النكاح في اللغة: الجمع.
ومنه قولهم: أنكحنا الفرى فسنرى.
أي جمعنا حمار الوحش وأمه 1 فسيرى ما يتولد منهما.
يضرب مثلاً للأمر يجتمعون له ثم يفترقون عنه.
ومنه قول الشاعر:
أنكحت ضم خفاها خف يَعْمَلَةٍ
أي جمعت بين خفيها 2 وبين خف الناقة.
ومنه قول الشاعر:
أيها المنكح الثُّرَيّا سُهيلاً... عمرك الله كيف يلتقيان
أي فكيف يجتمعان.
وفي الشرع: هو العقد.
وقيل: هو الوطء.
وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة فيهما؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين أو شبهه؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: 22].
والصحيح أنه العقد؛ لأنه أشهر استعمالاً.
ولأنه يصح نفيه عن الوطء؛ لأنه يقال في الزنا: سفاح.
وليس بنكاح.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وُلدتُ من نكاحٍ لا منْ سِفَاح» 3.
ولأنه يقال في السُّرية: ليست بزوجة ولا منكوحة.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].
وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: «يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكمُ الباءَةَ فليتزوّج.. مختصر» 4 متفق عليه.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على مشروعيته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (النكاح سنة.
والاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ إلا أن يخاف على نفسه مُواقعة المحظور بتركه فيجب عليه.
وعنه: أنه واجب على الإطلاق).
أما كون النكاح سنة إذا لم يخف على نفسه مواقعة المحظور على المذهب؛ فلأن فعله راجح على تركه مع جواز تركه:
أما رجحان فعله؛ فلأن الله ورسوله أمرا به.
وأدنى أحوال الأمر رجحان الفعل.
ولأن في فعله خروجاً عن العهدة الآتي ذكرها بعد.
وأما جواز تركه؛ فلأن الله تعالى علّقه بالاستطابة فقال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3].
والواجب لا يعلق على الاستطابة.
ولأن تكملة الآية: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].
ولا خلاف في أنه لا يجب زيادة على واحدة.
وأما كون الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ فلأن الله تعالى أمر به رسوله.
وقال عليه السلام: «ولكني أصومُ وأفطرُ، وأصلِّي وأرْقُدُ، وأتزوجُ النساء.
فمن رغبَ عن سُنتي فليسَ مني» 1.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وبالغ في العدد.
وفعل ذلك أصحابه.
ولا يَشْتغل هو ولا أصحابه إلا بالأفضل.
وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: «هل تزوَّجتَ؟ قلتُ: لا.
قال: فتزوّجْ.
فإنّ خيرَ هذه الأمةِ أكثرُها نساءً» 1. أخرجه البخاري.
ولأن مصالحه أكثر: فإنه يشتمل على إحراز الدين، وتحصين المرأة، وحفظها، والقيام بواجبها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من المصالح الراجح إحداها على العبادة.
فمجموعها أولى.
فإن قيل: هل يدخل من لا شهوة له في الأصل؛ كالعِنّين، أو من خلقت له ثم ذهبت بكبر أو مرض؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: يستحب له النكاح.
وهو ظاهر كلام المصنف.
وقال القاضي: هو ظاهر أحمد.
ووجه ذلك ما تقدم من العموم.
وقد جاء: «من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير أمر الإسلام».
والثاني: المستحب لهذا التخلي لنوافل العبادة والاشتغال بشأنه؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعلّه لا يتمكن من أدائها مع عدم حاجته إلى سبب ذلك.
ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
والعمومات المتقدمة محمولة على من له شهوة لما فيها من القرائن الصارفة إليه.
وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر والعاجز «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبحُ وما عندهُم شيء، ويمسي وما عندهُم شيء» 2.
و«لأنه عليه السلام زوّج رجلاً لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجدَ إلا إزارَه ولم يكن له ردَاء» 3. أخرجه البخاري.
ولأن الله هو الرزاق.
وربما كان التزويج سبباً لغناه.
وأما كون من يخاف على نفسه مواقعة المحظور وهو الزنا بترك النكاح يجب عليه؛ فلأن صون النفس عن الحرام واجب، والنكاح طريق إليه.
فيجب دفعا لذلك الحرام.
وأما كونه واجباً على الإطلاق على روايةٍ؛ فلظاهر قوله تعالى: ﴿فانكحوا﴾ [النساء: 3]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تناكَحُوا تناسَلُوا» 1.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وما ذكر محمول على الندب؛ لما تقدم.
قال: (ويستحب تَخَيُّر: ذات الدين، الولود، البكر، الحسيبة، الأجنبية).
أما كون تخيّر ذات الدين يستحب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُنكحُ المرأةُ: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها 2. فاظفَرْ بذاتِ الدين.
تَربَتْ يداك» 3 متفق عليه.
وأما كون تخير الولود يستحب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر: أتزوجتَ يا جابر! قال: نعم.
قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: قلتُ: بل ثيبًا.
قال: فهلا أخذتَ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك» 4. متفق عليه.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكَمْ بالأبكَار.
فإنهنّ أعذبُ أفْوَاهاً وأفتحُ أرْحَاماً» 5. رواه أحمد.
وفي روايةٍ: «وأَنْتَقُ أرْحَاماً وأرضَى باليسِير» 6.
وأما كون تخير الحسيبة يستحب؛ فلما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تخيّروا لنطَفِكُمْ.
فانكِحُوا الأكْفَاءَ، وأنكِحُوا إليهم» 1. رواه ابن ماجة.
ولأن ولد الحسيبة ربما أشبه أهلها ونزع إليهم.
ويقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها أو أخيها.
أي: إذا أردت نكاح امرأة فانظر إلى نسبها.
والنسب الحسب.
وأما كون تخير الأجنبية يستحب؛ فلأن ولدها أنجب.
ولهذا يقال: اغترب.
أي: انكحوا الغرائب.
ولأنه لا يؤمن في النكاح إفضاؤه إلى الطلاق.
فيكون سبباً للعداوة.
فإذا كانت الزوجة قريبة كانت قطيعة للرحم المأمور بصلتها.
قال: (ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النظر إلى وجهها من غير خلوة بها.
وعنه: له النظر إلى ما يظهر غالباً؛ كالرقبة واليدين والقدمين).
أما كون من أراد خطبة امرأة يجوز له النظر إليها في الجملة؛ فلأن جابراً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خطبَ أحدكمُ المرأةَ.
فإن استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعوهُ إلى نكاحِها فليفعل.
قال: فخطبتُ امرأةً فكنتُ أتخبأُ لها حتى رأيتُ منها ما دعَاني إلى نِكاحِها.
فتزوجتها» 2. رواه أبو داود.
ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه؛ كالنظر إلى الأمة المستامة.
وأما كونه يجوز له النظر إلى وجهها فقط على الأول؛ فلأنه ليس بعورة.
والغرض يحصل به؛ لأنه مجمع المحاسن.
وأما كونه يجوز له النظر إلى ما يظهر غالباً كما تقدم بيانه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها مطلقاً علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر منها غالباً.
إذ لا يمكن إفراد الوجه بذلك.
ولأنه يظهر غالباً.
فأبيح النظر إليه؛ كالوجه.
وأما كون النظر المذكور من غير خلوة بها؛ فلأنها كانت محرمة، ولم يَردْ الشرع بغير النظر.
فبقيت الخلوة على التحريم.
ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلونّ الرجلُ بامرأةٍ فإن الشيطانَ ثالثهما» 1. رواه أحمد.
قال: (وله النظر إلى ذلك، وإلى الرأس، والساقين من الأمة المستامة، ومن ذوات محارمه.
وعنه: لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين).
أما كون الرجل له النظر إلى الأمة المستامة؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك ليعرف ما يشتري.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن النظر الجائز يختص بالوجه والرقبة واليدين والقدمين والرأس والساقين؛ لأن المقصود يحصل بذلك.
وقال في الكافي: يجوز النظر إلى ما عدا العورة؛ لأن ذلك محتاج إلى معرفته.
فجاز النظر إليه؛ كالوجه.
وفي تقييد الأمة بالمستامة دليل على عدم جواز النظر إلى الأمة إذا لم تكن مستامة.
وفيه وجهان:
إحداهما: لا يجوز؛ لعموم قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن... الآية﴾ [النور: 31] مع أنه لا حاجة تدعو إليه.
ولأن خوف الفتنة مشترك بين الحرة والأمة.
فوجب اشتراكهما في الحرمة.
والثاني: يجوز؛ «لأن عمر رأى أمةً متكممة فضربها بالدرّة، وقال: يا لَكَاع! تتشبّهين بالحرائر» 2.
وروى أبو حفص «أن عمرُ كان لا يدع أمةً تقنع في خلافته.
قال: إنما القناعُ للحرائر» 1. ولو كان نظر ذلك محرماً لم يَمنع منه بل أمر به.
وقد روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذَ صفية قال الناس: لا نَدري أجعلَها أمّ المؤمنين أمْ أمّ ولد؟ فقالوا: إن حجَبَها فهي أم المؤمنين، وإنْ لم يحجبها فهي أمّ ولدٍ.
فلما ركبَ وطّى لها خلفه ومدَّ الحجابَ بينها وبين الناس» 2 متفق عليه.
وأما كونه له النظر إلى ذوات محارمه في الجملة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن... الآية﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن... الآية﴾ [الأحزاب: 55].
والمراد بذوات محارمه من يحرم نكاحها عليه على التأبيد بنسب؛ كالأم، والبنت.
أو نسب مباح؛ كأم الزوجة، وابنتها.
وأما كونه له النظر منهنّ إلى الوجه والرقبة واليدين والقدمين والرأس والساقين ونحو ذلك مما يظهر غالباً على الأول؛ فلما روت زينب بنت أبي سلمة «أنها ارتضعتْ من أسماءَ امرأة الزبير.
قالت: فكنتُ أراه أباً.
وكان يدخل عليّ وأنا أمشّط رأسي، وربما أخذَ ببعض قرونِ رأسي، ويقول: أقبلِي عليّ» 3. رواه الشافعي في مسنده.
إذا ثبت ذلك في الرأس فالبواقي في معناه.
وأما كونه لا ينظر منهنّ إلا إلى الوجه والكفين على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس قال في تفسير قوله تعالى: «﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: 31] يعني وجهها وكفيها» 4.
قال: (وللعبد النظر إليهما من مولاته).
أما كون العبد له النظر إلى مولاته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور: 31].
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان لإحداكُنّ مُكَاتَبْ فملكَ ما يُؤدي.
فلتحتَجِبْ منه» 1. رواه أبو داود والترمذي وصححه.
مفهومه عدم احتجابها قبل ذلك.
وعن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يبلغْ رجلَها، وإذا غطّت به رجلَها لم يبلغْ رأسَها.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تَلْقَى.
قال: إنه ليسَ عليكِ بأس.
إنما هو أبوكِ وغلامُك» 2. رواه أبو داود.
وأما كونه له النظر إلى وجهها وكفها وهو المراد بقوله: إليهما؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فإن قيل: حديث أنس يدل على أنه له النظر إلى رأسها ورجلها.
قيل: ذكر المصنف في الكافي أن له النظر إلى ما يظهر منها غالباً.
فيكون فيه الخلاف الذي في الخاطب 3.
ووجهه ما ذكر من الحديث أو الحاجة.
قال: (ولغير أولي الإرْبةِ من الرجال؛ كالكبير، والعِنّين، ونحوهما: النظر إلى ذلك.
وعنه: لا يباح).
أما كون غير أولي الإربة له النظر إلى الوجه والكفين على المذهب فلقوله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾ [النور: 31].
فإن قيل: ما المراد بغير أولي الإربة؟
قيل: غير أولي الحاجة.
وعن مجاهد وقتادة: «هو الذي لا إربَ له في النساء».
وعن ابن عباس نحوه.
وأما كونه لا يباح له ذلك على روايةٍ؛ فلعموم الأدلة المقتضية للمنع.
قال: (وللشاهد والمبتاع النظر إلى وجه المشهود عليها، ومن تعامله.
وللطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى نظره).
أما كون الشاهد له النظر إلى وجه المشهود عليها 1 فلتقع الشهادة على عينها.
وأما كون المبتاع له النظر إلى وجه من تعامله فليعلمها بعينها حتى يرجع عليها بالدرك.
وفي ذكر المبتاع تنبيه على المؤجرة ونحو ذلك، ويؤكده قوله: ومن تعامله.
وصرح به في المغني؛ لأن حكم الكل سواء لأن ذلك في معنى المبتاع.
وأما كون الطبيب له النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى نظره من المتطببة أو المتطبب؛ فلأنه موضع حاجة.
وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكّم سعدًا في بني قريظةَ كان يكشفُ عن مؤْتَزَرِهِم»؛ لأنه موضع حاجة.
وهذا مثله.
وعن عثمان: «أنه أُتيَ بغلامٍ قد سرقَ فقال: انظروا إلى مؤُتزرِه.
فلم يجدوه أنبتَ.
فلم يقطعه» 2.
قال: (وللصبي المميز غير ذي الشهوة النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة.
فإن كان ذا شهوة فهو كذي المحرم.
وعنه: كالأجنبي).
أما كون الصبي المميز غير ذي الشهوة له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة؛ فـ «لأن أبا طيبة حجمَ نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام».
ولأن من ذكر لا شهوة له.
أشبه الطفل.
ولأن المحرم للرؤية في حق البالغ كونه محلاً للشهوة.
وهو مفقود هاهنا.
وأما كون الصبي ذي الشهوة كذي المحرم على المذهب؛ فلأن الله عز وجل فرق بين البالغ وغيره بقوله: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما﴾ [النور: 59].
ولو لم يكن للصبي ذي الشهوة النظر لما كان بينه وبين البالغ فرق.
وأما كونه كالأجنبي على روايةٍ فلمساواته البالغ في الشهوة.
وإنما لم يشترط عدم الشهوة في الآية؛ لأن الغالب عدمها فيمن لم يبلغ.
قال: (وللمرأة مع المرأة، والرجل مع الرجل: النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة.
وعنه: أن الكافرة مع المسلمة كالأجنبي).
أما كون المرأة مع المرأة لها النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: 31].
وأما كون الكافرة كالمسلمة في ذلك على المذهب؛ فلأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يحتجبن، ولا أُمرن بالحجاب.
وعن عائشة: «جاءت يهودية تسألُها فقالت: أعاذكِ الله من عذابِ القبرِ.
فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم... وذكر الحديث» 1. متفق عليه.
ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والكافرة.
فوجب أن لا يثبت الحجاب بينهما كالمسلم مع الكافر.
وأما كون الرجل مع الرجل له النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ فلأن تخصيص العورة بالنهي دليل على إباحة النظر إلى غيرها.
وأما كون الكافرة مع المسلمة كالأجنبي على روايةٍ؛ فلأن قوله: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: 31] ينصرف إلى المسلمات.
فلو جاز للكافر النظر لم يبق للتخصيص فائدة.
قال: (ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة.
وعنه: لا يباح).
أما كون المرأة يباح لها النظر من الرجل إلى ما ذُكر على المذهب؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستُرني بردائِه وأنا أنظرُ إلى الحبشةِ يلعبُونَ في المسجد» 1 متفق عليه.
و«لأنه عليه السلام قال لفاطمة بنت قيس: اعتدّي في بيتِ ابن أم مكتوم فإنه رجلٌ أعمى تضَعين ثيابَكِ فلا يَراك» 2 متفق عليه.
ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجب لئلا ينظرون إليهم كما يؤمر النساء بالحجاب لئلا ينظر الرجال إليهن.
وأما كونها لا يباح لها ذلك على روايةٍ؛ فلما وري عن أم سلمة قالت: «كنتُ قاعدةً عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة.
فاستأذنَ ابن أم مكتوم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبنَ منه.
فقلتُ: يا رسول الله! ضريرٌ لا يُبصر.
قال: أو عمْيَاوانِ أنتما لا تُبْصِرانِه؟ » 3. رواه أبو داود.
ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به.
ولأن النساء أحد نوعي الآدمي.
فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياساً على الرجال.
يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة وهو في المرأة أبلغ؛ لأنها أشد شهوة وأقل عقلاً.
قال: (ويجوز النظر إلى الغلام لغير شهوة.
ولا يجوز النظر إلى أحد ممن ذكرنا لشهوة).
أما كون النظر إلى الغلام لغير شهوة يجوز؛ فلأنه ذكر.
أشبه الملتحي.
وأما كون النظر إلى أحد ممن ذكر لا يجوز لشهوة؛ فلأنه وسيلة إلى إيقاع المحذور.
قال: (ولكل واحد من الزوجين له النظر إلى جميع بدن الآخر ولمسه، وكذلك السيد مع أمته).
أما كون كل واحد من الزوجين له النظر إلى جميع بدن الآخر؛ فلأن النظر إنما حرم لئلا يقع في المحظور.
وذلك منتفٍ هاهنا لجواز الوطء.
وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلتُ: يا رسول الله! عوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَر؟ قال: احفظْ عورتَكَ إلا من زوجتِكَ أو ما ملكتْ يمينُك» 1. وإذا لم يحفظ عورته منها لم تحفظ عورتها منه؛ لاشتراكهما في المعنى.
وفي تعميم النظر المذكور إشعار بجواز النظر إلى الفرج.
وهو صحيح ويدل عليه الحديث المتقدم.
ولأنه محل استمتاع.
فجاز النظر إليه؛ كبقية البدن.
لكن يكره النظر إليه؛ لأن عائشة قالت: «ما رأيتُه من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا رآهُ مني».
وفي لفظٍ قالت: «ما رأيتُ فرجَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قط» 2. رواه ابن ماجة.
وقيّد صاحب المستوعب الكراهة بحالة الطمث وهي الحيض.
وفيه معنى؛ لأن الوطء في الحيض حرام.
فإذا نظر إلى الفرج ربما كان سبباً إلى الوطء الحرام.
فأما إذا لم يكن حراماً فلا أقل من أن يكون مكروها.
وأما كون كل واحد منهما له لمس جميع بدن الآخر؛ فلأن الوطء جائز.
فلأن يجوز اللمس بطريق الأولى.
ولأنه لو حرم اللمس لحرم النظر لئلا يدعو إليه.
ولأنه لو حرم اللمس لما أمكن التحرز عنه حالة الوطء.
وأما كون السيد مع أمته كذلك؛ فلأنهما في معنى الزوجين.
ولأن الأمة داخلة في الحديث المتقدم ذكره.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: مع أمته نظر؛ لأنه يدخل في ذلك أمته المزوجة والمجوسية والوثنية ونحو ذلك، وليس له النظر إلى شيء من ذلك ولا لمسه؛ لما يذكر في موضعه.
وجعل بعض الأصحاب سُرِّيَتَه بدل أمته.
وفيه نظر أيضاً؛ لأنه يخرج منه أمته التي ليست بسُرِّية.
وله النظر إليها ولمسها.
وجعل بعضهم أمته المباحة له بدل أمته 1. وهو أجود مما تقدم ذكره لسلامته عما ذكر فيه.
فصل [في خطبة المعتدة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة، ولا التعريض بخطبة الرجعية.
ويجوز في عدة الوفاة والبائن بطلاق ثلاث.
وهل يجوز في عدة البائن بغير الثلاث؟ على وجهين).
أما كون التصريح بخطبة المعتدة لا يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ [البقرة: 235]. والمراد بالسر النكاح.
قاله أهل التفسير.
ولأنه قال: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: 235]. خص التعريض بنفي الحرج وذلك يدل على وجود الحرج في التصريح، وذلك يدل على عدم جواز التصريح.
ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح.
فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
وأما كون التعريض بخطبة الرجعية لا يجوز؛ فلأنها زوجة.
أشبهت التي في صلب النكاح.
وأما كون التعريض في عدة الوفاة والمطلقة بالثلاث يجوز؛ فلما تقدم من الآية.
ولما روت فاطمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما طلّقها زوجها ثلاثاً: إذا حلَلْتِ فآذِنيني» 1 وفي لفظ: «لا تَسْبِقيني نفسك» 2. وفي لفظ: «لا تَفُوتِينَا بنفْسِك» 3. وكل ذلك تعريض بالخطبة.
وأما كون التعريض في عدة البائن بغير الثلاث؛ كالمختلعة، والمطلقة بالكناية الظاهرة على قول يجوز على وجه؛ فلعموم الآية.
ولأنها بائن.
أشبهت المطلقة بالثلاث.
وأما كونه لا يجوز على وجه؛ فلأن الزوج يملك أن يستبيحها.
أشبهت الرجعية.
قال: (والتعريض نحو قوله: إني في مثلك لراغب، ولا تُفَوِّتيني بنفسك.
وتجيبه ما يُرغب عنك، وإن قضى شيء كان، ونحوهما).
أما كون التعريض نحو ما ذكر؛ فلأن الغرض يحصل بذلك.
وقد دل الحديث المتقدم عليه.
وأما كون الإجابة ما ذكر؛ فلأن ذلك كافٍ في الغرض وشبيه بالتعريض.
قال: (ولا يحل لرجل أن يخطب على خطبة أخيه إن أُجيب.
وإن رُدَّ حل وإن لم يعلم الحال فعلى وجهين).
أما كون الرجل لا يحل له أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخطبُ أحدكم على خطبةِ أخيه» 1.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخطبُ الرجلُ على خطبةِ أخيه حتى يَنكِحَ أو يَترُك» 2 متفق عليهما.
ولأن في ذلك إفساداً على الخاطب الأول، وفيه إيقاع العداوة بين الناس.
ولذلك نهى عليه السلام عن بيعِ الرجل على بيعِ أخيه 3.
وأما كونه يحل له ذلك إذا رُدَّ؛ فلما روت فاطمة بنت قيس: «أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت: أن معاوية وأبا جهم خطباها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما معاوية
فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جهم فلا يَضَعُ عصاهُ على عاتِقِه، انكحي أسامة بن زيد» 1 متفق عليه.
ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرارٌ بالمرأة؛ لأنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته لها.
و«لأن عمر بن الخطاب خطبَ امرأة على جرير بن عبدالله البجلي، وعلى مروان بن الحكم، وعلى عبدالله بن عمر.
فدخل على المرأة وهي جالسةٌ في بيتها.
فقال عمر: إن جرير بن عبدالله يخطبُ وهو سيدُ أهلِ المشرق، ومروان يخطبُ وهو سيدُ شبابِ قريش، وعبدالله بن عمر وهو من قد علمتُم، وعمر بن الخطاب.
فقالت: أميرُ المؤمنين قال: نعم.
فقالت: قد أنكحت بأمير المؤمنين أنكحوه».
ذكره ابن عبدالبر.
وأما كونه يحل له إذا لم يعلم الحال على وجهٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فاطمة لأسامة بعد أن أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها.
وأما كونه لا يحل له على وجه؛ فلعموم النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه.
قال: (والتعويل في الرد والإجابة عليها إن لم تكن مجبرة.
وإن كانت مجبرة فعلى الولي).
أما كون التعويل في الرد والإجابة على المرأة إن لم تكن مجبرة؛ فلأنها أحق بنفسها من وليها.
ولو أجاب الولي ورغبت هي عن النكاح كان الأمر أمرها.
وأما كون ذلك على الولي إذا كانت مجبرة؛ فلأنه يملك تزويجها بغير اختيارها.
فكان العبرة به لا بها.
قال: (ويستحب عقد النكاح مساء يوم الجمعة.
وأن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود.
وأن يُقال للمتزوج: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير
وعافية.
وإذا زُفّت إليه قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه).
أما كون العقد يستحب مساء يوم الجمعة؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مسوا بالإملاكِ فإنه أعظمُ للبركة».
ولأنه أقرب إلى مقصوده وأقل لانتظاره.
وأما كونه يستحب يوم الجمعة؛ فلأن جماعة من السلف استحبوا ذلك: منهم ضَمْرة بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عتبة.
وأما كون العاقد يستحب له أن يخطب بخطبة قبل العقد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه بالحمدُ للهِ فهوَ أقطَع» 1. رواه ابن المنذر.
وأما كونه يخطب بخطبة ابن مسعود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه إياها.
وما هذا شأنه أولى من غيره.
فإن قيل: ما خطبة بن مسعود؟
قيل: ما روى ابن مسعود قال: «علّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التشهدَ في الحاجة.
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنِا.
من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
ويقرأ ثلاث آياتٍ: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 102]، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا... الآية﴾ [الأحزاب: 70]» 2. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وإضافة الخطبة إلى ابن مسعود في كلام المصنف لتأكيد الخطبة بها.
لا لأن الخطبة لا تستحب بغيرها نقلاً وتعليلاً: أما الأول؛ فلأن الإمام أحمد بن حنبل
كان إذا حضر عقد نكاح لم يُخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم.
رواه الخلال.
وسئل: أيجب أن تكون الخطبة مثل قول ابن مسعود؟ فوسع في ذلك.
رواه حرب.
وأما الثاني؛ فلأن الغرض الخطبة.
وذلك حاصل بغيرها.
وروي عن ابن عمر «أنه كان إذا دُعيَ ليزوِّج قال: [لا تُفضّضُوا] علينا الناسَ.
الحمدُ [لله] وصلى الله على محمدٍ.
إن فلانًا خطبَ إليكم فإن أنكحتُموه فالحمدُ لله، وإن رددتموهُ فسبحانَ الله» 1.
وأما كون المتزوج يستحب أن يقال له ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رَفَّأَ الإنسانَ قال: باركَ اللهُ لكَ، وباركَ عليكَ، وجمعَ بينكما في خيرٍ وعافية» 2. رواه أبو داود.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال لعبدالرحمن لما تزوج: باركَ اللهُ عليكَ، أوْلِمْ ولو بشاة» 3. رواه البخاري.
وأما كونه يستحب أن يقول: اللهم إني أسألك خيرها... إلى آخره إذا زفت إليه؛ فلأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تزوجَ أحدكمُ امرأةً أو اشترى خادمًا فليقل: اللهم إني أسألكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليه، وأعوذُ بكَ من شرّها وشرّ ما جبلتَها عليه» 4. رواه أبو داود.
باب أركان النكاح وشروطه
أركان الشيء هي: أجزاء ماهيته.
والماهية لا تتم بدون جزئها.
فكذا الذي لا يتم بدون ركنه.
والشرط ما ينتفي المشروط لانتفائه.
وليس جزءاً من الماهية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأركانه: الإيجاب والقبول.
ولا ينعقد الإيجاب إلا بلفظ النكاح والتزويج بالعربية لمن يحسنهما، أو بمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنهما.
فإن قدر على تعلمها بالعربية لم يلزمه في أحد الوجهين.
والقبول أن يقول: قبلت هذا النكاح أو ما يقوم مقامه في حق من لا يحسن).
أما كون الإيجاب والقبول ركني النكاح؛ فلأن ماهيته مركبة منهما ومتوقفة عليهما؛ لما يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما كون الإيجاب.
وهو: اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج بالعربية لمن يحسنهما؛ فلأنهما اللذان وردا في القرآن، واستعملهما الصحابة وغيرهم إلى زمننا هذا.
ولأن العادل عنهما مع معرفته لهما عادل عن اللفظ الذي ورد في القرآن مع القدرة عليه.
أشبه من عدل عن لفظ التكبير مع القدرة عليه.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه زوج رجلاً امرأة.
فقال: مُلِّكْتَها بما معكَ من القرآن» 1. رواه البخاري.
قيل: قد روي في الحديث بعينه أنه قال: «زَوّجْتُكَهَا» 1 و «أُنكِحتَها» 2 و «زوّجْناَكَهَا» 3 من طرق صحيحة: فإما أن يكون قد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك، أو يحمل على أن الراوي روى بالمعنى ظناً منه أن معناهما واحد.
وعلى كلا التقديرين لا يبقى فيه حجة.
وأما كونه لا ينعقد إلا بمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنهما؛ فلأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والإزواج في العربية.
ولأن العادل عن ذلك عادل عن اللفظ الخاص إلى غيره.
أشبه العربي إذا عدل عن اللفظ الخاص فيها.
وأما كون القادر على تعلم ذلك لا يلزمه في وجه؛ فلأن النكاح عقد معاوضة.
فلم يجب تعلم أركانه؛ كالبيع.
وأما كونه يلزمه في وجه؛ فلأن ما كانت العربية شرطاً فيه لزم تعلمها مع القدرة؛ كالتكبير.
وأما القبول.
وهو: اللفظ الصادر من قبل الزوج أو من يقوم مقامه: أن يقول ما ذكره المصنف؛ فلأنه كالإيجاب معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
فإن قيل: فإن اختلف لفظ الإيجاب والقبول فقال الولي: زوجتك فقال الزوج: قبلت هذا النكاح، أو قال: أنكحتك فقال: قبلت هذا التزويج.
قيل: يصح؛ لأن الكل وافٍ بالغرض مع كونه موضوعاً له في العربية.
قال: (فإن اقتصر على قول: قبلت، أو قال الخاطب للولي: أزوجتَ؟ قال: نعم.
وللمتزوج: أقبلتَ؟ قال: نعم: صح.
ذكره الخرقي.
ويحتمل أن لا يصح).
أما كون من اقتصر على قول: قبلت يصح النكاح على المذهب؛ فلأنه صريح في الجواب.
فصح به النكاح؛ كما يصح به البيع وسائر العقود.
وأما كون الولي إذا قال: نعم بعد قول الخاطب له: أزوجت؟ والمتزوج إذا قال: نعم بعد قول الخاطب له: أقبلت؟ يصح النكاح على المذهب؛ فلأن معنى نعم قبلت هذا التزويج.
ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم﴾ [الأعراف: 44] كان إقراراً منهم بوجدان ما وعدهم ربهم حقاً.
ولو قيل لرجل: ألي عليك ألف؟ قال: نعم.
كان مقراً به إقرارًا لا يفتقر إلى التفسير.
ومثله قطع اليد في السرقة.
فوجب أن يصح التزويج به؛ كما لو صرح بالمعنى.
وأما كونه يحتمل أن لا يصح النكاح بما ذكر في المسألتين المذكورتين قبل؛ فلأن قول الولي: زوجتك وقول الزوج: قبلت هذا التزويج ركنا العقد.
فلم يصح بدونهما.
قال: (وإن تقدم القبول الإيجاب لم يصح.
وإن تراخى عنه صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
فإن تفرقا قبله 1 بطل الإيجاب.
وعنه: لا يبطل).
أما كون القبول إذا تقدم الإيجاب في باب النكاح لا يصح بلا خلاف في المذهب سواء كان بلفظ الماضي كقولك: تزوجتُ ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الطلب كقولك: زوجني ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الاستفهام كقولك: أتزوجني ابنتك؟ فيقول: زوجتك؛ فلأن القبول إنما يكون للإيجاب.
فمتى وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه.
ولأنه لو تقدم بلفظ الاستفهام لم يصح في موضع وفاقاً.
فكذلك إذا تقدم بلفظ الماضي أو الطلب.
فإن قيل: ما الفرق بين النكاح والبيع على إحدى الروايتين؟
قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه لا يشترط للبيع صيغة الإيجاب والقبول.
بل يصح بالمعاطاة.
وثانيهما: أنه لا يتعين فيه اللفظ.
بل يصح بأيّ لفظ كان مما يؤدي المعنى.
فإن قيل: فما الفرق بين النكاح والخلع؟
قيل: الفرق بينهما ظاهر لأن الخلع يصح بتعليقه على الشروط.
بخلاف النكاح.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه؛ فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد.
بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وبثبوت الخيار في عقود المعاوضات المحضة.
واشترط المصنف في صحة القبول في المجلس: أن لا يتشاغلا بما يقطعه لأن مع التشاغل يعدّ كالمعرض عن الإيجاب.
فلم يصح القبول بعده؛ كما لو رده.
وأما كون الإيجاب يبطل إذا تفرق الولي والزوج قبل القبول على المذهب؛ فلأن التفرق قبل القبول إعراض عن الإيجاب.
أشبه ما لو رده.
وأما كونه لا يبطل على روايةٍ فبالقياس على القبول في المجلس.
فإن قيل: ما صورة القبول بعد التفرق؟
قيل: ما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قيل له: إن رجلاً مضى إلى قوم.
فقالوا له: زوّج فلاناً.
قال: زوّجته على ألف.
فرجعوا إلى الزوج فأخبروه.
فقال: قد قبلت.
هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم.
قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس.
فصل [في شروط النكاح]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وشروطه خمسة: أحدها: تعيين الزوجين.
فإذا قال: زوجتك ابنتي وله بنات لم يصح حتى يشير إليها، أو يسميها، أو بصفتها بما تتميز به.
وإن لم يكن له إلا ابنة واحدة: صح.
ولو قال: إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها لم يصح).
أما كون شروط النكاح خمسة؛ فلأنها تعيين الزوجين، ورضاهما، والولي، والشهادة، وكون الرجل كفءاً للمرأة.
وسيأتي دليل ذلك كله في مواضعه.
أما كون أحدهما: تعيين الزوجين؛ فلأنه عقد معاوضة.
أشبه البيع.
ولأن مقصود النكاح العين.
فلم يصح بدون التعيين؛ كالبيع.
وأما كون من قال: زوجتك ابنتي وله بنات لا يصح إذا لم يميزها بما ذُكر؛ فلأن تعيين الزوجة شرط لما تقدم ولم يوجد.
وأما كونه يصح إذا ميزها بالإشارة؛ مثل أن يقول: زوجتك ابنتي هذه؛ فلأن التعيين يحصل بذلك.
وأما كونه يصح إذا ميزها بالتسمية؛ مثل أن يقول: فلانة، أو بالصفة؛ مثل أن يقول: الطويلة أو البيضاء أو ما أشبه ذلك وليس في بناته من يتّصف بذلك إلا واحدة؛ فلأن ذلك قائم مقام التعيين لأن الغرض من التعيين العلم بالمعقود عليها وذلك حاصل فيما ذكر.
وأما كون من قال: زوجتك ابنتي ولم يكن له إلا بنت واحدة يصح؛ فلأن عدم التعيين إنما جاء من التعدد ولا تعدد هاهنا.
وأما كون من قال: إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتك بها لا يصح؛ فلأنه تعليق للنكاح على شرط، والنكاح لا يصح تعليقه.
فصل [الشرط الثاني]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الثاني: رضا الزوجين.
فإن لم يرضيا، أو أحدهما: لم يصح.
إلا الأب له تزويج أولاده الصغار والمجانين وبناته الأبكار بغير إذنهم.
وعنه: لا يجوز له تزويج ابنة تسع سنين إلا بإذنها.
وهل له تزويج الثيب الصغيرة؟ على وجهين.
والسيد له تزويج إمائه الأبكار والثيب وعبيده الصغار بغير إذنهم.
ولا يملك إجبار عبده الكبير.
ويحتمل مثل ذلك في الصغير أيضاً).
أما كون الثاني من شروط صحة النكاح رضا الزوجين غير ما استثني؛ فلأن العقد لهما.
فاشترط رضاهما؛ كالبيع.
وأما كونهما إذا لم يرضيا أو أحدهما لا يصح غير ما استثني؛ فلأن الرضى شرط ولم يوجد.
وأما كون الأب له تزويج أولاده الصغار؛ فـ «لأن ابن عمر زوّجَ ابنه وهو صغير.
فاختصما إلى زيدٍ فأجازاهُ جميعًا» 1.
ولأن الأب يتصرف في ماله بغير تولية.
فجاز له تزويجه؛ كابنته الصغيرة.
وأما كونه له تزويج أولاده المجانين؛ فلأنهم لا قول لهم فكان لأبيهم تزويجهم كأولاده الصغار.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أنه لا فرق بين المجنون البالغ وغير البالغ.
وصرح به في المغني.
وقال: هو ظاهر كلام أحمد لاستوائهما في المعنى الذي جاز التزويج من أجله.
وقال القاضي: لا يجوز تزويج بالغ إلا إذا كان محتاجاً بأن تظهر منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه لأنه لا مصلحة له في الزواج إلا بذلك.
وقال أبو بكر عبدالعزيز: ليس للأب تزويجه بحال؛ لأنه رجل.
فلا يملك الأب إجباره؛ كالعاقل.
والأول أولى؛ لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته وحفظه عن الزنا.
فالبالغ أولى.
وأما كونه له تزويج بناته الأبكار اللاتي لهن دون تسع سنين بغير إذنهن فلا خلاف فيه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: 4].
أي عدتهن كذلك ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من طلاق في نكاح.
فدل على أنها تزوج ثم تطلق ولا إذن لها يعتبر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «تزوّجني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنةُ ستٍ، وبنى بي وأنا ابنةُ تسع» 1 متفق عليه.
وروي «أن قدامة بن مظعون تزوّجَ ابنة الزبير حين نفست».
وأما كونه له تزويج اللاتي لهن تسع سنين فصاعداً على المذهب؛ فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأيمُ أحقُ بنفسِهَا من وليّها.
والبكرُ تُستأذَنُ، وإذنُها صُمَاتُها» 2. رواه أبو داود.
قسم النساء قسمين.
فأثبت الحق لأحدهما، وذلك يدل على نفيه عن الآخر.
وأما كونه لا يجوز له تزويج ابنة تسع سنين إلا بإذنها على روايةٍ؛ فلأنها بلغت سناً تصلح للبلوغ.
أشبهت البالغة.
ولم يتعرض المصنف إلى البالغة وفيها عن الإمام أحمد رواية لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُنكحُ الأيّمُ حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكرُ حتى تُستأذن.
قالوا: يا رسول الله! فكيف إذنُها؟ قال: أن تسْكُت» 1. متفق عليه.
ولأنها جائزة التصرف في مالها بنفسها.
فلم يكن للأب تزويجها بغير إذنها؛ كالثيّب.
وأما كونه له تزويج الثيّب الصغيرة على وجه؛ فلأنها كالغلام في الصغر.
فكان له تزويجها؛ كولده الصغير.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه فبالقياس على الثيّب الكبيرة.
ويظهر من ذلك ومن العموم المتقدم أن الثيب إن يكنّ بالغات لم يكن للأب تزويجهن إلا بإذنهن.
وهو صحيح.
ووجهه ما تقدم.
ولأنه قال عليه السلام: «الأيمُ أحقُ بنفسِها من وليّها» 2.
وعنه أنه قال: «ليسَ للوَلي معَ الثيبِ أمرٌ» 3. رواهما النسائي وأبو داود.
ولأنهن رشيدات عالمات بالمقصود من النكاح.
فلم يكن للأب تزويجهن؛ كابنه البالغ.
وأما كون السيد له تزويج إمائه الأبكار والثيب بغير إذنهن؛ فلأن النكاح عقد على المنافع.
فكان للسيد عقده؛ كالإجارة.
وأما كونه له تزويج عبيده الصغار بغير إذنهم على المذهب؛ فلأنه إذا كان له تزويج ابنه الصغير.
فلأن يكون له تزويج عبده الصغير بطريق الأولى.
وأما كونه لا يملك إجبار عبده الكبير؛ فلأنه خالص حقه.
فلم يملك إجباره عليه؛ كالطلاق.
وأما كونه يحتمل مثل ذلك في الصغير أيضاً فبالقياس عليه.
قال: (ولا يجوز لسائر الأولياء تزويج كبيرة إلا بإذنها.
إلا المجنونة لهم تزويجها إذا ظهر منها الميل إلى الرجال.
وليس لهم تزويج صغيرة بحال.
وعنه: لهم ذلك ولهم الخيار إذا بلغت.
وعنه: لهم تزويج ابنة تسع سنين بإذنها).
أما كون سائر الأولياء لا يجوز لهم تزويج كبيرة عاقلة إلا بإذنها؛ فلأنهم لا يجوز لهم تزويج صغيرة لما يأتي فلأن لا يجوز تزويج كبيرة بطريق الأولى.
ولأن غير الأب لا يساوي الأب.
وفي تزويج الأب الكبيرة البكر خلاف.
فيلزم أن لا يجوز ذلك كغيره قولاً واحداً لأنه لو جاز لكان مثل الأب أو أحسن حالاً منه.
وأما كونهم لهم 1 تزويج المجنونة إذا ظهر منها الميل إلى الرجال؛ فلأنه لو لم يجز في هذه الحال لأدى إلى الوقوع في المحظور وذلك مطلوب العدم.
وأما كونهم ليس لهم تزويج صغيرة بحال على المذهب؛ لما روي «أن قدامة بن مظعون زوّجَ ابنةَ أخيه من عبدالله بن عمر فرُفعَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: إنها يتيمة ولا تُنكحُ إلا بإذنِها» 2. والصغيرة لا إذن لها.
وأما كونهم لهم ذلك على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3].
دلت الآية بمفهومها أن تزويجها إذا أقسطوا جائز.
وقد فسرته عائشة رضي الله عنها بذلك.
فعلى هذا يكون لها الخيار إذا بلغت لتستدرك ما فاتها.
وأما كونهم لهم تزويج ابنة تسع سنين بإذنها على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُستأمرُ اليتيمةُ فإن سكتتْ فهو إذنُها، وإن أبتْ فلا جَوازَ عليها» 3. رواه أبو داود.
وهذه الروايةٍ أقوى دليلاً؛ لأن في القول بها جمعاً بين الآية والأخبار.
وهذا ظاهر كلام المصنف في الكافي.
فإن قيل: لم قيد ذلك بالتسع؟
قيل: لأنها حينئذ تصير عارفة بما يضرها وينفعها فتظهر فائدة استئذانها وقد نبهت عائشة على ذلك حيث قالت: «إذا بَلغتِ الجاريةُ تسع سنين فهيَ امرأة» 1.
وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأنها تصلح حينئذ للنكاح وتحتاج إليه.
أشبهت البالغة.
قال: (وإذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات).
أما كون إذن الثيب الكلام فلا خلاف فيه.
ولأن الإذن في الأمر إذا... 2 لا يكون إلا بالكلام.
فكذلك هاهنا.
وأما كون إذن البكر الصمات؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «كيفَ إذنُها؟ قال: أن تَسكُت» 3.
وعن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله! البكرُ تستحِي.
قال: رضاها صمتُها» 4. متفق عليه.
وفي روايةٍ: «واليتيمةُ تُستأمرُ وصمتُها إقرارُها» 5. رواه النسائي.
وفي روايةٍ: «تُستأمرُ اليتيمةُ في نفسِها فإن سكتتْ فهو إذنُها» 1.
ولا فرق بين الأب وغيره فيما ذُكر؛ لأنه صرح بأن إذن اليتيمة الصمت، واليتيمة من لا أبَ لها.
قال: (ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم.
فأما زوال البكارة بأصبع أو وثبة فلا يغير صفة الإذن).
أما كونه لا فرق بين ما ذكر؛ فلعموم ما تقدم.
ولأن البكر إنما اقتصر على صماتها لأجل حيائها وذلك مفقود في الموطوءة.
لا سيما بوطء محرم.
وأما كون زوال البكارة بأصبع أو وثبة لا يغير صفة الإذن؛ فلأن المعنى الذي وجب الاكتفاء بالصمات في البكر لأجله موجود هاهنا لأن الحياء لا يزول بزوال البكارة بإصبع أو وثبة.
والله أعلم.
فصل [الشرط الثالث]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الثالث: الولي.
فلا نكاح إلا بولي.
فإن زوجت المرأة نفسها أو غيرها لم يصح.
وعنه: لها تزويج أمتها ومعتقتها.
فيُخَرَّج منه صحة تزويج نفسها بإذن وليها وتزويج غيرها بالوكالة.
والأول المذهب).
أما كون الثالث من شروط صحة النكاح: الولي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نِكاحَ إلا بِوَلي» 1. صححه أحمد وابن معين.
وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأةٍ نكحتْ نفسَها بغيرِ إذن وليّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ» 2. رواه أبو داود وابن ماجة والأثرم.
فإن قيل: الحديث الأول يمكن حمله على نفي الكمال، والثاني يدل بمفهومه على صحة النكاح بإذن الولي وأنتم لا تقولون به.
ثم قد دل قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: 232] على صحة نكاحها.
فصح منها؛ كبيع أمتها.
قيل: مقتضى الحديث الأول نفي حقيقة النكاح؛ إلا أنه لما لم يمكن ذلك وجب حمله على نفي الصحة؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة.
لا سيما إذا اعتضد بقوله في الحديث الآخر: «باطلٌ باطلٌ» 3. ولقائل أن يقول: بل هو على مقتضاه
في نفي الحقيقة؛ لأن كلام الشرع محمول على الحقائق الشرعية لا على الحقائق اللغوية، والحقيقة الشرعية لا توجد بغير ولي.
وأما الحديث الثاني فلا مفهوم له لأنه خرج مخرج الغالب.
أشبه قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حُجُوركم﴾ [النساء: 23].
وأما الآية فالعضل الامتناع من التزويج.
ويدل عليه «أنها نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها» 1.
وأما الإضافة إليهن؛ فلأنهن محل له.
وأما كون المرأة إذا زوجت نفسها لا يصح على المذهب؛ فلما تقدم من قوله: «لا نِكاحَ إلا بِوَلي» 2، وقوله: «أيما امرأةٍ نكحتْ نفسَهَا بغيرِ إذنِ وليّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ» 3.
ولأن الولي شرط في النكاح.
ولم يوجد.
وأما كونها إذا زوجت غيرها لا يصح على المذهب؛ فلأنها إذا كانت قاصرة عن تزويج أمتها على روايةٍ.
[فلأن تكون قاصرة عن تزويج غيرها بطريق الأولى.
وأما كونها لها تزويج أمتها على روايةٍ] 4؛ فلأنها مالكتها، وولايتها عليها تامة.
فكان لها تزويجها؛ كالسيد.
ولأنها لها بيعها وإجارتها.
فكان لها تزويجها؛ كسيدها.
وأما كونها لها تزويج معتقتها على روايةٍ؛ فلأن الولاية كانت لها عليها.
فوجب استصحابها.
ولأن الولاء كالملك.
وأما كون صحة تزويج نفسها بإذن وليها وصحة تزويج غيرها بالوكالة يُخَرَّج من صحة تزويج نفسها من مُعْتَقِها.
فلأنها إذا كانت أهلاً لمباشرة تزويج أمتها أو مُعْتَقِها.
فلأن تكون أهلاً لتزويج نفسها وغيرها بالوكالة بطريق الأولى.
وأما كون الأول المذهب؛ فلما تقدم.
ولأن العلة في منعها صيانتها عن مباشرة ما شعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال.
فوجب أن لا تباشر النكاح تحصيلاً لذلك.
والفرق بين تزويج أمتها ومعتقتها وبين تزويج نفسها أن الولاية عليها إنما ثبتت لتحصيل الكفاءة، وذلك مفقود في الأمة والمعتقة.
قال: (وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا.
ثم ابنها وإن نزل.
ثم أخوها لأبويها ثم لأبيها.
وعنه: يقدم الابن على الجد، والتسوية بين الجد والأخ، وبين الأخ للأبوين والأخ للأب.
ثم بنو الإخوة وإن سفلوا.
ثم العم ثم ابنه.
ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث.
ثم المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب.
ثم السلطان).
أما كون أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أباها؛ فلأنه أكمل من غيره نظراً وأتمُّ شفقة، ويختص بولاية المال، ويجوز أن يشتري لها من ماله، وله من مالها إذا كانت صغيرة.
ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لابنه قال الله تعالى: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبياء: 90]، وقال إبراهيم: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحاق﴾ [إبراهيم: 39]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 1.
ولأن غير الأب: إما يدلي به؛ كالجد والإخوة.
وإما فرع بالنسبة إليه؛ كالابن.
ومن أدلى بشخص لا يثبت له معه حق.
والأصل راجح على الفرع.
فإن قيل: الابن أولى بالميراث.
فيجب أن يكون أولى بالنكاح.
قيل: الميراث اقتضى ذلك.
وكمال شفقة الأب معارض له.
فإن قيل: لم قيدت الولاية بكون المرأة حرة؟
قيل: لأن ولي الأمة سيدها.
وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد أبيها أباه وإن علا وهو الجد؛ فلأن له إيلاداً وتعصيباً.
أشبه الأب.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الجد ابنها؛ فلأنه أولى بالميراث من غيره.
فكذا في النكاح.
ترك ذلك في الأب؛ لكمال شفقته، وفي الجد؛ لأن له إيلاداً وتعصيباً.
فيبقى فيما عداهما على مقتضاه.
وفي كونه أحق بذلك من غيره تنبيه على ثبوت ولايته.
وصرح به المصنف في المغني.
ووجهه: ما روت أم سلمة «أنها لما انقضت عدتُها أرسلَ إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطُبُها.
فقالت: يا رسول الله! ليسَ أحدٌ من أوليائي شاهد.
قال: ليسَ من أوليائكِ شاهدٌ ولا غائبٌ يكرَهُ ذلك.
فقالت لابنها: قمْ يا عمر! فزوّجْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم» 1. رواه النسائي.
ولأنه عدلٌ من عصبتها.
أشبه أخاها.
وأما كون أحق الناس 2 بذلك بعد ابنها ابنه وإن نزل؛ فلما ذكر في أبيها.
وأما كون أحق الناس بعد ابنها وإن نزل أخاها لأبويها ثم لأبيها؛ فلما ذكر أيضاً.
وأما كون الابن يقدم على الجد على روايةٍ؛ فلأنه أولى بالميراث منه.
وأما كون الجد والأخ سواء على روايةٍ؛ فلأنهما يستويان في الميراث.
فيستويان في ولاية النكاح.
وأما كون الأخ من الأبوين والأخ من الأب سواء على روايةٍ؛ فلأنهما استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية وهي العصوبة التي من جهة الأب.
فاستويا في ولاية النكاح؛ كما لو كانا من أب.
وأما قرابته من الأم فلا يرجح بها هنا؛ لأنها لا مدخل لها في النكاح.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟
قيل: صحح صاحب الخلاصة التسوية.
وقال المصنف في المغني: هو المنصوص.
ووجهه ما ذكر.
وظاهر كلامه رحمه الله تعالى هنا ترجيح الأخ للأبوين.
وصرح به في المغني.
ونقض عدم الترجيح بما لا مدخل له في الميراث بالولاء من حيث إنه يقدم الأخ للأبوين على الأخ للأب.
مع أن النساء لا مدخل لهن في الولاء.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الأخ الإخوة وإن سفلوا ثم العم ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث؛ فلأنهم كذلك في الميراث.
فكذلك في الولاية؛ لأن الولاية مبناها على النظر والشفقة وذلك يعتبر بمظنته وهي القرابة.
فمتى كان الإنسان أحق بالميراث فهو أحق بالولاية.
ولا يُلزم عليه الأب لما تقدم من معاوضة كمال شفقته لذلك.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد العصبات المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب؛ فلأنهم أولى الناس بميراثه.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: بعد المولى المنعم ثم عصباته الأقرب فالأقرب؛ تنبيه على كون ابن المولى المنعم أحق من أبيه بخلاف النسب.
وهو صحيح.
صرح به المصنف وغيره.
ووجهه: أن مقتضى الدليل تقديم الابن على الأب لتقديمه عليه في الميراث.
تُرك العمل به في السبب لرجحان الأب عليه بكمال الشفقة المعتمدة على القرابة، وذلك منتفٍ هاهنا لعدم القرابة المرجحة.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد المولى المنعم وعصباته السلطان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 1.
وعن أم حبيبة «أن النجاشي زوّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عنده» 1. رواه أبو داود.
ولأن السلطان له ولاية عامة.
بدليل أنه يلي المال ويحفظ الضوال.
فكانت له الولاية في النكاح؛ كالأب.
والمراد بالسلطان هنا: الإمام أو الحاكم أو من فوّض أحدهما إليه ذلك.
قال: (فأما الأمة فوليها سيدها.
فإن كانت لامرأة فوليها ولي سيدتها.
ولا يزوجها إلا بإذنها).
أما كون ولي الأمة سيدها؛ فلأنه يملك منافعها.
فملك تزويجها؛ كإجارتها.
وأما كون ولي الأمة إذا كانت لامرأة ولي سيدتها؛ فلأنه قد ثبت أنه لا ولاية للمرأة.
فوجب أن يليها ولي سيدتها؛ لأنه أحق بالناس بها بعدها.
ولأنه إذا ثبت له الولاية على سيدتها.
فلأن تثبت عليها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يزوجها إلا بإذنها؛ فلأنها مالها.
ولا يجوز التصرف في مال الرشيدة بغير إذنها وبغير نطقها في هذا الإذن وإن كانت بكراً؛ لأن صماتها إنما اكتفي به في تزويج نفسها لحيائها وهو مفقود هنا؛ لأنها لا تستحي من تزويج أمتها.
قال: (ويشترط في الولي: الحرية، والذكورية، واتفاق الدين، والعقل.
وهل يشترط بلوغه وعدالته؟ على روايتين).
أما كون الولي يشترط فيه الحرية؛ فلأن العبد لا ولاية له على نفسه.
فعلى غيره أولى.
وأما كونه يشترط فيه الذكورية؛ فلأن ولاية النكاح ولاية.
والولاية يعتبر فيها الكمال.
والمرأة قاصرة ناقصة تثبت الولاية عليها لقصورها عن النظر لنفسها.
فلئلا تثبت لها ولاية على غيرها بطريق الأولى.
وأما كونه يشترط فيه اتفاق الدين.
ومعناه: أن يكون مسلماً كالزوجة المسلمة، أو كافراً كالزوجة الكافرة؛ فلأن الكافر لا ولاية له على المسلمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: 71].
قال ابن المنذر: أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا.
قال الإمام أحمد: بلغنا «أن علياً أجاز نكاح الأخ ورد نكاح أب وكان نصرانياً».
والمسلم لا ولاية له على كافرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض﴾ [الأنفال: 73].
وأما كونه يشترط فيه العقل فلا خلاف فيه؛ لأن الولاية إنما تثبت نظراً للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر ولا يلي نفسه.
فغيره أولى.
ولا فرق بين من لا عقل له لصغر؛ كالطفل، وبين من ذهب عقله بجنون أو كبر كالشيخ إذا أفند 1؛ لاشتراك الكل في العدم.
فأما المغمى عليه والذي يجنّ في بعض الأوقات فلا تزول ولايتهما: أما المغمى عليه؛ فلأن مدته يسيرة.
أشبه النوم.
ولذلك لا تثبت الولاية عليه وتجوز على الأنبياء عليهم السلام.
وأما من يجنّ في بعض الأوقات؛ فلأنه لا يستمر زوال عقله.
أشبه المغمى عليه.
وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأن الولاية يعتبر لها كمال الحال، ومن لم يبلغ قاصر لثبوت الولاية عليه.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه إذا بلغ عشراً تصح وصيته وطلاقه وتثبت له الولاية كالبالغ.
قال المصنف في المغني: والأول اختيار أبي بكر وهو الصحيح.
وأما كونه يشترط عدالته على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أنه قال: «لا نِكاحَ إلا بولي مُرشِد» 2.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدلٍ.
وأيما امرأةٍ أَنكحَها وليٌ مسخوطٌ عليه فنكاحُها باطل» 1.
ولأنها ولاية نظرية.
فلا يستبد بها الفاسق؛ كولاية المال.
وأما كونه لا يشترط عدالته على روايةٍ؛ فلأنه يلي نكاح نفسه.
فتثبت الولاية على غيره؛ كالعدل.
ولأن سبب الولاية القرابة، وشرطها النظر.
وهذا قريب ناظر.
فوجب أن يلي؛ كالعدل.
قال: (فإن كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً: زوج الأبعد.
وإن عضل الأقرب زوج الأبعد.
وعنه: يزوج الحاكم).
أما كون الأبعد يزوج إذا كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً؛ فلأن الأقرب فاقد لشرط الولاية فوجوده كعدمه.
فوجب أن تثبت للأبعد؛ كما لو مات الأقرب.
وأما كونه يزوج إذا عضل الأقرب على المذهب؛ فلأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب.
فانتقل الولاية إلى الأبعد؛ كما لو جُنّ.
ولأنه يفسق بالعضل.
فتنتقل الولاية عنه؛ كما لو شرب الخمر.
وأما كون الحاكم يزوج على روايةٍ اختارها أبو بكر؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن اشتَجَرُوا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 2. والحاكم نائب عنه.
ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه.
فقام الحاكم مقامه؛ كما لو كان عليه دين امتنع من قضائه.
والأول أصح؛ لما ذكر.
والحديث لا حجة فيه؛ لأنه قال: «وليُّ من لا وليَّ له» وهذه لها ولي.
ثم يمكن حمله على ما إذا عضل الكل.
ويؤيده قوله: «فإن اشتَجَرُوا»؛ لأنه ضمير جمع.
والفرق بين الولاية والدَّين من وجوه:
أحدها: أن الولاية حق للولي، والدَّين حق عليه.
وثانيها: أن الولاية تنتقل عنه لعارض من فسق أو جنون أو موت، والدَّين لا ينتقل.
وثالثها: أن الولاية يعتبر في بقائها العدالة وقد زالت بالعضْل، والدَّين لا يعتبر في بقائه ذلك.
قال: (وإن غاب غيبة منقطعة زوج الأبعد.
وهي: ما لا تُقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلامه.
وقال الخرقي: ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه.
وقال القاضي: ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة.
وعن أحمد: إذا كان الأب 1 بعيد السفر زوج الأبعد فيحتمل أنه أراد ما تقصر فيه الصلاة).
أما كون الأبعد يزوج إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة؛ فلأن الأقرب تعذر التزويج منه.
فوجب أن ينتقل إلى من يليه؛ كما لو جُنّ أو مات.
وأما كون الغيبة المنقطعة هي ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن التحديدات توقيفية، ولا توقيف في هذه المسألة.
فوجب الرد إلى ما يتعارف الناس.
وهو ما ذكر.
قال المصنف في المغني: هذا أقرب الأقوال إلى الصواب.
ونسبه إلى أبي بكر.
وأما كونها ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه في قول الخرقي؛ فلأن مثل هذا متعذر مراجعته.
فتكون منقطعة.
وأما كونها ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة في قول القاضي؛ فلأن الكفء يُنتظر سنة ولا ينتظر أكثر منها.
فيلحق الضرر بترك تزويجها.
وأما كون ما تقصر فيه الصلاة يحتمل أن يراد من قول أحمد: إذا كان الأب بعيد السفر زوج الأبعد؛ فلأن ذلك هو السفر البعيد الذي علقت عليه الأحكام.
قال: (ولا يلي كافر نكاح مسلمة بحال؛ إلا إذا أسلمت أم ولده في وجه).
أما كون 1 الكافر لا يلي نكاح مسلمة غير أم ولده؛ فلأنه لا ولاية لكافر عليها البتة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: 71].
ولأن ابن المنذر قال: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وأما كونه لا يلي نكاح أم ولده في وجه؛ فلما ذكر من الآية.
ولأنها مسلمة.
فلا يلي نكاحها؛ كابنته.
فعلى هذا يزوجها الحاكم.
وأما كونه يليه في وجه؛ فلأنها مملوكته.
فيلي نكاحها؛ كالمسلم.
ولأنه عقد عليها.
فيليه؛ كإجارتها.
قال: (ولا يلي مسلم نكاح كافرة إلا سيد الأمة أو ولي سيدتها أو السلطان).
أما كون المسلم لا يلي نكاح كافرة إذا لم يكن سيد أمة أو ولي سيدتها أو السلطان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض﴾ [الأنفال: 73].
ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر ولا يعقل عنه.
فلم يل عليه؛ كما لو كان أحدهما رقيقا.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان سيد الأمة؛ فلأنه عقد على منافعها.
فوليه وإن اختلف ديناهما؛ كإجارتها.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان ولي سيدتها؛ فلأنه يلي نكاح سيدها.
فلأن يلي نكاحها بطريق الأولى.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان السلطان؛ فلأن ولايته عامة على أهل دار الإسلام، والكافرة من أهل الدار.
فثبتت له الولاية عليها؛ كالمسلمة.
قال: (ويلي الذميُّ نكاح موليته الذمية من الذمي.
وهل يليه من مسلم على وجهين).
أما كون الذمي يلي نكاح موليته الذمية من الذمي؛ فلأنه مساوٍ لها.
فوليه؛ كالمسلم ولي المسلمة.
وأما كونه يليه من مسلم على وجه فللمساواة المذكورة.
وأما كونه لا يليه على وجه؛ فلأن فيه صغاراً على المسلم.
قال: (وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب، أو زوج أجنبي: لم يصح.
وعنه: يصح ويقف على إجازة الولي).
أما كون ما ذُكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه تصرف في حق الغير بغير إذنه.
فلم يصح؛ كما لو باع ماله.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: من غير عذر للأقرب؛ فيه تنبيه على أنه إذا كان معذوراً بأن كان غائباً أو ما أشبه ذلك يصح نكاح الأبعد.
وقد تقدم بيانه.
فإن قيل: فقد عطف الأجنبي عليه فيجب أن يساويَ الأبعد في ذلك.
قيل: لا؛ لأن الغيبة تجعل الأقرب كالمعدوم.
فيتحقق الأبعد.
وهذا المعنى مفقود في الأجنبي.
والعطف يقتضي مساواة المعطوف المعطوف عليه في أصل العطف لا في كل ما يتعلق به.
وأما كونه يصح ويقف على إجازة الولي على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة.
فصح ووقف على الإجازة؛ كالبيع في روايةٍ.
ولأنه عقد يقف على الفسخ.
فصح ووقف على الإجارة؛ كالوصية.
والبيع من الأجنبي لا يصح على الصحيح.
والفرق بين هذا وبين الوصية أن الوصية يتراخى فيها القبول وتجوز بعد الموت فهي معدول بها عن سائر التصرفات.