمون [وغير مضمون] 2. فكان عليه نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات.
قال: (وإذا كان الحد رجماً لم يحفر له.
رجلاً كان أو امرأة في أحد الوجهين، وفي الآخر: إن ثبت على المرأة بإقرارها لم يحفر لها، وإن ثبت ببينة حُفر لها إلى الصدر).
أما كون الرجل لا يحفر له إذا كان الحد رجماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز.
قال أبو سعيد: «لما أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجمِ ماعز خرجنا به إلى البقيع.
فواللهِ! ما حفرنا لهُ ولا أوثقناهُ ولكنهُ قامَ 3 لنا» 4. رواه أبو داود.
وأما كون المرأة إذا ثبت زناها بإقرارها لا يحفر لها؛ فلأن رجوعها عن إقرارها مقبول، والحفر يمنعها من الهرب الذي هو في معنى الرجوع قولاً.
وأما كونها إذا ثبت زناها ببينة لا يحفر لها في وجهٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجُهَنِيّة لما رجمها.
وأما كونها يحفر لها إلى الصدر على وجه؛ فـ «لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر» 5. رواه أبو داود.
ولأن الحفر أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من الهرب.
بخلاف من أقرّت.

والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن أكثر الأحاديث على ترك الحفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية لما رجمها، ولا لماعز، ولا لليهودي.
وأما الحديث المتقدم ذكره فلا يدل على موضع الغرض؛ لأن الحد على المرأة المذكورة ثبت عليها بإقرارها والحفر لا يشرع مع 1 الإقرار.
قال: (ويستحب أن يَبدأ الشهود بالرجم.
وإن ثبت بالإقرار استحب أن يبدأ الإمام).
أما كون الشهود يستحب لهم أن يبدؤا بالرجم إذا ثبت بهم؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا قامتِ البينةُ رجمتِ البينةُ ثم رجمَ الناس» 2. وأما كون الإمام يستحب له أن يبدأ بالرجم إذا ثبت بالإقرار؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «إذا ظهرَ الحبلُ من الزنى كان أولُ من يرجم الإمام ثم الناس» 3، وفي حديث أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمَ امرأةً فحفرَ لها إلى الصدر.
ثم رماها بحصاةٍ مثل الحِمِّصَةِ.
ثم قال: ارمُوا واتَّقُوا الوجْه» 4. قال: (ومتى رجع المقر بالحد عن إقراره قُبل منه.
وإن رجع في أثناء الحد لم يُتَمّم).
أما كون المقر بالحد إذا رجع عن إقراره يقبل منه؛ فلما روي عن بريدة قال: «كنا أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نتحدثُ أن الغامديةَ وماعز بن مالكٍ لو رجعَا بعدَ اعترافهِمَا [أوْ قالَ: لو لم يرجعا بعد اعترافهمَا] 5 لم يَطلُبْهُمَا الحدّ.
وإنما رجمهُمَا عندَ الرابعة» 6. رواه أبو داود.

ولأن الرجوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وبه فارق سائر الحقوق؛ لأنه لا يدرأ بالشبهة.
وأما كون الحد لا يُتَمّم إذا رجع المحدود في أثنائه؛ فلأن جميع الحد يسقط بالرجوع.
فلأن يسقط تمامه بطريق الأولى.
ولأن المقر لو هرب لم يتمم حده؛ لما يأتي.
فلأن لا يتم حد الراجع عن إقراره بطريق الأولى.
قال: (وإن رُجم ببينة فهرب لم يُترك، وإن كان بإقرار تُرك).
أما كون من رُجم ببينة فهرب لا يُترك؛ فلأنه ثبت عليه على وجه ليس له الرجوع فيه بالقول، وذلك يقتضي أنه لا يترك.
ضرورة استيفاء الحق الواجب عليه الذي لا يقبل الإسقاط فيه بوجه.
وأما كون من رُجم 1 بإقرار فهرب يترك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت الصحابة له هرب 2 ماعز قال: هلاّ تركتُمُوه» 3. ولأن الهرب 4 رجوع في المعنى، والرجوع شبهة يُدرأ بها الحد.

فصل [إذا اجتمعت حدود لله تعالى] قال المصنف رحمه الله: (وإذا اجتمعت حدودٌ لله تعالى فيها قتل استوفي وسقط سائرها.
وإن لم يكن فيها قتل: فإن كانت من جنس؛ مثل: إن زنى، أو سرق، أو شرب مراراً أجزأ 1 حد واحد.
وإن كانت من أجناس استوفيت كلها.
ويُبدأ بالأخف فالأخف).
أما كون من اجتمعت عليه حدودٌ لله فيها قتل؛ مثل: إن شرب وسرق وزنى وهو محصن يُستوفى منه القتل ويسقط سائرها؛ فلأنه قول ابن مسعود.
ولا مخالف له في الصحابة.
ولأن أسباب الحدود إذا كان فيها موجب للقتل سقط ما دونه.
دليله المحارب إذا أخذ المال وقتَل فإنه يُقتل ولا يُقطع.
ولأن الحدود تراد للزجر، ومن يُقتل لا فائدة في زجره.
وأما كون من اجتمعت عليه حدود لله لا قتل فيها وكانت من جنس واحد؛ مثل: إن زنى ثم زنى، أو شرب ثم شرب 2 يجزئ حد واحد؛ فلأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد.
ولأن الواجب هنا من جنس واحد.
فوجب التداخل فيه؛ كالكفارات.
وأما كون الحدود من أجناس تستوفى كلها؛ فلأن التداخل إنما 3 يمكن فيما كان من جنس واحد، وهذه من أجناس.
وأما كون الأخف فالأخف من ذلك يُبدأ به؛ فلأن في ذلك تدريجاً.
فعلى هذا يُبدأ بالجلد في الشرب ثم بالجلد في الزنى؛ لأن الأول أخف من الثاني.

قال: (وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها.
سواء كان فيها قتل أو لم يكن.
ويبدأ بغير القتل).
أما كون حقوق الآدميين تستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن؛ فلأنها حقوق الآدميين يمكن استيفاؤها كلها.
فوجب؛ كسائر حقوقهم.
فإن قيل: لم اكتفي بالقتل في حقوق الله تعالى؟ قيل: لأن حقوق الله مبنية على السهولة.
بخلاف حق 1 الآدمي فإنه مبني على الضيق والشح.
وأما كونها يبدأ فيها بغير القتل؛ فلأن البداءة بالقتل يفوت استيفاء باقي الحقوق.
فلم يجز؛ لما فيه من تفويت الحق الواجب.
قال: (وإن اجتمعت مع حدود الله 2 بُدئ بها؛ فإذا زنى وشرب وقذف وقطع يداً قطعت يده أولاً، ثم حد للقذف ثم للشرب ثم للزنى، ولا يستوفى حد حتى يبرأ من الذي قبله).
أما كون من اجتمعت عليه حقوق آدميين مع حدود الله يبدأ فيها بحقوق الآدميين؛ فلأن حقوق الآدميين مبنية على الشح والضيق، وحقوق الله مبنية على السهولة.
وأما كون من زنى وشرب وقذف وقطع يداً تقطع يده قصاصاً أولاً؛ فلأنه متمحض لآدمي.
[بدليل سقوطه بإسقاطه.
وأما كونه يحد للقذف ثانياً؛ فلأنه مختلف في كونه لآدمي] 3. بخلاف حد الزنى والشرب.
وأما كونه يحد للشرب ثالثاً؛ فلأنه أخف.
وأما كونه يحد للزنى رابعاً؛ فلأنه أشد الحدود.
وأما كونه لا يستوفى حد من جميع ما ذكر حتى يبرأ من الذي قبله؛ فلئلا تتوالى عليه الحدود فتؤدي إلى تلفه، وليس ذلك مطلوباً في الحد.

فصل [فيمن أتى حداً في الحرم] قال المصنف رحمه الله: (ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه 1 لم يستوف منه فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه.
وإن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه).
أما كون من قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه لا يُستوفى منه في الحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران: 97].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرمَ مكةَ يوم خلقَ السمواتِ والأرض، وإنما أُحلّتْ لي ساعةً من نهار ثم عادتْ إلى حرمتِها.
فلا يُسفك فيها دم» 2، وفي لفظ: «فلا يحلُ لامرئ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها دَماً» 3 متفق عليه.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحرمُ لا يُعيذُ عَاصِياً ولا فَارًّا بدمٍ ولا بِخَرْبَة (4») 5. وروي عنه 6 «أنه قتلَ ابن خطلٍ وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبَة» 7 حديث حسن صحيح.4

قيل: ما روي من الحديث من كلام عمرو بن سعيد فإن 1 أبا شريح الخزاعي لما روى الحديث المتقدم ذكره قال له عمرو: «وأنا أعلمُ بذلكَ منكَ إن الحرمَ لا يُعيذُ... إلى آخره» 2 فلا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قتل ابن خطل فقد تقدم التنبيه عليه حيث قال: «إن الله أذنَ لي ولم يأذنْ لأحد» 3. وأما كونه لا يُبايع ولا يُشارى حتى يخرج فيقام عليه؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: «من أصابَ حداً ثم لجأَ إلى الحرم؛ فإنه لا [يجالس ولا] 4 يبايع ولا يشارَى [ولا يُؤْوَى] 5، ويأتيه الذي يطلبهُ فيقول: يا فلان! اتقِ الله.
فإذا خرجَ من الحرمِ أُقيمَ عليهِ الحد» 6. رواه الأثرم.
ولأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاء له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.
وأما كون من فعل ذلك في الحرم يستوفى منه فيه؛ فلأنه روي عن ابن عباس 7 أنه قال: «من أحدَثَ حدثًا في الحرمِ أُقيمَ عليه ما أحدَث» 8. ولأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قاتل فيه فقال تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: 191]. ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي؛ حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم كما يحتاج إليه غيرهم.
فلو لم يُشرع الحد على من ارتكبه في الحرم لتعطلت حدودُ الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.

قال: (وإن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه).
أما كون من أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو؛ فلأنه لا يؤمن أن يغضب فيؤديه غضبه إلى أن يرتد إلى الكفر.
وأما [كونه يقام عليه إذا رجع إلى دار الإسلام؛ فلأن ما فعله يوجب الحد.
تعذر استيفاؤه] 1 في أرض العدو؛ لما 2 تقدم.
فإذا زال ذلك وجب أن يقام عليه.
عملاً بالمقتضي له السالم عن المعارض المذكور.

باب حد الزنى

الزنى حرام.
وهو من الكبائر العظام بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: 32].
وقال تعالى: ﴿والذين لا يَدْعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا? يضاعفْ له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ [الفرقان: 68 - 69]. وروى عبدالله قال: «سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نداً وهو خلقك.
قال: ثم أيّ 1؟ قال: أن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يَطعَمَ معك.
قال: ثم أيّ 2؟ قال: أن تزني بحليلةِ جارك» 3. قال المصنف رحمه الله: (إذا زنى الحر المحصن فحدُّه الرجم حتى يموت.
وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين).
أما كون الحر المحصن إذا زنى حده الرجم حتى يموت؛ فلما روي عن عمر ابن الخطاب أنه قال: «إن الله بعثَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأنزلَ عليه الكتابُ.
فكان فيما أُنزل عليه آية الرجم، فقرأتُها وعقلتُها ووعيتُها.
ورجمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.
فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل: ما نجدُ الرجمَ في كتاب الله فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى 4. فالرجم حقٌ على من زنى إذا 5 أحصنَ من

النساء والرجال إذا كانت قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف.
وقد قرأتها: الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتة» 1. وأما كونه يُجلد قبل الرجم على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2] ثم جاءت السنة بالرجم.
فوجب الجمع بينهما.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والثيبُ بالثيبِ الجلدُ والرجم» 2. وأما كونه لا يجلد على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً ولم يجلده 3. وقال: «اغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 4، ولم يأمره بجلدها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية ولم يجلدها 5، ورجم عمر وعثمان رضي الله عنهما ولم يجلدا.
ولأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه.
فإن قيل: لم قُيد ما ذكر بالحر والمحصن، والأدلة المذكورة عامة في الحر والعبد، وبعضها عام في المحصن وغيره؟ قيل: لأن حد العبد على النصف من الحر لما يأتي، وغير المحصن لا رجم عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرّق بين الثيب والبكر حيث قال: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائةٍ والرجم» 6 ولو وجب رجم البكر لذكره في الثيب.

قال: (والمحصن من وطئ امرأته في قُبُلِها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط من ذلك في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما، ولا يثبت الإحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاح فاسد).
أما كون المحصن من وطئ امرأته؛ فلأن من وطئ امرأته وطئ في نكاح، والنكاح 1 يسمى إحصاناً بدليل قوله تعالى: ﴿والمحصناتُ من النساء﴾ [النساء: 24] أي المنكوحات.
بخلاف من وطئ أمته أو أجنبية فإن ذلك وطئ لا في نكاح فلا يطلق على فاعله أنه محصن.
وقيد 2 وطء المرأة بكونه في قُبُلها؛ لأن ذلك هو الوطء الذي يعتد 3 على فعله وتصير المرأة ثيباً لا بدونه، وقد 4 دل قوله عليه السلام: «الثيبُ بالثيبِ» على اعتبار الثيوبة.
وقيد بكونه في نكاح صحيح؛ لأن الفاسد وجوده كعدمه.
وأما كونه من وطء كما تقدم، وهو وامرأته بالغان عاقلان حران: أما كون البلوغ والعقل شرطاً؛ فلأن الإحصان يوجب الرجم، والصبي والمجنون 5 [لا حد عليهما؛ لقوله عليه السلام: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق... » 6] 7. فإن قيل: ما ذكر يدل على اشتراطهما فيمن يرجم فكيف يشترطان [بالنسبة إليهما؟ قيل: لأنهما شرط بالنسبة إلى من يرجم إجماعاً.
فوجب أن يكون شرطاً] 8 بالنسبة إليهما.
قياساً لأحد الموضعين على الآخر.

ولأن نقص أحد الزوجين يمنع كمال الوطء.
فوجب أن لا يحصل معه الإحصان؛ كما لو كان الزوجان غير كاملين.
وأما كون الحرية شرطاً؛ فلما يأتي من أن العبد حده خمسون جلدة.
والكلام في حرية الموطوءة كالكلام 1 في بلوغها وعقلها.
وأما كونه لا إحصان لواحد منهما إذا اختل شرط [مما ذكر في أحدهما؛ فلأن ما كان معلقاً على شرط لا يوجد بدونه.
فإذا اختل شرط] 2 لم يكن موجوداً.
فلم يوجد المشروط 3؛ لانتفاء شرطه.
وأما كون الإحصان لا يثبت بالوطء بملك اليمين ولا في نكاح فاسد؛ فلما تقدم ذكره قبل.
قال: (ويثبت الإحصان للذميين.
وهل تحصن الذمية مسلماً؟ على روايتين.
ولو كان لرجل ولد من امرأته فقال: ما وطئتها لم يثبت إحصانه).
أما كون الإحصان يثبت للذميين؛ فـ «لأن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً وامرأة منهم زنيا... وذكر الحديث.
فأمر بهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرُجما» 4 متفق عليه.
ولأن الجناية بالزنى استوت بين المسلم والذمي.
فوجب أن يستويا في الحد.
وأما كون الذمية تحصن مسلماً على روايةٍ؛ فلأن الذمية تحصن الذمي لما تقدم.
فوجب أن تحصن المسلم بالقياس عليه.
وأما كونها لا تحصنه على روايةٍ؛ فلأن الإحصان من شرطه الحرية.
فكان من شرطه الإسلام؛ كإحصان القذف.
وأما كون الرجل إذا كان له ولد من امرأته فقال: ما وطئتها لا يثبت إحصانه؛ فلأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقته.
فلم يلزم من الولد ثبوت الإحصان.

قال: (وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً إلى مسافة القصر.
وعنه: أن المرأة تنفى إلى دون مسافة القصر).
أما كون من ذكر يجلد مائة ويغرب عاماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام» 1. رواه مسلم.
فإن قيل: الأدلة المذكورة عامة 2 في الحر والعبد والمحصن وغير المحصن.
قيل: يخرج من ذلك العبد؛ لما يأتي، والمحصن؛ لما تقدم.
ويبقى فيما عداهما على مقتضاه.
ولأن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك بالحر غير 3 المحصن وانتشر، ولم يعرف لهم مخالف.
فكان إجماعاً.
وأما كون تغريب الرجل إلى مسافة القصر؛ فلأن ما دون ذلك في حكم الحضر.
وأما كون تغريب المرأة كذلك على المذهب؛ فلما ذكر في الرجل.
وأما كونها تنفى إلى دون مسافة القصر على روايةٍ؛ فلتقرب من أهلها فيحفظوها.
قال: (ويُخرج مع المرأة محرمها فإن أراد أجرة بُذلت من مالها.
فإن تعذر فمن بيت المال.
فإن أبى الخروج معها استؤجرت امرأة ثقة.
فإن تعذر نفيت بغير محرم.
ويحتمل أن يسقط النفي).
أما كون المرأة يُخرج معها محرمها؛ فلأنه سفر واجب.
فأخرج معها محرمها؛ كسفر الحج.
وأما كون أجرة محرمها تبذل من مالها إذا أرادها؛ فلأن ذلك من مؤونة سفرها.
أشبه مركوبها ونفقتها.

وأما كونها من بيت المال إذا تعذر من مالها؛ فلأن فيه مصلحة لها.
فوجب كونها من بيت المال عند تعذره من مالها؛ كنفقة نفسها.
وأما كون امرأة ثقة تستأجر إذا أبى المَحرم الخروج معها؛ فلأنه لا بد من شخص يكون معها من أجل حفظها، والأجنبي يخاف عليها منه.
فلم يكن بد من امرأة ثقة؛ ليحصل المقصود من الحفظ.
وأما كونها تنفى بغير محرم إذا تعذر استئجار المرأة الثقة على المذهب؛ فلأنه سفر لا سبيل إلى تأخيره.
أشبه سفر الهجرة 1 من بلد الكفر، والحج إذا مات المَحرم في الطريق.
وأما كون النفي يحتمل أن يسقط؛ فلأن المحرم إذا لم يوجد في الحج لا تسافر.
فكذلك هاهنا.
قال المصنف رحمه الله: هذا -يعني الإحتمال المتقدم ذكره- اللائق بالشريعة.
فإن نفيها بغير محرم إغراء لها بالفجور وتعريض لها للفتنة.
فإن قيل: فما تصنع بعموم حديث التغريب؟ قيل: يخص بعموم قوله عليه السلام: «لا يحلُ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر أن تُسافرَ مسيرةَ ليلةٍ إلا مع ذي محرم» 2. قال: (وإن كان الزاني رقيقاً فحده خمسون جلدة بكل حال، ولا يغرب).
أما كون الزاني إذا كان رقيقاً حده خمسون جلدة؛ فلما روي عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: «سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمةِ إذا زنت ولم تحصن؟ قال: إذا زنتْ فاجلدوها، ثم إن زنتْ فاجلدوها، ثم إن زنتْ فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضَفِير (3») 4.3

وأما كونه حدّه ذلك بكل حال مزوجاً كان أو غير مزوج؛ فلعموم الحديث المذكور.
وأما كونه لا يغرّب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في الحديث المذكور بجلد الأمة الزانية ولم يذكر أنها تغرّب.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنتْ أمةُ أحدكم فليحُدَّها ولا يعيرها ثلاث مرار 1. فإذا عادت الرابعة فليجلدها، وليبعها بضفير 2 أو بحبلٍ من شَعر» 3. ولو كانت تغرب لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الأول؛ لأنه سُئل عن حكمها، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما نفاه في الثاني.
ولأن المملوك مشغول في خدمة السيد، وفي تغريبه ضياع لحق السيد من غير جناية منه.
ولأن الشارع أسقط الجمعة عن العبد لأجل حق السيد.
فلأن يسقط التغريب عنه بطريق الأولى.
قال: (وإن كان نصفه حراً فحده خمس وسبعون جلدة وتغريب نصف عام.
ويحتمل أن لا يغرب).
أما كون من نصفه حر حده خمس وسبعون جلدة؛ فلأن أرش جراحه على النصف من الحر، والنصف من العبد.
فكذلك حده.
وحد الحر غير المحصن مائة فنصفها خمسون.
وحد العبد خمسون فنصفها خمس وعشرون فإذا ضممت نصفي الحدين كان خمساً وسبعين.
وأما كونه يغرب نصف عام على منصوص الإمام أحمد رحمه الله عليه؛ فلأن الحر 4 تغريبه عام، والعبد لا تغريب عليه فنصف الواجب من التغريب نصف عام.

وأما كونه يحتمل أن لا يغرّب؛ فلأن حق سيد بعضه يقتضي بقاءه في بلده ليتمكن من الانتفاع بحصته.
فغلب حقه على التغريب؛ لما في حق السيد من التأكيد.
قال: (وحد اللوطي كحد الزاني 1 سواء.
وعنه: حده الرجم بكل حال).
أما كون حد اللوطي كحد الزاني على روايةٍ؛ فلأنه زان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان» 2. ولأنه إيلاج في فرج.
أشبه الإيلاج في فرج المرأة.
فعلى هذا إن كان محصناً رُجم، وإن كان غير محصن وهو حر جُلد مائة وغُرّب عاماً، وإن كان عبداً جُلد مائة من غير تغريب.
وأما كون حده الرجم بكل حال محصناً كان أو غير محصن على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجدتموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به» 3. رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فارجموا 4 الأعلى والأسفل» 5. ولأن الله تعالى عذَّبَ قوم لوط بالرجم فيجب أن يُعذبَ من فعلَ مثل فعلهم بمثل عذابهم؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل دليل على تغيره 6. قال: (ومن أتى بهيمة فعليه حد اللوطي عند القاضي.
واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر.
وتقتل البهيمة.
وكره أحمد أكل لحمها.
وهل يحرم؟ على وجهين).
أما كون من أتى بهيمة عليه حد اللوطي عند القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى بهيمةً فاقتلوهُ واقتلُوها [معه» 7. رواه أبو داود.

وأما كونه يعزر على اختيار الخرقي وأبي 1 بكر؛ فلأنه وطء محرم لا حد فيه] 2. وذكر المصنف رحمه الله في المغني هذين الوجهين روايتين.
وأما كون البهيمة تقتل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واقتلُوها معه» 3. وأما كون الإمام أحمد كره أكل لحمها إن كانت مأكولة؛ فلاختلاف الناس في حِلّ الأكل.
وأما كونه يحرم على وجه؛ فلأنه لحم حيوان وجب قتله لحق الله تعالى.
فحرم أكله؛ كالفواسق الخمس.
وأما كونه لا يحرم على وجه؛ فلقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [المائدة: 1].
مع سائر العمومات.
ولأنه لحم حيوان يجوز أكله إذا ذبحه من هو من أهل الذكاة.
فحل أكله؛ كغيره.

فصل [في شروط حد الزنى] قال المصنف رحمه الله: (ولا يجب الحد 1 إلا بشروط ثلاثة: أحدها: أن يطأ في الفرج سواء كان قبلاً أو دبراً، أو أقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج.
فإن وطئ دون الفرج أو أتت المرأةُ المرأةَ فلا حد عليهما).
أما كون الحد لا يجب إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها أن يطأ في الفرج؛ فلما روي «أن رجلاً جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني نِلْتُ من امرأةٍ حراماً ما ينالُ الرجل من امرأتهِ إلا الجماع.
فقال: استغفرِ الله وتوضأ» 2. أمره بالاستغفار ولم يوجب عليه حداً.
وأما كون الوطء في الفرج يوجب ذلك سواء كان قبلاً أو دبراً؛ فلأن الدبر إن كان من غلام فالوطء فيه موجب للحد لما مر من قوله: وحد اللوطي كحد الزاني، وإن كان من امرأة فهو أيضاً زنى وفيه حده؛ لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها ولا شبهة.
فكان زنى؛ كالوطء في القُبُل.
ولأنه وطء في دبر.
أشبه دبر الرجل.
ولا بد أن يلحظ أن الموطوءة في دبرها ليست زوجته ولا أمته.
فإن كانت إحداهما فلا حد عليه مع كونه حراماً.
وسيأتي تعليل ذلك في قوله: أو وطئ امرأته 3 في دبرها.

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: انتفاء الشبهة.
فإن وطئ جارية ولده أو جارية له فيها شِرْك أو لولده، أو وجد امرأة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو دعى الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها، أو وطئ في نكاح مختلف في صحته، أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها، أو لم يعلم بالتحريم لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة، أو أكره على الزنى: فلا حد فيه.
وقال أصحابنا: إن أكره الرجل فزنى حُدَّ).
أما كون الثاني من شروط وجوب الحد انتفاء الشبهة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرءوا الحدودَ بالشبهات» 1. وأما كون من وطئ جارية ولده لا حد فيه؛ فلوجود الشبهة له فيها.
بيان الشبهة قوله صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 2، وجارية الابن من ماله.
وأما كون من وطئ جارية له فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الوطء في ذلك وطء في فرج له فيه ملك.
أشبه وطء المكاتبة والمرهونة.
ولأن ملك بعضها شبهة.
فوجب أن يدرأ به الحد؛ لما تقدم من الحديث 3

وأما كون من وطئ 1 جارية لولده فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الشِّرْك في إسقاط 2 الحد كملك الكل، ولو وطئ جارية ولده لم يحد.
وأما كون من وطئ امرأة وجدها على فراشه ظنها امرأته أو جاريته لا حد فيه؛ فلأن الواطئ هنا اعتقد إباحة الوطء بما يعذر مثله فيه.
أشبه ما لو زُفَّتْ إليه غير زوجته، وقيل له: هذه زوجتك.
ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة.
وأما كون الضرير إذا دعى امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها لا حد فيه؛ فلأنه في معنى من وجد امرأة على فراشه فظنها زوجته، والتساوي معنى يوجب التساوي حكماً.
وأما كون من وطئ في نكاح مختلف فيه؛ كنكاح المتعة والشِّغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح المجوسية والوثنية: لا حد فيه؛ فلأن الاختلاف شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون من وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها لا حد فيه؛ فلأن له في ذلك شبهة من حيث إنه يملك وطئها في الجملة.
وأما كون من زنى ولم يعلم بالتحريم؛ لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة: لا حد فيه؛ فلأنه وطئ ظانًّا حلّ الوطء بما يعذر في مثله.
فلم يكن فيه حد؛ كما لو وجد امرأة على فراشه وظنها زوجته فوطئها.
وأما كون المرأة إذا أكرهت على الزنى لا حد فيه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 3. ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل.
وأما كون الرجل إذا أُكره على ذلك لا حد فيه على اختيار المصنف؛ فلما تقدم في المرأة.

وأما كونه يحد على قول أصحابنا؛ فلأن الإكراه في حقه غير متصور؛ لأن الوطء لا يتم إلا بانتشار إليه، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
قال: (وإن وطئ ميتة أو ملك أمه أو أخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين).
أما كون من وطئ ميتة يحد على وجه؛ فلأنه وطء حرام يوجب الغسل.
فيوجب الحد؛ كالحية 1. وأما كونه يُعَزّر على وجه؛ فلأنه لا يجب به الحد؛ لأنه وطء لا يجب به المهر، ولا يشتهى مثله عادة.
فلا يجب به الحد؛ كوطء البهيمة، وإذا لم يجب الحد يعزر؛ لأنه وطء حرام لا حد فيه ولا كفارة.
أشبه وطء البهيمة.
وأما كون من ملك أمّهُ أو أخته من الرضاع فوطئها يُحدّ على وجه؛ فلأنه وطء في فرج لا يستباح بحال.
فأوجب الحد؛ كوطء الغلام.
وأما كونه يعزر على وجه فلأنه لا يحد؛ لأنه وطء في بضع مملوك له.
بدليل أنه يملك المعاوضة عليه بعقد النكاح.
فلم يوجب الحد؛ كوطء الجارية المشتركة.
ولأنه وطء اجتمع فيه موجب ومسقط، والحدود مبنية على الدرء والإسقاط.
فإذا لم يحد يعزر؛ لأنه وطء حرام لا حد فيه ولا كفارة.

قال: (وإن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه؛ كنكاح المزوجة والمعتدة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع، أو استأجر امرأة للزنى أو لغيره وزنى 1 بها، أو زنى بامرأة له عليها القصاص، أو بصغيرة أو مجنونة أو بامرأة ثم تزوجها، أو بأمة ثم اشتراها، أو أمكنت العاقلة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها: فعليهم الحد).
أما كون من وطئ في نكاح مجمع على بطلانه عليه الحد؛ فلأنه وطء لم يصادف ملكاً ولا شبهة ملك فأوجب الحد عملاً بالنصوص المقتضية له السالمة عن معارضة الملك والشبهة.
وفي الأثر «أن عمرَ رضي الله عنه رُفع إليه امرأة تزوجت في عدتِها.
فقال: هل علمتُما؟ فقالا: لا.
فقال: لو علمتُما لرجمتُكُما» 2، ونكاح غير المعتدة من الأنكحة المجمع على بطلانها في معنى نكاح المعتدة؛ لاشتراك الكل في الإجماع على بطلانه.
ولأنه إذا وجب الحد بوطء المعتدة في نكاح.
فلأن يجب الحد بوطء المزوجة في النكاح بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كنكاح المعتدة والمزوجة والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع؛ فبيان لصور من صور النكاح المجمع على بطلانها وتعداد لها.
وأما كون من استأجر امرأة للزنى أو لغيره عليه الحد إذا زنى بها؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة﴾ [النور: 2].
وعموم سائر الأخبار.
ولأن المعنى الذي وجب عليه الحد موجود هاهنا.
فوجب أن يجب عملاً بالمقتضي لذلك.

وأما كون من زنى بامرأةٍ له عليها القصاص عليه الحد؛ فلأن استحقاق قتلها لا يوجب إباحة وطئها ولا يؤثر فيه شبهة.
فوجب أن يجب الحد عملاً بالنصوص الدالة على وجوبه على الزاني.
وأما كون من زنى بصغيرة أو مجنونة عليه الحد؛ فلأن الواطئ من أهل وجوب الحد وقد فعل ما يوجبه.
فوجب أن يترتب عليه موجبه عملاً لمقتضي 1 ذلك.
وأما كون من زنى بامرأة ثم تزوجها أو أمة ثم اشتراها عليه الحد؛ فلأن الملك وُجد بعد وجوب الحد.
فلم يسقط؛ كما لو سرق نصاباً ثم ملكه لم يسقط عنه القطع.
فكذا هاهنا.
وأما كون العاقلة إذا أمكنت منها مجنوناً أو صغيراً فوطئها عليها الحد؛ فلأن سقوط الحد عن أحد الواطئين لمعنى يخصه.
فلا يوجب سقوطه عن الآخر؛ كما لو زنى المستأمن بمسلمة.

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يثبت الزنى.
ولا يثبت إلا بشيئين: أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد).
أما كون الثالث من شروط وجوب الحد أن يثبت الزنى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 1. وقال عمر رضي الله عنه: «إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينةُ، أو كان الحبلُ، أو الاعتراف» 2. ولأنه حق.
فلا يترتب عليه موجبه بغير ثبوت؛ كسائر الحقوق.
وأما كون الزنى لا يثبت إلا بشيئين هما إقرار وشهادة؛ فلأنه يترتب عليه حكم شرعي.
فلا يثبت إلا بذلك؛ كسائر الأشياء.
وأما كون أحد الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يقر بالزنا؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الرجم على الإقرار حيث قال: «فإن اعترفتْ فارجمها» 3، وفي حديث عمر: «أو كان الاعتراف» 4. وأما كون الإقرار أربع مرات؛ فلما روى أبو هريرة قال: «أتى رجلٌ من الأسلميين 5 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه فتنحّى تلقاء وجهه.
فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه فتنحّى 6

تلقاء وجهه.
فقال: يا رسول الله! إني زنيتُ.
فأعرضَ عنه حتى ثنَّى ذلك عليه 1 أربع مرات.
فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات دعاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا.
قال: فهل أحصنتَ؟ قال: نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجموه» 2 متفق عليه.
ولو وجب الحد بأقل من أربع شهادات لرتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم عليه؛ لأنه لا يجوز ترك حد لله تعالى.
وفي حديث نُعيم بن هزَّال: «أنه قالها أربع مرات.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكَ قُلتَها أربعَ مرات» 3. رواه أبو داود.
وهذا يدل على أن الإقرار الأربعة هي الموجبة.
وفي حديث أبي بردة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم: [«إن أقررتَ أربعاً رجمكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم» 4] 5. وفيه وجهان من الدلالة: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ما ذكره ولم ينكره.
فكان بمنزلة قوله؛ لأنه لا يُقر على الخطأ.
وثانيهما: أنه إنما قال ذلك؛ لأنه علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو لم يعلم لما تجاسر على مثل قوله بين يديه.
فإن قيل: فقد تقدم قوله عليه السلام: «فإن اعترفتْ فارجمها» 6، وفي حديث عمر: «أو الاعتراف» 7. والاعتراف 8 يحصل بالمرة.

قيل: الاعتراف مصدر يقع على المرة والمرات.
فيجب حمله على المرات المقدم ذكرها؛ لما فيه من الجمع بين الحديثين.
وأما كون الإقرار أربع مرات يُثبت الزنى في مجلس كان أو مجالس؛ فلعموم ما تقدم.
وأما كون المُقر يُقر وهو بالغ عاقل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق... » 1، وفي قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أقر: «أبكَ جنون؟ قال: لا» 2، وفي حديث ابن عباس قال: «أتي عمر رضي الله عنه بمجنونة قد زنتْ فاستشارَ فيها أناساً.
فأمر بها عمر رضي الله عنه أن ترجم.
فمرّ بها على ابن أبي طالب قال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان أمرَ بها عمر أن تُرجم.
فقال: أرجعوها.
ثم أتاهُ فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمتَ أن القلمَ قد رُفع عن ثلاثة؟ عن المجنون حتى يُفيق قال: بلى.
قال: فما بالُ هذه؟ [قال: لا شيء] 3 قال: فأرسِلْها.
قال: فجعل يكبِّر» 4. رواه أبو داود.
وأما كونه يصرّح في إقراره بذكر حقيقة الوطء؛ فلأن الزنى يعبر به عما ليس بموجب للحد.
فلم يكن بد من ذكر حقيقة الزنى؛ لتزول الشبهة النافية لوجوب الحد.
وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز: «لعلك قبّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ.
قال: لا.
قال: أفنِكتَها؟ لا يكْني.
قال: نعم.
قال: فعندَ ذلك أمر برجمه» 5، وفي روايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أفنِكتَها؟ قال: نعم.
قال: حتى غابَ ذلك منكَ في ذلك منها.
قال: نعم.
قال: كما يغيبُ المِرْودُ في المكحلة والرشاء في البئر.
قال: نعم.
قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم.

أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً... وذكر الحديث» 1. رواه أبو داود.
وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما هرب ماعز: هلاّ تركتمُوه» 2. قال: (الثاني: أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنى ويجيئون في مجلس واحد سواء جاؤوا متفرقين أو مجتمعين).
أما كون الثاني من الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يُشهد عليه؛ فلأن الشهادة مثبتة لغير الزنى.
فوجب أن تكون مثبتة له أيضاً، وفي حديث عمر: «إنّ الرجمَ حقٌ واجبٌ ما قامت البينة» 3. وأما كون من يشهد عليه أربعة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ [النور: 13]، وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: 4]، وقال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: 15].
وأما كونهم رجالاً؛ فلأن في شهادة النساء شبهة لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً بين العلماء، وذلك شبهة.
فلا تقبل فيما يدرأ بالشبهات.
وأما كونهم عدولاً؛ فلأن ذلك شرط في سائر الشهادات.
فلأن يشترط ذلك فيما فيه يحتاط بطريق الأولى.
وأما كونهم يصفون الزنى فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمِرْوَد في المكحلة والرشاء في البئر؛ فلأن ذلك شرط في الإقرار.
فلأن يشترط في الشهادة بطريق الأولى.
وفي حديث جابر قال: «جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائتوني بأعلم رجلين منكم.
فأتوا بابني صُوريا.
فَنَشَدَهما كيف تجدان أمرَ

هذين في التوراة؟ قالا: نجدُ أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوْا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رُجما.
قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهبَ سلطاننا فكرهنا 1 القتل.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة.
فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما» 2. ولأنهم إذا لم يصفوا الزنى احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد.
فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتميز الموجب من غيره.
وأما كون الشهود يجيؤون في مجلس واحد؛ فـ «لأن عمر شهد عنده أبو بكرة 3 ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة» 4. ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر.
ولأنه لو شهد ثلاثة فحدوا ثم جاء الرابع فشهد لم تقبل شهادته فلولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم.
وأما كون مجيئهم مجتمعين أو متفرقين سواء؛ فلأن شهود المغيرة جاؤوا واحدًا واحداً وسمعت شهادتهم.
وإنما حُدوا؛ لعدم كمالها، وفي الحديث أن أبا بكرة قال لعمر: «أرأيتَ لو جاء آخر فشهد أكنتَ ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده».
ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد.
أشبه ما لو جاؤوا مجتمعين.
ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه، ولهذا أجزأ فيه القبض فيما يشترط فيه القبض.

قال: (فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم، أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة، أو لم يكملها: فهم قذفة وعليهم الحد).
أما كون الذي جاء بعد قيام الحاكم؛ فلأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة.
أشبه ما لو لم يشهد أصلاً.
وأما كونه عليه الحد؛ فلأنه قاذف، ويجب عليه الحد؛ لعموم الأدلة المقتضية لوجوب ذلك.
وأما كون الشهود الثلاثة قذفة إذا امتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها؛ فلأن الله تعالى أوجب عليهم الحد بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: 4].
ولأن ذلك إجماع الصحابة فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع بمحضر من الصحابة ولم ينكروه.
قال: (وإن كانوا فُسَّاقاً أو عُمياناً أو بعضهم فعليهم الحد.
وعنه: لا حد عليهم).
أما كون من ذكر عليهم الحد على المذهب؛ فلأن شهادتهم لم تكمل.
فوجب بها الحد على الشهود؛ كما لو شهد ثلاثة فقط.
وأما كونهم لا حد عليهم على روايةٍ؛ فلأنهم أحرزوا ظهورهم بكمال عددهم.
وإنما جاء رد الشهادة لمعنى غير تفريطهم.
أشبه ما لو شهد عدول بزنى امرأة وشهد نساء ثقات أنها عذراء.
قال: (وإن كان أحدهم زوجاً حد الثلاثة ولاعن الزوج إن شاء).
أما كون الثلاثة فيما ذكر تحد؛ فلأنهم قذفة حيث لم تكمل البينة؛ لأن شهادة الزوج غير مسموعة.
وأما كون الزوج يلاعن إن شاء؛ فلأن الزوج إذا قذف زوجته له الخيرة بين اللعان وبين تركه؛ لما ذكر في باب اللعان.

قال: (وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد، واثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد آخر: فهم قذفة وعليهم 1 الحد.
وعنه: يحد المشهود عليه وهو بعيد).
أما كون الشهود قذفة عليهم الحد على المذهب؛ فلأنه لم تكمل شهادة أربعة على فعل واحد.
أشبه ما لو انفرد بالشهادة اثنان.
وأما كون المشهود عليه يحد على روايةٍ؛ فلأن الشهادة كملت في الجملة.
وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن كمال الشهادة يعتبر كونه على فعل واحد والفعل هاهنا متعدد.
ضرورة تعداده بتعداد البيت والبلد.
قال: (وإن شهدا أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد الآخران أنه زنى بها في زاويته الأخرى، أو شهدا 2 أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد الآخران أنه زنى بها في قميص أحمر: كملت شهادتهم.
ويحتمل أن 3 لا تكمل كالتي قبلها).
أما كون شهادة 4 من ذكر تكمل على المذهب؛ فلأنه أمكن صدق الشهود بأن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وأخذ الثوبين وتمامه في الآخر.
فإن قيل: فقد يمكن أن تكون الشهادة على فعلين.
فلم وجب الحد والحدود تدرأ بالشبهات؟ قيل: يبطل هذا بما إذا اتفقوا على موضع واحد فإنه يمكن أن تكون الشهادة على فعلين بأن يكون قد فعل ذلك في ذلك الموضع مرتين ومع هذا فلا يمنع وجوب الحد.
وأما كون شهادتهم يحتمل أن لا تكمل كالتي قبلها؛ فلأن الشهادة هنا مختلفة.
أشبهت الشهادة في المسألة المذكورة قبل.

قال: (وإن شهدا 1 أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة: لم تكمل شهادتهم.
وهل يحد الجميع أو شاهدا المطاوعة؟ على وجهين.
وعند أبي الخطاب: يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود).
أما كون شهادة من ذكر لا تكمل على المذهب؛ فلأن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة.
فعلى هذا لا يحد الرجل ولا المرأة المشهود عليهما؛ لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد عليهما.
وأما كون جميع الشهود يحدون على وجه؛ فلأنهم قذفوا الرجل.
وأما كون شاهدي 2 المطاوعة يحدان على وجه؛ فلأنهما قذفا المرأة وشهدا عليها 3 بالزنا ولم تكمل شهادتهم.
وأما كون الزاني يحد على قول أبي الخطاب؛ فلأنه شهد عليه أربعة، وذلك يوجب الحد.
وأما كون المرأة لا تحد؛ فلأنه لم يشهد عليها أربعة بزنى يوجب الحد؛ لأنه لا حد مع الإكراه.
قال: (فإن شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شيء على الراجع، ويحد الثلاثة.
وإن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة، ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه).
أما كون الراجع قبل الحد فيما ذكر لا شيء عليه؛ لأنه كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله.
وحكى المصنف رحمه الله رواية في المغني أنه يحد وصححها، ولم يذكر لذلك دليلاً.
وأما كون الثلاثة تحد؛ فلأن رجوع الراجع ينقص عدد الشهود.
فوجب أن يحدوا؛ كما لو كانوا كذلك في الابتداء.
وأما كون الثلاثة لا حد عليهم إذا كان رجوع الشاهد بعد الحد؛ فلأن الشهادة كملت واتصل بها الحكم.
فلم يجب عليهم شيء؛ لعدم كونهم قذفة.

جارٍ التحميل