ولأن التي تسافر معه يلحقها من مشقة السفر بإزاء ما يحصل لها من السكن، ولا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل في الحضر.
فلو قضى للحاضرات لكان قد مال على المسافرة.
وأما كونه يلزمه القضاء للأخرى إذا كان بغير قرعة؛ فلأنه خص بعضهن بمدة على وجهٍ تلحقه التهمة فيه.
فيلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضراً.
فإن قيل: قد تقدم أنه لو قضى للحاضرة لأدى إلى الميل؛ لأن المسافرة لا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل للحاضرة.
قيل: هو كذلك؛ إلا أنه لا يمكن إسقاط القضاء بالكلية لما فيه أيضاً من الميل.
ومن أن ذلك يصير وسيلة إلى المسافرة بمن يريد.
وإذا تعارض القضاء وعدمه وجب القضاء لكن على مثل ما أقام مع المسافرة؛ لأنه أقرب القولين إلى عدم الميل.
فعلى هذا لا يلزمه قضاء مدة السير لأنها لم يحصل لها من ذلك إلا التعب والمشقة.
ولأنه لو جعل للحاضرة في مقابلته مبيتاً عندها واستمتاعاً بها لمال كل الميل.
قال: (وإن امتنعت من السفر معه، أو من المبيت عنده، أو سافرت بغير إذنه: سقط حقها من القسم.
وإن أشخصها هو فهي على حقها من ذلك.
وإن سافرت لحاجتها بإذنه فعلى وجهين).
أما كون حق الزوجة من القسم يسقط إذا امتنعت مما ذكر أو سافرت بغير إذنه؛ فلأن القسم للأُنس وقد تعذر بسببٍ من جهتها.
فيسقط؛ كما لو تعذر ذلك قبل دخوله بها.
وأما كونها على حقها من ذلك إذا أشخصها هو؛ فلأنه ما فات بسبب من جهتها وإنما فات بتفويته.
فلم يسقط حقها؛ كما لو أتلف المشتري المبيع فإنه لا يسقط حق البائع بتسليم ثمنه إليه.
فإن قيل: ما معنى أشخصها؟
قيل: أن يبعثها لحاجة أو يأمرها بالنقلة من بلدها.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
وأما كون حقها يسقط إذا سافرت لحاجتها بإذن الزوج على وجهٍ؛ فلأن الاستيفاء تعذر بسبب من جهتها.
أشبه ما لو سافرت بغير إذنه.
وأما كونه لا يسقط على وجهٍ؛ فلأن سفرها بإذنه.
أشبه ما لو سافرت معه.
فإن قيل: ما المراد بسفرها لحاجتها؟
قيل: أن تسافر لتجارة لها أو زيارة أو حج تطوع أو عمرة أو نحو ذلك.
فإن قيل: ما الصحيح من الوجهين المذكورين؟
قيل: ظاهر كلام صاحب المغني فيه ترجيح السقوط؛ لأنه علله بنحو ما تقدم.
وفرّق بين سفرها لحاجته بإذنه وبين سفرها معه بأن القسم لم يتعذر بسفرها معه.
بخلاف سفرها بإذنه.
قال: (وللمرأة أن تهب حقها من القَسْم لبعض ضرائرها بإذنه وله فيجعله لمن شاء منهن.
فمتى رجعت في الهبة عاد حقها).
أما كون المرأة لها أن تهب حقها لبعض ضرائرها بإذن الزوج؛ فـ «لأن سَوْدة وهبت يومها لعائشة.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» 1.
وعن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية في شيء.
فقالت صفية لعائشة: هل لك أن تُرضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي؟ قالت: فقعدت إلى جنب رسول الله.
قال: إليك يا عائشة! إنه ليس يومك.
قلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأخبرته بالأمر.
فرضي عنها» 2 رواه ابن ماجة.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في الهبة المذكورة إذن الزوج؛ لأن حقه على الواهبة فلا ينتقل إلى غيرها إلا برضاه.
وأما كونها لها أن تهب ذلك للزوج؛ فلأن الحق لها فلمن نقلته انتقل إليه.
وأما كون الزوج له الخيرة في جعله لمن شاء؛ فلأنه قام مقام الواهبة.
فكما كان لها الخيرة في جعله فيمن تشاء.
فكذلك القائم مقامها.
وأما كون حق الواهبة يعود إذا رجعت في الهبة؛ فلأنها هبة لم تقبض.
والمراد بالعود المذكور: العود في المستقبل؛ لأن ذلك الذي لم يقبض: أما الماضي فليس لها الرجوع فيه؛ لأنها هبة اتصل بها القبض.
فعلى هذا إذا رجعت في أثناء ليلتها لزم الزوج الانتقال.
وإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئاً؛ لأن التفريط منها.
قال: (ولا قَسْم عليه في ملك يمينه.
وله الاستمتاع بهن كيف شاء.
ويستحب التسوية بينهن، وأن لا يعضلهن إن لم يرد الاستمتاع بهن).
أما كون السيد لا قَسْم عليه في ملك يمينه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 3].
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية وريحانة.
فلم يكن يقسم لهما.
ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع.
ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوباً أو عنيناً، ولا يضرب لها مدة الإيلاء.
وأما كون التسوية بينهن تستحب؛ فلأنه أطيب لقلوبهن وأبعد من النفرة والبغضة.
وأما كون أن لا يعضلهن إن لم يرد الاستمتاع بهن يستحب؛ فلأن إعفافهن وصونهن عن احتمال الوقوع في المحظور مطلوب 1.
فصل [إذا تزوج بكرا]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار.
وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً.
فإن أحبّت أن يقيم عندها سبعاً فعل وقضاهن للبواقي).
أما كون الزوج إذا تزوج بكراً يقيم عندها سبعاً ثم يدور على نسائه، وإذا تزوج ثيباً يقيم عندها ثلاثاً ثم يدور؛ فلما روى أبو قلابة عن أنس قال: «من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج ثيباً أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» 1.
قال أبو قلابة: لو شئت لقلت أن أنسًا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه.
وأما كونه إذا أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل وقضاهن للبواقي؛ فلما روي عن أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثاً.
وقال: إنه ليس بكِ هوانٌ على أهلك.
إن شئتِ سبّعتُ لك، وإن سبّعتُ لكِ سبّعتُ لنسائي» 2. رواه مسلم.
وفي لفظ: «إن شئتِ ثلَّثتُ ثم دُرْتُ» 3.
قال: (وإن زُفّت إليه امرأتان قدم السابقة منهما، ثم أقام عند الأخرى، ثم دار.
فإن زُفّتا معاً قدم إحداهما بالقرعة، ثم أقام عند الأخرى).
أما كون الزوج يقدم السابقة فيما إذا زفّت إليه امرأتان إحداهما قبل الأخرى؛ فلأن حقها سبق.
وأما كونه يقيم بعد فعل الواجب عليه للأولى عند الأخرى؛ فلأن حقها واجب عليه لما تقدم.
تُرك العمل به في مدة الأولى؛ لأنه عارضه ورجح عليه.
فإذا زال المعارض وجب العمل بالمقتضي لحق الأخرى السالم عن المعارض.
وأما كونه يدور بعد ذلك؛ فليأتي بالواجب عليه من حق الدَّوْر.
وأما كون تقديم إحداهما بالقرعة إذا زُفّتا معاً؛ فلأنهما استويا في سبب الاستحقاق، والقرعة مرجحة عند التساوي.
وأما كونه يقيم عند الأخرى بعد فعل ما عليه للأخرى؛ فلما تقدم.
قال: (وإن أراد السفر فخرجت القرعة لإحداهما سافر بها ودخل حق العقد في قسم السفر، وإذا قدم بدأ بالأخرى فوفاها حق العقد).
أما كون الزوج يسافر بمن خرجت لها القرعة؛ فلأن حقها ترجح بالقرعة.
وأما كون حق العقد يدخل في قسم السفر؛ فلأنه نوع قسم يختص بها.
وأما كونه يبدأ بالأخرى فيوفيها حق العقد؛ فلأنه حق وجب لها قبل سفره لم يؤده إليها.
فلزمه قضاؤه؛ كما لو لم يسافر بالأخرى معه.
وقال المصنف في المغني: فيه وجهان:
أحدهما: يقضي لها ذلك؛ لما ذكر.
والثاني: لا يقضيه لها؛ لئلا يكون تفضيلاً لها على التي سافر بها.
ثم قال: ويحتمل أن يستأنف قضاء العقد لكل واحدةٍ منهما ولا يحتسب على المسافرة بمدة سفرها؛ كما لا يحتسب به عليها فيما عدا حق العقد.
ثم قال: وهذا أقرب إلى الصواب من إسقاط حق العقد الواجب بالشرع بغير مسقط.
قال: (وإذا طلق إحدى نسائه في ليلتها أثم فإن تزوجها بعد ذلك قضى لها ليلتها).
أما كون الزوج يأثم إذا طلق إحدى نسائه في ليلتها؛ فلأنه يوصل إلى منعها حقها.
وأما كونه إذا تزوجها بعد ذلك يقضي لها ليلتها؛ فلأنه أمكنه أداء ما عليه من الحق بعد العجز.
فلزمه ذلك؛ كما لو كان عليه دَيْن فأعسر ثم قدر عليه.
قال: (وله أن يخرج في نهار ليل القسم لمعاشه وقضاء حقوق الناس).
أما كون الزوج له الخروج في نهار ليل القسم لمعاشه وقضاء حقوق الناس؛ فلأنه لا قسم عليه في النهار.
وقد تقدم ذلك في قول المصنف رحمه الله تعالى: وعماد القسم الليل 1.
وأما كون المصنف قيد ذلك بالنهار فليشعر بأن الزوج ليس له ذلك في الليل.
وقال رحمه الله تعالى في المغني: فإن خرج في النهار أو أول الليل أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه والخروج إلى الصلوات جاز؛ لأن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء وصلاة الفجر قبل طلوعه.
فعلى هذا يحمل التقييد المذكور على نفي ما عداه بما ذكره في المغني؛ لأنه صريح.
وذلك راجح على المفهوم.
فصل في النشوز
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها.
وإذا ظهر منها أمارات النشوز بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع أو تجيبه متبرمة متكرهة: وَعَظَهَا.
فإن أصرّت هَجَرَها في المضجع ما شاء.
وفي الكلام فيما دون ثلاثة أيام.
فإن أصرّت فله أن يضربها ضرباً غير مُبَرِّح).
أما قول المصنف: وهو معصيتها إياه فيما يجب عليها فبيان لمعنى نشوز المرأة.
وهو: مأخوذ من النَّشَز.
وهو الارتفاع.
فكأنه لما عصته فيما يجب عليها قد ارتفعت عما فرض الله عليها من طاعته.
وأما كون الزوج يَعِظُها إذا ظهر منها أمارات النشوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعِظُوُهن﴾ [النساء: 34].
وأما كونه يهجرها في المضجع قبل الضرب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: 34].
وعن ابن عباس: «لا تُضاجعها في فراشك».
وأما كون الهجر المذكور ما شاء؛ فلأن القرآن مطلق.
فلا يقيد بغير دليل.
وأما كونه يهجرها في الكلام فيما دون ثلاثة أيام؛ فلأنه ليس بمنهي عنه.
ولأن فيه زجراً لها عن العصيان.
وتقييد المصنف الكلام بما دون ثلاثة أيام: مشعرٌ بأنه لا يجوز فيما زاد على ذلك.
وهو صحيح فيما فوق الثلاثة؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» 1.
وأما كونه إذا أصرّت له أن يضربها ضرباً غير مبرح؛ فلأن الله قال: ﴿واضربوهن﴾ [النساء: 34].
فإن قيل: الآية دلت على الضرب عند خوف النشوز ولم يشترط الإصرار على النشوز وعلى الضرب من غير تقييد.
فلم قيد بغير المبرح؟
قيل: الجواب عن الأول أن الآية فيها إضمار تقديره: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن"؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: 33].
والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ولا خلاف في أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره.
والجواب عن الثاني: أن إصرارها على منع حق زوجها ليس أبلغ من فعلها الفاحشة.
وقد اشترط في ضربها على ذلك أن لا يكون مبرحاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكم عليهن أن لا يُوطئنَ فرشكُم أحداً تكرهونه.
فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح» 1 رواه مسلم.
ومعنى غير مبرح: غير شديد.
قال: (فإن ادعى كل واحد ظلم صاحبه له 1 أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة يشرف عليهما، ويلزمهما الإنصاف.
فإن خرجا إلى الشقاق والعداوة بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين، والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما فيكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جَمْع بينهما، أو تفريقٍ بطلاق، أو خلع.
فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا.
وعنه: أن الزوج إن وكل في الطلاق بعوض أو غيره، ووكلت المرأة في بذل العوض برضاهما، وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك.
وإن غاب الزوجان أو أحدهما لم ينقطع نظرهما على الأولى ولم ينقطع على الثانية).
أما كون الحاكم يسكن الزوجين إلى جانب ثقة يشرف عليهما ويلزمهما الإنصاف إذا ادعى كل واحدٍ ظلم صاحبه له؛ فلأن ذلك وسيلة إلى كفهما عن التعدي، وذلك مطلوب شرعاً.
وأما كونه يبعث حكمين إذا خرجا إلى الشقاق؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ [النساء: 35].
وأما كون الحكمين حرين؛ فلأن العبودية نقص.
وقال صاحب المغني فيه: الأولى أن يقال: إن كانا وكيلين لم تعتبر الحرية؛ لأن توكيل العبد جائز، وإن كانا حكمين اعتبرت؛ لأن الحاكم لا يجوز أن يكون عبداً.
وأما كونهما مسلمين عدلين؛ فلأنهما إن كانا حكمين كان اشتراط ذلك ظاهراً؛ لكون الحاكم لا يجوز أن يكون إلا مسلماً عدلاً.
وإن كانا وكيلين؛ فلأن الوكالة إذا تعلقت بنظر الحاكم لم يجز أن يكون الوكيل إلا مسلماً عدلاً؛ كما لو نصب وكيلاً لصبي أو سفيه.
وأما قول المصنف: والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما: فمشعرٌ بأمور:
أحدها: أن كون الحكمين من أهلهما راجح في نظر الشرع ولا شبهة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها﴾ [النساء: 35].
ولأنهما إذا كانا من أهلهما كانا أعلم بحالهما وأشفق عليهما.
وثانيهما: أنه يجوز أن يكونا من غير أهلهما؛ لأن الأهلية ليست شرطاً في الحكم.
ولأن في الوكالة وهماً لا يخرجان عنهما.
وذلك يوجب حمل الأمر في الآية على الرجحان لا على الراجح المانع من النقص.
وثالثها: أن كون الحكمين برضا الزوجين وتوكيلهما راجح في نظر الشرع أيضاً.
ولا شبهة فيه؛ لما فيه من الخروج من الخلاف الآتي ذكره.
ورابعها: أنه يجوز أن يكونا بغير رضا الزوجين ولا توكيلهما.
وأما كونهما يكشفان عن حالهما ويفعلان ما يريانه من جمع بينهما أو تفريق بطلاق أو خلع؛ فلأن الغرض من بعثهما إزالة ما بينهما من الشقاق والعداوة.
وما ذكر طريق إليه.
وفي حديث علي رضي الله عنه الآتي ذكره: «إن رأيتُما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما».
وأما كون الزوجين إذا امتنعا من التوكيل لم يجبرا؛ فلأنهما رشيدان والبضع حق للزوج والمال حق للزوجة.
فلم يجبرا على التوكيل فيهما كغيرهما من الحقوق.
وعدم إجبارهما مشعر بأن الحاكم ليس له أن يبعث حكمين بغير رضاهما.
وهو صحيح على المذهب؛ لأنه حق لهما.
فلم يجز لغيرهما التصرف إلا بالوكالة.
وأما كون الزوج إن وكل في الطلاق والمرأة في بذل العوض وإلا جعل الحاكم إليهما ذلك؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿فابعثوا﴾ [النساء: 35].
ولأن الله تعالى سماهما حكمين ثم قال: ﴿إن يريدا إصلاحاً﴾ [النساء: 35] خاطب الحكمين بذلك ولم يعتبر رضا الزوجين.
وعن أبي عبيدة السلماني «أن رجلاً وامرأة أتيا علياً رضي الله عنه مع كل واحدٍ منهما فئام من الناس.
فقال علي: ابعثوا حكمين حكماً من أهله، وحكماً من أهلها.
فبعثوا حكمين.
ثم قال علي للحكمين: هل تدريان ما عليكما من الحق؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.
فقالت المرأة:
رضيت بكتاب الله عليّ ولي.
وقال الرجل: أما الفرقة فلا.
فقال علي: كذبت حتى ترضى بما رضيت به» 1. رواه أبو بكر بإسناده.
ويشترط في كونهما حكمين شرطان آخران لم يذكرهما هنا:
أحدهما: كونهما عالمين بالجمع والتفريق؛ لأنهما يتصرفان في ذلك.
فيعتبر علمهما به.
وثانيهما: كونهما ذكرين؛ لأن الحاكم لا يجوز إلا أن يكون ذكراً.
وأما كون الحكمين ينقطع نظرهما إذا غاب الزوجان أو أحدهما على الرواية الأولى ولا ينقطع على الثانية؛ فلأن الوكيل ينعزل بجنون موكله.
بخلاف الحاكم فإنه لا يمنع أن يحكم مع جنون المحكوم عليه.
وقال المصنف في المغني بعد ذكر الغيبة: وإن كان حاكماً لم يجز له الحكم؛ لأن من شرط ذلك بقاء الشقاق وحضور المتداعيين ولا يتحقق ذلك مع الجنون.