الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 342-371

قال: (وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين دون غيرهم.
وإن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراءهم.
وإن خاف نقض العهد منهم نبذ إليهم عهدهم).
أما كون الإمام عليه حماية من هادنه من المسلمين فلأنه أمّنهم ممن هو في قبضته وتحت يده.
وأما كونه ليس عليه حمايتهم من غير المسلمين فلأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
وقول المصنف رحمه الله: دون غيرهم يوهم دخول أهل الذمة فيمن لا يجب حمايتهم منه لأنهم دون المسلمين وليس مراده ذلك.
وإنما ترك ذكر أهل الذمة لظهوره لأنه إذا وجب حمايتهم فلأن يجب من أهل الذمة بطريق الأولى.
وأما كون شرائهم لنا لا يجوز إذا سباهم كفار آخرون فلأنهم في عهدنا فلم يجز أن يتملك ما سبي منهم؛ كأهل الذمة.
وأما كون الإمام ينبذ إليهم عهدهم إذا خاف نقض العهد منهم فلقوله تعالى: ﴿وإما تَخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: 58].
يعني أعلمهم حيث تصير أنت وهم سواء في العلم.

باب عقد الذمة

عقدُ الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم إذا بذلوا الجزية بشرطه.
وسيبين مفصلاً إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله: (لا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، وهم: اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإنجيل كالسامرة، والفرنج، ومن له شبهة كتاب وهم المجوس.
وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب).
أما كون عقد الذمة لا يجوز لغير أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب على المذهب فلأن الله تعالى قيد قتال الذين كفروا مُغيّىً إلى إعطاء الجزية بأهل الكتاب فلو لم يكن ذلك مختصاً بأهل الكتاب لم يكن في التقييد فائدة.
ولأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] عام في كل مشرك خرج منه أهل الكتاب لقوله من أهل الكتاب 1، والمجوس للخبر فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما كونه يجوز لجميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب على روايةٍ؛ فلما روى الزهري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان من العرب» 2. والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن غير الكتابي والمجوس لا يدل عليه القرآن ولا هو في معنى ما دل عليه لأن كفرهم أغلظ من كفر أهل الكتاب.
وأما ما روى الزهري 3.

وأما كون عقدها يجوز لأهل الكتاب فبالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون -إلى قوله: - من الذين أوتوا الكتاب﴾ [التوبة: 29].
وأما السنة «فقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: فادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم» 1. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على جواز عقدها لأهل الكتاب.
وأما قول المصنف: وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التديّن بالتوراة والإنجيل كالسامرة والفرنج فبيانٌ للمراد من أهل الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام: 156] والمراد ما ذكر.
وأما كون عقدها يجوز لمن له شبهة كتاب وهم المجوس؛ فلما روى عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سُنوا بهم سُنة أهل الكتاب» 2. وعنه أنه قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر» 3. قال: (فأما الصابئي فينظر فيه فإن انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا).
أما كون الصابئي الذي انتسب إلى أحد الكتابين من أهل ذلك الكتاب فلأنه إذا انتسب إلى أحد الكتابين شارك أهله في ذلك الكتاب فيدخل فيما تقدم.
وأما كون الذي لم ينتسب إلى ذلك كمن يقول أن الفلك حي ناطق، وأن الكواكب السبعة آلهة ليس من أهل الكتاب فلأنه مساوٍ لعبدة الأوثان في عدم انتسابه إلى كتاب فوجب أن لا يكون من أهله كعبدة الأوثان.

قال: (ومن تهوّد، أو تنصّر بعد بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين).
أما كون من تهوّد أو تنصّر بعد بعث نبينا صلى الله عليه وسلم تقبل منه الجزية على وجهٍ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
وأما كونه لا يقبل منه على وجهٍ فلأنه انتقل إلى دين باطل.
وأما كون من ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما تقبل على وجهٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه لا تقبل منه على وجه فلأنه تعارض فيه القبول وعدم القبول فرجع إلى الأصل.
قال: (ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم.
ومصرفه مصرف الجزية.
وقال الخرقي: مصرف الزكاة.
ولا يؤخذ ذلك من كتابي غيرهم.
وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم).
أما كون الجزية لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فلما روي «أن عمر دعاهم إلى بذل الجزية فأبو وأنفوا، وقالوا: نحن عرب.
خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة.
فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة.
فلحق بعضهم بالروم.
فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة.
فبعث عمر في طلبهم وردهم» 1. وأما كون الزكاة تؤخذ من أموالهم مثلَيْ ما يؤخذ من المسلمين فلأن تكملة حديث عمر المتقدم ذكره: «وضعّف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً دينارا، ومن كل مائتي درهم عشر دراهم، ومما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو عرب أو دولاب العشر».

واستقر ذلك من قول عمر ولم يخالف غيره من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون ذلك يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم فلأن حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، والزكاة تؤخذ في جميع هذه الصور فكذا يؤخذ منهم فيما هو ملحق بها.
وأما كون مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية على قول غير الخرقي فلأنه مأخوذ من مشرك.
ولأنه جزية مسماة بالصدقة، ولذلك قال عمر: «هؤلاء حمقى رضوا بالمعنى وأبوا الاسم».
وأما كون مصرفه مصرف الزكاة على قول الخرقي فلأنه مسمى باسم الصدقة مسلوك به فيمن يؤخذ منه مسالك الصدقة فيكون مصرفه مصرفها.
قال المصنف رحمه الله في المغني: الأول أقيس لأن المعنى أخص من الاسم.
ولأنه لو كان صدقة على الحقيقة لجاز دفعه إلى فقراء من أخذت منهم كصدقات المسلمين.
وأما كون ذلك لا يؤخذ من كتابي غيرهم على المذهب فلأن قوله تعالى: ﴿مِن الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29]، وقوله عليه السلام لمعاذ: «خذ من كل حالم ديناراً» 1 عامٌّ في كل كتاب خرج منها نصارى بني تغلب لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الجزية من أهل نجران» 2 وكانوا نصارى.
و«أخذها من أكيدر دومة» 3 وهو عربي.

وأما كونها تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم على قول القاضي فلأنهم من العرب أشبهوا بني تغلب.
قال: (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زمِنٍ ولا أعمى ولا عبدٍ ولا فقير يعجز عنها).
أما كون الصبي لا جزية عليه فلأن قوله عليه السلام: «خذ من كل حالم» 1 يدل بمفهومه على أنه لا يؤخذ من صبي.
ولأن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن اضربوا الجزية ولا تضربوها على النساء والصبيان» 2 رواه سعيد وأبو عبيد والأثرم.
وأما كون المرأة لا جزية عليها فلما تقدم من قول عمر.
وأما كون الزمِنِ والأعمى لا جزية عليهما فلأنهما محقونان الدم أشبها الصبي والمرأة.
وفي معناه من راهبٍ وشيخ فانٍ وشبههما.
وأما كون العبد لا جزية عليه فلقوله عليه السلام: «لا جزية على العبد» 3. وعن ابن عمر مثله.
ولأنه مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات.
ولأنه محقون الدم أشبه الصبي.
وأما كون الفقير لا جزية عليه فلقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286]. ولأنه مال يجب بحول الحول فلم يلزم الفقير كالزكاة والعقل.

واشترط المصنف رحمه الله في الفقير العجز عن الأداء لأنه هو الذي يتعذر عليه وتشمله الآية فلو كان لا يعجز عنها ولو بصنعة وجبت عليه لأنه في حكم الأغنياء.
قال: (ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول، ويؤخذ منه آخر الحول بقدر ما أدرك).
أما كون من بلغ أو أفاق أو استغنى من أهل الجزية بالعقد الأول فلأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه تجديد عقد لصبي بلغ ولا مجنون أفاق ولا فقير استغنى.
ولأن العقد يكون مع سادة أهل البلدة فيدخل فيه سائرهم فكذا هؤلاء.
وأما كون من ذكر يؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك فلأن الجزية للسنة.
فعلى هذا من وجد منه ما ذكر في أول السنة أخذ في آخرها كل الجزية، ولو وجد في نصفها أخذ نصفها، وعلى هذا بالحساب، ولا يترك حتى يتم حولاً من حين وجد سببه لأنه يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط حول كل إنسان يؤخذ منه يشق ويتعذر.
قال: (ومن كان يجن ويفيق لفقت إفاقته فإذا بلغت حولاً أخذت منه، ويحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه).
أما كون من ذكر تلفق إفاقته فلأنه أمكن من غير مشقة.
وأما كون من بلغت إفاقته حولاً تؤخذ منه الجزية حينئذ على المذهب فلأن حوله لا يكْمل إلا حينئذ.
وأما كونه يحتمل أن يؤخذ منه في آخر كل حول بقدر إفاقته منه فلأن الجزية تؤخذ في كل حول فوجب الأخذ منه بحسابه.

قال: (وتقسم الجزية فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر.
والغني منهم من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب).
أما كون الجزية تقسم بين أهل الكتاب فيجعل ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير فلأن عمر رضي الله عنه هكذا فعل 1 بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه فكان إجماعاً.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما وجهه إلى اليمن: «خذ من كل حالم ديناراً» 2. قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفقر كان فيهم أغلب.
ولذلك يروى عن مجاهد أنه قيل له: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: ذلك من أجل اليسار.
وثانيهما: أن الجزية يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام وكان الدينار في ذلك الزمان اجتهاد إمامه والأربعة اجتهاد إمام زمنها.
وأما كون الغني من عدّه الناس غنياً في ظاهر المذهب فلأن المقادير توقيفية ولا توقيف في ذلك فوجب رده إلى العرف كالحِرز والقبض.
وفي قول المصنف رحمه الله: في ظاهر المذهب إشعار بأن فيه خلافاً وهو صحيح لأن فيه ثلاث روايات: إحداها: ما تقدم.
وثانيها: أن من ملك نصاباً فهو غني قياساً على المسلم.
وثالثها: أن ملك عشرة آلاف ديناراً فهو غني لأن من ملك دون ذلك لا يعد في بعض البلاد غنياً.
والأول أصح؛ لما ذكر.

ولأن العرف يختلف بالنسبة إلى البلدان فوجب اعتباره لئلا يحكم بغنى شخص وهو فقير عند أهل بلده.
قال: (ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قبوله، وحرم قتالهم.
ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية.
وإن مات أخذت من تركته.
وقال القاضي: تسقط).
أما كون من بذل الواجب يلزم قبوله فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «ادعهم إلى أداء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» 1. وأما كونه يحرم قتالهم فلقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله -إلى قوله: - حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم.
فمتى بذلوا الجزية حرم قتالهم لذلك، ولما تقدم من الحديث.
وأما كون من أسلم بعد الحول سقط عنه الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتهوا يًغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38].
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على المسلم جزية» 2 رواه الخلال.
وروي عن عمر أنه قال: «إن أخذها في كفه ثم أسلم يردها عليه».
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج» يعني الجزية.
ولأن الجزية صَغار ولا تجب عليه كالمسلم.
ولأنها وجبت بسبب الكفر فوجب أن يُسقطها الإسلام كالقتل.
وأما كون من مات تؤخذ الجزية من تركته على المذهب فلأن الجزية دَين وجب عليه في حياته فلم تسقط بموته كدين الآدمي.
وأما كونها تسقط على قول القاضي فلأن الجزية عقوبة فسقطت بالموت كالحد.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والحد إنما يسقط لفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف هذا.

قال: (وإن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها.
وتؤخذ الجزية في آخر الحول.
ويمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم وتجر أيديهم).
أما كون الجزية إذا اجتمعت تستوفى كلها فلأنها دَين فإذا اجتمعت استوفيت كلها كديون الآدمي.
ولأنها حق مال يجب في آخر كل حول فلم تتداخل كالدية.
وأما كون الجزية تؤخذ في آخر الحول فلأنها مال يتكرر بتكرار الحول فوجب أخذها في آخر الحول لا في أوله كالدية.
فإن قيل: فالله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] أمر بالقتال إلى أن يعطوا الجزية فينبغي أن يجب بأول الحول.
قيل: المراد الالتزام.
بدليل أنه يحرم قتلهم بمجرد البذل قبل الأخذ.
وأما كونهم يمتهنون عند أخذ الجزية ويطال قيامهم وتجر أيديهم فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
فإن قيل: الامتهان المذكور هل هو مستحق أو مستحب؟ قيل: فيه خلاف.
ويتفرع عليه عدم جواز التوكيل إن قيل هو مستحق لأن العقوبة لا يدخلها النيابة.
وكذا عدم صحة ضمان الجزية لأن البراءة تحصل بأداء الضامن فتفوت الإهانة.
وإن قيل هو مستحب انعكست الأحكام المذكورة.
قال: (ويجوز أن يُشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وتبين أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف، ولا تجب عليهم من غير شرط.
وقيل: تجب).
أما كون اشتراط الضيافة المذكورة على أهل الكتاب تجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه «أنه ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفس وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين» 1.

وروى الأحنف بن قيس «أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة» 1 رواه أحمد.
وروي عن عمر «أنه قضى على أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام وعلف دوابهم وما يصلحهم» 2. ولأن الاشتراط ضرب من المصلحة لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضراراً بهم فإذا اشترطت عليهم الضيافة أُمن ذلك.
وأما كون أيام الضيافة وقدر الطعام والإدام والعلف وعدد من يضاف يبين فلأن الضيافة حق وجب فعله فوجب بيانه كالجزية.
وقال المصنف في الكافي ما معناه: أنه إن شرط عليهم الضيافة وأطلق جاز؛ لأن عمر لم يقدر ذلك.
ولما شكي إليه اعتداء الأضياف قال: «أطعموهم مما تأكلون» 3. فعلى هذا لا يجب عليهم ضيافة أكثر من يوم وليلة لأن ذلك الواجب على المسلم، ولا يكلفون إلا من طعامهم وإدامهم؛ لقول عمر.
وأما كون الضيافة المذكورة لا تجب من غير شرط على الأول ذكره القاضي فلأنها أداء مال فلا تجب عليهم بغير رضاهم كالجزية.
وأما كونها تجب على قولٍ فلأنها تجب على المسلم فالكافر أولى.
قال: (وإذا تولى إمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فإن بان له كذبهم رجع عليهم.
وعند أبي الخطاب أنه يستأنف العقد معهم).

أما كون الإمام المتولي يُقر أهل الذمة على عقدهم الأول على المذهب فلأن الخلفاء أقروهم على ذلك لم يجددوا لمن كان في زمنهم عقد.
ولأنه عقد لازم أشبه الإجارة.
وأما كونه يقرهم على ما كانوا عليه إذا عرف قدر جزيتهم وما شُرط عليهم فلأن ذلك هو موجَب العقد الأول وقد تقدم أنهم يقرون عليه.
وأما كونه يُرجع إلى قولهم إذا لم يعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم فلأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم.
وأما كونه يرجع عليهم بالنقص إذا بان لهم كذبهم بإقرار أو بينة فلأنه واجب عليهم بالعقد الأول فكان للإمام المتجدد أخذه كالأول.
وأما كونه يستأنف العقد معهم على قول أبي الخطاب فلأن المتولي إمام أشبه الأول.
قال: (وإذا عقد الذمة كتب أسمائهم وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفاً يكشف حال من بلغ وأسلم واستغنى وسافر ونقض العهد وخرق شيئاً من أحكام الذمة).
أما كون الإمام يكتب أسماء أهل الذمة وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم إذا عقد الذمة فلأنه يعرفهم بذلك.
والمراد بكتب أسمائهم وأسماء آبائهم أن يكتب فلان بن فلان، ويكتب حلاهم أن يكتب صفاتهم لأن الحلا جمع حلية والمراد بها الحلية التي لا تختلف من طول وقصر وسمرة وبياض ومن كونه أدعج العينين مقرون الحاجبين أقنى الأنف أبلج أكحل.
ويكتب دينهم أن يكتب يهودي نصراني مجوسي.
وأما كونه يجعل لكل طائفة عريفاً فليعرفه بما ذكره المصنف رحمه الله؛ لأن الجزية تتجدد بالبلوغ وتكثر بالاستغناء وتسقط بالإسلام ويتعذر الأخذ مع السفر ويمنع حقن الدم بها عند النقض والحاجة داعية إلى معرفة ذلك كله.

باب أحكام الذمة

قال المصنف رحمه الله: (يلزم الإمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعِرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حِله).
أما كون الإمام يلزمه أن يأخذ أهل الذمة بأحكام المسلمين في ضمان ما ذَكر فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه.
وأما كونه يلزمه إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريم 1 ما يحد 2 لأجله كالقتل والزنا ونحوهما فلما روى أنس «أن يهودياً قتل جارية على أَوْضاح لها فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم» 3 متفق عليه.
وروى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما» 4. ولأنه محرم في دينهم وقد التزموا حكم الإسلام فثبت في حقهم حكمه كالمسلم.
وأما كونه لا يلزمه ذلك فيما يعتقدون حله كشرب الخمر وأكل الخنزير ونكاح ذوات المحارم للمجوس فلأنهم يقرون عليه لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا

باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يَدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} [التوبة: 29] أمر بإقرارهم على ذلك بإعطاء الجزية.
ولأنهم يقرون على كفرهم وهو أكبر من ذلك فلأن يُقروا على ذلك بطريق الأولى.
قال: (ويلزمهم التميّز عن المسلمين في شعورهم بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق، وكناهم فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبدالله، وركوبهم بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضاً على الأكف، ولباسهم فيلبسون ثوباً يخالف لباسهم كالعسلي والأدكن، وشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، ويؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم، ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص أو جلجل يدخل معهم الحمام).
أما كون الإمام يُلزم أهل الذمة التميّز عن المسلمين في الشعور والكنى والركوب واللبس فلما روى إسماعيل بن عياش عن غير واحد من أهل العلم قال: «كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن بن غنم إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعل ولا فرق شعر ولا في مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنّى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنار في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف... وذكر سائره» 1 رواه الخلال.
وذكر في آخره: «فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر أن امض لهم ما سألوا».
وعن ابن عمر «أن عمر أمر بجز نواصي أهل الذمة وأن يركبوا الأكف عرضاً» 2 رواه الخلال.

والأكف: جمع إكاف وهو البَردعة.
ومعنى قوله: عرضاً أن يكون رجلاه إلى جانب وظهره إلى آخر.
والأدكن الفاختي.
فإن قيل: ما صفة التميز؟ قيل: كما ذكره المصنف رحمه الله لما ورد في الحديث المذكور.
وأما كون النصارى يؤمرون بشد الزنار فوق ثيابهم فلما تقدم في حديث عبدالرحمن.
ولما روي عن عمر «أنه كتب إلى أهل الآفاق: مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن».
وأما كونهم يجعل في رقابهم الخواتيم والجلجل يدخل معهم الحمام فليحصل به التميز في الحمام.
قال: (ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بدائتهم بالسلام.
فإن سلم أحدهم قيل له: وعليكم.
وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان).
أما كون تصدير أهل الذمة في المجالس لا يجوز فلأن في كتابهم لعبدالرحمن بن غنم: «وأن نوقر المسلمين في المجالس، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا الجلوس» 1. وأما كون بدائتهم بالسلام لا يجوز فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤا النصارى واليهود بالسلام.
وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» 2 رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون أحدهم إذا سلم يقال له: وعليكم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» 3 رواه الإمام أحمد.
وأما كون تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم لا يجوز في رواية؛ فلأن بذلك يحصل الموالاة وتثبت المودة وقد نهى الله عن ذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: {يا أيها الذين

آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51].
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأنه من مكارم الأخلاق وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يهودياً فأسلم» 1. وربما كان ذلك سبباً لإيمانه.
قال: (ويمنعون تعلية البنيان على المسلمين، وفي مساواتهم وجهان.
وإن ملكوا داراً عالية من مسلم لم يجب نقضها).
أما كون أهل الذمة يُمنعون تعلية بنيانهم على المسلمين فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يَعلو ولا يُعلى» 2. ولأن في ذلك 3 رتبة على المسلمين وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.
وأما كونهم لا تجوز مساواتهم للمسلمين في وجه فلما تقدم من قوله عليه السلام: «يعلو» 4. ولأنهم لا يجوز مساواتهم للمسلمين في اللباس فكذلك في البنيان.
وأما كونهم يجوز مساواتهم فلأنه ليس ليستطيل على المسلمين.
وأما كونهم إذا ملكوا داراً عالية من مسلم لا يجب نقضها فلأنه لم يعل على المسلمين شيئاً.

وقول المصنف: من مسلم فيه إشعار بأنه إذا ملكها من ذمي يجب نقضها وهو صحيح لأن نقضها وجب قبل البيع.
قال: (ويمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع، ولا يمنعون رمّ شعثها، وفي بناء ما استهدم منها روايتان).
أما كون أهل الذمة يمنعون من إحداث الكنائس والبِيَع فلما روي عن ابن عباس: «أيما مصر مصّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة» 1 رواه الإمام أحمد واحتج به.
وفي حديث عبدالرحمن بن غنم: «إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديراً ولا ولاية ولا صومعة راهب» 2. وأما كونهم لا يمنعون رم شعثها فلأنه كتطيين سطوحها والتطيين لا يمنع منه فكذلك الرم.
وأما كونهم يمنعون بناء ما استهدم منها في رواية فلأن في حديث عبدالرحمن بن غنم: «ولا نجدد ما خرب من كنائسنا» 3. ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام فمنعوا منه كبداء بنيانها.
وأما كونهم لا يمنعون في رواية فلأنه كَرَمِّ الشعث.
قال: (ويمنعون إظهار المنكر، وضرب الناقوس، والجهر بكتابهم.
وإن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك).
أما كون أهل الذمة يمنعون إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم فلأن في شروطهم: «أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر علينا صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر النيران في أسواق المسلمين» 4.

وأما كونهم لا يمنعون شيئاً من ذلك إذا صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية فلأن الدار دارهم لا دار الإسلام بخلاف أهل الذمة فإنهم في دار الإسلام فمُنعوا من ذلك.
قال: (ويمنعون دخول الحرم.
فإن قدم رسول لا بد له من لقاء الإمام خرج إليه ولم يأذن له.
فإن دخل عزر وهدد.
فإن مرض بالحرم أو مات أخرج، وإن دُفن نبش إلا أن يكون قد بَلِي).
أما كون الكفار يمنعون دخول الحرم فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: 28].
والمراد الحرم بدليل قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: 28] يريد ضرراً بتأخر الجلَب عن الحرم دون المسجد.
وبدليل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: 1] أي من الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.
وأما كون الإمام يَخرج إلى الرسول الذي لا بد من لقاء الإمام فلأن المشرك ممنوع من دخول الحرم فإذا لم يكن بُدٌّ من الاجتماع بالإمام تعين خروجه إليه.
وأما كونه لا يأذن للرسول فلأن الدخول ممنوع منه وليس للإمام إذن في الممنوع منه.
وأما كون الرسول إذا دخل يعزر ويهدد فلهتكه الحرم بدخوله الممنوع منه.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك علمه بمنعه لأنه إذا لم يعلم ذلك يكون له عذر.
وأما كون من مرض بالحرم أو مات يُخرج فلأنه إذا لم يجز بقاؤه فيه في حياته فلأن لا يجوز بقاؤه في مرضه ومماته بطريق الأولى.
وأما كونه ينبش إذا دفن ولم يبل فلأن في ذلك وسيلة إلى إخراج الميت من الحرم أشبه ما لو لم يدفن.
وأما كونه لا ينبش إذا بلي فلأنه مع ذلك يتعذر نقله.

قال: (ويمنعون من الإقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر.
فإن دخلوا لتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام.
فإن مرض لم يخرج حتى يبرأ، وإن مات دفن به.
ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما.
وهل لهم دخول المساجد بإذن مسلم؟ على روايتين).
أما كون أهل الذمة يمنعون من الإقامة بالحجاز فلما روى أبو عبيدة بن الجراح أن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» 1 رواه أحمد وأبو داود.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلماً» 2 رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
والمراد الحجاز بدليل أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من أهل اليمن ولا أهل تيماء.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمدينة إلى آخره فتنبيه على أن المواضع المذكورة من الحجاز؛ لأن الحجاز سمي بذلك لأنه حجز بين تهامة ونجد وذلك موجود فيما ذكر.
وأما كونهم إذا دخلوا لتجارةٍ لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام فلأن الزائد على الأربعة حدٌّ يُتم به المسافر.
وقال المصنف في المغني والكافي وصاحب النهاية فيها: لا يقيم أكثر من ثلاثة؛ لأن إذن عمر رضي الله عنه لمن دخل منهم تاجراً في إقامة ثلاثة أيام يدل على أنه لا يجوز أكثر من ذلك.
وأما كون من مرض لا يخرج حتى يبرأ فلأنه موضع ضرورة.
وأما كون من مات يدفن به فلأنه موضع حاجة.
وأما كونهم لا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما فلما تقدم من أن أحداً من الخلفاء لم يُخرج أحداً من ذلك.

وأما كونهم لهم دخول المساجد بإذن مسلم على روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب ذكره المصنف في الكافي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد الطائف فأنزلهم بالمسجد قبل إسلامهم» 1. وأما كونهم ليس لهم ذلك على رواية فلما روي «أن أبا موسى قدم على عمر ومعه نصراني، فأعجب عمر خطه، وقال: قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابه.
قال: إنه لا يدخل المسجد.
قال: لِمَ.
أجنب هو؟ قال: هو نصراني.
فانتهره عمر» 2. ولأن الجنب يمنع المسجد فالمشرك أولى.

فصل [في العشور] قال المصنف رحمه الله: (وإن اتجر ذمي إلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر.
فإن اتجر حربي إلينا أُخذ منه العشر.
ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير.
ويؤخذ كل عام مرة.
وقال ابن حامد 1: يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا).
أما كون من اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده ثم عاد يؤخذ منه نصف العشر فلما روى أنس بن مالك قال: «أمرني عمر أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر» 2 رواه الإمام أحمد.
وروي «أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهمٍ درهماً» 3 رواه أبو عبيد في كتاب الأموال.
وأما كون من اتجر من أهل الحرب إلينا يؤخذ منه العشر فـ «لأن عمر رضي الله عنه أخذ من أهل الحرب العشر» 4 واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده فكان إجماعاً.

وأما كونه لا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير فيشمل أمرين: أحدهما: أن النصاب معتبر فيما يُعَشّر وهو صحيح لأنه مال يجب فيه العشر أو نصف العشر فاعتبر له النصاب كزرع المسلمين.
وثانيهما: أن نصابه عشرة دنانير.
وفي ذلك روايتان: إحداهما: أن نصابه ذلك لأن ذلك مال يبلغ واجبه نصف دينار فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم.
والرواية الثانية: نصابه عشرون ديناراً لأن الزكاة لا تجب في أقل منها 1 فلم يجب فيها على الذمي شيء كاليسير.
ولا فرق بين الذمي والحربي فيما ذكر بخلاف القدر المأخوذ لأن النصاب تقديري فلا يختلف إلا بنقل ولم يوجد.
وأما كون ذلك يؤخذ في كل عام مرة وهو منصوص الإمام أحمد فلما روي «أن نصرانياً جاء إلى عمر فقال: إن عاملك عشرني السنة مرتين.
قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني.
قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف.
ثم كتب إلى عامله أن لا يعشر في السنة إلا مرة» 2 رواه الإمام أحمد.
ولأن الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة فكذلك هذا.
وأما كون ذلك يؤخذ من الحربي كلما دخل إلينا على قول ابن حامد فلأنا لو أخذنا منهم مرة واحدة لا يؤمن أن يدخلوا فإذا جاء وقت السنة ولم يدخلوا فيتعذر الأخذ منهم.

والأول أصح؛ لما ذكر.
وتعذر الأخذ غير صحيح لأنه يؤخذ أول مرة يدخل ثم يكتب له بما أخذ منه فلا يؤخذ منه شيء حتى تمضي تلك السنة فإذا جاء في العام الثاني أخذ منه في أول ما يدخل وإن لم يدخل فما فات في العام الثاني شيء.
قال: (وعلى الإمام حفظهم، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أسر منهم).
أما كون الإمام عليه حفظ أهل الذمة والمنع من أذاهم فلأنهم بذلوا الجزية على ذلك.
وأما كونه عليه استنقاذ من أسر منهم فلأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عهدهم 1 فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين.
ولم يشترط المصنف رحمه الله في استنقاذ من أسر منهم كون ذلك بعد استنقاذ المسلمين وهو شرط.
وإنما تركه لظهوره ولذلك اشترطه في باقي كتبه؛ لأن استنقاذ المسلم أولى من غيره.
ولأن عصمة الذمي ملحقة بعصمة المسلم فلا يستنقذ الفرع قبل الأصل.
قال: (وإن تحاكموا إلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم.
وإن تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض خُيّر بين الحكم بينهم وبين تركهم.
ولا يحكم إلا بحكم الإسلام).
أما كون أهل الذمة إذا تحاكموا مع مسلم إلى الحاكم يلزمه الحكم بينهم فلما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو رده عن الظلم وذلك واجب.
وأما كونهم إذا تحاكم بعضهم مع بعض، أو استعدى بعضهم على بعض يخير بين الحكم بينهم وبين تركهم فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: 42].

ولأنهما كافران فلم يجب الحكم بينهما كالمستأمن.
وأما كون الحاكم بينهم لا يحكم إلا بحكم الإسلام فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 42].
قال: (وإن تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم، وإن لم يتقابضوا فسخه سواء كان قد حكم بين حاكمهم أو لا).
أما كون ما فعل أهل الذمة مع التقابض لا ينقض فلأن فيه مشقة وتنفيراً عن الإسلام بتقدير إرادته.
وأما كونه يفسخ مع عدم التقابض فلأن مقتضى الدليل أن يحكم بينهم بحكم الإسلام لما تقدم.
خص منه حالة التقابض للمشقة والتنفير فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما قول المصنف رحمه الله: سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أو لا فمعناه أنهم لو ترافعوا إلى حاكمهم فألزمهم بالتقابض لا يلزم إمضاء حكمه لأن حكمه باطل ولا يجب إمضاء الباطل.
قال: (وإن تهود نصراني، أو تنصر يهودي لم يقر ولم يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه.
ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام.
فإن أبى هدد وحبس.
ويحتمل أن يقتل.
وعنه: أنه يقر).
أما كون النصراني إذا تهود وبالعكس لا يقر على المذهب فلأنه لا يقبل منه ذلك؛ لما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقبل منه غير الإسلام أو الدين الذي كان عليه على المذهب أيضاً فلأن الإسلام دين حق والذي كان عليه دين صولح عليه فلم يقبل منه غيرهما لاعترافه ببطلانه لأنه انتقل إلى دين باطل فلم يقر عليه أشبه ما لو انتقل إلى المجوسية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأن الدين الذي كان عليه قد اعترف ببطلانه والذي انتقل إليه كان معترفاً ببطلانه فلم يبق غير الإسلام.
وأما كون من أبى من فعل الواجب عليه يهدد ويحبس على المذهب فليأتي بذلك.

وأما كونه يحتمل أن يقتل فلأنه انتقل إلى دين لا يقر عليه أشبه المسلم إذا ارتد.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما كون من تقدم ذكره يقر على الدين الذي انتقل إليه على رواية فلأنه دين يقر عليه في الجملة أشبه الذي كان عليه والذي هو عليه بالأصالة.
قال: (وإن انتقل إلى غير دين أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر وأمر أن يسلم، فإن أبى قتل.
وإن انتقل غير الكتابي إلى دين أهل الكتاب أقر.
ويحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام.
وإن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين).
أما كون الكتابي أو المجوسي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لا يقر عليه؛ فلأنه انتقل من دين يُقر أهله عليه إلى دين لا يقر أهله عليه فلم يقر عليه أشبه المرتد عن الإسلام.
وأما كونه يؤمر بالإسلام فلأن كل أحد مأمور بذلك لا سيما من لا كتاب له ولا شبه كتاب.
وأما كونه يقتل إذا أبى الإسلام فكالمسلم إذا ارتد.
وأما كون غير الكتابي إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب يقر على المذهب فلأنه انتقل إلى دين هو أكمل من دينه الذي كان عليه أشبه ما لو انتقل من اليهودية إلى الإسلام.
ومعنى الكمال أنه يقر أهله عليه وتؤكل ذبائحهم وتحل مناكحتهم.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل منه إلا الإسلام فلأنه أقر ببطلان دينه بعد أن كان مقراً ببطلان ما سواه.
وأما كون الوثني إذا تمجس يقر على رواية فلأنه انتقل إلى 1 دين أكمل من دينه أشبه الوثني إذا تهود أو تنصر.

وأما كونه لا يقر على رواية فلأنه انتقل إلى غير كتاب أشبه ما لو انتقل إلى عبادة الشمس.
ويمكن الفرق بما تقدم من كون المنتقل إليه أكمل من دينه.

فصل في نقض العهد قال المصنف رحمه الله: (وإذا امتنع الذمي من بذل الجزية، أو التزام أحكام الملة انتقض عهده).
أما كون الذمي ينتقض عهده إذا امتنع من بذل الجزية فلأن الله تعالى قال: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29] أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية.
وأما كونه ينتقض عهده إذا امتنع من التزام ملة الإسلام فلأن الإسلام نسخ كل حكم يخالفه فلا يجوز بقاء العهد مع عدم التزامه.
وقتال المسلمين ينتقض به العهد كالأمرين المذكورين؛ لأن عقد الذمة يقتضي الأمان من الجانبين والقتال ينافيه فانتقض.
قال: (وإن تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطعِ طريق أو تجسسٍ أو إيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء فعلى روايتين).
أما كون الذي ينتقض عهده بما ذكر على المذهب فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه رُفع إليه رجل أراد استكراه مسلمة على الزنا.
فقال: ما على هذا صالحناكم.
وأمر به فصلب في بيت المقدس» 1.

وقيل لابن عمر: «إن راهباً يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لو سمعته لقتلته.
إنا لم نعط الأمان على هذا».
وعن عمر «أنه أمر عبدالرحمن بن غنم أن يلُحق في صلح أهل الجزية: ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده» 1. ولأن في ذلك ضرراً على المسلمين أشبه الامتناع من بذل الجزية.
وأما كونه لا ينتقض على رواية فلأن هذه الأشياء لا يجب تركها عليهم فلا ينتقض عهدهم بفعلها.
والأول أولى؛ لما تقدم.
قال: (وإن أظهر منكراً، أو رفع صوته بكتابه ونحوه لم ينتقض عهده.
وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض عهده إن كان مشروطاً عليهم).
أما كون الذمي لا ينتقض عهده بما ذكر مع عدم شرطه فلأن ذلك لا ينافي عقد الذمة.
ولأن غاية ما يقدر أنه شيء لا يجوز فعله وذلك لا يوجب نقض العهد دليله ما لو زنا معاهد بمشركة.

وأما كونه لا ينتقض مع شرط ترك ذلك على الأول فكما لو لم يشترط.
وأما كونه ينتقض على ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن في كتاب صلح الجزيرة بعد استيفاء الشرط: «وإن نحن غيّرنا أو خالفنا ما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لكل منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق» 1. ولأنه عقد بشرط فزال بزوال شرطه كما لو امتنعوا من بذل الجزية.
قال: (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده.
وإذا انتقض عهده خُير الإمام فيه كالأسير الحربي.
وماله فيء عند الخرقي، وقال أبو بكر: يكون لورثته).
أما كون عهد نساء من نقض عهده وعهد أولاده لا ينتقض بنقض عهده فلأن النقض وُجد منه دونهم فاختص حكمه به.
وأما كون الإمام يخير فيمن نقض عهده كالأسير الحربي؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه صلب الذي أراد استكراه المرأة» 2. ولأنه كافر لا أمان له أشبه الحربي الأسير.
وأما كون ماله فيئاً عند الخرقي فلأنه قتل لنقضه العهد أشبه ما لو تركه وهرب.
وأما كونه لورثته على قول أبي بكر؛ فلأن الأمان في المال لا ينتقض بنقض العهد فيجب أن ينتقل إلى الورثة لأنه حقهم.

وقيل: الخلاف المذكور مبني على انتقاض العهد في المال بنقضه في صاحبه: فإن قيل: ينتقض كان فيئاً، وإن قيل: لا ينتقض انتقل إلى الورثة.
والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل