قال: (الرابع: مس الذكر بيده ببطن 1 كفه أو بظهره).
أما كون مس الذكر من نواقض الوضوء فلما روت بسرة بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مس ذكره فليتوضأ» 2 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وأما كون مس الذكر ينقض ببطن الكف أو بظهره فلشمول الحديث لذلك.
وعن الإمام أحمد لا ينقض مسه بظاهر الكف لأن اللمس غالبًا إنما يستعمل بباطن الكف.
ولا فرق بين ذكره وذكر غيره في النقض لأن نصه على نقضه بمس ذكره مع إباحة مسه تنبيه على النقض بمس ذكر غيره مع كونه معصية بل بطريق الأولى.
وفي بعض الألفاظ: «من مس الذكر فليتوضأ» 3.
ولا بين كون الممسوس صغيرًا أو كبيرًا حيًا أو ميتًا.
ولا بين كون اللامس عامدًا أو ساهيًا أو صغيرًا أو كبيرًا.
ولا بين رأس الذكر وأصله لشمول الاسم لذلك كله.
وعن الإمام أحمد في السهو أنه لا ينقض لأنه معفو عنه.
وأن النقض مختص برأس الذكر دون أصله لأنه مظنة الشهوة غالبًا.
قال: (ولا ينقض مسه بذراعه.
وفي مس الذكر المقطوع وجهان).
أما كون مس الذكر بالذراع لا ينقض؛ فلأن الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع يحمل على الكوع دليله السارق.
وعن أحمد رضي الله عنه ينقض لأنه من يده.
والأول أصح لما ذكر.
وأما كون مس الذكر المقطوع ينقض في وجه فلبقاء الاسم.
وأما كونه لا ينقض في وجه فلذهاب الحرمة والشهوة أشبه فرج البهيمة.
قال: (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوؤه.
وإن مس أحدهما لم ينتقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة).
أما كون من لمس قبل الخنثى المشكل وذكره ينتقض وضوؤه؛ فلأن لمس الفرج هنا متيقن لأن الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره وإن كان أنثى فقد مس فرجها.
وأما كون من لمس أحدهما غير المستثنى لاينتقض وضوؤه فلاحتمال أن يكون غير فرج فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال.
وأما كون الرجل إذا لمس ذكر الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤه؛ فلأن الخنثى إن كان رجلاً فقد لمس ذكرًا وإن كان امرأة فقد لمس الرجل امرأة لشهوة.
هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله.
واعلم أنه إذا لمس أحدهما ينتقض في روايةٍ أخرى لم يذكرها المصنف هنا.
وهي أن تلمس المرأة قُبُلَه لشهوة؛ لأن الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان رجلاً فقد لمسته لشهوة.
صرح به صاحب المجرد فيه.
قال: (وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان.
وعنه لا ينقض مس الفرج بحال).
أما كون مس الدبر ينقض في روايةٍ فلعموم قوله: «من مس ذكره فليتوضأ» 1.
وقياسًا على الذكر.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ؛ فلأنه لم يرد فيه نص صريح.
وقوله: «من مس فرجه» المراد به الذكر لأن المشهور من الحديث: «من مس ذكره فليتوضأ» والمطلق يجب حمله على المقيد.
وأما كون مس المرأة فرجها ينقض في روايةٍ فلما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ» 1.
ولما تقدم من عموم قوله: «من مس فرجه فليتوضأ» 2.
ولأنه أحد الفرجين أشبه الآخر.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلما تقدم من أن المطلق يحمل على المقيد.
والحديث ضعيف.
وأما كون مس الفرج لا ينقض بحال على روايةٍ فلما روى قيس بن طلق عن أبيه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة.
فقال: هل هو إلا بضعة منك» (1) رواه أبو داود.
والأول أصح لما تقدم من حديث بنت صفوان (2).
وعن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة» 4 رواه الدارقطني.
وأما حديث قيس بن طلق فضعيف.
وعلى تقدير صحته هو منسوخ؛ لأنه كان في أول الهجرة، وما روي في النقض متأخر عن ذلك.56
قال: (الخامس: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة.
وعنه لا ينقض.
وعنه ينقض لمسها بكل حال.
ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر والأمرد.
وفي نقض وضوء الملموس روايتان).
أما كون مس بشرة الرجل بشرة أنثى لشهوة من نواقض الوضوء على المذهب فلما يأتي.
وأما كونه لا ينقض بحال على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبّل امرأة من نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه ينقض بكل حال على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: 6] قراءة ابن مسعود.
والأول هو الصحيح لأن فيه جمعًا بين القرآن الكريم وبين فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. فتحمل الآية على السهو، ويحمل فعله على أنه كان لغير شهوة.
ولا فرق في هذا اللمس بين الأجنبية وذات المحرم.
والصغيرة والكبيرة.
والحية والميتة لعموم الآية ووجود العلة.
واختار الشريف أبو جعفر وابن عقيل أن لمس الميتة لا ينقض لأنها ليست محلاً للشهوة فهي كالرجل.
وهذا اللمس مختص بالعضو المتصل؛ لأن المنفصل خرج أن يكون محلاً للشهوة.
وأما كون لمس الشعر والسن والظفر لا ينقض؛ فلأن ذلك ينفصل عن المرأة حال السلامة أشبه الدمع والعرق.
ولأنه لا يقع على المرأة الطلاق بإضافته إليه، ولا الظِّهار فكذلك لا ينقض الوضوء.
وأما لمس الأمرد لا ينقض فلعدم تناول الآية له.
ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعًا.
وأما كون وضوء الملموس ينقض في روايةٍ فقياسًا على اللامس.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلعموم تناول الآية لذلك.
وقياسه على اللامس لا يصح لأن الحدث في حقه أدعى منه حق الملموس.
قال: (السادس: غسل الميت.
السابع: أكل لحم الجزور لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» 1. فإن شرب من لبنها فعلى روايتين.
وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين).
أما كون غسل الميت من نواقض الوضوء فـ «لأن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء».
وعن أبي هريرة قال: «أقل ما فيه الوضوء».
ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
ولأن الغالب أنه لا يسلم أن تقع يده على فرجه فكانت مظنة ذلك قائمة مقام حقيقته كالنوم.
وأما كون أكل لحم الجزور من نواقض الوضوء فلما ذكر المصنف من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» رواه الإمام أحمد.
ولا فرق في النقض به بين كونه نيًا أو مطبوخًا أو مشويًا.
ولا بين كون الآكل عالمًا أو جاهلاً لعموم الحديث.
فإن قيل: فقد روى جابر «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مسته النار» 2 رواه النسائي.
قيل: لا دلالة في ذلك إلا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار لأجل كونه ممسوسًا بالنار.
ونحن نقول به ولذلك ينتقض الوضوء بأكل لحم الجزور نيًا.
وعن الإمام أحمد رحمه الله أن من لم يعلم بالحديث لا ينتقض وضوؤه لعذره.
وعنه: لا ينقض بحال؛ لقوله عليه السلام: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل» 1 رواه الدارقطني.
ولأنه مأكول أشبه لحم الغنم.
والصحيح الأول لما ذكرنا.
ولأن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا.
قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم» 2 رواه مسلم.
والأحاديث في هذا صحيحة كثيرة.
فإن قيل: المراد بالوضوء غسل اليدين لأن الوضوء المقرون بالأكل يراد به الغسل ولذلك حمل عليه «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوضوء قبل الطعام وبعده» 3.
قيل: هذا التأويل غير صحيح من وجوه أربعة:
أحدها: أنه حمل للأمر على الاستحباب وهو ظاهر في الوجوب.
الثاني: أنه حمل للوضوء الوارد من الشرع على غير موضوعه الشرعي.
الثالث: أنه جمع بين ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين ما نهى عنه فـ «إنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء من لحم الإبل ونهى عنه من لحم الغنم» والخصم يقول يستحب فيهما.
الرابع: أن السائل سأل عن الوضوء من لحم الإبل والصلاة في مباركها، والوضوء المقترن بالصلاة لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي.
وأما كون الشرب من لبنها ينقض على روايةٍ فلما روي عن أسيد بن حضير «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ألبان الإبل.
فقال: توضؤا من ألبانها» 1 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وابن ماجة.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن الحديث الصحيح إنما ورد في اللحم فيجب الاقتصار عليه.
وأما كون الأكل من كبدها أو طحالها ينقض على وجه؛ فلأن ذلك من جملة الجزور فإطلاق لفظ اللحم تناوله بدليل أن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير تناول ذلك جميع أجزائه.
وأما كونه لا ينقض على وجه؛ فلأنه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى ما نص عليه فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
فإن قيل: ما حكم دهنها وسنامها ومرقها وسائر أجزائها.
قيل: حكم كبدها لاشتراك ذلك كله فيما ذكر قبل.
قال: (الثامن: الردة عن الإسلام).
أما كون الردة وهي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام من نطق أو اعتقاد أو شك من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: 65].
والوضوء عمل وهو باق حكمًا يبطل بجميع مبطلات الوضوء.
ولأنه عبادة فأفسدته الردة كالصلاة.
ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس: «الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان».
فيفسد الوضوء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 1 متفق عليه.
قال: (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين.
فإن تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فإن [كان] 2 متطهرًا فهو محدث، وإن كان محدثًا فهو متطهر).
أما كون من تيقن الطهارة وشك في الحدث يبني على اليقين وهو الطهارة هنا فلما روى عبدالله بن زيد «شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.
قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» 3 متفق عليه.
ولأن اليقين لا يزول بالشك.
وأما كون من تيقن الحدث وشك في الطهارة يبني على اليقين وهو الحدث هنا فلما تقدم من أن اليقين لا يزول بالشك.
ولأنه إذا بنى من تيقن الطهارة وشك في الحدث على اليقين؛ فلأن يبني من تيقن الحدث وشك في الطهارة على اليقين بطريق الأولى.
وأما كون من تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما محدثًا إذا كان قبلهما متطهرًا؛ فلأنه تيقن الحدث بعد طهارته الأولى وشك في الطهارة الثانية هل كانت بعد الحدث أو قبله فلا يزول عن اليقين بالشك.
وأما كونه متطهرًا إذا كان قبلهما محدثًا؛ فلأنه تيقن بعد حدثه الأول طهارة وشك هل كان الحدث الآخر قبل طهارته أو بعدها؟ فلا يزول عن اليقين بالشك.
قال: (ومن أحدث حرم 1 عليه الصلاة، والطواف، ومس المصحف).
أما كون من أحدث يحرم عليه الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 2.
وأما كونه يحرم عليه الطواف فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» 3 رواه الشافعي في مسنده.
وأما كونه يحرم عليه مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: 79].
ولقوله عليه السلام: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» 4 رواه الأثرم.
باب الغَسل
قال أبو محمد بن بري: الغسل بفتح الغين.
قال المصنف رحمه الله: (وموجِباته سبعة: خروج المني الدافق بلذة.
فإن خرج لغير ذلك لم يوجب).
أما كون موجبات الغسل سبعة؛ فلأن موجِبَه تارة يكون خروج المني، وتارة يكون التقاء الختانين، وتارة إسلام الكافر، وتارة الموت، وتارة الحيض، وتارة النفاس، وتارة الولادة.
أما كون خروج المني الدافق بلذة من موجِباته فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43].
وقوله عليه السلام: «إذا فضخت الماء فاغتسل» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يوجب إذا خرج لغير ذلك؛ مثل أن يخرج لغير لذة، أو يضرب ظهره فيسبق المني، أو يسيل منه لاسترخاء في أوعيته فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف المني الموجب للغسل بكونه غليظًا أبيض» 2 كما يأتي وعلق الغسل على فضخه.
والفضح: خروجه على وجه الشدة.
ولأنه خرج على غير المعتاد فلم يوجب الغسل كما لو 3 خرج من غير المخرج المعتاد.
فإن قيل: ما صفة المني؟
قيل: مني الرجل ماء ثخين أبيض له رائحة كرائحة العجين تشتد الشهوة عند خروجه ويعقبه فتور.
ومني المرأة ماء رقيق أصفر رائحته تشبه رائحة بيضٍ منتن؛ لما روى أنس «أن أم سُليم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأت ذلك فأنزلت فعليها الغسل.
فقالت أم سُليم: أَوَيكون ذلك.
قال: نعم.
ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر.
فأيهما سبق أو علا أشبهه الولد» 1 رواه مسلم.
قال: (وإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين.
فإن خرج بعد الغسل، أو خرجت بقية المني لم يجب الغسل.
وعنه يجب.
وعنه يجب إذا خرج قبل البول دون ما بعده).
أما كون من أحس بانتقال منيه فأمسك ذكره فلم يخرج يجب عليه الغسل على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6].
لأن الجنابة مشتقة من المجانبة والمباعدة ولذلك فسر قوله تعالى: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: 36] بالبعيد في النسب.
وقيل: بالبعيد في الدين.
وهذا المني قد جانب محله فصاحِبُه جنب فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6].
وأما كونه لا يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الاغتسال على رؤية المني في قوله: «نعم إذا رأت الماء» 2. وعلقه على الفضخ في قوله: «إذا فضخت الماء فاغتسل» 3. ولم يوجد واحد منهما.
ولأن الشهوة بمجردها لا توجب الغسل لأنها أحد وصفي العلة.
والأولى هي الصحيحة في المذهب لما ذكر.
ولأن المني المذكور في حكم المني المفضوخ.
وأما كونه لا يجب عليه الغسل إذا خرج بعد الغسل مطلقًا على المذهب؛ فلأنها جنابة واحدة فلم يجب بها غسلاً كما لو خرج الماء دفعة واحدة.
وأما كونه يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن الاعتبار بخروجه وقد وجد.
وأما كونه إن خرج قبل البول يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن خروجه يكون لشهوة.
وكونه إن خرج بعده لا يجب عليه عليها؛ فلأنه يكون بغير دفق وشهوة ولا يعقبه فتور فلم يجب الغسل لفقدان صفة المني الموجِب.
وأما كون من أمنى فاغتسل ثم خرجت بقية منيه لا يجب عليه الغسل ففيه الروايات الثلاث ودليلها ما مر قبل.
قال: (الثاني: التقاء الختانين.
وهو: تغييب الحشفة في الفرج قبلاً كان أو دبرًا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت).
أما كون التقاء الختانين من موجبات الغسل فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» 1 رواه مسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو تغييب الحشفة في الفرج فتفسير لالتقاء الختانين لأن ختان الرجل موضع القطع وختان المرأة مستعل على ختان المرأة في أعلا الجلد فإذا غابت الحشفة تحاذيا والتحاذي يطلق عليه الالتقاء ومنه التقاء الفارسان إذا تحاذيا.
وأما كون الدبر كالقبل والبهيمة كالآدمي والميت كالحي في إيجاب الغسل بتغييب الحشفة فلاشتراك الكل في تغييب الحشفة الموجب للغسل.
ولأن التغييب المذكور في الدبر والبهيمة والميتة إيلاج في فرج فأوجب الغسل كالآدمية الحية.
قال: (الثالث: إسلام الكافر أصليًا كان أو مرتدًا.
وقال أبو بكر: لا غسل عليه).
أما كون إسلام الكافر من موجبات الغسل على المذهب فلما روى قيس بن عاصم قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر» 2 رواه أبو داود والنسائي.
وظاهر أمره الإيجاب.
وأما كون المرتد كالأصلي فلاستواءهما في المعنى الذي وجب له الغسل وهو الإسلام فلا فرق بين أن يغتسل الكافر قبل إسلامه أو لا يغتسل.
ولا بين من أجنب حال كفره أو لم يجنب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل من غير استفصال.
ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
وأما كون الكافر إذا أسلم لا غسل عليه على قول أبي بكر؛ فلأن العدد الكثير والجمهور الغفير أسلموا زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو أمر كل واحد بالغسل لنقل نقلاً متواترًا.
قال: (والرابع: الموت.
والخامس: الحيض.
والسادس: النفاس.
وفي الولادة وجهان).
أما كون الموت من موجِبات الغسل؛ فلأن غَسل الميت مأمور به لما يأتي.
ولو لم يجب بالموت لما أُمر به.
والغسل المذكور تعبد لا عن حدث ولا عن نجس لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل من جريان الدم، ولو كان عن نجس لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنجسوا موتاكم؛ المؤمن طاهر حال حياته وبعد وفاته» 1.
وأما كون الحيض من موجِباته؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل من الحيض في أحاديث كثيرة فقال لفاطمة بنت قيس: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» 1 متفق عليه.
وأمر به في حديث أم سلمة 2 وحديث عدي عن أبيه عن جده 3 رواه أبو داود والترمذي.
وأمر به أم حبيبة 4 وسهلة بنت سهيل 5 وغيرهما.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن... الآية﴾ [البقرة: 222] منع الزوج من وطئها قبل الغسل وذلك يدل على وجوبه عليها لأنها يجب عليها الوطء لزوجها فيجب عليها الغسل لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجبٌ.
وأما كون النفاس من موجباته؛ فلأنه دم حيض اجتمع فوجب أن يعطى حكم الحيض.
وأما كون الولادة من موجباته في وجه؛ فلأن الولد مخلوق أصله المني أشبه المني.
ولأنه يُستبرأ به الرحم أشبه الحيض.
وأما كونه ليس من موجباته في وجه وهو الصحيح؛ فلأنه مني استحال وخرج على غير الوجه المعتاد أشبه العلقة.
ولا بد أن يلحظ أن الولادة عرية عن الدم لأنها إذا لم تكن كذلك يكون نفاسًا موجبًا للغسل بلا خلاف لما تقدم.
ولذلك ألحق بعض من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح: العارية عن الدم ليخرج الولادة التي معها دم عن الخلاف المذكور.
قال: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدًا.
وفي بعض آية روايتان).
أما كون من لزمه الغسل يحرم عليه قراءة آية فصاعدًا فلما روى علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه لم يكن يحجبه أو يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» 2 رواه أبو داود.
وأما كونه يحرم عليه قراءة بعض آية في روايةٍ فلعموم الأحاديث.
وأما كونه لا يحرم عليه في روايةٍ؛ فلأنه لا يحصل الإعجاز بذلك ولا يجزئ في الخطبة.
ولأنه لا يُمنع الجنب من قول: ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة: 2] بالاتفاق.
وهي نصف آية، ولا من قول: ﴿بسم الله﴾ [الفاتحة: 1].
وهي بعض آية.
قال: (ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم عليه اللبث فيه إلا أن يتوضأ).
أما كون من لزمه الغسل يجوز له العبور في المسجد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: 43].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: ناوليني الخمرة من المسجد.
قالت: إني حائض.
قال: إن حيضتك ليست في يدك» 1 متفق عليه.
وعن جابر: «كنا نمر في المسجد ونحن جنب».
ولا بد أن يُلحظ في المرور المذكور العذر فإن لم يكن عذرٌ لم يجز لأن له مندوحة عنه.
وأما كونه يحرم عليه اللبث في المسجد إذا لم يتوضأ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43].
ولأن عائشة روت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» 2 رواه أبو داود.
فإن قيل: المنهي عنه في الآية قربان الصلاة فما وجه الاحتجاج به على تحريم اللبث في المسجد؟
قيل: المراد بالصلاة موضعها لأن الصلاة حقيقة لا يعبر فيها فحيث نَهى عن قربانها واستثنى عابر السبيل عُلم أن المراد الموضع لا الصلاة.
وأما كونه لا يحرم عليه ذلك إذا توضأ فلما روى زيد بن أسلم «كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد على غير وضوء.
وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث» 3 رواه حنبل بن إسحاق صاحب أحمد.
وهذا إشارة إلى جميعهم، وتكرار الفعل منهم، وكونه معلومًا عندهم فيكون إجماعًا يُخص به العموم المتقدم.
وعن عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مُجنِبون إذا توضؤا وضوء الصلاة» 1 رواه سعيد بن منصور في سننه.
ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث أشبه المتيمم عند عدم الماء.
ودليل خفة حدثه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء لمن أراد النوم وهو جنب» 2.
فصل [في الأغسال المستحبة]
قال المصنف رحمه الله: (والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلاً: للجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومن غسل الميت، والمجنون، والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، وغسل المستحاضة لكل صلاة، والغسل للإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف).
أما كون الغسل للجمعة من الأغسال المستحبة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» 1 رواه أحمد والترمذي والنسائي.
والضمير في فبها عائد إلى السنة أي فبالسنة أخذ، ونعمت يعني الخُلّة.
وعن الإمام أحمد أنه واجب لقوله عليه السلام: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» 2 رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
ولقوله عليه السلام: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» 3 متفق عليه.
والصحيح الأول.
والأمر في الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما تقدم.
و«لأن عثمان رضي الله عنه أتى الجمعة ولم يغتسل» 1.
وأما قوله: واجب فقد قيل كان واجبًا ثم نسخ.
وقيل: أطلق الواجب على ذلك لتأكد الاستحباب كما يقول: حقك واجب علي.
وأما كون الغسل للعيدين من الأغسال المستحبة فـ «لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» 2 رواه ابن ماجة.
و«لأن عليًا وابن عمر رضي الله عنهما كانا يأمران بالغسل لهما» 3.
ولأن صلاة العيد صلاة وقت شرط لها الجماعة أشبهت الجمعة.
فإن قيل: ما وقته؟
قيل: وقت غسل الجمعة.
وقيل: يجوز قبل طلوع الفجر بخلاف الجمعة.
والفرق بينهما أن وقت العيد ضيق فلو لم يجز إلا بعد طلوع الفجر لتطرق الفوات إلى كثير من الناس بخلاف الجمعة فإن وقتها واسع فلا يؤدي عدم الجواز قبل الفجر إلى ذلك.
وأما كون الغسل للاستسقاء والكسوف من الأغسال المستحبة؛ فلأن الصلاة لكل واحد منهما يسن لها الاجتماع فيسن لها الغسل كالجمعة.
وأما كون الغسل من غسل الميت منها فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» 1 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وروي عن علي وأبي هريرة 2 رضي الله عنهما أنهما قالا: «من غسل ميتًا فليغتسل» 3.
وأدنى أحوال ذلك الاستحباب.
وأما كون الغسل للمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام منها: أما المجنون؛ فلأنه يستحب للمغمى عليه لما يأتي؛ فلأن يستحب للمجنون بطريق الأولى.
وأما المغمى عليه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغمي عليه فاغتسل» 4 متفق عليه.
ولأنه مختلف في وجوبه وأدنى أحواله الاستحباب.
وأما كون غسل المستحاضة لكل صلاة منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المستحاضة بالغسل فكانت تغتسل لكل صلاة» 5 متفق عليه.
ولأنه يجوز انقطاع الدم المختص بالحيض حينئذ.
ولأن فيه تخفيفًا لحدثها لما تقدم في الجنب.
وأما كون الغسل للإحرام منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتهل» 1 رواه مسلم.
فإن قيل: إنما أمرها بذلك لما هي فيه من النفاس وهذا المعنى مفقود في كل محرم.
قيل: ليس الأمر كذلك.
وإنما أمرها به للإحرام لأن حدث النفاس مستمر والغسل لا يؤثر فيه.
فعلى هذا يستحب في حق كل محرم لاشتراك الكل في الإحرام.
ويعضد ذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإحرامه واغتسل» 2 رواه الترمذي.
وعن عائشة «أنه كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأُشنان» 3 رواه البخاري.
وأما كون الغسل لدخول مكة منها فلما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات حتى صلى الصبح واغتسل ثم دخل مكة» 4 رواه مسلم بمعناه.
وأما كون الغسل للوقوف بعرفة منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم عرفة» 5 رواه ابن ماجة.
وروى مالك في الموطأ «أن ابن عمر كان يغتسل إذا راح إلى عرفة» 6.
وأما كون الغسل للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف منها؛ فلأنها مواضع يجتمع لها الناس ويزدحمون ويعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا بالعرق والرائحة فاستحب فيها الغسل تنظيفًا وتخفيفًا كالجمعة.
فصل في صفة الغسل
قال المصنف رحمه الله: (وهو ضربان: كامل يأتى فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثًا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه.
ومجزئ وهو: أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل).
أما كون الغسل ضربين كاملاً ومجزءًا؛ فلأنه تارة يشتمل على فروضه وسننه ويسمى كاملاً لرجحانه على غيره، وتارة على فروضه فقط ويسمى مجزءًا لحصول الإجزاء به.
وأما كون الكامل ما يُؤتى فيه بالأشياء المذكورة؛ فلأن كل واحد منها إما واجب وإما مسنون: أما النية فواجبة لما يأتي في المجزئ، وأما التسمية فواجبة أو مسنونة على الاختلاف المذكور في الوضوء لكن الغسل آكد من الوضوء وقد جاء فيه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 1.
وأما غسل يديه ثلاثًا؛ فلأن في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل للجنابة غسل يديه ثلاثًا» 2 متفق عليه.
وأما غسل ما به من أذى والمراد به ما على فرجه من نجاسة أو مني أو نحو ذلك؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم غسل فرجه» 3.
وأما الوضوء؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «وتوضأ وضوءه للصلاة» 1.
وفي حديث ميمونة: «ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه» 2.
وأما حثي الماء على رأسه ثلاثًا وغسل سائر جسده؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات.
ثم غسل سائر جسده» 3 متفق عليه.
وفي حديث ميمونة: «ثم أفاض على رأسه.
ثم غسل جسده» 4.
وأما تروية أصول الشعر؛ فلأن ذلك مما لا بد منه لقوله عليه السلام: «إن تحت كل شعرة جنابة.
فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة» 5 رواه أبو داود.
وإذا كان لا بد منه استحال أن يكون الغسل كاملاً بدونه.
وأما البدائة بشقه الأيمن؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يعجبه التيمن في تنعله وتَرَجُّلِه وطَهوره وفي شأنه كله» 6 متفق عليه.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «كان إذا اغتسل للجنابة بدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر» 7.
وأما دلك بدنه [بيديه] 1 فلئلا يبقى موضع من بدنه غير مغسول.
وأما الانتقال من موضع غسله وغسل قدميه؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم تنحى فغسل رجليه» 2.
وأما كون المجزئ أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل؛ فلأن ذلك كله واجب.
أما غسل ما به من أذى -والمراد به ما تقدم-؛ فلأن ذلك: إما نجس، وإما مانع من وصول الماء إلى ما تحته مما يجب غسله.
وأما النية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5].
ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 3.
وقال عليه السلام: «لا عمل إلا بنية» 4.
وأما تعميم البدن بالغسل؛ فلأنه لا يقع اسم الغسل بدون إصابة الماء لجميع البدن.
ولم يذكر المصنف رحمه الله التسمية وذلك يدل على عدم وجوبها عنده.
ونص في المغني أن أمرها في الغسل أخف؛ لأن حديث التسمية في الوضوء إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير.
وغير المصنف رحمه الله يختار وجوبها فيهما.
فعلى هذا لا بد من التسمية في المجزئ.
ونص على ذكرها فيه أبو الخطاب.
قال: (ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
فإن أسبغ بدونهما أجزأه).
أما كون المتوضئ يتوضأ بالمد والمغتسل يغتسل بالصاع فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغسله الصاع من الجنابة ويوضؤه المد» 1 رواه مسلم.
فإن قيل: ما قدر الصاع والمد؟
قيل: الصاع خمسة أرطال وثلث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين فَرَقًا من طعام» 2.
قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلم أن الفَرَق ثلاثة آصع، والفَرَق ستة عشر رطلاً.
فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
وروي «أن أبا يوسف دخل المدينة وسألهم عن الصاع.
فقالوا: خمسة أرطال وثلث.
فطالبهم بالحجة.
فقالوا: غدًا.
فجاء من الغد سبعون شيخًا كل واحد منهم آخذ صاعه تحت ردائه.
فقال: صاعي ورثته عن أبي وورثه أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فرجع أبو يوسف عن قوله» 3. وهذا إسناد متواتر يفيد القطع.
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكيال مكيال المدينة» 4. والمد ربع الصاع.
فوزنه على ما ذكر رطل وثلث.
وأما كون الإسباغ.
ومعناه: أن يعم جميع الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها يجزئ؛ فلأن هذا هو الغسل.
فإذا أتى به فقد أتى بما أمر به.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها «أنها كانت تغتسل هي والنبي - صلى الله عليه وسلم - في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» 1 رواه مسلم.
قال: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما.
وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ (2».
أما كون الغسل المذكور يجزئ عنه وعن الوضوء على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل... الآية﴾ [النساء: 43] جعل الاغتسال نهاية المنع من الصلاة فيجب أنه إذا اغتسل تجوز له الصلاة.
ولأنهما عبادتان فوجب أن تدخل الصغرى في الكبرى كما تدخل العمرة في الحج.
وأما كونه لا يجزئه حتى يتوضأ على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ لما اغتسل للجنابة» 3. وأُمرنا باتباعه.
ولأن الحدث والجنابة وجدا منه فوجب لهما طهارتان كما لو كانا منفردين.
ولأن الترتيب شرط في رفع الحدث الأصغر [على الصحيح] 4 ولم يوجد.
قال: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم 5 أو الأكل أو الوطء ثانيًا أن يغسل فرجه ويتوضأ).
أما كون الجنب يستحب له أن يغسل فرجه في جميع ما ذكر فلإزالة ما عليه من الأذى.
وأما كونه يستحب له أن يتوضأ إذا أراد النوم فلما روى ابن عمر «أن عمر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم.
إذا توضأ أحدكم فليرقد» 6 متفق عليه.2
وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وهو جنب ولا يمس ماء» 1 رواه الترمذي.
ويجب حمل الأول على الاستحباب وحمل هذا على الجواز لما فيه من الجمع بينهما.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الأكل فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ.
يعني وهو جنب» 2 رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الوطء ثانيًا فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» 3 رواه مسلم.
وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء» 4 رواه أحمد.
والحمل كما تقدم لما تقدم.
باب التيمم
التيمم في اللغة: القصد.
قال الله تعالى: ﴿ولا تَيَمّموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: 267] أي ولا تقصدوا الخبيث منه تنفقون.
وقال امرؤ القيس:
تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضَارِجٍ...... يَفِيء عليها الظِلُّ عَرْمَضها طَامِي
أي قصدت العين المذكورة.
وفي الشرع: عبارة عن مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد على وجه مخصوص بنية مخصوصة.
وهو جائز بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» (4) رواه مسلم.
قال المصنف رحمه الله: (وهو بدل لا يجوز إلا بشرطين:
أحدهما: دخول الوقت.
فلا يجوز لفرضٍ قبل وقته، ولا لنفلٍ في وقت النهي عنه).
أما كون التيمم بدلاً والمراد عن الماء؛ فلأنه مرتب عليه ويجب فعله عند عدمه ولا يجوز عند وجوده لغير عذر وذلك شأن البدل.
وأما كونه لا يجوز إلا بشرطين فلما يأتي ذكره فيهما.1
وأما كون أحدهما دخول الوقت؛ فلأن التيمم طهارة ضرورة فاشترط فيها دخول الوقت كطهارة المستحاضة.
أو يقال: تيمم في وقت [هو] 1 مستغنٍ عنه أشبه التيمم عند وجود الماء.
فعلى هذا لا يجوز لفرض قبل وقته لانتفاء شرطه، ولا لنفل في وقت النهي عنه لأن وقت النهي ليس وقتًا للنافلة أشبه التيمم لفرضٍ قبل وقته.
قال: (الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، أو لضرر في استعماله من جرح، أو برد شديد، أو مرض يخشى زيادته، أو تطاوله، أو عطش يخافه على نفسه، أو رفيقه، أو بهيمته، أو خشية على نفسه، أو ماله في طلبه، أو تعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله، أو ثمن يعجز عن أدائه).
أما كون ثاني شرطي التيمم العجز عن استعمال الماء كما ذُكر؛ فلأن غير العاجز المذكور يجد الماء على وجهٍ لا يضره [استعماله] 2 فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6] ولا في سائر الأدلة الآتي ذكرها في مواضعها.
وأما قول المصنف رحمه الله: لعدمه أو لضرر في استعماله فبيان لتنويع العجز.
وذلك يكون تارة لعدمه.
والأصل فيه ما تقدم من الآية والخبر، وفي حديث آخر: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» 3.
وتارة لضرر في استعماله.
وهو أنواع أيضًا:
أحدها: أن يكون من جرح.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29].
وما روى جابر قال: «خرجنا في سفر.
فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه.
فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل.
فمات.
فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك.
فقال: قتلوه قتلهم الله.
ألا سألوا إذا لم يعلموا.
إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ويعصب على جرحه.
ثم يمسح عليه.
ويغسل سائر جسده» 4 رواه أبو داود.
وثانيها: أن يكون من برد شديد.
والأصل فيه ما روى عمرو بن العاص قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل.
فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك.
فتيممت وصليت مع أصحابي الصبح.
فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: يا عمرو! أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال.
ثم قلت: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29] فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئًا» 1 رواه أبو داود.
وثالثها: أن يكون من مرض.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6]، وقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78].
ولأنه إذا جاز لشدة البرد؛ فلأن يجوز للمرض بطريق الأولى.
ويشترط للمرض المجوز أن يخشى تطاوله أو زيادته؛ لأن من لا يخشى ذلك لا يخاف الضرر.
والتيمم للمرض يلحظ فيه خوف الضرر، [ولا ضرر في الماء مع ذلك كله] 2.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لا يجوز التيمم إلا لمن خاف التلف كما إذا جبر زنده بعظم نجس.
والأول أولى؛ لأن مقتضى الآية الأولى جواز التيمم للمريض مطلقًا.
تُرك العمل به فيمن لا يخشى ما تقدم ذكره، [وفيمن مرضه يسير، وفيمن يمكنه استعمال الماء المسخن] 3 لما تقدم فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاها.
ورابعها: أن يكون من عطش يخافه على نفسه.
والأصل فيه أنه خائف على نفسه باستعمال الماء فجاز له التيمم كالمريض.
وخامسها: أن يكون ذلك من عطش يخافه على رفيقه.
والأصل فيه أنه يجب عليه بذله إذا خاف تلفه فجاز التيمم كما لو خاف على نفسه.
وسادسها: أن يكون ذلك من عطش يخاف على بهيمته.
والأصل فيه أن للروح حرمة.
ولذلك يجب عليه سقيها.
فإذا خاف عليها العطش ترك لها ما معه من الماء وتيمم كما يفعل ذلك مع نفسه.
وسابعها: أن يكون ذلك خشية على نفسه أو ماله إن طلب المال.
والأصل في ذلك أن في طلبه ضررًا والضرر منفي شرعًا.
وثامنها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله.
والأصل في ذلك أن الزيادة على ثمن المثل تجعل الموجود حسًا معدومًا شرعًا.
دليله الرقبة في الكفارات.
وتاسعها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بثمن يعجز عن أدائه.
والأصل فيه أن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل.
دليله العجز عن ثمن الرقبة في الكفارة.
قال: (فإن كان بعض بدنه جريحًا تيمم له وغسل الباقي.
وإن وجد ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي إن كان جنبًا.
وإن كان محدثًا فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين).
أما كون من بعض بدنه جريح يتيمم لجرحه ويغسل الباقي؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث جابر المتقدم: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» 1.
فإن قيل: الحديث يدل على الجمع بين المسح والتيمم، ولم يذكر المصنف رحمه الله المسح.
قيل: فيه روايتان:
إحداهما: يجب الجمع لما ذكر من الحديث.
والثانية: لا يجب لأنه جمع بين بدل ومبدل.
وذلك لا يجب كالصيام والإطعام.
والحديث محمول على جواز المسح بعد ذلك ولذلك ذكره بثم المقتضية للتراخي.
وأما كون من وَجد ما يكفي بعض بدنه يلزمه استعمال ذلك إن كان جنبًا؛ فلأنه قدر على استعمال بعض الواجب فلزمه لقوله عليه السلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1 رواه البخاري.
ولأن العجز عن إيصال الماء إلى البعض لا يقتضي سقوطه عن إيصاله إلى الباقي قياسًا على عادم بعض أعضائه.
وأما كونه يتيمم للباقي؛ فلأنه عادم لماءٍ يغسله به فلزمه التيمم له لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
فعلى هذا يجب أن يقدم استعمال الماء على التيمم ليكون عند التيمم عادمًا للماء.
وأما كونه يلزمه استعماله إن كان محدثًا على وجه فلعموم الأدلة المذكورة في الجنب، وقياسًا على الجنب.
وأما كونه لا يلزمه على وجه؛ فلأن الموالاة من فروض الوضوء في الصحيح من المذهب فإذا غسل بعض الأعضاء دون بعض لم يفد شيئًا بخلاف الجنب.
قال: (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله وما قرب منه.
وإن دل عليه قريبًا لزمه قصده.
وعنه لا يجب الطلب.
وإن نسي الماء بموضع يمكنه استعماله وتيمم لم يجزئه).
أما كون من عدم الماء يلزمه طلبه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أباح التيمم بشرط عدم الوجدان.
ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب.
ولأنه بدل فلم يجز العدول إليه قبل الطلب للمبدل كالصيام في الظِّهار.
وأما كونه لا يلزمه طلبه على روايةٍ؛ فلأن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط كالمال في الحج والزكاة.
ولأنه غير عالم بوجوده أشبه ما لو طلب فلم يجد.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن الماء شرط لصحة الصلاة فلزم الاجتهاد في طلبه عند إعوازه كالقبلة.
وأما كونه يطلب ذلك في رحله وما قرب منه؛ فلأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة.
والمراد بما قرب الميل والميلان والثلاث.
نص عليه الإمام أحمد.
وأما كونه يلزمه قصده إذا دله عليه قريبًا ثقة؛ فلأنه قادر على استعمال شرط العبادة بقطع مسافة قريبة فلزمه ذلك كغيره من الشروط.
وأما كون من نسي الماء بموضع يمكنه استعماله إذا تيمم لا يجزئه؛ فلأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا، وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان.
ولأنها ضرورة تجب مع الذكر فلم تسقط بالنسيان كالحدث.
قال: (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح تضره إزالتها.
فإن تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى فلا إعادة عليه إلا عند أبي الخطاب).
أما كون التيمم لجميع الأحداث يجوز: أما للحدث الأكبر وهو الجنابة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
والملامسة الجماع.
ولأن عمران بن حصين روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم.
فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء.
فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» 1 متفق عليه.
وفي حديث عمار «أنه لما أجنب تمعَّك في التراب.
فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا.
ثم ضرب بيديه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفيه» 2.
وأما الحدث الأصغر وهو الوضوء فلما تقدم من قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6].
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» 1 رواه أبو داود.
ولأنه إذا جاز للحدث الأكبر؛ فلأن يجوز للحدث الأصغر بطريق الأولى.
وأما النجاسة على جرح يضره إزالتها؛ فلأنه يمنع من الصلاة معها فجاز أن يتيمم لها عند العجز عن استعمال الماء كالحدث.
ولأن ذلك يدخل في قوله عليه السلام: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» 2 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث صحيح.
وأما كون من تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى لا إعادة عليه عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه وجب عليه طهارة ناب عنها التيمم فلم تجب الإعادة عليه كطهارة الحدث.
وأما كونه عليه الإعادة عند أبي الخطاب؛ فلأن النجاسة عذر نادر غير دائم فوجبت الإعادة معه عليه كعادم الماء والتراب.
ولأنه صلى بالنجاسة فوجبت عليه الإعادة كما لو تيمم.
قال: (وإن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان).
أما كون الإعادة تجب فيما ذكر على روايةٍ؛ فلأنه عذر نادر فوجبت الإعادة معه كنسيان الطهارة.
وأما كونها لا تجب على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر عمرو بن العاصي بالإعادة» 3 مع أنه عذر نادر ولو وجبت لأمره.
وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قال: (ولو عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله.
وفي الإعادة روايتان).
أما كون من عدم ما ذكر يصلي على حسب حاله فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1.
ولأن من عدم الماء والتراب عدم شرط الصلاة ولم يبق له بدل وذلك يوجب الصلاة على حسب الحال؛ لما روت عائشة «أنها استعارت من أسماء قلادة.
فهلكت.
فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالاً في طلبها.
فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء.
فصلوا.
فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت آية التيمم» 2 متفق عليه.
وأما كونه يعيد في روايةٍ؛ فلأن الخلل في الصلاة إذا كان لعذر نادر لا يشق تسقط به الإعادة لأنه يمكنه تدارك الخلل مع عدم المشقة.
وأما كونه لا يعيد في روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الذين بعثهم بالإعادة» 3.
قال: (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد.
فإن خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات).
أما كون التيمم لا يجوز إلا بتراب طاهر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة: 6].
قال ابن عباس: «الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر» 4.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» 5.
فإن قيل: الآية والخبر يدلان على جواز التيمم بالتراب الطاهر فما وجه كونه لا يجوز بغيره؟
قيل: الآية مسوقة لبيان ما يجوز فعله عوضًا عن الماء وذلك يفيد ما ذكر.
ولأن الخبر يدل على اختصاص التراب بالجواز لأنه ذكره فيما فضّله الله به على سائر الأنبياء فلو جاز بغيره أيضًا لذكره لأن فيه ازياد فضيلة.
وأما كونه لا يجوز بتراب لا غبار له يعلق باليد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وما لا غبار له يعلق باليد لا يمسح بشيء منه.
وأما كونه ما خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه كالماء إذا خالطته الطاهرات؛ فلأنه طهور خالطه غير طهور أشبه الماء إذا خالطه غيره من الطاهرات.
فإن قيل: ما معنى قول المصنف رحمه الله: فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات.
قيل: معناه أن المخالط إن غلبت أجزاؤه على أجزاء التراب أو غيّرتها لم يجز التيمم به كالماء إذا خالطته الطاهرات فغلبت على أجزائه أو غيّرته لأن كل واحد من الغلبة والتغيّر يمنع من استعمال الماء وهو الأصل؛ فلأن يمنع من استعمال التراب وهو بدله بطريق الأولى.
فصل [فرائض التيمم]
قال المصنف رحمه الله: (وفرائض التيمم أربعة: مسح وجهه، ويديه إلى كوعيه، والترتيب، والموالاة على إحدى الروايتين).
أما كون فرائض التيمم أربعة؛ فلأنها مسح جميع وجهه، ويديه إلى كوعيه، وترتيب ذلك، والموالاة فيه.
وسيأتي ذكر دليل ذلك في مواضعه.
وأما كون مسح الوجه واليدين من فرائضه فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وأما كون المسح بجميع الوجه واليدين إلى الكوعين؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح جميع وجهه ويديه إذا تيمم لأن في حديث عمار «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح اليمين على الشمال وظاهر كفيه ووجهه» 1.
وأما كون مسح اليدين إلى الكوعين لا غير فللحديث المتقدم.
ولأن المسح حكم علق على مطلق اليد فلم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق [ومس الفرج] 2.
وأما كون الترتيب والموالاة من فرائضه على الخلاف؛ فلأن التيمم بدل عن الوضوء فوجب أن يثبت فيه ما يثبت في الأصل بالقياس عليه.
قال: (ويجب تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره.
فإن نوى جميعها جاز، وإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلاً، أو أطلق النية للصلاة لم يصل إلا نفلاً).
أما كون تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره يجب؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فلم يكن بد من التعيين تقوية لضعفه.
فإن قيل: ما صفة التعيين؟
قيل: أن ينوي استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كان جنبًا محدثًا، أو من الجنابة إن كان جنبًا، أو من الحدث إن كان محدثًا، أو ما أشبه ذلك.
وأما كون من نوى الجميع يجوز له ذلك والمراد به أنه يجزئه؛ فلأن كل واحد يدخل في العموم فيكون منويًا.
وأما كون من نوى أحدها مثل أن ينوي الجنابة أو الحدث الأصغر لا يجزئه عن الآخر؛ فلأن البعض غير منوي فيدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عمل إلا بنية» 1.
وأما كون من نوى نفلاً لا يصلي به إلا نفلاً؛ فلأن غير النفل غير منوي لا صريحًا ولا بطريق التضمين.
وأما كون من أطلق النية للصلاة لا يصلي إلا نفلاً؛ فلأن تعيين النية شرط ولم يوجد في الفرض وإنما أبيح النفل لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق.
قال: (وإن نوى فرضًا فله فعله، والجمع بين الصلاتين، وقضاء الفوائت، والتنفل إلى آخر الوقت).
أما كون من نوى الفرض له فعله؛ فلأنه منوي.
وأما كونه له الجمع بين الصلاتين؛ فلأنهما في حكم صلاة واحدة.
وأما كونه له قضاء الفوائت؛ فلأن تيممه باق إلى خروج الوقت ولم يوجد ما يبطله.
وأما كونه له التنفل إلى آخر الوقت؛ فلأنه إذا جاز له قضاء الفوائت؛ فلأن يجوز له التنفل بطريق الأولى؛ لأن النفل أخف من ذلك.
قال: (ويبطل التيمم بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء).
أما كون التيمم يبطل بخروج الوقت فلقول علي رضي الله عنه: «التيمم لكل صلاة» 2.
و «كان ابن عمر يتيمم لكل صلاة» 1.
ولأن التيمم طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة.
وأما كونه يبطل بوجود الماء؛ فلأن مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» 2 يدل على أنه ليس بوضوء عند وجود الماء.
وأما كونه يبطل بمبطلات الوضوء؛ فلأنها تبطل المبدل؛ فلأن يبطل البدل بطريق الأولى.
قال: (وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه لم يبطل تيممه.
وقال أصحابنا: يبطل).
أما كون التيمم لا يبطل بخلع المتيمم ما يجوز له المسح عليه.
وهو اختيار المصنف رحمه الله؛ فلأن التيمم طهارة لم يمسح على الملبوس فيها فلم يبطل بالخلع كالملبوس على غير طهارة.
وأما كونه يبطل بذلك على قول الأصحاب؛ فلأنه من مبطلات الوضوء والمبطل للوضوء مبطل للتيمم لما تقدم.
قال: (وإن وجد الماء بعد الصلاة لم تجب إعادتها، وإن وجده فيها بطلت.
وعنه لا تبطل).
أما كون من وجد الماء بعد الصلاة لا تجب عليه إعادة الصلاة فلما روى عطاء بن يسار قال: «خرج رجلان في سفر.
فحضرت الصلاة وليس معهما ماء.
فتيمما صعيدًا طيبًا.
فصليا.
ثم وجدا الماء في الوقت.
فأعاد أحدهما الوضوء