الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 504-543

الأصل في القضاء ووجوبه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فآيات: إحداها: قوله تعالى: ﴿يا داودُ إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ [ص: 26].
وثانيها: قوله تعالى: ﴿وأن احكمْ بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 49].
وثالثها: قوله تعالى: ﴿وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ [النور: 48].
ورابعها: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يُؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ [النساء: 65].
وأما السنة؛ فما ورى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجر» 1. وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على نَصب القضاة للحكم بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية.
قال أحمد رحمه الله: لا بدّ للناس من حاكم، أتذهبُ حقوقُ الناس؟ فيجب على الإمام أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً.
ويختارُ لذلك أفضلَ من يجد وأورعهم، ويأمره بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق.
وإن يستخلف في كل صُقْعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم).
أما كون القضاء فرض كفاية؛ فلأن أمر الناس لا يستقيم بدونه.
فكان فرض كفاية؛ كالجهاد والإمامة، ولذلك قال الإمام ما تقدم ذكره.
وأما كون الإمام يجب عليه أن ينصبَ في كل إقليمٍ قاضياً؛ فلأنه هو القائم بأمر الرعية المتكفّل بمصلحتهم المسؤول عنهم.
فإذا كان القضاء فرض كفاية ولم

يكن بد من نصب من تقوم الكفاية به تعين على القائم بأمر الرعية نصبُه.
ضرورة دفع الحاجة، ولذلك «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى اليمن» 1. و«ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وكعبَ بن سور 2 قضاء البصرة» 3. و«بعث إلى كل مصرٍ قاضيًا وواليًا».
وأما كونه يختار أفضل من يجد وأورعهم؛ فلأن ذلك أقرب وأكمل تولية إلى حصول المقصود من القضاء.
ولأن منصب القضاء أكمل المناصب، وذلك يناسب أن يكون متوليه أكمل من يوجد.
وأما كونه يأمر من ينصبه بتقوى الله عز وجل، وإيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إقامة الحق؛ فلأن في ذلك تذكرة له بما يجب عليه فعله، وإعانةً له على عمل ذلك، وتقويةً لقلبه، وتنبيهاً على اهتمام الإمام بأمر الشرع وأهله.
وأما كونه يأمره أن يستخلف في كل صُقعٍ أصلحَ من يقدرُ عليه لهم؛ فلأن في ذلك خروجاً في جواز الاستنابة، وتنبيهاً على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثاً له على اختيار الأصلح.
قال: (ويجب على من يصلحُ له إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يوثقُ به الدخول فيه.
وعنه: أنه سئل: هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ممن يوثقُ به؟ قال: لا يأثم.
وهذا يدل على أنه ليس بواجب).
أما كون من يصلح للقضاء إذا طُلب ولم يوجد غيره ممن يُوثق به يجب عليه الدخول فيه على المذهب؛ فلأن فرض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد وجب عليه.
دليله: غسل الميت وتكفينه.
وأما كونه ليس بواجب على روايةٍ؛ فلأن في دخوله في القضاء خطراً عظيماً ومشقَّة شديدة.

والأول أصح؛ لما تقدم.
والرواية الثانية: محمولة على أنه كان عاجزاً عن القيام بالواجب؛ لظلم السلطان وغيره.
قال: (فإن وُجد غيره كُره له طلبه بغير خلاف في المذهب.
وإن طُلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه).
أما كون من وُجد غيره يُكره له طلب القضاء بغير خلاف في المذهب؛ فلأن أنساً روى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتغى القضاءَ وسألَ فيه شفعًا 1 وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرهَ عليه أنزلَ اللهُ عليه ملكًا يسددُه» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة: «يا عبدالرحمن! لا تسأل الإمارةَ.
فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها» 3. متفق عليه.
وأما كونه إذا طُلب له فالأفضل أن لا يدخل فيه في ظاهر كلام الإمام؛ فلما فيه من الخطر والغرر.
وفي تركه من السلامة والظفر، ولما وَرد فيه من التشديد.
ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من وُلّي قاضياً فقد ذُبحَ بغير سِكِّين» 4. ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد «أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه».

وأما كون الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه في قول ابن حامد؛ فلأنه كما فيه خطر فكذا فيه أجر عظيم، ولذلك جعل الله للمجتهد فيه أجراً مع الخطأ، وأجرين مع الإصابة، وأسقط عنه حكم الخطأ.
ولأن فيه الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظُلمه، ولذلك تولاه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود أنه قال: «لأن أجلسَ قاضياً بين اثنين لحق أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة».
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أن ابن حامد قال: إن كان -يعني المطلوب- رجلاً خاملاً لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرف فالأولى له توليه القضاء؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به حق.
وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى له الاشتغال بذلك؛ لما فيه من تحصيل النفع مع الأمن من التغرر.
قال: (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه).
أما كون ولاية القضاء لا تثبت بغير ولاية الإمام أو نائبه؛ فلأن ولاية القضاء حكم على الناس بالرجوع إلى أقوال القضاة، ومن ليس بإمام أو نائبه ليس له الحكم على الناس، ولا يجب عليهم الرجوع على من ولاه عليهم.
وأما كونها تثبت بتولية الإمام؛ فلأن الإمام هو وليُّ أمر المسلمين، وصاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة، مسموعُ الكلمة، مالك لجميع الولايات الشرعية الحكمية والحربية.
وأما كونها تثبت بولاية نائبه؛ فلأنه مُنَزّل منزلته، وقائم مقامه، ولذلك تجب طاعته والرجوع إلى قوله.

قال: (ومن شرط صحتها: معرفة المولِّي كون المولَّى على صفة تصلح للقضاء، وتعيين ما يوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان، ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها، وإشهاد شاهدين على توليته.
وقال القاضي: تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريباً يستفيض فيه أخبار بلد الإمام.
وهل تشترط عدالة المولّي؟ على روايتين).
أما كون تولية القضاء من شرط صحتها: معرفة المولّي كون المولّى على صفة تصلح للقضاء؛ فلأن كون المولّى على الصفة التي تصلح للقضاء شرط لصحته التولية لما يأتي في مواضعه، وما كان شرطاً للصحة كانت معرفته شرطاً.
دليله: العدالة لما كانت شرطاً لصحة الحكم بشهادة الشاهد كانت معرفتها شرطاً لصحة ذلك.
وأما كونها من شرط صحتها تعيين ما يُوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان؛ فلأن ولايته مستفادة من تولية الإمام.
فلم يكن بد من معرفته ما تولاه؛ ليمكن الفصل بين الخصوم بموضع التولية.
وأما كونها من شرط صحتها مشافهة الإمام المولى بالولاية أو مكاتبته بها مع الإشهاد على المذهب؛ فلأنه إذا عُدمت المشافهة والمكاتبة لم يتصل طريق الولاية ولم يعلم المولي من المولى عليه.
وأما كونها تثبت بالاستفاضة بشرط كون بلد القاضي قريباً من بلد الإمام على قول القاضي؛ فلأن العلم بالولاية يحصل بذلك.
وأما كون عدالة المولي تشترط على روايةٍ؛ فلأن الفسق مؤثر في المنع من ولاية المولى عليه.
فوجب أن يكون له أثر في المنع من تولية المولي.
وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأن أكثر الأمراء فسقة.
فاشتراط العدالة في المولي يؤدي إلى تعطيل الأحكام وضياع الناس.

قال: (وألفاظ التولية الصريحة سبعة: ولّيتُكَ الحكم، وقلّدتُكَ، واستَنبْتُكَ، واستخلفتُكَ، ورددتُ إليكَ، وفوّضتُ إليكَ، وجعلتُ إليكَ الحكم.
فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولّى انعقدت الولاية.
والكناية نحو: اعتمدتُ عليكَ، وعوّلتُ عليكَ، ووَكلتُ إليكَ، وأسندتُ إليكَ الحكم فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكمْ، أو فَتَولّ ما عوّلتُ عليكَ فيه، وما أشبهه).
أما كون ألفاظ التولية صريحة وكناية؛ فلأنها عقد.
فكانت ألفاظها صريحة وكناية؛ كغيرها من العقود.
وأما كون الألفاظ الصريحة سبعة؛ فلأنها تدل على ولاية القضاء دلالة لا يفتقر معها إلى شيء آخر، وذلك هو شأن الصريح.
وأما كون الولاية إذا وجد لفظ من الألفاظ الصريحة والقبول من المولى تنعقد؛ فلأنه يلزم من ذلك وجود الإيجاب والقبول، وذلك يستلزم الانعقاد إذا وجدت بقية الشروط.
دليله: البيع والإجارة وغيرهما.
وأما كون بقية الألفاظ كناية؛ فلأنها تفتقر في دلالتها إلى شيء آخر، وذلك شأن الكناية.
وأما كون الولاية لا تنعقد بلفظ منها حتى تقترن بها قرينة نحو: فاحكم أو فتولّ أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الكناية لا تستقل بنفسها.
فوجب افتقارها إلى قرينة تقوّيها وتعضُدُها.
فعلى هذا إذا وجد اللفظ المذكور مع القرينة انعقدت الولاية؛ لحصول الكناية مع ما يقوّيها ويعضُدها.

فصل [فيما تفيده الولاية] قال المصنف رحمه الله: (وإذا ثبتت الولايةُ وكانت عامةً استفادَ بها النظر في عشرة أشياء: فصلُ الخصومات واستيفاءُ الحق ممن هو عليه ودفعهُ إلى ربه، والنظرُ في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء، والحجرُ على من يرى الحجر عليه لسفهٍ أو فلسٍ، والنظرُ في الوقوف في عمله بإجرائها على شرطِ الواقف، وتنفيذُ الوصايا، وتزويجُ النساء اللاتي لا ولي لهن، وإقامةُ الحدود، وإقامةُ الجمعة، والنظرُ في مصالحِ عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم، وتصفحُ حال شهوده وأمنائه، والاستبدالُ بمن ثبت جرحه منهم.
فأما جبايةُ الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين).
أما كون من ثبتت ولايته وكانت عامة يستفيدُ بها النظر في الأشياء المذكورة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونه يستفيد فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه؛ فلأن المقصود من القضاء ذلك.
فلو لم يملكه لذهب مقصود القضاء، ولذلك وقعت الإشارة من الإمام أحمد رحمه الله بقوله: أتذهب حقوق الناس؟.
وأما كونه يستفيد النظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء؛ فلأن بعضهم لا ينظر في ماله إلا الحاكم هو السفيه، وبعضهم هو بين أن لا يكون له ولي فترك نظره في ماله يؤدي إلى ضياعه، وبين أن يكون له ولي فترك نظره في حال الولي يؤدي إلى طمعه في مال موليه، وفي ذلك ضرر عليه.
وأما كونه يستفيد الحجر على من يرى الحجر عليه من سفه أو فلس؛ فلأن الحجر المذكور يفتقر إلى نظر واجتهاد، وليس ذلك لغير القاضي، ولذلك جُعل الحجر المذكور مختصاً به.

وأما كونه يستفيد النظر في الوقوف؛ فلأن النظر ضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطها.
فإن لم يكن لها نُظّار على وجه الخصوصية تعين نظره فيها، وتولية ذلك لمن ينظر في أحوالهم وفي فعلهم فيها.
وأما كونه يستفيد تنفيذ الوصايا؛ فلأن بالميت حاجة إلى ذلك، وليس ذلك لغيره.
وأما كونه يستفيد تزويج النساء اللاتي لا ولي لهن؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 1 والحاكم نائبه.
وأما كونه يستفيد إقامة الحدود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيمها.
فكذا الخلفاء بعده، وكان من مناصبه الإمامة.
فلم لا يجوز أن يكون ذلك مستفاداً من جهة الإمامة؟.
فإن قيل: هو نائب الإمام في الاستيفاء المذكور؛ لأنه هو الذي نصبه 2. وأما كونه يستفيد إقامة الجمعة؛ فلأن الخلفاء هم الذين كانوا يقيمونها.
وأما كونه يستفيد النظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين؛ فلأنه مرصد للمصالح فإذا كان ذلك من المصالح استفاد النظر فيه.
وأما كونه يستفيد تصفح حال الشهود؛ فلأن ذلك من أكبر المهمات المتعلقة بالقضاء؛ لأنه يجب أن يعلم حال الشهود عندهم منهم.
وأما كونه يستفيد الإبدال بمن ثبت عنده جرحه؛ فلأن المجروح لا تسمع له شهادة، وأمر الشهادة مردود إلى الحاكم.
فكذلك يجب أن يُرد إليه ترتيب الشهود واستبدالهم بمن يصلح لها.
وأما كونه يستفيد جباية الخراج وأخذ الصدقة على وجه؛ فلأنه أخذ حقٍ ممن هو عليه.
أشبه أخذ الحق من الخصوم ودفعه إلى خصومهم.

وأما كونه لا يستفيد ذلك على روايةٍ؛ فلأن الخراج مصرفه إلى أهل الديوان.
والصدقة يصرف بعضها إلى أهل الديوان، وبعضها يصرف للناس في مصارف ذلك.
فلم يدخل ذلك في ولايته؛ كما لو جرت العادة لذلك بناظر خاص.
ولا بد أن يلحظ في الخلاف المذكور أن الخراج والصدقة ما خص الإمام بهما أحداً.
ذكره أبو الخطاب شرطاً في جريان الوجهين.
ولفظه: وأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فهل يدخل في مطلق ولايته إذا لم يخص بناظرٍ؟ وجهان.
قال: (وله طلبُ الرزقِ لنفسه وأمنائهِ وخلفائهِ مع الحاجة.
فأما مع عدمها فعلى وجهين).
أما كون القاضي له طلب الرزق لنفسه مع الحاجة؛ فلأن أخذ الرزق مع الحاجة جائز وطلبُ ما أخذه جائز يجب أن يكون جائزاً.
بيان جواز الأخذ: «أن عمر رضي الله عنه رزق شريحاً في كل شهر مائة درهم» 1. و«رزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم» 2. و«كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من بيت المال».
وأما كونه له طلب الرزق لأمنائه وخلفائه مع الحاجة؛ لأن معناهم: فإذا جاز له الطلب لنفسه وجب أن يكون ذلك لمن هو في معناه.
وأما كونه له ذلك مع عدم الحاجة على وجه؛ فلما تقدم من رزق عمر لشريح وغيره.
ولأنه لو لم يجز ذلك لأفضى إلى تعطيل القضاء؛ لأن أحداً لا يسهل عليه الاشتغال عن اشتغال نفسه وتكسبه بغير عوض.

وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن القضاء قُربة وطاعة.
فلم يجز فيها طلب الرزق مع عدم الحاجة؛ كالصلاة.

فصل [في الولاية العامة والخاصة] قال المصنف رحمه الله: (ويجوز أن يوليه عمومَ النظرِ في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما، فيوليه عموم النظر في بلد أو في محلة خاصة، فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه، أو يجعل الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها).
أما كون القاضي يجوز أن يوليه الإمام عمومَ النظر في عموم العمل، وعموم النظر في خصوص العمل؛ فلأن الخيرة له في التولية فكذلك في صفتها.
ولأن الإمام قد يعلم المصلحة في بعض هذه الأشياء دون بعض وذلك يقتضي تمكينه من فعل ما رأى فيه المصلحة.
ولأن القاضي المتولي قد يكون قيّماً بعموم النظر في عموم العمل وقد يكون عاجزاً عن ذلك قيّماً بالخصوص فيهما أو في أحدهما.
فيجب أن تكون الولاية مختصة بما هو قيّم به دون ما هو عاجز عنه.
فإن قيل: ما مثال كل واحدٍ من الأمور الأربعة؟ قيل: مثال التعميم في النظر والعمل: أن يوليه الإمام القضاء في سائر الأحكام وسائر البلدان.
ومثال تعميم النظر وتخصيص العمل: أن يوليه القضاء في سائر الأحكام ولكن في بلد من البلاد ومحلة من المحال.
ومثال تخصيص النظر وتعميم العمل: أن يوليه الحكم في المداينات أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يوليه عقود الأنكحة أو ما أشبه ذلك في جميع البلاد.
ومثال تخصيص النظر والعمل: أن يوليه الحكم فيما ذكر في بعض البلاد أو بعض المحال.
وأما كون المولى في بلد أو محلة ينفذُ قضاؤه في أهله؛ فظاهر.

وأما كونه ينفذ فيمن طرأ إليه؛ فلأن الطارئ إلى مكان يُعطى حكم أهله في كثير من الأحكام.
ألا ترى أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
قال: (ويجوز أن يولى قاضيين أو أكثر في بلد واحد يجعلُ إلى كل واحدٍ عملاً، فيجعل إلى أحدهما الحكمَ بين الناس وإلى الآخر عقود الأنكحة.
فإن جعل إليهما عملاً واحداً جاز، وعند أبي الخطاب لا يجوز).
أما كون الإمام يجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحدٍ يجعل لكل واحد منهما عملاً كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك ليس فيه ضرر، والإمام كامل الولاية.
فوجب أن يملك ذلك؛ كتولية القاضي الواحد.
وأما كونه يجوز إذا جَعل إليهما عملاً واحداً عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز أن يستخلف الإمام في البلدة التي هو فيها فيكون في البلدة قاضيان.
فجاز أن يكون فيها قاضيان أصليان.
وأما كونه لا يجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه يؤدي إلى إيقاف الأحكام والخصومات؛ لأن القاضيين يختلفان في الاجتهاد فيؤدي إلى ذلك.
وهذا صوابه.
والأول أصح عند المصنف رحمه الله.
قاله في المغني.
قال: (وإن مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر.
وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين بناء على الوكيل).
أما كون ولاية المولَّى لا تبطل بما ذكر في وجه؛ فلأنه عَقدٌ عُقِدَ لمصلحة المسلمين.
فلم يبطل بموته؛ كما لو عقد الولي النكاح على موليته ثم مات أو فسخه.
وأما كونها تبطل في وجه؛ فلأنه نائبه فتبطل ولايته بما ذكر؛ كوكيله.
ويؤيد بطلان الولاية بالعزل «أن عمر رضي الله عنه قال: لأعزلنّ أبا مريم وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه.
فعزله وولى كعب بن سور».
و«ولى علي أبا الأسود ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا حبيت؟ قال: رأيتك يعلو كلامك على الخصمين».

وأما كونه إذا انعزل ينعزل بنفس العزل أو يعلم به فيه وجهان مبنيان على عزل الموكل الوكيل؛ فلأنه في معناه.
قال: (وإذا قال المولي: من نظرَ في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي، أو قد ولّيته لم تنعقد الولاية لمن ينظر.
وإن قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظرَ منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية).
أما كون الولاية لا تنعقد لمن ينظر إذا قال: من نظرَ [في الحكم] 1 في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته؛ فلأن المولّي لم يعين المولَّى.
أشبه ما لو قال للبائع: بعتك أحد الثوبين.
وأما كونها تنعقد إذا قال: وليتُ فلاناً وفلاناً فمن نظر منهما فهو خليفتي؛ فلأن المولي ولاّهما جميعاً ثم عين السابق منهما.
فإن قيل: لو قال البائع: بعت ثوبي من فلان وفلان فمن قبضه فهو له لم يصح.
فكذلك يجب هاهنا لم يصح.
لا سيما وعدم الصحة في المسألة الأولى عليه قياسها على قول البائع: بعتك أحد الثوبين.
قيل: الولاية قابلة للعزل ويلزم من عزل أحدهما استقلال الآخر بالولاية.
ولا كذلك مسألة البيع فإنه بعد انعقاده لا يقبل الإبطال، ولو قُبل لعاد ذلك إلى مالكه لا إلى رفيقه في الشراء.

فصل [في شروط القاضي] قال المصنف رحمه الله: (ويشترطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: أن يكونَ بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، مُتكلّماً، مجتهداً.
وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين).
أما كون القاضي يشترطُ فيه عشرُ صفاتٍ؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كونها أن يكون بالغاً... إلى آخره: أما بلُوغه وعقلُه؛ فلأن الصبي والمجنون لا ينفذ قولهما في أنفسهما.
فلأن لا ينفذ قولهما في غيرهما بطريق الأولى.
ولأن الصبي والمجنون يستحقان الحجر عليهما، والقاضي يستحق الحجر على غيره؛ فبين حاليهما وبين حاله منافاة.
وأما ذكوريته؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أفلحَ قومٌ ولّوا أمرهمُ امرأة» 1. ولأن المرأة ناقصة العقل وقليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال وشهود محافل الخصوم.
وأما حريته؛ فلأن القضاء منصبٌ شريفٌ.
فلا يجوز أن يتولاه عبدٌ؛ كالإمامة العُظمى.
ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوعٌ للفصل بين الخصوم.
فحاله يُنافي حال الولاية.
وأما إسلامه؛ فلأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يقتضي احترامه وبينهما منافاة.
ولأن الإسلام شرطٌ في الشهادة.
فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.

وأما عدالته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
والحاكم يجيء بقول.
فلا يجوز قبوله مع فسقه كذلك.
ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً.
فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى.
وأما سَمعُهُ وبَصرُهُ وتكلّمُهُ؛ فلأنه لا يتمكن مع فقد هذه الحواس من الفصل بين المتخاصمين؛ لأن سماع القول لا يتمكن منه إلا بسمعه.
ومعرفة المدعِي من المدعَى عليه، والمقر من المقرِّ له، والشاهد من المشهود عليه: لا يتمكن منه إلا ببصره.
والحكمُ بين الخصومِ لا يتمكن منه إلا بالنطق.
وأما اجتهاده؛ فلأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمور بالحكم بما أنزل الله.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «القضاةُ ثلاثة: اثنان في النار وواحدٌ في الجنة: رجلٌ علمَ الحق فقضى به فهوَ في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ فهو في النار، ورجلٌ جارَ في الحكمِ فهوَ في النار» 1. رواه ابن ماجة.
ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فُتيا وإلزام، والمفتي لا يجوزُ أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.
وأما كون القاضي يشترطُ فيه أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن القاضي من أهل الكمال، والكتابة منه.
ولأنه يحتاج إلى الكتابة على ما ثبت عنده، وعلى خطوط الشهود.
وأما كونه لا يشترطُ أن يكون كاتباً على وجه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكم الحكام ولم يكن كاتباً.
وأجيب عنه بأن عدم الكتابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعنى كان مفقوداً في غيره، وذلك يقتضي قطع الإلحاق.
قال: (والمجتهدُ: من يعرفُ من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه السلام الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص

والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرفُ من السنةِ صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلقٌ بالأحكام خاصة.
ويعرف ما أُجمع عليه مما اختُلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربيةُ المتداولةُ بالحجازِ والشامِ والعراقِ وما يواليهم، وكل ذلك مذكورٌ في أصولِ الفقهِ وفروعهِ، فمن وقَفَ عليه ورُزق فهمُه صَلُحَ للفُتيا والقضاء وبالله التوفيق).
أما كون المجتهد من يعرفُ ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن العالم لا يتمكن من الاجتهاد بدون ذلك.
وأما كون ذلك مذكوراً في أصولِ الفقهِ وفروعهِ؛ فلأنهما محلُ ذلك كله.
وفيه تنبيه على المواضع لتُقصَدَ فيحصُل لطالبها ما قصَدَه.
وأما كون من وقَفَ على ذلك ورُزق فهمُه صلُح للفُتيا والقضاء؛ فلأن العالم بذلك متمكنٌ من التصرفِ في العلومِ الشرعية ووضعها في مواضعها.

فصل [في التحاكم] قال المصنف رحمه الله: (وإن تحاكمَ رجلان إلى رجلٍ يصلحُ للقضاء فحكَّماهُ بينَهُما فحكمَ نفذ حكمه في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلامه.
ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذُ حكمُه إلا في المال خاصة).
أما كون من تحاكم إليه رجلان فحكَّماهُ بينهما فَحَكم ينفذ حكمه؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حكمَ بين اثنين تراضيا به فلمْ يعدل بينهما فهو ملعون» 1. ولولا أنه ينفذ حكمه لما كان كذلك.
وأما كون حكمه ينفذ في المال والقصاص والحد والنكاح واللعان في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن عموم الحديث المذكور يشمل ذلك كله.
وفي نفاذ حكم من ذكر إشعار بجواز التحاكم في الجملة.
وهو صحيح؛ لما ذكر من الحديث.
و«لأن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد بن ثابت» 2، و «حاكم عمرُ رجلاً إلى شريح قبل توليه القضاء».
و«تحاكم عثمان وعبدالرحمن إلى جبير بن مطعم» 3.

فإن قيل: عمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردَّا الحكم إلى رجل صار حاكماً.
قيل: لم ينقل عنهما أكثر من الرضى بحكمه خاصة.
وذلك لا يصير به المتحاكم إليه قاضياً.
وأما كون حكم المتحاكم إليه لا ينفذُ إلا في المال خاصة على قول القاضي؛ فلأنه أسهل من غيره.
فيجب الاقتصار عليه.

باب أدب القاضي

قال المصنف رحمه الله: (ينبغي أن يكون قوياً من غير عُنفٍ، ليناً من غير ضَعفٍ، حليماً ذا أناةٍ وفطنةٍ، بصيراً بأحكام الحكام قبله، ورعاً عفيفاً).
أما كون القاضي ينبغي أن يكون قوياً؛ فلئلا يطمع المُبطل في باطله، ولذلك قال عمر: «لأعزلن أبا مريم عن القضاء ولأستعملن رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه».
وأما كون ذلك من غير عنف؛ فلأنه إذا كان ذا عنف ربما أيسَ الضعيف من حقه.
وأما كونه ليناً؛ فلئلا يخاف منه صاحب الحق فيترك حقه.
وأما كون ذلك من غير ضعف؛ فلأن اللين إذا كان لضعفٍ طمع المبطل في القاضي فلا يُقر بالحق.
وأما كونه حليماً؛ فلأنه ربما يغضب من كلام الخصوم فيمنعه ذلك من الحكم بينهم.
وأما كونه ذا أناة؛ فلئلا يؤتى من عجلته.
وأما كونه ذا فطنة؛ فلئلا يخدع بغيره.
وأما كونه بصيراً بأحكام الحكام قبله؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيًا حتى يكونَ فيه خمس خصال: عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كان قبله، يستشيرُ ذوي الألباب، ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم» 1. وأما كونه ورعاً؛ فليؤمن منه مع ذلك أخذ الرشا.
وأما كونه عفيفاً؛ فلما تقدم من قول علي رضي الله عنه.

ولأنه إذا كان كذلك كان بعيداً من الطمع قريباً من النزاهة لا يطمع أحد في ميله معه بغير حق.
قال: (وإذا وُلّي في غير بلده سأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول.
ويُنفذُ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتلقَّوه، ويدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت لابساً أجملَ ثيابه.
فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين ويستقبل القبلة.
فإذا اجتمع الناس أمرَ بعهده فقرئ عليهم، وأمر من ينادي: من له حاجةٌ فليحضر يوم كذا ثم يمضي إلى منزله.
ويُنفذُ فيتسلم ديوان الحكم من الذي كان قبله.
ثم يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوسِ فيه على أعدل أحواله غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغلُه عن الفهمِ، فيسلّم على من يمر به ثم على من في مجلسه، ويصلي تحية المسجد إن كان في مسجد).
أما كون القاضي إذا وُلّيَ في غير بلده يسأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول؛ فليعرف حالهم حتى يشاور من يصلح للمشاورة، ويقبلَ شهادةَ من هو أهل للعدالة.
وأما كونه يُنفذُ من يعلمهم يوم دخوله؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من قوله: ليتلقَّوه؛ لأن في تلقِّيه تعظيماً له، وذلك طريقٌ لقبول قوله ونفوذِ أمره.
وأما كونه يدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت 1. وأما كونه يأمرُ بعهده فيقرأ على من في بلد ولايته؛ فليعلموا ولايته وصفتها وعلامَ وُلِّي.
وأما كونه يأمر من ينادي: من له حاجة فليحضر يوم كذا؛ فليعلم صاحب الحاجة يوم جلوس القاضي فيقصد حضوره؛ لقضاء حاجته.
وأما كونه يمضي بعد ذلك إلى منزله؛ فليستريح حتى إذا خرج لفصل الخصومات يكون على أعدل أحواله.

وأما كونه ينبغي له أن ينفذَ فيتسلم ديوان الحكم من الحاكم قبله؛ فلأن ذلك كان في يد الحاكم قبله بحكم الولاية، وقد صارت إليه.
فوجب أن ينتقل ذلك إليه.
وأما كونه يخرج اليوم الذي وعدَ بالجلوس فيه؛ فليحصل الوفاء بما نادى مُناديه.
وأما كونه على أعدل أحواله؛ فلأن حال القاضي ينبغي أن يكون أكمل الأحوال.
وأما كونه غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمرٍ يشغله عن الفهم؛ فلأن القاضي متى كان به خصلة واحدة من الخصلات المذكورة ربما شَغلت فكره فأدّت إلى خطئه.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضِي القاضي بين اثنين وهو غضبان» 1. صرَّحَ بالغضب، وقيس عليه ما في معناه من سائر ما ذكر.
وأما كونه يسلّم على من يمرُ به وعلى من في مجلسه؛ فلأن السنة سلامُ المارّ على الممرور به، وسلام الداخل على من في المجلس.
وأما كونه يصلي ركعتين تحية المسجد إن كان في مسجد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين» 2. قال: (ويجلس على بساطٍ ويستعينُ بالله ويتوكلُ عليه، ويدعو سراً أن يعصمهُ من الزللِ ويوفقهُ للصواب، ولما يرضيه من القول والعمل.
ويجعلُ مجلسه في مكان فسيحٍ؛ كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ في وسط البلد إن أمكن).
أما كون القاضي يجلس على بساطٍ؛ فلأنه أبلغُ في هيبته، وأوقع في نفس الخصوم، وأعظم لحرمة الشرع.

وأما كونه يستعينُ بالله ويتوكلُ عليه؛ فلأن ذلك ينبغي لكل واحدٍ.
فلأن ينبغي للقاضي بطريق الأولى.
وأما كونه يدعو سراً أن يعصمه من الزللِ ويوفقه للصوابِ وما يرضيهِ من القولِ والعملِ؛ فلأن ذلك مطلوب مطلقاً لا سيما في أوقات الحاجة، والقاضي من أشد الناس حاجةً إلى ما ذكر.
وأما كونه يجعلُ مجلسهُ في مكان فسيح كالجامعِ والفضاءِ والدارِ الواسعةِ؛ فليكون ذلك واسعاً على الخصوم وأصحاب المسائل.
وأما كونه يجعلهُ في وسط البلد إن أمكن ذلك؛ فلأنه أقرب للعدل وأمكنُ للخصوم.
قال: (ولا يتخذُ حاجباً ولا بواباً إلا في غير مجلس الحكم إن شاء).
أما كون القاضي لا يتخذُ حاجباً ولا بواباً في مجلس الحكم؛ فلما روي عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من وليَ من أمور الناس شيئاً وحجبَ دون حاجتهمْ وفاقتهمْ احتجبَ اللهُ عنهُ دونَ حاجتهِ وفاقتهِ وفقره» 1. رواه الترمذي.
ولأن حاجبه ربما قدّم المتأخر وأخّر المتقدم؛ لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم.
وأما كونه يتخذُ ذلك في غير مجلس الحكم إن شاء؛ فلأنه قد تدعو حاجته إلى ذلك، ولا مضرة على الخصوم في ذلك؛ لأنه ليس بوقتٍ للحكومة.
قال: (ويعرضُ القصَصَ فيبدأ بالأول فالأول.
ولا يقدمُ السابقَ في أكثر من حكومة واحدة.
فإن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة).
أما كون القاضي يعرض القَصص؛ فليقضي حوائج أصحابها.
وأما كونه يبدأ بالأول فالأول؛ فلأن الأول سابق والسبق له أثر في التقديم.
دليله: ما لو سبق رجل إلى شيء من المباحات فإنه يكون أحق به.

وأما كونه لا يقدّمُ السابق في أكثر من حكومة واحدة؛ فلأنه مسبوق بالنسبة إلى الثاني؛ لأن الذي يليه سبقه بالنسبة إلى الدعوى الثانية.
وأما كونه يقدّم أحدهم بالقرعة إذا حضروا دفعة واحدة وتشاحوا؛ فلأنهم تشاحوا في السبق، والقرعة مرجحة.
دليله: ما لو أراد الرجل السفر ببعض نسائه.
ولأن القرعة مشروعة للترجيح في غير هذا الموضع فكذا في هذا.
قال: (ويعدل بين الخصمين في لَحْظِه ولَفْظه ومجلسه والدخول عليه، إلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول ويرفعه في الجلوس.
وقيل: يسوي بينهما).
أما كون القاضي يعدل بين الخصمين المسلمين أو الكافرين فيما ذكر؛ فلما روي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتُليَ بالقضاءِ بين المسلمينَ فليعدل بينهم في لفظهِ وإشارتهِ ومقعده.
ولا يرفعن صوتَه على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» 1. وفي روايةٍ: «فليسوِّ بينهم في النظر والمجلس والإشارة».
وفي كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه: «واسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأسَ الضعيفُ من عدلكَ، ولا يطمع الشريفُ في حيفِك» 2. ولأن الحاكم إذا ميّز أحد الخصمين عن الآخر انكسر الآخر وربما لم تقم حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه.
وأما كونه يقدم المسلم على الكافر في الدخول ويرفعه في الجلوس؛ فلما روى إبراهيم التميمي قال: «وَجَد عليٌ كرم الله وجهه درعهُ مع يهودي.
فقال: درعي سقطت وقت كذا.
فقال اليهودي: درعي في يدي وبيني وبينكَ قاضي المسلمين.
فارتفعا إلى شريح.
فلما رآه شريح قام من مجلسه وجلسَ في موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه.
فقال علي: إن خصمي لو كان مسلماً لجلستُ معه بين يديك

ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجالس... وذكر بقية الحديث» 1. وأما كونه يساوي بينهما أيضاً كالمسلمين على قول؛ فلما تقدم من الحديث في المسلمين.
والأول أولى؛ لحديث علي.
وهو واجب التقديم؛ لأنه خاص والخاص يجب تقديمه.
قال: (ولا يسار أحدهما، ولا يلقّنُه حجته، ولا يضيفه، ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها، وله أن يشفع إلى خصمه ليُنْظِره أو يضع عنه ويزن عنه).
أما كون القاضي لا يسار أحد الخصمين؛ فلأن ذلك كسر قلب صاحبه وربما أدى إلى ضعفه عن إقامة حجته.
وأما كونه لا يلقّنه حجتَه؛ فلأن عليه العدل بينهما، وليس في تلقينه عدل؛ لما فيه من الضَّررِ على صاحبه.
وأما كونه لا يضيفه؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه «أنه نزل به رجل.
فقال له: ألك خصم؟ قال: نعم.
قال: تحوّل عنا.
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعهُ خصمه» 2. وأما كونه لا يُعلمه كيفية الدعوى في وجه؛ فلأن فيه إعانة له على خصمه.
وأما كونه يجوز له تحرير الدعوى له إذا لم يحسن تحريرها في وجه؛ فلأن في ترك تعليمه سببًا إلى تأخير حقه وعدم الفصل بينه وبين غريمه.
وأما كونه له أن يشفع إلى خصمه ليُنظره أو يضع عنه؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل غرماء معاذ فيه، ولهذا جاء في الحديث: «لو تُرك أحدٌ من أجل أحد لتُرِكَ معاذ من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).

وأما كونه له أن يَزن له عنه؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه «أن رجلاً رَفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غريماً له فسأل الغريمُ أن يُنظره شهراً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أنظركَ وتحمَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم المالَ عنه».
قال: (وينبغي أن يُحضِر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن، ويشاورهم فيما يُشكلُ عليه.
فإن اتضح له حكم وإلا أخّره.
ولا يقلّدُ غيره وإن كان أعلم منه).
أما كون القاضي ينبغي له أن يُحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إن أمكن؛ فلأنه قد تحدث حادثة فيحتاج القاضي إلى سؤالهم عن مذهبهم وأدلتهم ولذلك قال: ويشاورهم فيما يُشكل عليه؛ لأنه إذا شاورهم ذكروا له ما يحضرهم في ذلك فيؤدي ذلك إلى إيضاح العلم له، وحصول الاجتهاد منه.
وأما كونه يحكم إن اتضح له؛ فلأنه متى اتضح له الحكم لم يجز تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحق عن موضعه.
وأما كونه يؤخّره إن لم يتضح له؛ فلأن الحكم مع عدم الإيضاح لا يجوز؛ لما فيه من القضاء بجهل، الداخل في الحديث المتقدم ذكره.
وأما كونه لا يقلد غيره وإن كان أعلم منه؛ فلأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره.
دليله: المجتهدان في القبلة.
قال: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا حاقن، ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج.
فإن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي: لا ينفذ.
وقيل: إن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا).
أما كون القاضي لا يقضي وهو غضبان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحكمُ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان» 1 متفق عليه.2

ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه.
وأما كونه لا يقضي وهو حاقن أو في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المُزعج؛ فلأن الغضب إنما مُنع من القضاء معه؛ لأن ذلك مُذهبٌ للفكر وحسن الرأي، وذلك موجود في الصور المذكورة.
فوجب أن يترتب عليها ما ترتب على الغضب؛ لأن الاستواء في العلة يدل على التساوي في المعلول.
وأما كونه إذا حكم مع شيء مما ذكر ينفذ حكمه؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شَراج الحرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك.
فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك.
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» 1. وأما كونه لا ينفذُ على قول القاضي؛ فلأنه ارتكب النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه إذا عرض الغضبُ أو ما في معناه بعد فهم الحكم معه من اشتغال الفكرة المؤدية إلى عدم الإصابة، وذلك مفقود يمتنع من الحكم فيما إذا عرض بعد فهم الحكم موجود فيما إذا عرض قبله.
قال: (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة).
أما كون القاضي لا يحل له أن يرتشي؛ فلأنه جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أكَّالون للسحت﴾ [المائدة: 42] هو الرشوة.
وفي الحديث عن عبدالله بن عمر قال: «لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الراشِي والمرتَشِي» 2. رواه الترمذي.
وهذا حديث حسن صحيح.

ورواه أبو هريرة وزاد: «في الحكْم» 1. وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ فلأن الهدية يُقصد بها غالباً استمالة قلب المهدي إليه؛ ليعتني في الحكم.
فهي شبيهة بالرشوة.
وفي الحديث: «بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على الصدقة.
فقال: هذا لكمْ وهذا أُهديَ إليّ.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمدَ الله وأثنى عليه.
ثم قال: ما بالُ العامل نبعثُه فيجيءُ فيقول: هذا لكم وهذا أُهديَ إليّ.
ألا! جلسَ في بيت أبيهِ وأمهِ فينظر أيهدى إليه؟ والذي نفسُ محمدٍ بيده! لا نبعثُ أحد منكم فيأخذَ شيئًا إلا جاءَ يومَ القيامة يحملهُ على رقبته... مختصر» 2 متفق عليه.
وأما كونه يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته بشرط أن لا تكون له حكومة؛ فلأن التهمة المذكورة قبل منتفية هاهنا.
ولأن المنع من ذلك إنما كان من أجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة وكلاهما منتفٍ.
وأما كونه لا يحل له أن يقبل الهدية ممن كان يُهدي 3 إليه إذا كان له حكومة؛ فلأن ذلك في معنى الرشوة.

قال: (ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه.
ويستحب أن يوكّل في ذلك من لا يُعرف أنه وكيله).
أما كونه يكره أن يتولى البيع أو الشراء بنفسه؛ فلأنه يُعرف فيحابى.
فإذا لم يكن ذلك جائزاً فلا أقل من أن يكون مكروهاً.
ولأن ذلك يشغله عن أمور المسلمين.
وأما كونه يستحب له أن يوكل من لا يُعرف أنه وكيله؛ فلأن ذلك نفي للتهمة.
ولأنه وسيلة إلى عدم المحاباة المطلوب شرعاً.
قال: (ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز مالم يشغله عن الحكم).
أما كون القاضي يستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله ذلك عن الحكم؛ فلأن انشغاله بالفصل بين الخصوم ومباشرة الحكم أولى من ذلك.
قال: (وله حضور الولائم.
فإن كثرت تركها كلها.
ولم يجب بعضهم دون بعض).
أما كون القاضي له حضور الولائم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب إلى ذلك.
وأما كونه يترك الولائم كلها إذا كثرت فتشغله عن الحكم ولايجيب البعض دون البعض؛ فلأن الاشتغال بالكل يشغله عن الحكم الذي هو فرض عين، وإجابة البعض دون البعض يؤدي إلى كسر قلب من لم يجيبه.
قال: (ويوصى الوكلاء واللأعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع.
ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أوكهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة).
أما كون القاضي يوصي الوكلاء والأعوان بما ذكر؛ فلأن في ذلك رفقاً بالخصوم، وتنبيهاً للأعوان على الفعل الجميل الائق بمجالس القضاة.
وأماكونه يجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة؛ فلأن في ذلك مصلحة للمسلمين، والحاكم مأمور بالاجتهاد فيها.
قال: (ويتخذ كاتباًمسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه.
ويستجيب أن لا يحكم إلا بحضرة

الشهود، ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته، ويحكم بينهم بعض خلفائه، وقال أبو بكر: يجوز ذلك).
أما كون القاضي يتخذ كاتباً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استكتبَ زيد بن ثابتَ وغيره» 1. ولأن الحاكم يكثر نظره في أمر المسلمين ولا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه.
وأما كون الكاتب مسلماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم﴾ [آل عمران: 118]. وأما كونه مكلفاً؛ فلأن غير المكلف لا يُوثق بقوله ولا يعوّل عليه فهو كالفاسق.
وأما كونه عدلاً؛ فلأن الكتابة موضع أمانة.
وأما كونه حافظاً عالماً؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره.
وأما كونه يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه؛ فلأن في ذلك إعانة على أمره، وأبعد للتهمة، وأمكن لإملائه.
وأما كونه يجعل القمطر مختوماً بين يديه؛ فلأن ذلك أحفظُ له، وأبعد من أن يغيّره مغيّر.

فصل [فيما يبتدئ فيه القاضي] قال المصنف رحمه الله: (وأولُ ما ينظر في أمر المحبسين.
فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم ينادي في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً، فمن له منهم خصم فليحضره، فإذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟ فإن حضر خصمه نظر بينهما، فإن كان حُبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله خلى سبيله.
وإن لم يحضر له خصم وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً، فإن حضر له خصم وإلا حلفه وخلى سبيله).
أما كون القاضي أول ما ينظر في أمر المحبسين؛ فلأن الحبس عذابٌ وربما كان فيه من لا يستحق البقاء فيه.
وأما كونه يبعث ثقة إلى الحبس فيكتبُ اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه.
وأما كون الثقة الذي يبعثه القاضي ينادي بالنداء المذكور؛ فلأن في ذلك إعلاماً بيوم جلوس القاضي.
وأما كون القاضي إذا كان الغد وحضر أحضر رقعة وقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه؟؛ فلأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك.
وأما كونه ينظر بين الخصمين إذا حضرا؛ فلأنه له ذلك.
وأما كونه يخلى سبيل من حبس في تهمةٍ أو افتياتٍ على القاضي قبله؛ فلأن بقائهما في الحبس ظلم.
وأما كونه ينادى ثلاثاً بحال من لم يحضر له خصم في اليوم الذي جلس فيه القاضي وقال: حُبستُ ظلماً ولا حق عليّ ولا خصمَ لي؛ فلأن ذلك طريق إلى استعلام حال المحبوس، وهل هو مستحِقٌ للحبس أم لا؟.

وأما كونه يُحلف من لم يحضر له خصم ويخلي سبيله؛ فلأن الظاهر صدقه إذ لو كان له خصم لحضر.
قال: (ثم ينظرُ في أمر الأيتام والمجانين والوقوف.
ثم في حال القاضي قبله، فإن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً.
وإن كان ممن لا يصلح نَقَضَ أحكامه وإن وافقت الصحيح.
ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها).
أما كون القاضي ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف بعد النظر في أمر المحبسين؛ فلأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة؛ لأن الصبي والمجنون لا قول لهما.
وأرباب الوقوف؛ كالفقراء والمساكين لا يتعيَّنون.
وأما كونه ينظر في حال القاضي قبله فظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا على أن القاضي المتولي يتبع قضايا القاضي قبله؛ لأنه يحتمل أن يكون مصيباً، ويحتمل أن لا يكون مصيباً.
وقال في المغني: ليس عليه ذلك؛ لأن الظاهر صحة قضايا من قبله وصوابُها.
وأنه لا يُولى إلا من هو أهلُ الولاية.
وهذا صحيح لكن في غير قُضاة هذا الزمان.
فعلى هذا يترجح وجوب تتبّعها.
وأما كونه لا ينقض من أحكام من يصلح للقضاء ما لم يخالف ما ذكره؛ فلأنه يؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلاً؛ لأن الحاكم الثالث يخالف الثاني، والرابع يخالف الثالث وهلم جرَّا.
ولذلك أن عمر رضي الله عنه خالف أبا بكر في مسائل، وخالف علي عمر في مسائل، ولم ينقض واحد منهما على الآخر.
وفي الحديث: «أن أهل نجران جاؤوا إلى علي.
فقالوا: يا أمير المؤمنين! كتابكَ بيدكَ وشفاعتُكَ بلسانك.
فقال: ويحكم! إن عمرَ كان رشيدَ الأمر.
ولا أردُ قضاء قضى به عمر» 1. رواه سعيد.

وروي «أن عمر حكم في المشرّكة بإسقاط الأخوة من الأبوين.
ثم شرّك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا» 1. وقضى في الجد بقضايا مختلفة الحال 2. وأما كونه ينقض ما خالف نص كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعاً؛ فلأنه حكم لم يصادف شرطه.
فوجب نقضه.
بيان مخالفة الشرط: أن الشرط الاجتهاد وعدم مخالفة ما ذكر.
ولأنه إذا وجد ذلك فقد فرّط.
فوجب نقض حكمه؛ كما لو حكم بشهادة كافرين.
إذا ثبت هذا فظاهر إطلاق المصنف رحمه الله هنا أن القاضي المتولي ينقض حكم القاضي قبله سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين.
وفي المغني: إن كان الحق لله؛ كالعتاق والطلاق نقضه؛ لأن له النظر في حقوق الله سبحانه، وإن كان يتعلق بحقوق الآدميين لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه؛ لأن الحاكم لا يستوفي حقاً لمن لا ولاية له عليه من غير مطالبة.
وأما كونه ينقض أحكام من لا يصلح للقضاء إذا لم توافق الصحيح؛ فلأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه كلا فضاء؛ لعدم شرط القضاء فيه.
ولأن المانع من نقض حكم الصالح للقضاء نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو مفقود هاهنا؛ لأن الأول ليس باجتهاد بحال.
وأما كونه ينقض أحكامه إذا وافقت الصحيح على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يحتمل أن لا ينقض أحكامه الصواب منها؛ فلعدم الفائدة في ذلك.
وهذا الاحتمال أصح؛ لما ذكر.
ولأن الحق وصل إلى مستحقه.
فلم يجز نقض الحكم به؛ كحكم الصالح للقضاء.

قال: (وإن استعداه أحد على خصم له أحضره.
وعنه: لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً).
أما كون القاضي يحضر من استعدي عليه قبل علمه بمعاملة جرت لعين المستعدي والمستعدى عليه على المذهب؛ فلأن في تركه تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم؛ لأنه قد يكون للمستعدي على المستعدى عليه حق من غصبٍ أو وديعةٍ أو عاريةٍ أو غير ذلك، ولا يُعلم بينهما معاملة.
فإذا لم يُعد عليه سقط حقه.
وأما كونه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلاً على روايةٍ؛ فلأنه مروي عن علي رضي الله عنه.
ولأن في إعداء كل مستعدٍ على مستعدى عليه تبذل أهل المروءات، وإهانة ذوي الهيئات.
وربما استعدى شخص على من لا حق له عليه؛ ليفتدي المدعى عليه نفسه من حضوره وشر خصمه.
والأول أصح؛ لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم.
قال: (وإن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدّعيه فإن قال: لي عليه دَين من معاملةٍ أو رشوةٍ: راسله.
فإن اعترفَ بذلك أمره بالخروج منه.
وإن أنكر وقال: إنما يريد تبذيلي، فإن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإلا فهل يحضره؟ على روايتين).
أما كون القاضي المتولي يسأل المستعدي على القاضي قبله عما يدّعيه؛ فلأن في بعض الأحوال يلزمه إحضار القاضي قبله وفي بعضها لا يلزمه.
فلم يكن بد من السؤال؛ ليتميز الحال من الحال.
وأما كونه يراسله إذا ادعى المستعدي ديناً أو رشوة؛ فلأن الطريق إلى استخلاص حق المستعدي: إما المراسلة أو الإحضار، والإحضار فيه امتهان القاضي وتبذيله، وتطرق أعدائه مع كثرتهم إلى قصد ذلك.
وإذا تعذر الإحضار تعين مراسلته؛ لتعينها إلى استخلاص الحق.
ولم يذكر المصنف رحمه الله في المغني المراسلة إليه بل قال: إن ذكر -يعني المستعدي- أنه يدعي عليه حقاً من دَين أو غصب أعداه عليه كغير القاضي.
والأول أظهر من حيث الدلائل؛ لأنه لا بد من مزية القاضي على غيره.

وأما كونه يأمره بالخروج مما ادعى عليه إذا اعترف به؛ فلأن الحق توجه عليه باعترافه.
وأما كونه يحضره إذا أنكر وعَرفَ المتولي أن لما ادعاه المستعدي أصلاً؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حق المستعدي.
وأما كونه إذا لم يعرف لما ادعاه على القاضي قبله أصلاً هل يحضره؟ على روايتين كغير القاضي؛ فلما تقدم من ذكر ذلك وتعليله فيه.
قال: (وإن قال: حكم عليّ بشهادة فاسقين فأنكر فالقول قوله بغير يمين.
وإن قال الحاكم المعزول: كنتُ حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحقٍ قبل قوله.
ويحتمل أن لا يقبل).
أما كون القول قول القاضي إذا ادُعي عليه أنه حكم بشهادة فاسقين فأنكر فإنه لو لم يقبل قوله في ذلك؛ لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور، وفي ذلك ضرر عظيم.
وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن اليمين للتهمة، والقاضي ليس من أهلها.
وأما كون القول قوله إذا قال بعد عزله: كنتُ حكمتُ لفلان على فلان بحقٍّ على المذهب؛ فلأن عزله لا يمنع من قبول قوله.
بدليل ما لو كتب كتاباً إلى قاضٍ آخر ثم عزل فإنه يلزم الواصل إليه قبوله بعد عزل صاحبه.
ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم.
فوجب قبول قوله؛ كحال الولاية.
وأما كونه يحتمل أن لا يقبل؛ فلأنه في حال ولايته لا يحكم بعلمه فبعد عزله بطريق الأولى.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وإخباره عن حكمه ليس حكماً بعلمه.
بدليل ما لو قال شخص: حكمتَ أن لي حداً على فلان.
فذَكَر الحاكم.
فإن له أن يحكم به.
قال: (وإن ادُعي على امرأة غير برزة لم يحضرها وأمرها بالتوكيل.
وإن وجبت عليها اليمين أرسل إليها من يحلفها).
أما كون القاضي إذا ادعي على امرأةٍ غير بَرْزَة.
وهي: التي لا تبرز لقضاء حوائجها: لا يحضرها؛ فلأن في إحضارها مشقة عليها، وحرجاً وضرراً شديداً.

وقد نبَّهَ الشرع على ذلك حيث قال: «واغدُ يا أنيس إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها» 1. وأما كونه يأمرها بالتوكيل؛ فلأجل فصل الخصومة بينها وبين خصمها.
وأما كونه يرسل إليها من يُحلّفها إذا وجب عليها اليمين؛ فلأن إحضارها غير مشروع، واليمين لا بد منها فتعين ذلك طريقاً لذلك.
قال: (وإن ادعى على غائبٍ عن البلد في موضعٍ لا حاكم فيه كتب إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما.
فإن لم يقبلوا قيل للخصم: حقق ما تدعيه.
ثم يحضره وإن بعُدت المسافة).
أما كون القاضي يكتب لمن ادعى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما؛ فلأن ذلك طريق إلى قطع الخصومة مع عدم المشقة الحاصلة بالإحضار.
وأما كونه إذا لم يقبلوا يقول للخصم المدعي: حقق ما تدعيه ثم يحضر خصمه قربت المسافة أو بعُدت؛ فلأنه لا بد من فصل الخصومة.
فإذا لم يمكن إلا بذلك تعين فعله وإن تضمّن مشقة؛ كما لو امتنع الخصم الحاضر في البلد من الخصومة فإنه يؤدب ويعزر.
فإن قيل: يمكن أن يرسل من يقضي بينهما.
قيل: المشقة الحاصلة بالإرسال أكثر من المشقة الحاصلة بإحضار الخصم.
وعلى تقدير التساوي فالخصم أولى بحمل المشقة؛ لأنه المستعدى عليه.
وفي تقييد الموضع بأنه لا حاكم فيه إشعار بأنه إذا كان فيه حاكم لا يفعل ذلك.
وهو صحيح؛ لأن فصل الخصومة في بلد الخصم يمكنه.
فلم يجز تكلف المشقة مع إمكان الفصل بدونها.
فإن قيل: قد يكون شهوده ببلد القاضي إليه دون بلد الخصم.
قيل: يثبت حقه في موضع شهوده ثم يكتب القاضي كتاباً إلى بلد الخصم.

باب طريق الحكم وصفته

قال المصنف رحمه الله: (إذا جلس إليه خصمان فله أن يقول: من المدعي منكما؟ وله أن يسكت حتى يبتدئا.
فإن سبق أحدهما بالدعوى قدمه.
وإن ادعيا معاً قدم أحدهما بالقرعة.
فإذا انقضت حكومته سمع دعوى الآخر ثم يقول للخصم: ما تقول فيما ادعاه؟.
ويحتمل أن لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك).
أما كون المتحاكم إليه له أن يقول للخصمين: من المدعي منكما؟؛ فلأن ذلك طريق إلى معرفة المدعي من المدعى عليه.
وأما كونه له أن يسكت حتى يبتدئَ المبتدئُ منهما؛ فلأن كلامه يستدعي طالباً له ولم يوجد.
وأما كونه يقدّم السابق بالدعوى؛ فلأنه ترجح جانبه بسبقه.
وأما كونه يقدّم أحدهما بالقرعة إذا تداعيا معاً؛ فلأنها مرجحة عند الازدحام.
بدليل: الإمامة والأذان.
وأما كونه يسمع دعوى الآخر إذا انقضت حكومة السابق؛ فلأن التزاحم قد زال.
وأما كونه يقول للخصم المدعى عليه: ما تقول فيما ادعاه؟ على المذهب؛ فلأن شاهد الحال يدل عليه؛ لأن إحضار الخصم والدعوى عليه إنما يُرادان ليقول الحاكم للمدعى عليه ذلك.
وأما كونه يحتمل أنه لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي: اسأل سؤاله عن ذلك؛ فلأن الخصم لو أقر لم يملك الحاكم الحكم قبل المطالبة به فكذا السؤال.

قال: (فإن أقرّ له لم يحكم له حتى يُطالبه المدعي بالحكم.
وإن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحقُ عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له عليّ: صح الجواب).
أما كون الحاكم لا يحكم على المدعى عليه إذا أقر حتى يُطالبه المدعي بالحكم؛ فلأن الحكم على المدعى عليه حق للمدعي.
فلم يجز استيفاؤه إلا بمسألة مستحقه.
وأما كون جواب المدعى عليه صحيحاً إذا أنكر بنفي عين ما ادعاه المدعي، مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً فيقول المدعى عليه: ما أقرضني ذلك ولا شيئاً منه.
أو يقول: بعته فيقول: ما باعني.
أو ما أشبه ذلك فلا شبهة فيه؛ لنفيه عين ما ادعي عليه.
وأما كونه صحيحاً إذا أنكر بنفي معنى ما ادعاه؛ مثل أن يقول: أقرضته أو بعته فيقول المدعى عليه: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه؛ فلأنه يفيد نفي ما ادعى عليه.
أشبه ما تقدم.
فإن قيل: لو قال: لا حق له عليّ.
قيل: يكون جوابه أيضاً صحيحاً؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم.
فتصير بمنزلة قوله: ما يستحق عليّ ما ادعاه ولا شيئاً منه.
قال: (وللمدعي أن يقول: لي بينة.
وإن لم يقل قال الحاكم: ألك بينة؟.
فإن قال: لي بينة أمره بإحضارها، فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم بها إذا سأله المدعي).
أما كون المدعي له أن يقول: لي بينة؛ فلأن الحق له، والبينة طريق إلى تخليص حقه.
وأما كونه إذا لم يقل ذلك يقول الحاكم له: ألك بينة؟؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي.
فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبَني على أرضٍ لي.
فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليسَ له فيها

حق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
قال: فلك يمينه» 1. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كونه إذا قال: لي بينة يأمره بإحضارها؛ فلأن إحضارها طريق إلى تخليص الحق.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إذا ذكر -يعني المدعي- أن له بينة حاضرة لم يقل له الحاكم: أحضرها؛ لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى.
وطريق الجمع بين نقله هنا وبين نقله في المغني: أن يحمل أمره بالإحضار على الإذن له فيه؛ لأن حمل الأمر على حقيقته ينافيه.
ذكره المصنف رحمه الله في المغني، وينافي الدليل أيضاً.
وأما كونه إذا أحضر بينة يسمعها الحاكم؛ فلأن الإحضار من أجل السماع.
فإن قيل: كيف صفة ما يفعل الحاكم حتى يحصل له السماع؟ قيل: إذا حضرت البينة لا يقول الحاكم لها: قولي ما عندك بل يقول: من كانت عنده شهادة فليذكره إن شاء ما عنده.
وأما كون الحاكم يحكم بالبينة إذا سأله المدعي الحكم ببينته؛ فلأن الغرض من الدعوى وحضور البينة وسماعها: الحكم.
قال: (ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان.
فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه 2 شاهد واحد فله الحكم به.
نص عليه، وقال القاضي: لا يحكم به).
أما كون الحاكم لا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلس حكمه إذا سمعه معه شاهدان؛ فلأن التهمة الموجودة في الحكم بالعلم منتفية هاهنا.

وأما كونه له الحكم به إذا لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد على المنصوص عن الإمام أحمد؛ فلأن الحكم إذاً ليس محض حكمٍ بعلم.
وأما كونه لا يحكم به على قول القاضي؛ فلأنه حكم بعلمه، وذلك لا يجوز؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (وليس له الحكم بعلمه مما رآه أو سمعه.
نص عليه وهو اختيار الأصحاب.
وعنه: ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حدٍ أو غيره).
أما كون الحاكم ليس له الحكم بعلمه على المذهب واختيار الأصحاب؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، ولعل بعضكمْ أن يكونَ ألحنَ بحجتهِ من بعض فأقضي له على نحوِ ما أسمعُ منه» 1. فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم.
وفي حديث الحضرمي والكندي: «شاهداكَ أو يمينه.
ليس لكَ منه إلا ذاك» 2. وأما كونه يجوز له ذلك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي.
قال: خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» 3. فحكم لها من غير بينة ولا إقرار؛ لعلمه بصدقها.
وروى ابن عبدالبر في كتابه: أن عروة ومجاهداً رويا «أن رجلاً من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حداً في موضع كذا وكذا.
فقال عمر: إني لأعلمُ الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان.
فأتاه به.
فقال له عمر: يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان! خذْ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا.
فقال: والله لا أفعل.
فقال: والله! لتفعلن.
فقال: والله لا أفعل.
فعلاه

بالدرّة وقال: خذه لا أمَّ لك وضعه هاهنا ما علمت قد تم.
فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر.
ثم إن عمر استقبل القبلة وقال: الحمدُ لله.
اللهم! لكَ الحمدُ حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام.
فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال: اللهم! لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلتَ في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر».
فحكم بعلمه.
ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين؛ لأنهما يغلبان على الظن.
فلأن يحكم بما تيقنه وتحققه أولى.
وأما كون الحاكم يجوز له الحكم بعلمه سواء كان في حدٍ أو غيره؛ فلأن المصحح للحكم المذكور العلم وهو موجود فيهما.
والرواية الأولى أصح؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فلم يحكم لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإنما أفتاها به بدليل أنه قال ذلك بغير حضور أبي سفيان إذ الحكم على الحاضر في غيبته غير جائز.
وأما حديث عمر فمعارض بما روي عن عمر «أنه تداعى عنده رجلان.
فقال أحدهما: أنت شاهدي.
فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد» 1. وأما قياس اليقين على الظن فلا يصح؛ لقيام الفرق بينهما.
وهو: أن الحكم بعلمه فيه تهمة.
بخلاف الحكم بالشهادة.
قال: (وإن قال المدعي: ما لي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه.
فيعلمه أن له اليمين على خصمه.
فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله.
وإن أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لم يُعتد بيمينه).
أما كون القول فيما ذكر قول المنكر؛ فلأن الأصل براءة ذمته.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال كون المدعي مُحقاً.
وأما كون الحاكم يُعلم المدعي أن له على خصمه اليمين؛ فلأنه موضع حاجة.

جارٍ التحميل