فعلى هذا لو أخذ الغارم شيئاً فوفى غرمه وبقي معه فضلة ردها، [ولو أخذ الغازي ففضلت فضلة بعد غزوه ردها، ولو أخذ ابن السبيل] 1 ففضلت فضلة بعد بلوغه بلده ردها؛ لأن ذلك كله فاضل عن حاجتهم.
وأما كون المكاتب يلزمه رد ما فضل بعد كتابته على المذهب فلزوال السبب الذي أخذ من أجله.
وأما كونه لا يرد على قول الخرقي فلأنه عند أخذه فقير أشبه الفقير.
قال: (وإن ادعى الفقر من عرف بالغنى، أو ادعى إنسان أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لم يقبل إلا ببينة.
وإن صدق المكاتب سيده والغارم 2 غريمه فعلى وجهين).
أما كون من عرف بالغنى إذا ادعى الفقر، وكون الإنسان إذا ادعى أنه مكاتب أو غارم أو ابن سبيل لا يقبل قوله مع عدم البينة فلأنه قول يخالف الظاهر.
وأما كون المكاتب إذا صدقه سيده [والغارم إذا صدقه غريمه لا يقبل لأن السيد] 3 والغريم متهمان في ذلك.
وأما كونه يقبل على وجهٍ فلأن الحق في العبد للسيد فإذا أقر بالكتابة قبل والغريم في معنى السيد فيقاس عليه.
قال: أما كون من لم يعرف بالغنى إذا ادعى الفقر يقبل قوله فلأن الظاهر صدقه.
ولأن الأصل استصحاب حال الإنسان فإذا لم يكن معروفاً بالغنى اقتضى الاستصحاب عدم الحكم عليه بالغنى.
وأما كون من رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له يعطيه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فلما روى عبيدالله بن عدي بن الخيار «أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئاً فصَعّد فيهما البصر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» 4 رواه أبو داود.
قال: (وإن ادعى أن 1 له عيالاً قلد وأعطي، ويحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة).
أما كون من ذكر يقلد ويعطى على المذهب فلأنه يقلد ويعطى في حاجة نفسه فكذلك في وجود عياله.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل ذلك إلا ببينة فلأن الأصل عدم العيال ولا يتعذر عليه إقامة البينة عليهم.
قال: (ومن غَرِم أو سافر في معصية لم يدفع إليه فإن تاب فعلى وجهين).
أما كون من غَرِم في معصية ولم يتب كمن استدان شيئاً فصرفه في شراء خمر أو زنا ونحو ذلك، وكون من سافر في معصية كالمسافر إلى بلده قاصداً قطع الطريق أو لشرب الخمر أو للزنا ونحو ذلك لا يدفع إليه شيء من الزكاة فلأن الدفع إليهما إعانة لهما على المعصية وذلك غير جائز.
وأما كونهما يدفع إليهما مع التوبة على وجه قاله القاضي فلأن إيفاء الدين واجب وليس بمعصية والإعانة على الواجب قربة لا معصية.
أشبه من صرف ماله في المعاصي حتى افتقر ثم تاب فإنه يصرف إليه لفقره، والغارم في معصية وابن السبيل المسافر في المعصية مثله فيلحق له.
وأما كونهما لا يدفع إليهما على وجه؛ فلأنهما متهمان في إظهار التوبة.
ولأنه لا يؤمن أن يعودا إلى ما كانا عليه.
بخلاف من أتلف ماله فيها فإنه يعطى للحاجة في الحال.
قال: (ويستحب صرفها في الأصناف كلها، فإن اقتصر على إنسان واحد أجزأه.
وعنه: لا يجزئه إلا ثلاثة من كل صنف إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحداً).
وأما كون صرف الزكاة في الأصناف كلها يستحب؛ فلأن في ذلك خروجاً من الخلاف وتعداداً للأشخاص المختلفين من الجنس وتعميماً للأصناف اللاتي ذكرها الله تعالى.
وأما كون الاقتصار على إنسان واحد من الأصناف الثمانية يجزئ فاعله فهو متضمن أمرين:
أحدهما: أن الصنف الواحد يجزئه، وفيه روايتان:
أحدهما: أنه يجزئه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذلك فروي أنه قال لقبيصة: «أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» 1.
والثانية: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء... الآية﴾ [التوبة: 60] أضاف من يملك إلى من يملك بلام التمليك وعطف بواو العطف فوجب استيعاب الأصناف الثمانية كما لو وصى لهم.
ولأن الإضافة بالتعيين يقتضي التمليك كقولك: هذه الدار لزيد وعمرو فكذلك بالصفة كالوصية للفقراء وابن السبيل.
وثانيهما: أن الواحد من الصنف يجزئه: أما في العامل فلا خلاف فيه؛ لأن الحاجة تندفع به.
وأما في بقية الأصناف؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يجزئ واحد قياساً على العامل «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر» 2 وهو واحد.
والثانية: لا بد من الصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى قال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: 60] وذلك جمع وأقل الجمع ثلاثة.
والصحيح في المذهب أنه لا يجب تعميم الأصناف لما تقدم.
ولأنه لا يجب تعميم كل صنف بالاتفاق.
وقد ذكر الله صرفها إلى صنف واحد في آية أخرى فقال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: 271].
و«قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» 3 فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً.
ولأن إيجاب تعميم الأصناف يعسر وذلك منتف شرعاً قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: 185].
قال: (ويستحب صرفها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم، ويفرقها فيهم على قدر حاجتهم).
أما كون صرف الزكاة إلى أقاربه الذين لا يلزمه مؤونتهم يستحب فلأن الصدقة على القريب صدقة وصلة لما يأتي بعد.
وأما كون تفريقها فيهم على قدر حاجتهم يستحب فلأن اعتبار الحاجة أبلغ وأحسن في غير القرابة ففي القرابة أولى.
قال: (ويجوز للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه وإلى غريمه).
أما كون دفع السيد زكاته إلى مكاتبه يجوز فلقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33].
ولأنه قد صار كالأجنبي في باب المعاملة بدليل أنه يجزئ بينهما حكم الربا.
ولأن الدفع تمليك وهو أهل لذلك.
وأما كون دفع زكاته إلى غريمه يجوز فلأنه شخص يجوز للغير دفع الزكاة إليه فجاز لمن ذكر دفعها إليه بالقياس على الغير.
فإن قيل: الفرق بينه وبين الغير ظاهر؟
قيل: لا فرق بينهما إلا أنه يحتمل أن يعيدها إليه من دينه فينتفع بزكاته وذلك لا أثر له؛ لأن ذلك المعنى موجود في المكاتب ولم يؤثر في منع الدفع.
فصل [فيمن لا تدفع الزكاة إليه]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا عبد ولا فقيرة لها زوج غني ولا الوالدين وإن علوا ولا الولد وإن سفل ولا إلى الزوجة ولا لبني هاشم ولا مواليهم).
أما كون الكافر لا يجوز دفع الزكاة إليه «فلقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» 1.
ولأنها مواساة تجب على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة.
وأما كون العبد لا يجوز دفع الزكاة إليه فلأنه لا يملك بالدفع إليه، وما يعطاه فهو لسيده فكأنه دفعه إلى سيده.
ولأن العبد تجب نفقته على سيده فهو غني بغناه.
وأما كون الفقيرة التي لها زوج غني لا يجوز دفع الزكاة إليها فلأنها غنية بغناء زوجها ووجوب نفقتها عليه فهي كالولد يكون غنياً بغناء والده لوجوب نفقته عليه، والجامع بينهما حصول الغنى بوجوب نفقتهما على غني.
وأما كون الوالدين وإن علوا والولد وإن سفل والزوجة لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلأنهم من عياله تجب نفقتهم عليه ففي دفعها إليهم غنى لهم عن نفقته وترفيه لماله لأنه يعود نفعها 2 إليه وبقاء ماله بزكاته فلم يجز كما لو أخذها لنفسه.
وأما كون بني هاشم لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» 3 أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: «أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة» 1 متفق عليه.
وأما كون مواليهم وهم من أعتقه هاشمي لا يجوز دفع الزكاة إليهم فلما روى أبو رافع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كَيْمَا تُصيب منها فقال: لا.
حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله.
فسأله فقال: لا.
إنا لا تحل لنا، وإن موالي القوم منهم» 2 أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولأنهم ممن يرثه بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الزكاة إليهم كبني هاشم.
قال: (ويجوز لبني هاشم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر.
وفي الكفارة وجهان).
أما كون بني هاشم يجوز لهم الأخذ من صدقة التطوع فـ «لأن محمد بن علي رضي الله عنهما كان يشرب من سقاياتٍ بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة».
ولأنه يجوز اصطناع المعروف إليهم وهو صدقة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» 3 حديث صحيح.
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من وصايا الفقراء والنذر فلأنهما لا يقع عليهما اسم الزكاة والطهرة، ووجوبهما بإيجاب الآدمي أشبها الهبات.
وأما كونهم يجوز لهم الأخذ من الكفارة في وجهٍ فلأنها لا تسمى صدقة وسببها حنث الآدمي أشبهت صدقة التطوع.
وأما كونهم لا يجوز لهم أخذها في وجهٍ؛ فلأنها طهرة لها مصارف أشبهت الزكاة.
قال: (وهل يجوز دفعها إلى سائرمن تلزمه مؤونته من أقاربه أو إلى الزوج أو بني المطلب؟ على روايتين).
أما كون غير الوالد وإن علا والولد وإن سفل من سائر أقاربه الذين تلزمه مؤونتهم كأخيه وأخته ونحوهما يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلأنه تقبل شهادتهم له فجاز الدفع إليهم كالأجانب.
وأما كونهم لا يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلما ذكر في الوالد والولد.
وأما كون الزوج يجوز أن تدفع زوجته زكاتها إليه على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزينب امرأة ابن مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» 1.
ولأنه لا يلزمها نفقته فلم يحرم عليه زكاتها كالأجنبي.
وأما كونها لا يجوز لها ذلك على روايةٍ؛ فلأنه أحد الزوجين فلم يجز الدفع إليه كالآخر.
وهذه هي الصحيحة لما ذكر.
ولأن الظاهر أن ما يأخذه يعود نفعه عليها فتكون قد قصدت التوسعة عليها بزكاتها وعود النفع إليها وذلك غير جائز.
والحديث المراد به صدقة التطوع بدليل أنه ذكر الولد فيه ولا يجوز دفع الزكاة إليه قولاً واحداً.
وأما كون بني المطلب يجوز دفع الزكاة إليهم على روايةٍ؛ فلدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء... الآية﴾ [التوبة: 60] خرج من ذلك بنو هاشم لمعنى يختص بهم فوجب أن يبقى فيمن عداهم على مقتضاه.
وأما كونهم لا يجوز دفعها إليهم على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد» 1، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ فكذا من ساواهم.
ولأن حرمان الصدقة حكم يتعلق بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه بنو هاشم وبنو المطلب الذين هم وهم شيء واحد قياساً على سهم ذوي القربى من الخمس.
ثم هو بدل الصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس» وبنو المطلب يأخذون من خمس الخمس فلا يجمع لهم بين البدل والمبدل.
وهذه هي الصحيحة؛ لأن دليلها يخص بمثله العموم ويوجب إلحاق بني المطلب ببني هاشم، وبنو هاشم لا يجوز لهم الأخذ من الزكاة فكذا بنو المطلب.
قال: (وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم لم يجزئه، إلا الغني إن ظنه فقيراً في إحدى الروايتين).
أما كون من دفع الزكاة إلى من لا يستحقها غير الغني وهو لا يعلم ذلك مثل أن يدفعها إلى كافر لا يعلم كفره أو إلى ذوي القربى ولا يعلم أنهم كذلك أو نحو ذلك لا يجزئه فلأنه دفعها إلى من لا يستحقها مما لا يخفى حاله غالباً فلم يعذر بخطئه كديون الآدميين.
وأما كون من دفع الزكاة إلى غني ظنه فقيراً لا يجزئه على روايةٍ فلأن الفقر يعسر الوقوف عليه فاكتفي فيه بالظهور، كما اكتفي في جواز الدفع إليه، وكذلك لما سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة قال: «إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك» 2 فاكتفى بإخباره عن نفسه فدل على أنه يجزئ وإن كان غنياً في الباطن.
فصل [في صدقة التطوع]
قال المصنف رحمه الله: (وصدقة التطوع مستحبة، وهي أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات.
والصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة).
أما كون صدقة التطوع مستحبة فلأن الله تعالى مدح فاعلها وحثه على إخراجها فقال سبحانه وتعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات... الآية﴾ [الحديد: 18].
وقال عليه السلام: «ليتصدق الرجل من ديناره، وليتصدق من درهمه، وليتصدق من صاع بره، وليتصدق من صاع تمره» 1.
وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أطعم مؤمناً جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» 2.
وأما كونها أفضل في شهر رمضان وأوقات الحاجات فلأن الحسنات تضاعف فيهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً فله مثل أجره» 3 رواه الترمذي وصححه.
وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الجود كالريح المرسلة، وأجود ما يكون في شهر رمضان» 4.
وأما كون الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة فلما روت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صدقة الرجل على المسلم صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» 1.
قال: (وتستحب الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه.
وإن تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته أثم).
أما كون الصدقة بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه تستحب فلأن الفاضل تطيب النفس بإخراجه من غير كلفة ومشقة قال الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: 215]. قال أهل التفسير: هو الفاضل عن حاجته وحاجة عياله.
وأما كون من تصدق بما ينقص مؤونة من تلزمه مؤونته يأثم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» 2 رواه أبو داود.
ولأن نفقة من تلزمه مؤونته واجبة فإذا تركها أو بعضها أثم كسائر الواجبات.
قال: (ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك، وإن لم يثق من نفسه لم يجز له.
ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة).
أما كون من علم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة له الصدقة بماله كله فـ «لأن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بجميع ماله، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله» 3.
وحقيقة التوكل عدم الطمع في شيء يأتيه ويكون واثقاً بضمان الله في رزقه.
وأما كون من لم يثق من نفسه لا يجوز له ذلك فلما روى جابر بن عبدالله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله! أصبت هذه من معدن فخذها لا أملك غيرها.
فأعرض عنه.
ثم جاءه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه.
ثم جاءه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك فأعرض عنه.
فجاءه من خلفه فأخذها منه فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو عقرته.
ثم قال: يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس.
خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول» 1 رواه أبو داود.
وأما كون من لا صبر له على الضيق يكره له أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة فلأن التقتير والتضييق مع القدرة شح وبخل نهى الله عنه وتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم منه 2. وفيه سوء الظن بالله تعالى.
الممتع في شرح المقنع
تصنيف زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي 631 - 695 هـ
الجزء الثاني
دراسة وتحقيق د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش