الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 496-535

وأما كون من يدافع أحدهما يعذر في ذلك؛ فلأنه إنما نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، لما في ذلك من ذهاب الخشوع وهو موجود في مدافعة أحدهما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي أحدكم وهو زناء» 1. أي حاقن.
والأخبثان: البول والغائط.
وأما كون الخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضررٍ فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة نعاس يُعذر في ذلك؛ فلما تقدم من قوله: «وما العذر يا رسول الله! قال: خوف أو مرض».
ولأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بَلّ الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق.
وأما كون الخائف من الأذى بالمطر أو الوحل يُعذر؛ فلما روي عن ابن عباس «أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت 2: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حي على الصلاة.
وقل: صلوا في بيوتكم.
فعل ذلك من هو خير مني إن الجمعة عَزْمَة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحَضِ» 3 متفق عليه.
وروى ابن عمر رضي الله عنه قال 4: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة: صلوا في رحالكم» 5 رواه ابن ماجة.
وأما كون الخائف من الأذى بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة يعذر؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر منادياً فيؤذن.
ثم يقول على إثر ذلك: ألا إن الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة» 6 رواه ابن ماجة.
وإسناده صحيح.

ورواه البخاري ومسلم إلا أن فيه: «في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر» 1. والله أعلم.

باب صلاة أهل الأعذار

قال المصنف رحمه الله: (ويصلي المريض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائماً.
فإن لم تستطع فقاعداً.
فإن لم تستطع فعلى جنب» 1. فإن صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته على أحد الوجهين.
ويومئ بالركوع والسجود.
ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
فإن عجز عنه أومأ بطرفه.
ولا تسقط الصلاة).
أما كون المريض يصلي قائماً إذا استطاع ذلك، وقاعداً إذا لم يستطع، وعلى جنب إذا لم يستطع الصلاة قاعداً؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين... الحديث.
رواه البخاري.
ولما روى أنس قال: «سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرس فخُدش أو فجُحش شقه الأيمن.
فدخلنا عليه نعوده.
فحضرت الصلاة.
فصلى قاعداً وصلينا خلفه قعوداً» 2 رواه البخاري.
فإن قيل: ما المرض الذي يبيح الصلاة قاعداً أو على جنب؟

قيل: هو الذي يزيد المريض أو يبطئ برؤه؛ لأن في إيجاب الصلاة قائماً أو قاعداً مع أحدهما مشقة وحرجاً وهو منتف بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78].
فعلى هذا لو صلى قاعداً مع القدرة على القيام الذي لا يزيد في مرضه ولا يبطئ برؤه، أو على جنب مع أن القعود كذلك لم تصح صلاته لأنه ترك الركن مع القدرة عليه أشبه من ليس بمريض أصلاً.
وأما كون من صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة مع القدرة على الصلاة على جنب تصح صلاته في وجه؛ فلأنه يروى: «فإن لم تستطع فقاعداً.
فإن لم تستطع فعلى ظهر» 1. ولأنه نوع استقبال أشبه ما إذا صلى على جنب.
وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأن في بعض الروايات: «فإن لم تستطع فصل مستلقياً» 2. وأما كون المريض يومئ بالركوع والسجود إذا عجز عنها؛ فلأن ذلك بعض الواجب عليه فيدخل في قوله: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 3. وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يستطع السجود أومأ» 4. وأما كونه يجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «وجعل السجود أخفض من الركوع» 5. ولأن صلاة الصحيح كذلك.

وليتميز السجود من الركوع.
وأما كون من عجز عن الإيماء بالركوع والسجود برأسه يومئ بطرفه؛ فلأن تكملة الحديث المذكور: «فإن لم يستطع أومأ بطرفه» 1. ولأنه قادر على الإيماء بذلك فلزمه الإتيان به كما لو قدر على الإيماء برأسه.
وأما كون الصلاة لا تسقط إذا بلغ الحالة المذكورة فلما ذكر في حديث علي.
ولأنه قادر على الإتيان بالصلاة على حسب حاله فلم تسقط عنه الصلاة كالقادر على الإيماء برأسه.
قال: (فإن قدر على القيام والقعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها.
ومن قدر على القيام 2 وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائماً والسجود قاعداً).
أما كون المصلي قاعداً لمرض ينتقل إلى القيام إذا قدر عليه [في أثناء صلاته؛ فلأن المبيح العجز وقد زال.
وأما انتقال المصلي على جَنْبٍ إذا قدر عليه] 3؛ فلأن القعود مع الجَنْب كالقيام مع القعود.
وأما كونه يتم الصلاة في الحالين من غير ابتدائها؛ فلأن ما صلى كان العذر 4 موجوداً معه وما بقي قد أتى فيه بالواجب فيه.
وأما كون من قدر على القيام والقعود وعجز عن الركوع والسجود يومئ بالركوع قائماً والسجود قاعداً؛ فلأن الركوع ينتقل إليه من القيام، والسجود من القعود فتعين أن يومئ بكل واحد منهما من المكان الذي ينتقل منه إليه.
قال: (وإذا قال ثقاتٌ من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك فله ذلك).
أما كون المريض له أن يصلي مستلقياً إذا قيل له ذلك؛ فلأن في ذلك وسيلة عافيته وهي مطلوبة شرعاً.

وأما قول المصنف رحمه الله: وإذا قال ثقات؛ فظاهره أنه يشترط في ذلك قول ثلاثة لأنه جمع وأقله ثلاثة.
وليس بمراد لأن قول الاثنين كاف في ذلك.
صرح بذلك المصنف رحمه الله وغيره.
وهو صحيح لأن قول الاثنين كاف في كثير من المواضع فكذلك هاهنا.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله الثقة في ذلك؛ لأنه أمر ديني فاشترط له ذلك كغيره.
قال: (ولا تجوز الصلاة في السفينة قاعداً لقادر على القيام).
أما كون الصلاة في السفينة لا تجوز قاعداً لقادر على القيام؛ فلأنه قادر على ركن الصلاة فلم يجز له تركه كما لو لم يكن في السفينة.
وأما كونها تجوز له إذا لم يقدر على القيام لقصر سقفها وما أشبه ذلك؛ فلأجل العذر.
وكذا الخائف الذي لا يمكنه القيام لخوفه.
فإن قيل: لو قدر في السفينة على انتصاب يخرج به عن حد الراكع؟ قيل: يلزمه لأن حكمه حكم القيام فيكون واجباً.
والخائف ملحق به.
قال: (وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل.
وهل يجوز ذلك للمريض؟ على روايتين).
أما كون صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل يجوز؛ فلأن يعلى ابن أمية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ظهور دوابهم يُومؤون.
يجعلون السجود أخفض من الركوع» 1 رواه الأثرم والترمذي.
وأما كونها تجوز للمريض على روايةٍ؛ فلأن مشقة النزول في المرض أكثر من مشقة المطر.

وأما كونها لا تجوز على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يُنزل مرضاه» 1. ولأن الصلاة على الأرض أمكنُ له بخلاف خاشي الوحل.
ولو خاف المريض بالنزول ضرراً غير محتمل كالانقطاع عن الرفقة ونحوه فله الصلاة عليها رواية واحدة؛ لأنه خائف على نفسه أشبه الخائف من عدو.

فصل في قصر الصلاة قال المصنف رحمه الله: (ومن سافر سفراً مباحاً يبلغ ستة عشر فرسخاً فله قصر الرباعية خاصة إلى ركعتين.
إذا فارق بيوت قريته أو خيام قومه.
وهو أفضل من الإتمام.
وإن أتم جاز).
أما كون المسافر له القصر في الجملة؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يَفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: 101]. فإن قيل: القصر جائز مع الأمن والخوف.
والآية تدل على جوازه مع الخوف فقط؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أنه إنما علق القصر على الخوف لفظاً لأن غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الغزو فخرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط.
ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283] علق الرهن على السفر وهو جائز في الحضر؛ لأن عدم وجدان الكاتب في السفر أغلب بخلاف الحضر.
وثانيهما: أن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101] كلام تام و ﴿إن خفتم﴾ [النساء: 101] كلام مبتدأ؛ لما روى أبو أيوب قال: «نزل: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101] هذا القدر.
ثم بعد حَوْل سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: 101]» 1.

ويؤيد جواز القصر في الأمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في الأمن، وأنه روي «أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا نقصر وقد أمن الناس؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته» 1 رواه مسلم.
وأما كونه يشترط أن يكون سفره مباحاً؛ فلأن الترخص ثبت للمسافر إعانة له وتيسيراً.
ولا يرد الشرع بذلك في حق من سفره معصية.
فإن قيل: لو كان سفره واجباً؟ قيل: هو كالمباح.
وإنما اقتصر المصنف رحمه الله على قوله: مباحاً؛ لأن الواجب يسمى مباحاً على قولٍ.
أو لأنه إذا جاز في المباح ففي الواجب أولى.
والسفر الواجب: كالحج والجهاد ونحوهما.
ويُلحق بهذا النوع سفر الطاعة كزيارة الوالدين وذي القرابة من نسب أو رحم، وزيارة الإخوان في الله تعالى، والسفر لطلب العلم، وزيارة المساجد الثلاثة ونحو ذلك؛ لأن جميع ما ذُكر مطلوب شرعاً فجاز القصر فيه؛ لدخوله في عموم الآية.
وقياساً على السفر الواجب.
والسفر المباح: كالسفر للتجارة والكد على العيال فيه.
وسفر المعصية: كسفر الآبق وقاطع الطريق والهارب من دَينٍ عليه وهو موسر ونحو ذلك.

والسفر المكروه: كزيارة القبور والمشاهد.
ملحق بسفر المعصية لأنه منهي عنه.
وأما كونه يشترط أن يكون مسافة ما يقصده لسفره يبلغ ستة عشر فرسخاً؛ فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان» 1 رواه الدارقطني.
فإن قيل: هذا الحديث في رواته إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
قال أحمد ويحيى: ليس بشيء.
وقال الثوري: هو كذاب.
وقد روي أيضاً موقوفاً على ابن عباس.
قيل: أحمد مع تضعيفه احتج به وبنى مذهبه عليه.
فدل ذلك على أنه صح من طريق أخرى.
وأما روايته موقوفاً على ابن عباس فالراوي يسند تارة ويطلق أخرى.
فإطلاقه لا يعارض إسناده.
فإن قيل: ما الفرسخ؟ قيل: ثلاثة أميال.
والميل ألفا خطوة بخطوة البعير، أو اثنا عشر ألف قدم.
وذلك مسيرة يومين تقريباً.
وأما كونه يشترط أن تكون الصلاة رباعية؛ فلأن الصبح ركعتان فلو قصرت بقيت ركعة ولا نظير لذلك في الفرض، والمغرب وتر النهار فلو قصر منها ركعة لم تبق وتراً.
وأما كونه يشترط أن يفارق بيوت قريته إن كان في البنيان أو خيام قومه إن كان في الخيام؛ فلأن الله تعالى جوز القصر لمن ضرب في الأرض وقبل مفارقة ما ذكر لا يسمى ضارباً.
ولأن ذلك أحد طرفي السفر فلم يجز له القصر فيه كحالة 2 الانتهاء.

وأما كون القصر أفضل من الإتمام؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على القصر ولم ينقل عنه الإتمام.
قال ابن عمر: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل.
وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل.
وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل» 1. وأما كون الإتمام يجوز فلما روت عائشة قالت: «يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرتُ وأتممتُ وأفطرتُ وصمتُ قال: أحسنتِ» 2 رواه مسلم.
قال: (فإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم ينو القصر لزمه أن يتم.
وقال أبو بكر: لا يحتاج القصر والجمع إلى نية).
أما كون من أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام يلزمه أن يتم؛ فلأنها عبادة اجتمع لها حكم الحضر والسفر فغلب حكم الإتمام كالمسح.
ولأن المبتدئ بالصلاة في الحضر لم ينو القصر بل نوى الإتمام فهو متعين بحكم النية.
وتُتصور المسألة فيما إذا كان في سفينة واقفة فتجري أو جارية فتقف.
وأما كون من ذكر صلاة حضر في سفر يلزمه أن يتم؛ فلأنها وجبت أربعاً وتعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز النقصان من عددها مع القدرة كما لو لم يسافر.
وأما كون من ذكر صلاة سفر في حضر يلزمه أن يتم؛ فلأن القصر إنما جاز لمشقة السفر فإذا ذكر في الحضر زالت المشقة فيلزمه أن يتم لزوال المقتضي للقصر.

وأما كون من ائتم بمقيم يلزمه أن يتم؛ فلقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به... الحديث» 1. وقال ابن عباس: «إن صلينا معكم صلينا أربعاً.
وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين.
ذلك من سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (2») 3. وأما كون من ائتم بمن يشك في إقامته وسفره يلزمه أن يتم؛ فلأنه شك في سبب الرخصة.
والأصل الإتمام فلزمه.
وأما كون من أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت مثل أن يقتدي بمقيم فيحدث يلزمه أن يتم؛ فلأنه لزمه الإتمام بالشروع في الأولى لائتمامه بمقيم فإذا فسدت وجب عليه قضاء مثل ما وجب عليه.
وأما كون من لم ينو القصر يلزمه أن يتم على المذهب؛ فلأن الإتمام هو الأصل فلا ينصرف إلى القصر إلا بنية.
بيان أن الإتمام هو الأصل قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: 101]. ولأن القصر لو كان هو الأصل لما جاز الإتمام.
ولأن القصر حال من أحوال الصلاة فافتقر إلى نية كالإمامة.
وأما كون القصر والجمع لا يحتاج إلى نية على قول أبي بكر؛ فلأنه مخير قبل الدخول في الصلاة فكذلك بعده عملاً بالاستصحاب.2

قال: (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد.
أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر).
أما كون من له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد 1 له القصر؛ فلأن المسافة بعيدة.
وقال بعض أصحابنا: إن سلك البعيد لغرض صحيح كأمنه وسلامته 2 أو سهولته أو كثرة مائه له القصر؛ لأن ذلك مطلوب والمسافة طويلة فكان له القصر كما لو لم يكن له إلا طريق واحد.
وإن سلكه لا لغرض صحيح ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك كسلوكه طريقاً له فيه غرض صحيح.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه ليس له إرب صحيح في التزام زيادة المسافة.
أشبه ما لو مشى يمنة ويسرة حتى بلغ المسافة المعتبرة.
وأما كون من ذكر صلاة سفر في آخر له القصر؛ فلأنها وجبت في السفر وقضيت فيه.
أشبه ما لو صلاها في وقتها.
قال: (وإذا نوى الإقامة في بلد 3 أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر.
وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة قصر أبداً).
أما كون من نوى الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة يتم؛ فلأن القصر إنما جاز للمسافر عملاً بظاهر الآية.
فمتى نوى 4 الإقامة خرج عن كونه مسافراً فيجب الإتمام.
ترك العمل به فيما عدا من نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة [فما دون ذلك لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.

وأما جواز القصر لمن نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة] 1 يقصر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة لصبح رابعة فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن وكان يقصر الصلاة» 2. وعن الإمام أحمد يتم إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً» 3 رواه أبو داود.
فإذا أقام أكثر من أربعة فقد زاد على حد القِلّة فيتم.
قال ابن عقيل: هذه الرواية هي المذهب.
قال غيره: والأولى هي المشهورة.
وهو اختيار الخرقي.
فإن قيل: لم قال المصنف فإذا نوى الإقامة في بلد؟

قيل: لأنه إذا نوى الإقامة بموضع تتعذر فيه الإقامة كالبرية ففيه وجهان: أحدهما: يقصر لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فلغت وبقي حكم السفر الأول مستداماً.
والثاني: لا يقصر لأنه نوى الإقامة فيكون مقيماً.
وأما كون من أقام لقضاء حاجة أو حبس أو لم ينو الإقامة يقصر أبداً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين» 1 رواه البخاري.
و«أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول» 2. و«أقام أنس بالشام سنتين يقصر» 3 رواهما الأثرم.
قال أنس: «أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة» 4. قال: (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الإقامة ببلد ليس له الترخص).
أما كون من ذكر ليس له الترخص؛ فلأنه ليس طاعناً عن منزله أشبه المقيم ببلد.
ولأنه لو جاز له القصر لقصر أبداً.
ولأنه صار السفر عادة له فلا يجد مشقة.
والترخص إنما جاز للمشقة.
وأما ما يشترط لذلك فأمران:

أحدهما: أن يكون معه أهله.
وثانيهما: أن لا ينوي الإقامة ببلد.
فإن اختل شرط منهما كان له الترخص لأن عدم جوازه لشبَهِه بالمقيم.
وعند انتفاء شرطٍ مما ذكر يخرج عن الشبه فيجب أن يدخل في عموم الأدلة المجوزة للقصر 1 السالمة عن معارضة الشبه بالمقيم.
وقال القاضي: لا يشترط أن يكون مع الملاح أهله؛ لأن بعدم نيته الإقامة ببلد يشبه المقيم.
وليس بجيد لأن الشبه لا يحصل حقيقة إلا بمجموع الأمرين.
فإن قيل: المكاري والفيج -وهو الساعي- ما حكمهما؟ قيل: قال القاضي: هما كالملاح لمشاركتهما له في المعنى.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: إباحة القصر لهما أظهر لدخولهما في عموم النص.
وامتناع قياسهما على الملاح؛ لأنهما لا يمكنهما استصحاب الأهل، ومصالح المنزل في السفر، وزيادة المشقة.

فصل في الجمع قال المصنف رحمه الله: (ويجوز الجمع بين الظهر والعصر، والعشاءين في وقت إحداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل، والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف، والمطر الذي يبل الثياب.
إلا أن جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين).
أما كون الجمع في السفر الطويل يجوز؛ فلما روى معاذ بن جبل قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً.
قلت: ما أراد بذلك؟ قال: أن لا يحرج أمته» 1 رواه مسلم وأبو داود والأثرم.
ولفظهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً.
وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم سار.
وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء.
وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» 2. وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأنه لا يجوز في غير الطويل.
وهو صحيح لأنه تأخير للعبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر.
ولأن دليل الجمع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا صيغة له وإنما هو قضيةٌ في عين فلا يجوز الجمع إلا في مثل الحال التي جمع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه جمع في سفر قصير.

وأما كونه يجوز للمرض؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف [ولا مطر».
وفي لفظ: «من غير خوف ولا سفر» 1 رواهما مسلم.
ولا عذر بعدهما سوى المرض.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر وبجمع بينهما بغسل واحد» 2. فجَوّز لهما الجمع لأجل الاستحاضة.
وهي نوع مرض.
والمرض المجوز هو الذي ذكر المصنف رحمه الله لأن دفع المشقة مطلوب.
وأما كونه يجوز للمطر بين المغرب والعشاء؛ [لأن أبا سلمة قال: «من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» 3 رواه الأثرم] 4. وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و«كان ابن عمر يجمع بين المغرب والعشاء» 5. وأما كون المطر المجوز هو الذي يبل الثياب؛ فلأن المشقة بذلك تحصل.

وأما كون الجمع بين الظهر والعصر لا تجوز في وجهٍ؛ فلأن دليل الجواز في المغرب والعشاء ما تقدم من قول أبي سلمة وفعل ابن عمر ولا دلالة لهما على الظهر والعصر.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن المطر عذر جَوّز الجمعَ بين العشائين فجوزه بين الظهر والعصر كالسفر والمرض.
وأما كون الأول أصح فلاختصاص العشائين بما تقدم.
وعدم صحة قياس الظهر والعصر عليهما من حيث أنهما يفعلان في الظلمة بخلاف الظهر والعصر.
قال: (وهل يجوز لأجل الوحل، والريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلي في بيته، أو في مسجدٍ طريقه تحت ساباط؟ على وجهين).
أما كون الجمع لأجل الوحل والريح المذكورة يجوز على وجهٍ؛ فلأنهما عذر في ترك الجمعة والجماعة أشبه المطر.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن مشقتهما دون مشقة المطر فلا يصح قياسهما عليه.
وأما كونه يجوز لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهٍ؛ فلأن العذر إذا وجد استوى فيه حال وجود المشقة وعدمها كالسفر.
ولأن الحاجة العامة إذا وجدت أُثبت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسَّلَم، وإباحة اقتناء الكلب للصيد.
ولأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع في مطر ولم يكن بين حجرة عائشة وبين المسجد شيء.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن الجمع لأجل المشقة فيجب اختصاصه بمن يلحقه.
قال: (ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية وتقديم الثانية إليها).
أما كون الجامع بين الصلاتين يفعل الأرفق به من تقديم أو تأخير فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله» 1 طلباً للأرفق.

فإن قيل ما المراد بقوله: ويفعل.
قيل: المراد أن ذلك أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الأفضل.
وليس مراده بذلك أن فعل الأرفق متعين؛ لأن ذلك ينافي الجمع؛ لأن المطلوب به الرفق وفي تعيين ذلك ضده.
فإن قيل: فإن استويا عنده؟ قيل: الأفضل في المرض التأخير وفي المطر التقديم لأن السلف الذين كانوا يجمعون للمطر إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى.
ولأن التأخير إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة ولا يحصل مقصود الرخصة.
وربما زال عذر المطر.
بخلاف المرض فإن الغالب بقاؤه ولا حاجة له إلى الخروج.
قال: (وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها، ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها.
وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء، فإن صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين.
وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى).
أما كون نية الجمع من شروطه؛ فلأن الجمع عمل فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عمل إلا بنية» 1. ولأن ذلك حال من أحوال الصلاة فاعتبر فيه النية كالإمامة والقصر.
وأما كونها تشترط عند الإحرام على المذهب؛ فلأن كل عبادة اشترطت فيها النية اشترطت في أولها كنية الصلاة.
وأما كونها يحتمل أن تجزئ قبل سلام الأولى؛ فلأن موضع الجمع حين الفراغ من الأولى والشروع في الثانية فإذا لم تتأخر عنه جاز.

وأما كونه يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة طويلة؛ فلأن معنى الجمع المتابعة أو المقارنة فإذا فرق بينهما بذلك لم يحصل ذلك.
وإنما لم يشترط أن لا يفرق بينهما فرقة يسيرة لأن اليسير معفو عنه.
والمفارقة الطويلة واليسيرة معتبرة بالعرف.
وقدّره الأصحاب بالإقامة والوضوء.
قال المصنف في المغني: الصحيح أنه غير مقدر بما ذكر لأن ما لم يرد الشرع بتقديره يجب الرجوع فيه إلى العرف كالحِرز والقبض.
وأما كون من صلى السنة بينهما يبطل بها الجمع في روايةٍ؛ فلأنه فرق بينهما بالصلاة فبطل بها الجمع كما لو صلى بينهما فرضاً.
وأما كونه لا يبطل بها في روايةٍ؛ فلأن السنة تابعة للصلاة فلم يقع الفعل بالأجنبي أشبه الوضوء والإقامة.
وأما كونه يشترط أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى؛ فلأن افتتاح الأولى موضع النية وفراغها وافتتاح الثانية موضع الجمع فوجب وجود العذر في هذه المواضع.
قال: (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها.
واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما 1 ولا يشترط غير ذلك).
أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها.
واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
ولا يشترط غير ذلك: أما كون نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها يشترط إذا جمع في وقت الثانية؛ فلأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء.
وأما كون استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية [فلأن المبيح العذر.
فإذا لم يستمر وجب أن لا يباح الجمع لزوال المقتضي للإباحة.
فعلى هذا لو كان مريضا فبرئ، أو مسافراً فقدم، أو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية] 2 لم يجز له الجمع لزوال المجوز له.

وأما كون غير ذلك لا يشترط والمراد ما تقدم اشتراطه إذا جمع في الأولى من نية الجمع حال افتتاح الصلاة أو قبل الفراغ منها ووجود العذر حال افتتاحهما وفراغ الأولى وعدم التفريق بينهما؛ فلأن الثانية واقعة في وقتها فهي بكل حال أداء.
والأولى معها كصلاة فائتة.
وقال بعض أصحابنا: لا يفرق بينهما؛ لأنه إذا فرق بينهما لم يكن مستعملاً للرخصة.
والأولى إنما تفعل وقت الثانية على وجه الرخصة.

فصل في صلاة الخوف قال المصنف رحمه الله: (قال الإمام أبو عبدالله رضي الله عنه: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة كل ذلك جائز لمن فعله.
فمن ذلك: إذا كان العدو في جهة القبلة صف الإمام المسلمين خلفه صفين فصلى بهم جميعاً إلى أن يسجد فيسجد معه الصف الذي يليه، ويحرس الآخر حتى يقوم الإمام إلى الثانية فيسجد ويلحقه.
فإذا سجد في الثانية سجد معه الصف الذي حرس وحرس الآخر حتى يجلس في التشهد فيسجد ويلحقه فيتشهد ويسلم بهم).
أما كون صلاة الخوف تصح في الجملة؛ فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة... الآية﴾ [النساء: 102]. وأما السنة فثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف» 1. وما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به.
بدليل قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: 155]. ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحتجون بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان يُسأل عن المسألة فيجيب بأني أفعلها.
ولو اختص بأفعاله لم يكن كذلك.
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على صلاة الخوف.
ففعلها علي ليلة الهرير 2. وصلاها أبو موسى الأشعري 3.

وصلاها حذيفة وسعيد بن العاص، وكان سعيد أميراً على الجيش بطبرستان 1. وأما كون كل وجه من الوجوه الخمسة الآتي ذكرها جائزاً لمن فعله؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله قبل.
وأما كون الوجه الأول من ذلك؛ فلما روى جابر قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
فصفنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة.
فكبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعاً.
ثم ركع وركعنا.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا.
ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم.
ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد.
ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً» 2 أخرجه مسلم.
وأما ما يشترط لصحة الوجه المذكور فظاهر كلام المصنف رحمه الله أن يكون العدو في جهة القبلة لا غير لأنه لم يذكر غيره.
واشترط أبو الخطاب مع ذلك شرطين

آخرين.
وهو: أن لا يخافوا كميناً لهم.
وأن يكون في المسلمين كثرة بحيث يحرس بعضهم ويصلي بعض؛ لأن المقصود لا يحصل بدونهما.
قال: (الوجه الثاني: إذا كان العدو في غير جهة القبلة جعل طائفة حذاء العدو وطائفة تصلي معه ركعة.
فإذا قاموا إلى الثانية ثبت قائماً وأتمت لأنفسها أخرى وسلمت ومضت إلى العدو وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية.
فإذا جلس للتشهد أتمت لأنفسها أخرى وتشهدت وسلم بهم).
أما كون الوجه الثاني من الوجوه المذكورة؛ فلما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: «أن طائفة صلت معه وطائفة وِجاه العدو [فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً ثم أتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو] 1 وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته.
ثم ثبت جالساً فأتموا لأنفسهم.
ثم سلم بهم» 2 متفق عليه.
والذي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن أبي حثمة.
وأما ما يشترط لهذا الوجه فأمور: أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة لأن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات الرقاع كانت كذلك.
ولأنه حينئذ يحتاج إلى التفريق لأنهم إذا كانوا في جهة القبلة وعلم أنهم لا يتجاسرون أن يميلوا عليهم ميلة واحدة أمكن استقبالهم فلا حاجة إلى التفريق.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: أن الأثرم قال: قلت لأحمد: حديث سهل نستعمله مستقبلين كانوا أو مستدبرين؟ قال: نعم.
هو أنكى للعدو.

فعلى هذا لا يشترط أن يكون العدو في غير جهة القبلة؛ [لأن العدو قد يكون في جهة القبلة] 1 على وجهٍ لا يمكنه أن يصلي بهم صلاة عسفان لاستتارهم أو لخوف من كمين.
فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها.
وثانيها: أن يكون العدو مباح القتال كقطاع الطريق، ومن بغى على الإمام، ومن قصد دم إنسان، ونحو ذلك؛ لأن قتال محرم القتال معصية لا يبيح قصر الصلاة فكذلك لا يبيح قصر أركانها وتغيير صفاتها.
وثالثها: أن يكون العدو لا يؤمن هجومه لقوله تعالى: ﴿ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ [النساء: 102]. أومأ إلى أن المجوز لهذه الصلاة خوف الميل على المسلمين.
ولأنه إذا أمن هجومهم لم تدْع الحاجة إلى التفريق فلم يجز.
ورابعها: كثرة المصلين لأنهم إذا كانوا قليلين بحيث يكون الذي وجاه العدو أقل من نصف العدو يباح لهم الفرار وحينئذ يتطرق إمكان الأذى إلى المصلين فلم يحصل من الصلاة الحكمة المطلوبة منها فلم يجز لذلك.
وخامسها: أن تكون الطائفة ثلاثة فأكثر لأن الله تعالى ذكر الطائفة وأعاد إليها الضمير على سبيل الجمع في قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: 102]. وأقل الجمع ثلاثة.
وقال القاضي: يكره أن يصلي بأقل من ثلاثة.
وظاهر هذا عدم اشتراط الثلاثة.
ولفظ الطائفة قد يطلق ويراد به الواحد كما في قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة﴾ [التوبة: 122]؛ لأن الإنذار يحصل بواحد.
قال: (فإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة.
وإن كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الأولى بالحمد لله في كل ركعة

والأخرى تتم بالحمد لله وسورة.
وهل تفارقه الأولى في التشهد الأول أو في الثالثة؟ على وجهين).
أما كون مصلي المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة؛ فلأنه إذا لم يكن بد من تفضيل إحدى الطائفتين فالسابقة أولى.
ولأنه ينجبر ما فات الثانية بأنها تفعل جميع الصلاة في حكم الإتمام والأولى تفارقه فتأتي ببعض الصلاة في حكم الانفراد.
وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله هو الأولى.
ولو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جاز؛ لأن علياً فعله ليلة الهرير 1. ولأنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما.
وأما كون مصلي الرباعية غير المقصورة يصلي بكل طائفة ركعتين؛ فلأن في ذلك تسوية بين الطائفتين.
والمراد بذلك الأولوية كما تقدم في المغرب 2. فلو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ثلاثاً أو بالعكس صح لما تقدم من أنه لم يزد على انتظارين ورد الشارع بهما.
وفي صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين إشعار بأمرين: أحدهما: جواز صلاة الخوف للمقيم.
وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله في المغني، وصاحب النهاية فيها.
ووجهه عموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم... الآية﴾ [النساء: 102]. وثانيهما: أن للمسافر أن يتم فيصلي بكل طائفة ركعتين.
وأما كون الأولى تُتِم بالحمد لله في كل ركعة بلا سورة؛ فلأن ما أدركت مع الإمام أول صلاتها وصلاته فإذاً المقضي آخرها والآخر لا يزاد فيه على الحمد لله.
وأما كون الأخرى تتم بالحمد لله وسورة فهو مبني على أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته.
والأول يقرأ فيه الحمد وسورة.

وأما كون الأولى تفارقه في التشهد الأول على وجهٍ؛ فلأنه حينئذ يمكنه الانتظار وهو جالس فيحصل للطائفة الثانية جميع الركعة التي شرعت فيها.
وأما كونها تفارقه حين يقوم إلى الثانية على وجهٍ؛ فلأن الانتظار في القيام أولى لكثرة ثواب القيام واستحباب تقصير التشهد.
وهذه المفارقة المختلف فيها تشمل من صلى مع الإمام المغرب والرباعية.
قال: (وإن فرقهم أربعاً فصلى بكل طائفة ركعة صحت 1 صلاة الأُولَيين وبطلت صلاة الإمام والأُخْريين إن علمتا بطلان صلاته).
أما كون صلاة الأُوليين تصح؛ فلأنها لم يُزَد فيها على انتظارين ورد الشرع بهما.
وأما كون صلاة الإمام تبطل؛ فلأنه زاد انتظاراً ثالثاً لم يرد الشرع به فوجب أن تبطل صلاته.
أشبه ما لو فعله في غير الخوف.
وسواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة لأن الترخص إنما يصار فيه إلى ما ورد الشرع به.
وأما كون صلاة الأُخْريين تبطل إذا علمتا بطلان صلاة الإمام فإنهما اقتديا 2 بمن صلاته باطلة مع علمهما بذلك أشبه ما لو صليا خلف محدث يعلمان 3 حدثه.
قال: (الوجه الثالث: أن يصلي بطائفة ركعة ثم تمضي إلى العدو.
وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويسلم وحده وتمضي هي.
ثم تأتي الأولى فتتم صلاتها).
أما كون الوجه الثالث من الوجوه المذكورة؛ فلما روى عبدالله بن عمر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه: فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو وصلى بالذين معه ركعة.
ثم ذهبوا وجاء الآخرون.
فصلى بهم ركعة.
ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة» 4 متفق عليه.

قال: (الوجه الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها).
أما كون الوجه الرابع من الوجوه المذكورة؛ فلما روى أبو بكرة قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوفٍ؛ الظهر: فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو.
فصلى ركعتين ثم سلم.
فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم.
ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم بهم.
فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولأصحابه ركعتان ركعتان» 1. رواه أبو داود.
قال: (الوجه الخامس: أن يصلي الرباعية المقصورة تامة.
ويصلي معه كل طائفة ركعتين ولا تقضي شيئاً فتكون له تامة ولهم مقصورة).
أما كون الوجه الخامس من الوجوه المذكورة؛ فلما روى جابر قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع فنودي بالصلاة.
فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين.
ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين.
فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان» 2 متفق عليه.
وأما كون الوجه السادس من الوجوه الجائزة ولم يذكره المصنف رحمه الله وهو مذكور في الحديث الآتي ذكره؛ فلما روى ابن عباس قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم بذي قَرَد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة: فصف صفاً خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة.
ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء.
فصلى بهم ركعة.
ثم سلم بهم.
فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة» 3 رواه الأثرم.

قال المصنف رحمه الله في الكافي: كلام أحمد يقتضي أن يكون هذا من الوجوه الجائزة إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات فدل على أن هذا ليس بمذهبٍ له.
قال: (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين.
ويحتمل أن يجب ذلك).
أما كون حمل ما ذكر يستحب؛ فلقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: 102]. فإن قيل: الأمر للوجوب فلِمَ لَمْ يجب؟ قيل: لأن حمل السلاح يراد لحراسةٍ أو قتال والمصلي لا يتصف بواحدة منهما.
ولأنه لو كان واجباً في الصلاة لكان تركه قادحاً في صحتها وهو خلاف الإجماع.
وأما كونه يحتمل أن يجب ذلك؛ فلظاهر الأمر.

فصل [في الصلاة إذا اشتد الخوف] قال المصنف رحمه الله: (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها.
يومئون إيماء على قدر الطاقة.
فإن أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك؟ على روايتين).
أما كون من اشتد خوفه والمعنيّ 1 بالاشتداد: أن يتواصل الطعن والكرّ والفرّ.
ولم يمكن تفريق القوم فرقتين كل طائفة مساوية لنصف العدو، ولا صلاة عسفان يصلون رجالاً وركباناً إلى القبلة وغيرها؛ فلقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو رُكْباناً﴾ [البقرة: 239]. قال ابن عمر في تفسيرها: «مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» 2. قال نافع: لا أراه قال ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم 3. وأما كونهم يُومئون إيماء؛ فلأنهم يجوز لهم الصلاة ركباناً ومِنْ ضرورته الإيماء.
ولأنهم لو تمموا الركوع والسجود في المعارك لكانوا هدفاً لأسلحة الكفار.
معرّضين أنفسهم للهلاك.
فإن قيل: لم عفي عن أفعالهم من الكرّ والفرّ مع كثرتها؟ قيل: لأنه موضع ضرورة.

ولأن ذلك لو كان مبطلاً لجاز لهم إخلاء الوقت عن الصلاة لعدم إمكان صلاة خالية عن ذلك.
ولا يجوز ذلك لأنهم مكلفون تصح طهارتهم فلم يجز لهم إخلاء الوقت عن فعلها كالمريض.
وقد روي عن الإمام أحمد: أنه يجوز تأخير الصلاة حال التحام الحرب حتى تضع أوزارها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها يوم الخندق» 1. وقد أجيب عن ذلك بوجوه: أحدها: أنه كان قبل نزول آية صلاة الخوف.
الثاني: أن يكون أخرها نسياناً.
الثالث: أنه لم ينقل أنهم كانوا في حال المسايفة.
وأما كونهم يلزمهم افتتاح الصلاة إلى القبلة ففيه روايتان مضى توجيههما في استقبال القبلة.
والصحيح أنه لا يجب؛ لأنا إذا أسقطنا القيام وجوزنا العمل الكثير؛ فلأن يجوز ترك 2 استقبال القبلة في بعض الصلاة بطريق الأولى.
قال: (ومن هرب من عدو هرباً مباحاً أو من سيل أو سبع ونحوه فله أن يصلي كذلك.
وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك؟ على روايتين).
أما كون من هرب ممن ذُكر ونحوه له أن يصلي صلاة الخوف؛ فلأن المجوز لها في الخوف، خوف فوات النفس وهو موجود هاهنا.
وأما كون طالب العدو الخائف فواته له الصلاة كذلك على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن أنيس قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو

عُرَنَة.
قال: اذهب فاقتله.
فرأيته وحضرتني الصلاة.
فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه.
فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك لذلك.
فقال: إني 1 لفي ذلك.
فمشيت معه حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى 2 برد» 3 رواه أبو داود.
وظاهر حاله أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن صلاة الخوف مشروطة بالخوف وهذا غير خائف.
قال: (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن.
ومن ابتدأها آمناً فخاف أتم صلاة الخائف.
ومن صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه فعليه الإعادة).
أما كون من أمن في أثناء صلاته يتم صلاة آمن، ومن خاف في أثنائها يتم صلاة خائف؛ فلأن المجوز لصلاة الخوف، الخوف فيُفعل عند وجوده دون عدمه.
ولأنها صلاة لعذر فجاز أن يكون بعضها صلاة خائف والبعض صلاة آمن كما لو صلى قائماً ثم عجز أو عاجزاً ثم قدر.
وأما كون من صلى صلاة الخوف لسوادٍ ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه عليه الإعادة؛ فلأنه ترك بعض واجبات الصلاة ظناً منه سقوطها وكان عليه الإعادة كما لو صلى يظن أنه متطهر فبان محدثاً أو نجساً.

باب صلاة الجمعة

قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلمٍ مكلفٍ ذكرٍ حرٍ مستوطنٍ ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة 1 أكثر من فرسخ تقريباً.
إذا لم يكن له 2 عذر).
أما كون صلاة الجمعة واجبة في الجملة؛ فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: 9] أمر بالسعي والأمر للوجوب ولا يجب السعي إلا إلى واجب.
ونهى عن البيع ولو لم تكن الجمعة واجبة لم ينه عن البيع.
والمراد بالسعي هنا المضي والذهاب لا الإسراع.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله» 3. وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيَنتهين أقوام عن وَدْعِهِم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» 4 متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا.
فمن تركها في حياتي أو بعده وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في عمره.
ألا ولا صلاة له ولا

زكاة له ولا صوم له ولا حج له ولا بر 1 له حتى يتوب.
فإن تاب تاب الله عليه» 2 رواه ابن ماجة.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة.
وأما كونها تجب على كلّ مسلم مكلف ذكر حُرّ مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ إذا لم يكن له 3 عذر؛ فلأن ما تقدم عام خرج منه غير من ذكر لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وظاهر ما ذُكر أن الجمعة لا تجب على كافر ولا غير مكلف ولا غير ذكر ولا عبد ولا غير مستوطن ببناء ولا من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ ولا من له عذر وهو صحيح.
أما كونها لا تجب على كافر ولا غير مكلف؛ فلقوله عليه السلام: «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» 4 رواه أبو داود.
ولأن الكافر وغير المكلف لا تجب عليهما الصلوات الخمس؛ فلأن لا تجب عليهما الجمعة بطريق الأولى.
وأما كونها لا تجب على غير ذَكَرٍ؛ فلأن المرأة مذكورة في الحديث المتقدم.
ولأنها يشرع لها الستر والتحفز وذلك لا يناسب وجوب الجمعة عليها.
والخنثى ملحق بها لأنه في معناها.
وأما كونها لا تجب على عبد؛ فلأنه مذكور في الحديث المتقدم.
ولأنه مشتغل بخدمة سيده.
وأما كونها [لا تجب] 5 على غير مستوطن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعرفة يوم الجمعة ولم يصل جمعة».

ولأن في رواية أبي داود في بعض ألفاظه: «إلا خمسة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر».
ولأن المسافر ليس من أهل الكمال فلم تجب عليه كالصبي.
وأما كون الاستيطان ببناء -والمراد به الإقامة بموضع مبني بما جرت به العادة من خشب أو قصب ونحو ذلك لا يظعن عنه شتاء ولا صيفاً-؛ فلأن العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة صلاة الجمعة.
وإنما كان البناء بما جرت به العادة لأنه أمر ورد الشرع باشتراطه من غير تعيين له فاعتبرت العادة فيه كالحِرز والقبض.
ولأن الجمعة تقام في مواضع مختلفة الأبنية فلو اشترط بناء بعينه لوجب الحكم ببطلان بعضها وليس كذلك لأن الأصل في الأفعال الشرعية التي فعلها المسلمون في بلادهم الإسلامية من غير نكير من بعضهم: الصحة.
وإنما كان الموضع لا يظعن فيه صيفاً ولا شتاء لأن بذلك كمال الاستيطان فوجب أن يشترط كأصله.
وأما كونها لا تجب على من بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ؛ فلأنه لما لم يمكن اعتبار السماع بنفسه اعتبر بمظنته.
والموضع الذي يُسمع النداء منه في الغالب إذا كان المؤذن صيتاً في موضع عالٍ والرياح ساكنة والأصواتُ هادئة والعوارضُ منتفية فرسخ فاعتبر به.
وعن أحمد: أنه معتبر بنفس النداء تمسكاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «الجمعة على من سمع النداء» 1 رواه أبو داود.
والفرسخ أو السماع معتبر في حق من هو خارج البلد، أما من هو في البلد فيجب عليه السعي قَرُب أو بَعُد سمع أو لم يسمع؛ لأن البلد كالشيء الواحد.

وأما كونها لا تجب على من له عذر؛ فلأن العذر يعذر به في ترك الجمعة لما تقدم في موضعه 1. قال: (ولا تجب على مسافرٍ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ ولا خنثى.
ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز أن يؤم فيها.
وعنه في العبد أنها تجب عليه).
أما كون الجمعة لا تجب على مسافر ولا امرأة ولا خنثى؛ فلما تقدم ذكره قبل 2. وأما كونها لا تجب على عبد على المذهب؛ فلما تقدم أيضاً.
وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه مكلف فوجبت عليه كالظهر.
ونقل أبو الخطاب عن الإمام أحمد رواية أنها تجب على الصبي بناء على وجوب الصلاة عليه.
والصحيح أنها لا تجب عليهما؛ لأنهما استثنيا في حديث أبي داود 3. ولأن العبد محبوس على حق سيده أشبه المحبوس على حق.
وأما كون من حضر الجمعة ممن ذُكر تجزئه؛ فلأنها إنما سقطت عنهم تخفيفاً عليهم فإذا تحملوا المشقة وصلّوا أجزأهم كالمريض.
وأما كونه لا ينعقد به ولا يجوز أن يؤم فيها؛ فلأنه ليس من أهل فرض الجمعة لما فيه من النقص المانع من الوجوب فلم ينعقد به ولم يجز أن يؤم كالمرأة.
قال: (ومن سقطت عنه لعذر إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به).
أما كون الجمعة تجب على من سقطت عنه لعذر كالمريض ونحوه إذا حضرها؛ فلأن سقوطها عنه كان دفعاً لمشقة السعي فإذا تكلفه وحصل في الجامع زالت المشقة فوجب زوال السقوط لزوال سببه.
وأما كونها تنعقد به؛ فلأنه من أهل وجوبها أشبه غير المريض.

قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح صلاته.
والأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام).
أما كون من صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لا تصح؛ فلأنه مأمور بالجمعة فلم يصح الظهر لأنه أتى بغير ما أمر به.
ولأن الظهر بدل عن 1 الجمعة والبدل لا يجوز إلا عند تعذر المبدل.
بدليل سائر الأبدال.
وأما كون الأفضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الإمام؛ فلأنه يرجى زوال عذره فاستحب له التأخير.
ولا بد أن يلحظ في من لا تجب عليه أن لا يكون امرأة؛ لأن المرأة لا يرجى زوال عذرها.
وقال أبو بكر: لا يصح ممن تقدم ذكره قياساً على من تجب عليه.
وذكر ابن عقيل قول أبي بكر رواية.
وصحح الصحة لأنه غير مخاطب بالجمعة أشبه المرأة.
قال: (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال.
ويجوز قبله.
وعنه: لا يجوز.
وعنه: يجوز للجهاد خاصة).
أما كون السفر لمن تلزمه الجمعة بعد الزوال لا يجوز قبل فعلها؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصحب في سفره ولا يعان على حاجته» 2. رواه الدارقطني.
وهذا وعيد وتهديد يدل على التحريم.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت، وفعل الجمعة يجب مع الإمام فالسفر مفض إلى تفويتها بخلاف بقية الصلوات.
ولأن السفر يشغله عن الجمعة بعد دخول وقتها فلم يجز كالتجارة.

وأما كونه يجوز قبل الزوال على المذهب؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سافر يوم الجمعة» 1.

و«رأى عمر رجلاً بهيئة السفر وهو يقول: لولا الجمعة لسافرت.
فقال: اخرج فإن الجمعة لا تمنع عن سفر» 2. فيجب حمل حديث ابن عمر على ما بعد الزوال.
وهذا على ما قبله جمعاً بينهما.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن هذا وقت يلزم من كان على فرسخ السعي إلى الجمعة فوجب أن لا يجوز لمن في البلد السفر بطريق الأولى.
ولأنه دخل وقت حرمة الجمعة بدليل الاعتداد بالغسل وأنه يسن التبكير فلم يجز التسبب إلى تفويتها.
وأما كونه يجوز للجهاد خاصة على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جهز جيش مؤتة يوم الجمعة.
ووجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وأذن لهم في الخروج قبل الصلاة.
فتخلف عنهم عبدالله بن رواحة لصلاة الجمعة.
فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما خلّفك؟ فقال: الجمعة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لَغَدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها.
قال: فراح منطلقاً» 3 رواه أحمد.

فصل قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط: أحدها: الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد.
وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة.
وآخره آخر وقت الظهر).
أما كون صحة الجمعة يشترط لها أربعة شروط؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحدها الوقت؛ فلأن الجمعة صلاة فكان دخول الوقت من شروط صحتها كسائر الصلوات.
وأما كون أوله أول وقت صلاة العيد على المذهب؛ فلما روى وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبدالله بن سيدان قال: «شهدت الجمعة مع أبي بكر.
فكانت خطبته وصلاته قبل انتصاف النهار.
وشهدتها مع عمر رضي الله عنه فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار.
ثم صليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد زال النهار.
فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره» 1 رواه الإمام أحمد.
وروي عن ابن مسعود «أنه صلى الجمعة ضحى.
وقال: إنما عجلت لكم خشية الحر عليكم» 2.

جارٍ التحميل