وأما كون الستر الواجب الستر بما لا يصف البشرة؛ فلأن الستر لا يحصل بدون ذلك.
قال: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة.
وعنه أنها الفرجان).
أما كون عورة الرجل ما بين السرة والركبة على المذهب؛ فلما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبرز فخذك.
ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» 1 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه.
وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل فخذه خارجة.
فقال: غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته» 2 رواه الإمام أحمد.
وروي «أنه قال لجرهد: غط فخذك.
فإن الفخذ عورة» 3 رواه الإمام أحمد.
وأما كونها الفرجين على روايةٍ؛ فلما روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم» 4 رواه البخاري.
وروت عائشة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كاشفاً عن فخذه فاستأذن أبو
بكر فأذن له وهو على ذلك [ثم استأذن عمر فأذن له وهو على ذلك] (5») 6. ولو كانت عورة لما كشفها.5
وأما كون عورة الأمة ما بين السرة والركبة فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا زوج أحدكم أمته عبده فلا ينظر إلى شيء من عورته فإن ما تحت السرة إلى ركبته عورة.
يريد الأمة» 1 رواه الدارقطني.
وعن الإمام أحمد أن عورتها جميع بدنها إلا ما يظهر منها غالباً كالرأس.
واليدين إلى المرفقين.
والرجلين إلى الكعبين؛ لأنه لا يظهر منها غالباً أشبه ما تحت السرة.
ولم أجد في كتب الأصحاب مصرحاً بأن عورة الأمة الفرجان في روايةٍ.
وقد فرع صاحب النهاية فيها فروعاً يقتضي أن هذه الرواية عامة في الرجل والأمة.
وهو ظاهر إطلاق أصحابنا.
وفيه نظر.
قال: (والحرة كلها عورة إلا الوجه.
وفي الكفين روايتان).
أما كون الحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين؛ «فلقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: 31] قال ابن عباس: وجهها وكفيها» 2.
ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام ولو كانا من العورة ما حرم.
وروت أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» 3 رواه الدارقطني وأبو داود.
وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء.
فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قالت: فإذاً تنكشف أقدامهن.
قال: يرخين ذراعاً لا يزدن عليه» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون الكفين عورةً على روايةٍ فقياساً 2 على القدمين.
والأول أصح لما تقدم.
قال: (وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة.
وعنه كالحرة).
أما كون عورة أم الولد كالأمة على روايةٍ فلثبوت أحكام الإماء فيها سوى نقل الملك وما يراد له.
وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك فلعدم كمال الحرية.
وأما كون عورة أم الولد كالحرة على روايةٍ؛ فلأنها قد انعقد فيها سبب الحرية انعقاداً لا يمكن بطلانه أشبهت الحرة.
وأما كون عورة المعتق بعضها كذلك؛ فلأنها اجتمع فيها تحريم وتحليل فغلب جانب التحريم.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين المذكورتين؟
قيل: الصحيح في أم الولد أنها كالأمة لمساواتها لها في أكثر الأحكام، وفي المعتق بعضها أنها كالحرة لتحقق الحرية في بعضها.
قال: (ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين.
فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه إذا كان على عاتقه شيء من اللباس.
وقال القاضي: يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض).
أما كون الرجل يستحب له أن يصلي في ثوبين؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو قال: قال عمر: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما.
فإن لم يكن له إلا ثوب واحد فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه يجزئه الاقتصار على ستر العورة إذا كان على عاتقه شيء من اللباس؛ فلأن ما عدا ذلك من الستر غير واجب فلم يكن الإجزاء متوقفاً عليه.
ضرورة أن العهدة تزول بفعل الواجب.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأن الاقتصار على ستر العورة في الصلاة لا يجزئ.
وهو صحيح؛ لأن المصلي عندنا 2 يجب أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع ستر عورته ولا تصح صلاته بدون ذلك؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» 3 متفق عليه.
نهى والنهي يقتضي التحريمَ وفسادَ المنهي عنه.
وأما كونه لا فرق بين الفرض والنفل -ذلك على قول غير القاضي- فلعموم الحديث.
ولأن النفل صلاة فاشترط فيه ما يشترط في الفرض بالقياس عليه.
وأما كونه يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض على قول القاضي؛ فلأن النفل مبناه التخفيف.
ولذلك يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في السفر للراكب والماشي فجاز أن يسامح فيه بهذا القدر.
وهذا القول الذي عزاه المصنف رحمه الله إلى القاضي -وهو منصوص الإمام أحمد- ذكره في المغني وصاحب النهاية فيها.
والمساواة بين الفرض والنفل ظاهر كلام الخرقي.
فله أن يقول المسامحة في النفل بترك القيام والاستقبال؛ لأن اشتراطهما يفضي إلى تقليل النافلة ضرورة أن المسافر في مظنة التعب والنصب واشتباه القبلة وليس هذا المعنى موجوداً في اشتراط ستر المنكبين؛ لأن سترهما لا يشق ولا يفضي اشتراط ذلك إلى تقليل النافلة فوجب المساواة عملاً بالعموم والأصل المقتضي للتساوي السالم كل 1 واحد منهما عن المعارض.
وللإمام أحمد أن يقول: الأصل عدم وجوب ستر المنكبين.
تُرك الأصل في الفرض لأنه مراد من الحديث قطعاً.
فوجب أن لا يترك في النفل لوجوه:
أحدها: أنه يلزم الترك بالأصل بالكلية.
وثانيها: أنه قد ظهر في الجملة الفرق بين الفرض والنفل فلم يلزم من الترك في الفرض الترك في النفل.
وثالثها: أن الفرض آكد فناسب انفراده بذلك.
قال: (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة.
وإن اقتصرت على ستر عورتها: أجزأ).
أما كون المرأة يستحب لها أن تصلي فيما ذكر فلما روي عن عمر أنه قال: «تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار» 2.
فإن قيل: ما الدرع والخمار والملحفة؟
قيل: قال الإمام أحمد: الدرع هو شبه القميص لكنه سابغ يغطي قدميها.
وقيل: هو اسم لقميص المرأة السابغ.
والخمار: شيء تغطي به المرأة رأسها وشعرها وعنقها.
والملحفة: شيء يلتحف بها من فوق الدرع.
والحكمة في ذلك: المبالغة في سترها لأنها جميعها عورة إلا الوجه.
وفي الكفين خلاف.
وأما كونها إذا اقتصرت على ستر عورتها يجزئ فلما روت أم سلمة قالت: «يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ فقال: نعم.
إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها» 1 رواه أبو داود.
وقد روي «أن أم سلمة وميمونة كانتا تصليان في درع وخمار ليس عليهما إزار» 2 رواه مالك.
قال: (وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش في النظر لم تبطل صلاته.
وإن فحش بطلت).
أما كون من انكشف من عورته يسير لا يفحش في النظر لا تبطل صلاته؛ فلما روى أيوب عن عمرو بن سلمة قال: «انطلق أبي وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه.
فعلمهم الصلاة.
وقال: يؤمكم أقرؤكم.
فكنت أقرأهم.
فقدموني فكنت أؤمهم وعليّ بردة لي صفراء صغيرة.
فكنت إذا سجدت انكشفت عني.
فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم.
فاشتروا لي قميصاً عمانياً.
فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به» 3 رواه أبو داود.
وفي لفظ آخر: «فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق.
وكنت إذا سجدت خرجت منها إستي» 4.
ومثل هذا الظاهر أنه اشتهر ولم ينكر ولا بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره.
ولو كان مبطلاً للصلاة لأنكره ولبلغنا ذلك.
ولأن ثياب الفقراء لا تخلو من خرق، وثياب الأغنياء لا تخلو [من] 5 فتق.
والاحتراز من ذلك يشق ويعسر فعفي عنه كيسير الدم.
وأما كونها تبطل إذا انكشف ما يفحش؛ فلأن مقتضى الدليل بطلان الصلاة بكشف شيء من العورة ضرورة كون سترها شرطاً لصحة الصلاة.
تُرك العمل به في اليسير غير الفاحش للحديث، وللمشقة.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
فإن قيل: ما الفاحش وغير الفاحش؟
قيل: المرجع في ذلك إلى العرف.
والعرف يختلف بالعورة المخففة والمغلظة.
فقد لا يفحش قدر من الفخذين لو انكشف، ويفحش مثله في الفرجين.
ولا فرق بين الفرجين وغيرهما لأن ذلك في الحديث المحتج به على ذلك وهو قوله: «خرجت منها إستي» 1.
ولأن المشقة المتقدمة موجودة في الفرجين فوجب أن يعفى عن اليسير منهما دفعاً للمشقة.
واليسير المعفو عنه هو ما لا يفحش.
صرح به المصنف رحمه الله في المغني وغيره من الأصحاب.
وظاهر كلامه هاهنا أن الذي لا يبطل يسير موصوف بعدم الفحش.
وليس الأمر كذلك لأن ذلك يقتضي أن لنا يسيراً موصوفاً بالفحش.
ووصف الشيء بصفة يقتضي تجدد فائدة لولاها.
وكان الجيد أن يقال: وإذا انكشف من العورة يسير وهو ما لا يفحش كما قال أبو الخطاب.
أو يقتصر على يسير كما قال الخرقي.
ثم الشارح يبين ما لا يفحش كما فعل المصنف رحمه الله في المغني.
قال: (ومن صلى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته.
وعنه تصح مع التحريم).
أما كون من صلى في ثوب حرير أو مغصوب لا تصح صلاته على المذهب؛ فلأن لبسهما حرام وقد استعملهما في شرط العبادة فلم تصح كالصلاة في الدار المغصوبة.
وأما كونها تصح على روايةٍ مع التحريم؛ فلأن التحريم لا يختص الصلاة، والنهي لا يعود إليها فوجب أن يصح؛ كما لو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب، أو صلى وعليه عمامة مغصوبة، أو حرير، أو في يده خاتم ذهب.
قال: (ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه وأعاد على المنصوص.
ويتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه.
فإنه قال: لا إعادة عليه).
أما كون من لم يجد إلا ثوباً نجساً يصلي فيه؛ فلأن السترة آكد من إزالة النجاسة؛ لأنها 1 تجب في الصلاة وخارجها بخلاف إزالة النجاسة.
ولأن السترة متفق على اشتراطها والطهارة مختلف فيها وتسقط مع العجز عن إزالتها ومع الجهل والنسيان بخلاف السترة.
وأما كونه يعيد ما صلى على المنصوص؛ فلأن الطهارة من النجاسة شرط وقد فاته.
وأما كونه يتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه؛ فلأن طهارة المكان لما كانت شرطاً وحكم بعدم الإعادة مع فقدها اقتضى الدليل أن يُخَرّج في الصلاة في الثوب النجس لمن لا يقدر على غيره مثله.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله لأنه شرط عجز عنه فسقط كالسترة والاستقبال.
بل أولى فإن السترة آكد بدليل تقديمها على هذا الشرط.
قال: (ومن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها.
فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين.
فإن لم يكفهما جميعاً ستر أيهما شاء.
والأولى ستر الدبر على ظاهر كلامه، وقيل: القبل أولى).
أما كون من لم يجد إلا ما يستر عورته يسترها؛ فلأن سترها آكد من ستر غيرها بدليل أنه واجب في الصلاة وفي خارج الصلاة.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأن سترها مقدم على ستر جميع بدنه وعلى منكبيه، مع أن وضع اللباس عليهما أو على أحدهما واجب في الصلاة عندنا وهو صحيح؛ لما تقدم من تأكيد ستر العورة على ستر غيرها.
وقال القاضي: من لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه ستر منكبيه وصلى جالساً لأن الحديث في ستر المنكبين أصح منه في ستر الفخذين، والقيام له بدل وستر المنكبين لا بدل له.
قال ابن عقيل: هذا عندي محمول على سترة يتسع أن يتركها على كتفيه ويسدلها من ورائه يستر دبره.
والقبل مستور بضم فخذيه عليه فيحصل ستر الجميع.
والأول أصح؛ لأن العورة أغلظ في الحكم لما تقدم.
ولأنها يجب سترها في الفرض والنفل.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان الثوب واسعاً فالتحف به، وإذا كان ضيقاً فاتزر به» 1.
ولأن ستر العورة متفق على وجوبه يشترط فيه حقيقة الستر وتعميمه مع القدرة بخلاف المنكبين فيجب تقديم ستر العورة عليهما.
وأما كونه يستر الفرجين إذا لم تكف 2 السترة جميع العورة؛ فلأنهما عورة بلا خلاف بخلاف باقيها.
ولأنهما أفحش لاختصاصهما باسم العورة.
والعرف يشهد بفحشهما زيادة على ما عداهما.
وأما كونه يستر أيهما شاء إذا لم يكفهما جميعاً؛ فلأن كلاً متفق على كونه عورة.
وأما كون ستر الدبر أولى على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأنه أفحش، ويبدو في الركوع والسجود.
وأما كون القبل أولى على قول؛ فلأنه يستقبل به القبلة وهو مستعل.
والدبر يستتر بضم الإليتين، ولا يستقبل به القبلة.
قال: (وإن بُذلت له سترة لزمه قبولها إذا كانت عاريّة).
أما كون من بذلت له سترة عارية يلزمه قبولها؛ فلأنه قدر على ستر عورته بما لا مِنَّةَ عليه فيه أشبه ما لو بذل له ماء للوضوء.
وأما كون لزوم القبول مقيداً بكون السترة عارية فتنبيه على أنها إذا كانت غير عَارية كالهبة لا يلزمه قبولها.
وهو صحيح صرح به المصنف وغيره لأن في قبول الهبة مِنَّةَ فلم يلزمه نفياً للضرر اللاحق به من المنة.
قال: (فإن عدم بكل حال صلى جالساً يومئ إيماء.
فإن صلى قائماً جاز.
وعنه أنه يصلي قائماً ويسجد بالأرض).
أما كون مَن عدم السترة بكل حال يصلي جالساً يومئ بالركوع والسجود؛ فلأنه يروى عن ابن عمر «أنه قال في قوم انكسرت لهم مراكبهم فخرجوا عراة: يصلون جلوساً يُومِئون إيماء برؤوسهم» 1 رواه الخلال.
ولم ينقل خلافه.
وأما كونه إذا صلى قائماً يجوز فلما فيه من المحافظة على القيام.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن صلاة من ذكر جالساً يومئ إيماء أوفى من صلاته قائماً.
وهو صحيح لأن جلوسه فيه ستر لعورته والجلوس قائم مقام القيام.
ولو صلى قائماً لسقط الستر إلى غير بدل.
ولأن ستر العورة آكد من القيام بدليل سقوطه في النافلة.
ولأن الستر يجب في الصلاة وخارجها بخلاف القيام.
فإن قيل: الستر لا يحصل وإنما يحصل بعضه 2 فلا يفي ذلك بترك القيام.
قيل: إذا قيل: العورة الفرجان فقد حصل الستر، وإن قيل: العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل ستر آكدهما وجوباً وأفحشهما في النظر فكان أولى.
وأما كونه يصلي قائماً ويسجد بالأرض على روايةٍ؛ فلأن في ذلك محافظة على ثلاثة أركان وفي الصلاة جالساً محافظة على بعض شرط.
قال: (وإن وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة ستر وبنى، وإن كانت بعيدة ستر وابتدأ).
أما كون من وجد السترة قريبة منه في أثناء صلاته يستتر ويبني على ما صلى؛ فلأن الستر شرط أمكنه فعله في الصلاة من غير عمل كبير فجاز له فعله.
والبناء على صلاته قياساً على استدارة أهل قباء إلى القبلة.
وأما كونه يستتر ويبدأ إذا كانت السترة بعيدة؛ فلأن الستر لا بد منه ضرورة كونه شرطاً لصحة الصلاة، والستر مع بعد السترة فيه عمل كثير، والعمل الكثير مبطل للصلاة؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى 1.
قال: (ويصلي العراة جماعة، وإمامهم في وسطهم.
فإن كانوا رجالاً ونساء صلى كل نوع لأنفسهم.
وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء.
ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال).
أما كون العراة يصلون جماعة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل في الجمع يفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة» 2 [متفق عليه] 3.
وهذا عام في كل مصل عار ولابس.
وأما كون إمامهم في وسطهم؛ فلأن ذلك أستر لهم وأغض لأبصارهم.
وأما كون كل نوع يصلون لأنفسهم إذا كانوا رجالاً ونساء فلئلا يرى بعضهم بعضاً.
وأما كون الرجال يصلون ويستدبرهم النساء ثم النساء ويستدبرهن الرجال إذا كانوا في ضيق؛ فلأن في 4 ذلك تحصيلاً للجماعة مع عدم رؤية الرجال النساء وبالعكس.
قال: (ويكره في الصلاة السدل.
وهو: أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر.
واشتمال الصماء.
وهو: أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره.
وعنه يكره وإن كان عليه غيره).
أما كون السدل في الصلاة يكره؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة» 5 رواه أبو داود.
وأما كون صفته كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن السدل في اللغة: إرخاء الثوب.
قاله الجوهري.
فإذا وضعه على كتفيه ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى حصل إرخاؤه فيحصل معنى السدل.
وإذا وضعه على كتفيه ورد أحد طرفيه على الكتف الأخرى لم يحصل إرخاؤه فلا يحصل معنى السدل.
وأما كون اشتمال الصماء يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل بثوب ليس [بين فرجه وبين السماء شيء» 1. رواه البخاري.
وأما كون صفته: أن يضطبع بثوب ليس] 2 عليه غيره على المذهب؛ فلأن أبا عبيد قال: اشتمال الصماء عند العرب أن يلتحف الرجل بثوب يخلل به جسده كله ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده.
كأنه يذهب إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه 3 فلا يقدر عليه.
وفسره الفقهاء بأن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه، والفقهاء أعلم بالتأويل.
والنهي على هذا يكون للتحريم وتفسد الصلاة معه.
وأما كونه يكره وإن كان عليه غيره على روايةٍ؛ فلما تقدم من قول أبي عبيد أولاً.
ولأن اشتمال الصماء إنما سميت اللبسة به لأن اللابس يسد على بدنه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع.
وهذا المعنى موجود في اللبسة المتقدمة وإن كان عليه غيرها.
فعلى هذا يكون الحديث شاملاً لهذه الصورة ويكون النهي للتنزيه؛ لأنه يمنع من إكمال الركوع والسجود؛ لأنه يلتحف به ويخرج يديه من تلقاء صدره.
قال: (ويكره تغطية الوجه، والتلثم على الفم والأنف، وكف الكم، وشد الوسط بما يشبه شد الزنار، وإسبال شيء من ثيابه خيلاء).
أما كون تغطية الوجه في الصلاة يكره؛ فلأنها عبادة لها تحليل وتحريم فشرع لها كشف الوجه كالإحرام.
وأما كون التلثم على الفم فيها يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» 1 رواه أبو داود.
ولأن فيه تعويقاً عن تحقيق الحروف، ومنعاً من إكمال ركن الصلاة.
وأما كون التلثم على الأنف فيها يكره؛ فلأن ابن عمر كرهه 2.
وفي الأنف رواية أخرى: أنه لا يكره التلثم عليه؛ لأن تخصيص الفم بالنهي يدل على نفيه عما عداه.
وأما كون كف الكم فيها يكره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعراً ولا ثوباً» 3 متفق عليه.
وأما كون شد الوسط بما يشبه شد الزنار يكره؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب.
وقال: لا تشتملوا اشتمال اليهود» 4 رواه أبو داود.
وعن الإمام أحمد: لا يكره ذلك.
قال: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم» 5.
وتقييد كراهية شد الوسط بما يشبه شد الزنار مشعر بأن شد الوسط بما لا يشبه شد الزنار 1 كالمنطقة وشد القَباء والميزر لا يكره لأن المعنى الذي كره له شد الوسط بما يشبه شد الزنار التشبه بأهل الكتاب وذلك مفقود فيما ذكر.
وأما كون إسبال شيء من ثيابه خيلاء يكره؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» 2 متفق عليه.
فصل [في اللباس]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين).
أما كون لبس ما ذكر لا يجوز في وجه؛ فلأن الإنسان ممنوع من جعل ذلك في بيته لما روى أبو طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» 1 متفق عليه.
و«لأنه عليه السلام رأى في بيته ستراً عليه تصاوير فأمر بقطعه» 2.
فلأن يمنع من جعله عليه بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن زيد بن خالد روى الحديث المتقدم عن أبي طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره: «في ثوب» 3 متفق عليه.
فعلى هذه الرواية يكون فعل ذلك مكروهاً؛ لأنه مختلف في حرمته.
قال: (ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير، أو ما غالبه الحرير، ولا افتراشه إلا من ضرورة.
فإن استوى هو وما نسج معه فعلى وجهين).
أما كون الرجل لا يجوز له لبس الحرير من غير ضرورة؛ فلما روى أبو موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحل لإناثهم» 4 أخرجه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» 1 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له افتراش الحرير من غير ضرورة؛ فلما روى حذيفة قال: «نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة.
وأن نأكل فيها.
وأن نلبس الحرير والديباج.
وأن نجلس عليه» 2 رواه البخاري.
وأما كونه لا يجوز له لبس ما غالبه الحرير ولا افتراشه من غير ضرورة؛ فلأن الغالب يعطى حكم الكل في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
ولأن المعنى الذي حُرم الكل من أجله الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وذلك موجود فيما غالبه كذلك.
وأما كونه يجوز له لبس الحرير وما غالبه الحرير وافتراشه مع الضرورة؛ فلأن الضرورة تبيح المحرم دليله أكل الميتة.
وأما كون الحرير إذا استوى هو وما نسج معه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن النصف كثير.
ولأنه لا يطلق على ما نسج معه من الكتان والقطن قطن ولا كتان.
وأما كونه يجوز على وجهٍ؛ فلأن ابن عباس قال: «إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
الثوب المصمت من الحرير» 3. تُرك العمل به فيما غالبه الحرير لإعطاء الغالب حكم الكل فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
قال: (ويحرم لبس 1 المنسوج بالذهب، والمموه به.
فإن استحال لونه فعلى وجهين).
أما كون المنسوج بالذهب والمموه به يحرم؛ فلما تقدم من الحديث.
ولا فرق في الذهب بين خالصه ومشوبه والمنفرد والمختلط بخلاف الحرير لأن الذهب يظهر قليله وكثيره، ويغلب لونه على لون ما اختلط به ويَعرف نَفَاسَتَه الخاص، والعام والتفاخر بقليله يضاهي التفاخر بكثير الحرير.
وأما كونه إذا استحال لونه يحرم على وجهٍ فلعموم النهي في الذهب.
وأما كونه لا يحرم على وجهٍ فلزوال المعنى المحرم من الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قال: (وإن لبس الحرير لمرض أو حكة أو في الحرب أو ألبسه للصبي فعلى روايتين).
أما كون من لبس الحرير لمرض أو حكة لا يحرم عليه على روايةٍ؛ فلما روي «أن عبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما» 2 متفق عليه.
وأما كونه يحرم عليه على روايةٍ؛ فلعموم النصوص المحرمة.
والحديث المذكور قبل يحتمل أن يكون ذلك خاصاً بالصحابيين.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
والأصل عدم تخصيصهما.
وأما لبسه في الحرب فإن كان للغازي حاجة إليه مثل أن يجعله بطانة لسيفٍ أو درع ونحوه أبيح للحاجة.
قال الإمام أحمد: كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب، وفي سيف عمرو بن حنيف مسمار من ذهب.
وقيل: سهل بن حنيف.
وروي «أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبيعة من ذهب وزنها ثمانية مثاقيل».
وروي «أنه كان نعله وقبيعته من فضة وكان بينهما حِلَق من فضة» 3.
والمعنيّ بالحاجة ما هو محتاج إليه في نفسه وإن قام غيره مقامه لا عدم وجود غيره؛ لأن ما ذكرنا بهذه المثابة.
وإن لم تكن حاجة ففيه روايتان.
إحداهما: لا يحرم؛ لأن المنع للخيلاء.
وهي مطلوبة في الحرب غير مذمومة.
والثانية: يحرم؛ لعموم الخبر.
وظاهر كلام أحمد رحمه الله إباحته لما ذكر.
ولأنه روي أنه كان لعروة يَلْمَق 1 من ديباج بطانته من سندس يلبسه في الحرب.
وقيل: الروايتان في الحاجة وعدمها.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا.
وأما كون مَنْ ألبس الحرير الصبي لا يحرم عليه على روايةٍ؛ فلأن تحريم ذلك على الرجل لما فيه من الفخر والخيلاء وذلك مفقود في الصبي؛ لأنه يُخاف عليه ذلك.
وأما كونه يحرم عليه على روايةٍ فكما يحرم عليه أن يَسقيه الخمر.
قال: (ويباح حشو الجباب والفرش به.
ويحتمل أن يحرم).
أما كون حشو ما ذكر بالحرير يباح على المذهب؛ فلأنه ليس فيه خيلاء.
وأما كونه يحتمل أن يحرم؛ فلعموم النهي.
قال: (ويباح العَلَم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون.
وقال أبو بكر: يباح وإن كان مذهباً.
وكذلك الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء).
أما كون العلم الحرير إذا كان أربع أصابع فما دون يباح؛ فلما روى عمر أنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أصابع أو أربع أصابع» 2 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون العَلَم المذهب لا يباح وإن قل على المذهب؛ فلأن قليله ككثير الحرير لما تقدم.
وأما كونه يباح على قول أبي بكر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعاً» 1. وتفسيره الشيء اليسير مفرقاً.
وأما كون الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء كالعَلَم؛ فلأن ذلك كله مساو للعَلَم معنًى فوجب أن يساويه حكماً.
قال: (ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر).
أما كون الرجل يكره له لبس المزعفر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن التزعفر» 2 متفق عليه.
وأما كونه يكره له لبس المعصفر فلما روي عن علي رضي الله عنه قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر» 3 رواه مسلم.
وحكمه عليه حكمه على الكل لقوله صلى الله عليه وسلم: «حكمي على الواحد حكمي على الكل» 4.
باب اجتناب النجاسات
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الرابع.
فمتى لاقى ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها أو حملها لم تصح صلاته).
أما كون اجتناب النجاسات الشرط الرابع؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة؛ فلأن اجتناب دم الحيض شرط لصحتها لما روت أسماء بنت أبي بكر قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب.
فقال: اقرصيه.
ثم صلي فيه» 1.
وفي لفظ قالت: «سمعت امرأة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ فقال: تنظر فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء ولتصل فيه» 2 رواه أبو داود.
وغيره من النجاسات في معناه فوجب 3 أن يساويه في ذلك.
وفي كون اجتناب النجاسات شرطاً لصحة الصلاة إشعار بوجوب اجتنابها.
وهو صحيح لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: 4].
قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء.
وقوله عليه السلام: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» 4.
وقوله عليه السلام وقد مر بقبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» 1 متفق عليه.
وما وجب العذاب من أجله فاجتنابه واجب.
فإن قيل: الذي يجب اجتناب النجاسات فيه ويشترط لصحة الصلاة ماذا؟
قيل: في ثوب المصلي وبدنه وموضع صلاته:
أما في ثوبه؛ فلما تقدم.
وأما في بدنه؛ فلأنه إذا وجب اجتناب ذلك في ثوبه واشتُرط لصحة الصلاة وهو منفصل عنه؛ فلأن يجب ذلك في بدنه ويشترط لصحة الصلاة وهو متصل به بطريق الأولى.
وأما في موضع صلاته؛ فلأن الصلاة لا يمكن فعلها إلا في مكان فهو بالصلاة أَمَسّ من الثوب فإذا وجبت طهارة الثوب واشترطت لصحة الصلاة؛ فلأن يجب طهارة الموضع ويشترط لصحتها بطريق الأولى.
ولأن موضع الصلاة يجب أن يكون حلالاً؛ فلأن يجب أن يكون طاهراً بطريق الأولى.
وأما كون من لاقى ببدنه أو ثوبه نجاسة غير معفو عنها لا تصح صلاته؛ فلأن الملاقي لبدنه أو ثوبه موضع الصلاة واجتناب النجاسات فيه شرط لصحة الصلاة ولم يوجد.
وأما كون من حملها لا تصح صلاته؛ فلأن الحامل غير مجتنبٍ للنجاسات واجتنابها شرط لما تقدم.
وإنما اشترط فيما ذكر كون النجاسة غير معفو عنها لأن المعفو عنه لا أثر له.
قال: (وإن طين الأرض النجسة أو بسط عليها شيئاً طاهراً صحت الصلاة عليها مع الكراهة.
وقيل: لا تصح).
أما كون الصلاة على ما ذكر تصح على المذهب فلوجود الحيلولة.
وأما كون الصحة مع الكراهة؛ فلأن المصلي يعتمد في صلاته على النجاسة.
وأما كونها لا تصح على قول؛ فلأن العلو تابع للقرار.
أشبه الصلاة على القبر وسطح الحش.
وذكر ابن عقيل في المسألة روايتين.
فعلى قولنا بالصحة وهو الصحيح يشترط في الحائل أن يكون صفيقاً.
فإن كان خفيفاً أو مهلهلاً فعنه وجهان: أصحهما المنع؛ لأن المقصود منع المسيس والملاقاة ولم يوجد لعدم الحيلولة.
ويشترط أن تكون النجاسة يابسة.
فإن كانت رطبة ولم تنفذ فعنه تصح لعدم نفوذها.
وعنه: لا تصح؛ للاتحاد والاتصال.
واختارها ابن أبي موسى.
وإن تعدت لم تصح الصلاة؛ لأنه غير مجتنب للنجاسة بثوبه.
قال: (وإن صلى على مكان طاهر من بساط طرفه نجس صحت صلاته إلا أن يكون متعلقاً 1 به بحيث ينجر معه إذا مشى فلا تصح).
أما كون من صلى على ما ذكر مع عدم تعلقه به تصح صلاته؛ فلأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها.
وإنما اتصل بمصلاه نجاسة فهو كما لو صلى على بقعة طاهرة متصلة ببقعة نجسة.
وأما كونها لا تصح إذا كان المصلى عليه متعلقاً به بحيث ينجر معه إذا مشى؛ فلأنه مستتبع لما فيه نجاسة فهو كما لو حملها.
فإن قيل: ما صورة هذه المسألة؟
قيل: صورتها أن يصلي على 2 منديل أو بساط وبعض ذلك على كتفه أو متعلق به وفي طرفه نجاسة.
ومما يلحق بهذه الصورة في المنع أن يكون المصلي في وسطه أو في يده حبل مشدود بحيوان نجس كالكلب، أو بشيء فيه نجاسة كالسفينة الصغيرة وغير ذلك؛ لأن ما ذكر ينجر معه إذا مشى فهو مستتبع له أشبه ما لو حمله.
وتقييد المنع في المتعلق به بأن يكون بحيث ينجر معه إذا مشى مشعر بأنه إذا لم يكن كذلك كالبساط الكبير أن الصلاة تصح.
وهو صحيح لأن علة عدم الصحة شَبَهُهُ بالحامل لكون المصلي مستتبعاً لذلك.
وهذا المعنى مفقود فيما ذكر.
ومثله في الحكم أن يكون المشدود إلى المصلي حيواناً لا ينجر معه كالأسد، أو شيئاً لا يمكنه جره كالسفينة العظيمة.
قال: (ومتى وَجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أو لا؟ فصلاته صحيحة.
فإن علم أنها كانت في الصلاة لكنه جهلها أو أنسيها فعلى روايتين).
أما كون صلاة من وَجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت عليه في الصلاة أو لا صحيحة؛ فلأن الأصل عدم كونها فيها فلا تبطل بالشك.
وأما كونها صحيحة إذا علم أنها كانت عليه في الصلاة لكنه جهلها على روايةٍ؛ فلما روى أبو سعيد قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه.
فوضعهما عن يساره.
فخلع الناس نعالهم.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته.
قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا.
فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً» 1 رواه أبو داود.
ولو كانت الطهارة شرطاً مع الجهل للزم استئناف الصلاة.
وأما كونها غير صحيحة على روايةٍ؛ فلأن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة فلم تسقط مع الجهل كطهارة الحدث.
والأولى أصح؛ لما ذكر قبل.
والقياس على الحدث لا يصح؛ لأن الطهارة من الحدث آكد؛ لأنه 2 لا يعفى عن يسيرها ويختص بالبدن دون غيره.
وأما كون صلاة من علم أنها كانت عليه في الصلاة لكنه أنسيها على روايتين؛ فلأن الناسي أخو الجاهل.
قال: (وإذا جُبّر ساقه بعظم نجس فجَبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر، وإن لم يخف لزمه).
أما كون من جُبّر ساقه بما ذكر فجَبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر.
والمراد خوف الضرر بفوات نفس أو عضو أو مرض؛ فلأن حراسة النفس وأطرافها من الضرر واجب وهو أهم من رعاية شرط الصلاة.
ولهذا يحبس الماء للعطش.
ولا يلزمه شراء سترة، ولا ماء للوضوء بزيادة تجحف بماله فإذا جاز ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله فترك شرط مختلف فيه لأجل بدنه بطريق الأولى.
وقيل: يلزمه قلعه إلا أن يخاف تلف نفسه لأن من جبر 1 ساقه بعظم نجس عاص والعاصي يؤاخذ بإزالة فعله.
وأما كونه يلزمه فعله إذا لم يخف ذلك؛ فلأنه أمكنه تحصيل شرط الصلاة من غير ضرر فلزمه؛ لما تقدم من الأدلة الدالة على الاشتراط والوجوب السالمة عن معارضة الضرر.
قال: (وإن سقط سنه فعادها 2 بحرارتها فثبتت فهي طاهرة.
وعنه أنها نجسة حكمها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه).
أما كون السن المعادة بعد سقوطها طاهرة إذا ثبتت على المذهب؛ فلأنها بإيصالها صار لها حكم الأصل الذي لم يسقط وذلك طاهر.
فلتكن هذه مثله.
وأما كونها نجسة على روايةٍ؛ فلأنها أبينت من حي فلتكن نجسة لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أبين من حي فهو ميت» 3.
وأما كون حكمها على القول بنجاستها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه؛ فلأنها على هذه الرواية عظم نجس فوجب أن يساوي العظم النجس في الأصل ضرورة تساويهما حينئذ في أصل النجاسة.
قال: (ولا تصح الصلاة في المقبرة، والحمام، والحش، وأعطان الإبل التي تقيم فيها وتأوي إليها، والموضع المغصوب.
وعنه تصح مع التحريم.
وقال بعض أصحابنا: حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك).
أما كون الصلاة في المقبرة والحمام لا تصح على الصحيح من المذهب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» 1 رواه أبو داود.
وأما كونها في الحش لا تصح؛ فلأن احتمال النجاسة فيه أكثر من المقبرة والحمام فالمنع من الصلاة فيهما تنبيه على المنع من الصلاة فيه.
وأما كونها في أعطان الإبل لا تصح؛ فلما روى جابر بن سمرة «أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم.
قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا» 2 رواه مسلم.
وأما كون أعطان الإبل هي التي تقيم فيها وتأوي إليها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأعطان مقابلة مراح الغنم حين قال: «صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل» 3.
والمراح: هو الذي يراح إليه ويستراح فيه فكذلك الأعطان.
وأما كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح؛ فلأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه فلم تقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض.
وكلام المصنف رحمه الله في كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح يقتضي التعميم سواء كانت جمعة أو غيرها.
وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على صحة الجمعة في الموضع المغصوب؛ لأنها تختص بموضع معين.
والمنع من الصحة يفضي إلى تعطيلها.
ولذلك جاز فعلها خلف الخوارج وأهل البدع والفجور.
بخلاف باقي الصوات.
فعلى هذا يجب تخصيص كلام المصنف رحمه الله هنا بالصلوات المفروضات والنوافل وما أشبه ذلك مما ليس بجمعة.
وأما كون الصلاة فيما ذكر تصح على روايةٍ: أما فيما عدا الموضع المغصوب؛ فلأن الصلاة في ذلك كله كالصلاة في الموضع المغصوب لاشتراكهما في النهي.
وسيأتي دليل صحتها فيه فيما بعد.
فيجب أن تصح فيما ذكر لاشتراكهما فيما ذكر.
وأما في الموضع المغصوب؛ فلأنه لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنهم أمروا الظلمة بإعادة ما صلوا في المواضع المغصوبة ولو لم يصح لأمروهم بذلك.
ولأن النهي لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب.
وأما قول المصنف رحمه الله: مع التحريم؛ فتنبيه على أن تحريم الصلاة في المواضع المذكورة لا خلاف فيه وإن اختلف في الصحة؛ لأن النهي ورد وظاهره التحريم.
وأما كون حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق حكم المقبرة على قول بعض الأصحاب فلما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظهر بيت الله، والمقبرة 1، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق» 2 رواه ابن ماجة.
ولأن المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق مظان للنجاسة أشبهت الحش والحمام.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن الصلاة في المواضع الثلاثة صحيحة عنده.
وقال في المغني: هو قول أكثر أهل العلم.
وعلله بأن قوله عليه السلام: «جعلت لي الأرض مسجداً» 1 صحيح متفق عليه.
استثني منه المقبرة والحمام والمعاطن للأحاديث الواردة فيها فيبقى فيما عداها على العموم.
ثم قال: حديث المواضع السبعة رواه العمري وزيد بن جبيرة وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما.
فإن قيل: ما المراد بالمواضع المذكورة؟
قيل: المجزرة هي موضع ذبح البهائم، والمزبلة: هي التي تجمع فيها الزبل، وقارعة الطريق: هي الطريق الجادة المسلوكة السابلة.
وليس المراد كل طريق لأنه لا يخلو موضع من المشي فيه.
ولأن قارعة الطريق إنما سميت بذلك لكثرة قرع الأقدام لها وذلك مفقود في كل طريق.
وأما كون حكم أسطحة ما ذكر حكم المقبرة؛ فلأن سطح الشيء له حكم أسفله؛ لأن الجنب يُمْنع من اللبث على سطح المسجد.
والضمير في قوله: وأسطحتها يحتمل عوده إلى المواضع الثلاثة المذكورة.
قيل: ويحتمل عوده إلى جميع مواضع النهي.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني.
لأنه نقل عن القاضي أنه علل المنع من الصلاة على ساباط شيء على طريق نافذ بأن العلو تابع للقرار فيثبت فيه حكمه.
ثم قال: وعُدي الحكم إلى جميع أسطحة مواضع النهي.
وقال صاحب النهاية بعد ذكره المسألة المذكورة: وطرد القاضي هذا 2 في المواطن كلها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن حكم الأسطحة ليس حكم القرار.
وصرح به في المغني فقال: الأولى قصر الحكم على ما يتناوله النهي فلا يتعداه إلى سطح ولا ما سواه؛ لأنه لا يتناوله ولا يُتخيل فيه معنى.
ولو علل بالتبعية لم يمنع من الصلاة على الساباط الذي على النهر لكون القرار لا يمنع من الصلاة عليه في سفينة.
ولكان ينبغي أن
تصح الصلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها من الساباط لكونه لا يمنع من الصلاة في قرار ذلك.
قال: (وتصح الصلاة إليها إلا المقبرة والحش في قول ابن حامد).
أما كون الصلاة إلى المواضع المذكورة ما خلا المقبرة والحش تصح؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً.
فحيث ما أدركتك الصلاة فصل» 1. خص منه ما تقدم قبل.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كونها إلى المقبرة والحش يصح على المذهب؛ لما تقدم.
وأما كونها لا تصح على قول ابن حامد؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» 2.
والحش في معنى القبور؛ لأن المنع من الصلاة فيه ثبت بطريق التنبيه فكذا الصلاة إليه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المنع على قول ابن حامد مختص بالمقبرة والحش.
وقال القاضي: في هذا -يعني المنع إلى المقبرة والحش- تنبيه على نظائره من المواضع المنهي عن الصلاة فيها.
وفي كلام القاضي نظر؛ لأن النهي عنده في المواضع المنهي عنها تعبد فكيف يعدي ذلك إلى غيرها؟ ومن شرط التعدية فهم المعنى.
قال: (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها.
وتصح النافلة إذا كان بين يديه شيء منها).
أما كون صلاة 3 الفريضة لا تصح في الكعبة ولا على ظهرها؛ فلقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: 144] أي نحوه وجهته.
والمصلي في الكعبة أو على ظهرها غير مستقبل جهتها.
ولأن المصلي فيها يستدبر منها ما يصلح أن يكون قبلة مع القدرة وذلك يبطل الفرض.
والمصلي عليها ليس مصلياً إليها وقد أمر بالصلاة إليها.
وأما كون النافلة تصح في الكعبة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين» 1 متفق عليه.
ولأن النافلة دخلها التخفيف بدليل جواز ترك الاستقبال في السفر.
وأما كونها تصح على ظهرها؛ فلأن ما تصح الصلاة في أسفله تصح على ظهره.
دليله سائر المواضع.
واشترط المصنف رحمه الله في صحة النافلة أن يكون بين يدي المصلي شيء من الكعبة ليكون مستقبلاً بعضها.
فعلى هذا لو صلى إلى جهة الباب أو على ظهرها ولا شيء بين يديه لم تصح لانتفاء شرط الصحة.
باب استقبال القبلة
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الخامس لصحة الصلاة إلا في حال العجز عنه.
والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير.
وهل يجوز التنفل للماشي؟ على روايتين.
فإن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين).
أما كون استقبال القبلة الشرط الخامس؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة في غير المستثنى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: 144] أي نحوه.
كما أنشدوا:
ألا من مُبلغ عنا رسولاً... وهل تُغْني الرسالة شَطْر عمرو
أي نحو عمرو.
وروي عن البراء قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً.
ثم إنه وُجِّه إلى الكعبة.
فمر رجل كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار.
فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُجّه إلى الكعبة.
فانحرفوا إلى الكعبة» 1 أخرجه النسائي.
وأما كونه لا يشترط في حال العجز كالمصلوب يصلي على حسب حاله؛ فلأنه فرضٌ عجز عنه.
أشبه القيام.
وكالصلاة في حال المسايفة.
وسيأتي ذكر ذلك في فصل صلاة الخوف إن شاء الله تعالى 2.
وأما كونه لا يشترط في صلاة النافلة على الراحلة في السفر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه.
يومئ برأسه.
وكان يوتر على بعيره» 1 متفق عليه.
و«كان يصلي على حماره» 2 رواه أبو داود.
واعلم أن غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة في الجملة فأما تفصيل ذلك فالراحلة على ضربين:
أحدهما: ما يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه بفخذيه وساقيه كراحلة السرج والقتب فهذه يباح لراكبها ترك الاستقبال في جميع صلاته.
ويومئ بالركوع والسجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يركب.
وعلى مثل هذه الحالة كان يتنفل.
الثاني: ما لا يحتاج فيها إلى حفظ الراكب نفسه كالهودج والمحمل ونحوهما.
فهذا إن أمكن راكبها الاستقبال في جميع الصلاة والركوع والسجود على ما هو عليه لزمه ذلك لأنه ممكن غير مشق.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك؛ لأن الرخصة إذا كانت عامة تعم من وجدت في حقه المشقة ومن لم يوجد.
ولأن في ذلك إضراراً بدابته لتنقله وحركته.
فلم يلزمه قياساً على راكب السرج.
ويحتمل أن يكون غرض المصنف رحمه الله هنا بيان عدم اشتراط استقبال القبلة في النافلة على كل راحلة كمذهب الآمدي.
وظاهر إطلاقه يؤيد ذلك.
وأما كون ما تقدم ذكره في السفر الطويل والقصير؛ فلأن تجويز ذلك إنما كان تخفيفاً في التطوع كيلا يؤدي إلى تقليله وقطعه.
وهذا المعنى موجود في القصير فوجب إلحاقه بالطويل ومساواته له في الجواز.
وأما كون التنفل للماشي يجوز على روايةٍ؛ فلأن الإفضاء إلى التقليل والقطع موجود فيه أشبه الراكب.
فإن قيل: الراكب كالماشي مطلقاً.
قيل: لا.
بل مثله في جواز ترك الاستقبال.
أما جواز الإيماء بالركوع والسجود فليس له ذلك.
ويلزمه الركوع والسجود على الأرض مستقبلاً؛ لإمكان ذلك.
بخلاف الراكب فإن له أن يومئ بهما.
وقال أبو الحسن الآمدي: لا يلزمه ذلك بل يومئ بهما كالراكب لأنها حالة أبيح فيها ترك الاستقبال فلم يجب عليه الركوع والسجود كالراكب.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على روايةٍ.
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن الرخصة وردت في الراكب، والماشي بخلافه لأنه يأتي في الصلاة بعمل كثير.
وأما كون مَن أمكنه افتتاح الصلاة إلى القبلة يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه قادر عليه فلزمه كما لو قدر عليه في جميع الصلاة من غير مشقة.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأنه جزء من أجزاء الصلاة فلم يلزمه كبقية أجزائها، [والحديث يحمل على الندب] 1.
واعلم أن الضمير في قول المصنف رحمه الله: فإن أمكنه؛ يجب عوده إلى الراكب لا إلى الماشي ولا إليه وإلى الراكب، مع أن في عوده إلى الراكب أيضاً نظرٌ:
أما كونه لا يعود إلى الماشي وحده ولا إليه وإلى الراكب؛ فلأن الماشي يلزمه استقبال القبلة حال افتتاح الصلاة إذا أمكنه ذلك على روايةٍ واحدة ذكر ذلك صاحب النهاية.
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أنه يلزمه الاستقبال ولم يحك خلافه.
ولم يحك صاحب المستوعب ولا غيره ممن طالعت تصنيفه مع إمعان المطالعة والمبالغة من أجل تصحيح كلام المصنف رحمه الله هنا غير ذلك.
وأما كون عوده إلى الراكب وحده فيه نظر؛ فلأن الروايتين المذكورتين في الاستقبال حال الافتتاح إنما هما في حال المسايفة: أما النافلة في السفر على الراحلة فإنه ينظر فيها: فإن كانت مقطورة [أو لا تطيع راكبها في انفتالها لم يلزمه الاستقبال؛ لأنه لا يمكنه إلا بمشقة.
وإن كانت غير مقطورة] 2 وتطيعه فالمذهب أنه يلزمه الاستقبال حال الافتتاح ذكره صاحب النهاية فيها وقدمه المصنف في المغني.
واحتجا عليه بأن النبي
صلى الله عليه وسلم «كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» 1 رواه أبو داود.
وأما عدم لزوم الاستقبال حال الافتتاح فهو مُخَرّج على صلاة الخوف.
ذكره المصنف رحمه الله في المغني وصاحب النهاية فيها.
ولم يحكه واحد منهما رواية.
ولم أعلمه لأحد من الأصحاب.
ويمكن أن يتعذر عن إطلاق المصنف رحمه الله الروايتين إذا أراد بذلك الراكب بأن المخرج على روايةٍ قد يطلق عليه رواية نظراً إلى أنه مأخوذ منها.
أو يقال بأن المصنف رحمه الله اطلع على روايةٍ لم يطلع عليها غيره ولم ينقلها إلا في مقنعه وفيه بُعْدٌ.
وصرح في الكافي بأن في الاستقبال إذا كان سهلاً وجهين.
قال: (والفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب منها.
وإصابة الجبهة لمن بعد عنها).
أما كون الفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب من الكعبة فلا خلاف فيه.
ووجهه أنه قادر على التوجه إلى عين الكعبة قطعاً فلم يجز العدول عنه والتوجه إليها ظناً.
والمراد بمن قرب المشاهِدُ لها ومن كان بمكة من أهلها أو ناشئاً بها من وراء حائل محدث كالجدران:
أما المشاهد لها؛ فلأنه قادر على إصابة العين من غير مشقة البتة.
وأما من كان من وراء حائل ممن ذكر؛ فلأنه قادر على إصابة العين بأسباب موصلة إلى ذلك قطعاً على وجه السهولة واليسر فلزمه ذلك كمن صلى بحضرة الكعبة وبينه وبينها رجل قائم أو ستر معلق فإنه يلزمه أن يتسبب إلى أن يعلم عين الكعبة فكذلك هاهنا.
وأما كون الفرض فيها إصابة الجهة لمن بَعُد عنها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
تُرك العمل به 3 في حق من قرب لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
ولأن الإجماع منعقد على صحة صلاة المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه لا فرق فيمن بَعُد بين من كان قريباً من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يكن.
ووجهه عموم ما تقدم.
وقال أبو الخطاب: حكم من قرب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حكم من قرب من الكعبة.
وصرح به المصنف رحمه الله في المغني.
ووجهه أن قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة قطعاً لأنه لا يقر على الخطأ.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الفرض إذا كان الجهة لم يكن نصب القبلة إلى غير العين خطأ.
وفي قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: 144] دليل على أن الفرض الجهة؛ لأن الشطر قد فسر بالنحو.
والنحو الجهة لا العين.
ويعضده قوله عليه السلام: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» 1.
قال: (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به.
وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لم يلتفت إليها).
أما كون من أمكنه معرفة القبلة بخبر ثقة عن يقين يلزمه العمل به؛ فلأن الخبر كالنص فلزم قبوله.
ولم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد معه كالحاكم إذا وجد النص.
وأما كون من أمكنه ذلك باستدلالٍ بمحاريب المسلمين يلزمه ذلك؛ فلأن أهل الخبرة والمعرفة بنوها على الصحة.
فجرى ذلك مجرى الخبر عن يقين.
وفي تقييد المصنف رحمه الله خبر الثقة بكونه عن يقين إشعار بأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز له العمل بقوله.
وهو صحيح.
صرح به صاحب الهداية فيها.
ووجهه أن العالم لا يجوز له العمل باجتهاد غيره فكذا هذا.
وأما كون من وَجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا؟ لا يلتفت إليها فلاحتمال كونها لغير المسلمين.
قال: (وإن اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل، وأثبتُها القطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلاً للقبلة).
أما كون من اشتبهت عليه القبلة في السفر ولم يمكنه معرفتها بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين يجتهد في طلبها بالدلائل إذا كان عالماً بها؛ فلأن له طريقاً إلى معرفتها بالاجتهاد فلزمه ذلك كالعالم بالحادثة.
والمجتهد في القبلة هو العالم بأدلتها سواء كان عالماً بأحكام الشرع أو لم يكن.
فإن كل من علم أدلة شيء كان من أهل الاجتهاد فيه وإن جهل غيره.
فإن قيل: من دخل وقت الصلاة عليه وهو غير عارف بالقبلة ولا بدلائلها ما يصنع؟
قيل: إن أمكنه تعلم ذلك لزمه.
فإن ضاق الوقت قبل التعلم جاز أن يقلد كتعلم الفاتحة يجب مع السعة، ويجزئ غيرها مع الضيق.
وهل يجب على من يريد السفر تعلم ذلك؟
قال قوم: يجب.
وهو متجه.
ويحتمل أن لا يجب لأن جهة القبلة مما يندر التباسه، والمكلف يجب عليه تعلم ما يعم لا ما يندر.
فإن قيل: ما دلائل القبلة؟
قيل: أمور: أحدها النجوم.
قال الله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: 16].
وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: 97].
وباقيها يأتي ذكره.
وأما كون أثبت أدلة القبلة القطب؛ فلأنه لا يزول عن مكانه ويمكن كل واحد معرفته غالباً.
فإن قيل: ما صفته؟
قيل: هو نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى أحد طرفيها الفرقدان وفي الآخر الجدي وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل.
تدور هذه الفراشة حول القطب دور الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة.
وحول الفراشة بنات نعش وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة.
وأما كونه إذا جعله المصلي وراء ظهره يكون مستقبلاً للقبلة؛ فلأنه قد أخبر بذلك ثقات عن يقين.
ولا بد أن يلحظ في ذلك كون المصلي في الشام لأن ذلك إنما يكون كذلك في البلاد الشامية.
وقيل: أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلاً.
فإن قيل: لو استدبر الفرقدين أو الجدي.
قيل: يكون مستقبلاً للجهة.
قال: (والشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها كلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب عن يمين المصلي.
والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه، والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب.
والدبور تهب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن.
والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها).
أما كون الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بها ويقاربها من دلائل القبلة؛ فلأنها تطلع في الجملة من المشرق وتغرب في المغرب لكن الشمس تطلع من المشرق عن يسار المصلي وتغرب في المغرب عن يمينه.
وأما القمر فيبدو أول ليلة الشهر هلالاً في المغرب عن يمين المصلي.
ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلاً حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في القبلة مائلاً عنها قليلاً إلى المغرب.
ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدراً تاماً.
وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريباً منها وقت الفجر.
وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق.
وتختلف مطالعه بحسب اختلاف منازله.
وأما المنازل فثمانية وعشرون منزلاً وهي:
السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والدباغ، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، الصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلح، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت.
وصورة ذلك مذكورة في الكتب المطولة.
وأما كون الرياح من دلائل القبلة؛ فلأن العرب يعرفونها ويستدلون بها على القبلة.
والرياح التي ذكرها المصنف رحمه الله دلائل قبلة العراق.
وأما قبلة الشام فهي مشرقة عن قبلة العراق.
فيكون مهب الجنوب لأهل الشام قبلة.
وهو من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس في الشتاء.
والشمال: مقابلتها تهب من ظهر المصلي لأن مهبها من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف.
قال الأصمعي: وليس في الرياح ما له دري غيرها وهو ما تسقيه إلى حائط أو شجرة.
والصبا تهب من يسرة المصلي المتوجه إلى قبلة الشام لأن مهبها من مطلع الشمس في الصيف إلى مطلع العتوق.
قاله الفراء.
والدبور: مقابلتها.
وربما تدور هذه الرياح بين الحيطان والجبال فلا تعتبر إذاً.
قال: (وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه.
ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه).
أما كون من اختلف اجتهادهما لا يتبع أحدهما صاحبه؛ فلأن فرض كل واحد منهما 1 ما يؤديه إليه اجتهاده فلا يجوز له أن يقلد صاحبه وإن كان أعلم منه؛ كالعالمين المختلفين في الحادثة.
ولا فرق بين من اجتهد فأداه اجتهاده إلى جهة، وبين من لم يجتهد مع كونه أهلاً للاجتهاد؛ لأن الأهل أمكنه الاجتهاد فلزمه كالحاكم.
ولا بين أن يكون الوقت متسعاً أو ضيقاً لما ذكر.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يقلد مع الضيق.
وأشار إلى قول أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى وصلى إلى غير القبلة يعيد لأن عليه أن يسأل.
فجعل فرضه السؤال.
وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر.
بل فيه دلالة على أن المجتهد في المصر لا يجتهد؛ لأنه يمكنه التوصل إلى القبلة بطريق الخبر عن يقين أو بطريق الاستدلال بالمحاريب.
وأما كون كل واحدٍ من الجاهل والأعمى يتبع أوثقهما في نفسه؛ فلأن الصواب إليه أقرب.
والمراد بأوثقهما في نفسه أعلمهما عنده وأصدقهما قولاً وأشدهما تحرياً لدينه.
فعلى هذا لو قلد المفضول لم يصح.
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ترك ما يغلب على ظنه أن الصواب فيه.
فلم يتسع له ذلك كالمجتهد إذا ترك اجتهاده.
قال: (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعادا.
فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى.
وفي الإعادة وجهان.
وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد.
وإن أصاب فعلى وجهين).
أما كون البصير إذا صلى في الحضر فأخطأ يعيد؛ فلأنه إنما عذر في الخطأ في السفر لأنه مظنة الاشتباه وعدم الأدلة الموصلة إلى الإصابة يقيناً.
بخلاف الحضر فإنه يمكنه التوصل إلى ذلك بالخبر عن يقين وبالاستدلال بالمحاريب.
وتقييد الإعادة بالخطأ مشعر بأنه إذا أصاب لم يعد.
وهو صحيح؛ لأنه مأمور بالصلاة إلى القبلة وقد وجدت.
وقيل: يعيد مع الإصابة؛ لأنه ترك فرضه وهو السؤال.
والغالب عليه عدم الإصابة فوجب عليه الإعادة ولو أصاب لأنه ترك فرضه مع أنه يغلب على الظن عدم إصابته.
ولوجوب الإعادة عليه أخطأ أو أصاب أطلق المصنف رحمه الله الحكم المذكور.
وأما كون الأعمى الذي لا يجد من يقلده يصلي؛ فلأن فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول.
ولأنه لو لم يصل لأدى ذلك إلى خلو الوقت عن صلاة في الجملة.
وذلك لا يجوز.
دليله من عدم الماء والتراب.
وأما كونه يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه مع عدم الدليل صلى شاكاً في تأدية فرضه فوجب عليه الإعادة وإن أصاب أشبه واجد الدليل إذا صلى بلا سؤاله.
وأما كونه لا يعيد أخطأ أو أصاب في وجهٍ؛ فلأنه قد أتى بما في وسعه وما كلف به فلم تجب الإعادة عليه كالمجتهد.
وأما كونه إن أخطأ أعاد وجهاً واحداً في قول ابن حامد؛ فلأنه اجتمع فيه أمران الصلاة بغير دليل وعدم الإصابة، وإن أصاب على وجهين؛ فلأن النظر إلى أن المقصود إصابة القبلة وقد وجد يقتضي أن لا يعيد.
فإن قيل: فرضه السؤال ولم يوجد.
قيل: فرض السؤال يسقط بعدم المسؤول.
وبه يظهر الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا صلى مع وجود الدليل ولم يسأله.
والنظر إلى أن العبادة جعلت في الوقت على نوع من الخلل يقتضي أن يعيد لما في ذلك من الاستدراك لما حصل من الخلل.
ويعضد ذلك وجوب الإعادة على من صلى عادماً للماء والتراب على إحدى الروايتين.
قال: (ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه قد أخطأ القبلة فلا إعادة عليه.
وإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها.
فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول).
أما كون من صلى بالاجتهاد ثم علم أنه أخطأ القبلة لا إعادة عليه؛ فلما روى عبدالله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة.
فلم ندر أين القبلة.
فصلى كل رجل منا على حياله.
فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿فأينما تولوا... الآية﴾ [البقرة: 115]» 1 رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أشعث السمان.
وفيه ضعف.
ولأن عدم العلم عذر في ترك الاستقبال بدليل «أن أهل قباء لما أُخبروا بتحول القبلة لم يبتدئوا الصلاة» 2.
وأما كونه إذا أراد صلاة أخرى يجتهد لها مرة أخرى؛ فلأنها واقعة جديدة فيستدعي اجتهاداً جديداً كطالب الماء في التيمم.
وأما كونه يعمل بالثاني إذا تغير اجتهاده؛ فلأنه ترجح في ظنه.
والعمل بالراجح متعين.
وأما كونه لا يعيد ما صلى بالأول؛ فلأنه لو وجبت الإعادة لكان نقضاً للاجتهاد بالاجتهاد.
وذلك غير جائز لعدم تناهيه.
ولأنه لا يعيد مع يقين الخطأ فمع عدم اليقين بطريق الأولى.
باب النية
النية: العزم والقصد.
يقال: نوى فلان كذا إذا قصده وعزم عليه.
ومحل النية القلب.
والتلفظ ليس بشرط؛ لأن الغرض جعل العبادة لله وذلك حاصل بالنية.
لكن يستحب أن يَتلفظ بما نواه؛ لأن فيه تأكيد النية.
فلو نوى صلاة وسبق لسانه إلى غيرها لم يضر؛ لأن الشرط النية وهي حاصلة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال).
أما كون النية الشرط السادس؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كونها شرطاً لصحة الصلاة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 1.
ولأن الصلاة قربة محضة فاشترطت لها النية كالصوم.
وأما قول المصنف رحمه الله: على كل حال؛ فمعناه والله أعلم أنها شرط مع العلم والجهل والذكر والنسيان وغير ذلك.
ووجهه عموم ما تقدم.
ولأن مسلوب القصد في أي حالٍ كان شبيه بالمجنون فلم تصح عبادته بالقياس عليه.
قال: (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة وإلا أجزأته نية الصلاة).
أما كون المصلي يجب عليه أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة كالظهر والعصر والوتر والضحى وما أشبه ذلك؛ فلأنها لا تُمَيَّز عن غيرها إلا بذلك.
وأما كونه يجزئه نية الصلاة في غير المعينة كالنافلة المطلقة؛ فلأنه إذا نوى الصلاة دخل في نيته مطلق الصلاة.
ضرورة أن المطلق لا بد من وجوده في مسمى الصلاة.