لو اشترك رجلان في استخراج معدن على أن يكون لأحدهما الثلث وللآخر الباقي.
ولأن الماء مستخرج على وجه الشركة.
فوجب اعتبار الشرط فيه.
أشبه الرجلين يشتركان على عمل من الأعمال.
وأما كونهما إذا أرادا قسم ذلك بنصب خشبةٍ أو حجرٍ على الوجه المتقدم يجوز؛ فلأن ذلك طريق إلى وصول حق كل واحدٍ منهما إلى صاحبه.
فجاز؛ كغيره من الطرق.
وأما كون أحدهما إذا أراد أن يسقي بنصيبه أرضاً ليس لها رسمُ شربٍ من النهر المذكور يجوز على الأول؛ فلأن الحق له، وصاحب الحق يتصرف فيه على حسب اختياره وإرادته.
وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأنه إذا سقى الأرض المذكورة ربما توهم مع طول الزمن أن لها حقاً في النهر المذكور.
ولذلك لو كان لشخص دارٌ لها حائط إلى درب غير نافذ لم يكن له أن يفتح فيه صورة باب؛ لأنه ربما استدلّ به على ملك الاستطراق في الدرب، وليس له ذلك.
وأما كون كل واحد من الشريكين ينتفع بالماء على قدر حاجته بناء على قولنا: الماء لا يملك؛ فلأنه إذا لم يملك يكون من المباحات، والمباحُ ينتفع به كل محتاجٍ على قدر حاجته.
فصل [في قسمة الإجبار]
قال المصنف رحمه الله: (النوع الثاني: قسمة الإجبار وهي: ما لا ضرر فيها ولا رد عوض؛ كالأرض الواسعة، والقرى، والبساتين، والدور الكبار، والدكاكين الواسعة، والمكيلات والموزونات 1 من جنس واحدٍ.
سواء كان مما مسّته النارُ؛ كالدبسِ وخلِ التمر، أو لم تمسه؛ كخل العنب والأدهان والألبان.
فإذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أُجبر عليه).
أما كون النوع الثاني قسمة الإجبار؛ فلأنه يلي الأول وهو قسمة التراضي.
وأما كونها هي ما لا ضرر فيها ولا رد عوضٍ؛ فلأن الضرر منتفي بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضَررَ ولا إضرار» 2. ورد العوض منفي بأن القسمة تصير معه معاوضة، والمعاوضة لا يجبر عليها فلا تكون القسمة فيه قسمة إجبار.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالأرض الواسعة... إلى قوله: من جنسٍ واحدٍ؛ فبيان لصور تكون القسمة فيها قسمة إجبار.
وأما كون ذلك سواء كان مما مسّته النار أو لم تمسه النار؛ فلأن الغرض تمييز الحق، وذلك لا يختلف بالنسبة ما ذكر.
وأما كون من أبى من القسم المذكور يجبر عليه؛ فلأن ذلك يتضمن إزالة الضرر الحاصل بالشركة وحصول النفع للشريكين؛ لأن نصيب كل واحدٍ منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغرس والبناء فيه، وذلك لا يمكن مع الاشتراك.
قال: (وهذه القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً.
فيجوز قسم الوقف.
وإذا كان نصف العقار طلقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته.
وتجوز قسمة الثمار خرصاً وقسمة ما يُكال وزناً وما يوزن كيلاً والتفرق في قسمة ذلك قبل القبض.
وإذا حلف لا يبيع فقسم له لم يحنث.
وحكي عن أبي عبدالله بن بطة ما يدل على أنها كالبيع فلا يجوز فيها ذلك).
أما كون هذه القسمة والمراد بها قسمة الإجبار إفراز حق أحد الشريكين من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً؛ فلأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخل فيها الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر.
والبيع بخلاف ذلك.
ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها.
فلم تكن بيعاً؛ كسائر العقود.
فعلى هذا يترتب على ذلك أمور:
أحدها: أنه يجوز قسم الوقف؛ لأن تمييز الوقف جائز.
وثانيها: أنه إذا كان نصف العقار طلقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته أيضاً؛ لأنه إذا جازت قسمة الوقف المحض.
فلأن تجوز قسمة ما بعضه طلقٌ وبعضه وقف بطريق الأولى.
وثالثها: أنه تجوز قسمة المكيل وزناً والموزون كيلاً؛ لأن الغرض التمييز لا البيع.
ورابعها: أنه يجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون قبل القبض؛ لأن التفرق إنما منع منه في بيع ذلك قبل قبضه والتقدير: أن القسمة إفراز.
وخامسها: أنه إذا حلف حالفٌ أنه لا يبيع فقسم لم يحنث؛ لأن ذلك ليس ببيع.
وأما كونها كالبيع في روايةٍ؛ فلأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من القسم الآخر.
وهذا حقيقة البيع.
فعلى هذا لا يجوز قسمة الوقف ولا ما بعضه وقفٌ؛ لأن بيع الوقف لا يجوز.
ولا قسمة المكيل وزناً ولا الموزون كيلاً؛ لأن بيع المكيل لا يجوز وزناً وبيع الموزون لا يجوز كيلاً.
ولا يجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون قبل القبض؛ لأن التفرق في بيع ذلك قبل قبضه غير جائز.
وإن حلف لا يبيع فقسم حنث؛ لأن القسمة بيع.
قال: (وإن كان بينهما أرضٌ بعضها يُسقى سيحاً وبعضها بعْلاً، أو في بعضها نحل وفي بعضها شجر فطلب أحدهما قسم كل عينٍ على حدةٍ وطلب الآخر قسمها أعياناً بالقيمة قُسمت كل عين على حدةٍ إذا أمكن).
أما كون كل عين تقسم على حدة فيما ذكر؛ فلأن قسم كل عين على حدةٍ أقرب إلى التعديل، وقد أمكن فتعين إجابة طالبه.
ولأن الحامل على القسمة زوال الشركة وهو حاصل فيما ذكر فتعينت إجابة طالبه؛ لأن ضرر صاحبه يزول بإجابته.
وأما كونها لا تقسم كل عين على حدةٍ إذا لم يمكن؛ فلعدم الإمكان.
فعلى هذا يقسم المجموع إن كان قابلاً للقسمة، وإلا فلا.
فصل [في نصب القاسم]
قال المصنف رحمه الله: (ويجوز للشركاء أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم.
وإن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم.
ومن شرط من ينصب: أن يكون عدلاً عارفاً بالقسمة فمتى عدلت السهام وأخرجت القرعة لزمت القسمة.
ويحتمل أن لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك).
أما كون الشركاء يجوز لهم أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم؛ فلأن الحق لهم لا يعدوهم.
وأما كونهم يجوز لهم أن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم؛ فلأن طلبة ذلك حق لهم.
فجاز أن يسألوه الحاكم؛ كغيره من الحقوق.
وأما كون من شرط من ينصب أن يكون عدلاً؛ فلأنه نائب الحاكم أو كنائبه.
وأما كون من شرطه أن يكون عارفاً بالقسم؛ فلأنه لا يتمكن من فعلها بطريق الحق إلا بذلك.
فإن قيل: الشرطان المذكوران مشروطان فيمن نصبه الشريكان أم فيمن نصبه الشريكان ونصبه الحاكم.
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا عوده إليهما.
وقال في المغني: من شرط قاسم الحاكم العدالة، ومعرفة الحساب والقسمة.
وإن نصبا -يعني الشريكين- قاسماً بينهما فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة، وإن كان كافراً أو فاسقاً لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها.
ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه.
وظاهره أنه يجوز للشريكين نصب من ليس بعدل لكن لا تكون قسمته لازمة إذا أخرجت القرعة.
وأما كون القسمة تلزم إذا أخرجت القرعة بعد تعديل السهام وكانت قسمة إجبار؛ فلأن قرعة قاسم الحاكم كحكم الحاكم.
بدليل أنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق.
فوجب أن تلزم قرعته.
وأما كونها تلزم إذا كانت قسمة تراض وليست فيما فيه رد؛ فلأن قاسمهم كرجل حكموه بينهم، ولو حكموا رجلاً بينهم لزم حكمه.
فكذلك إذا رضوا بقسمته.
وأما كونها تلزم إذا كانت قسمة تراضٍ وكان فيما فيه رد على المذهب؛ فلأن القاسم كالمحكم، وقرعته كحكمه.
وأما كونها يحتمل أن لا تلزم فيها؛ فلأنها بيع، والبيع لا يلزم إلا بالتراضي.
فإن قيل: فلم جيء بالقرعة؟
قيل: جيء بها لتميز البائع من المشتري.
قال: (وإذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين.
وإن خلت من تقويم أجزأ قاسم واحد).
أما كون القسمة لا يجوز فيها أقل من قاسمين فيما فيها تقويم؛ فلأن ما فيه تقويم يفتقر إلى التقويم، والتقويم لا يصح إلا من اثنين.
وأما كون قاسم واحد يجزئ إذا خلت من تقويم؛ فلأن المحوج إلى القاسمين هو التقويم، وهو مفقود هاهنا.
ولأن القاسم بدل عن الحاكم، والحاكم يكون واحداً فكذلك القاسم.
قال: (وإذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه، وذكر في كتاب القسمة: أن قسمه بمجرد دعواهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم.
وإن لم يتفقوا على طلب القسمة لم يقسمه).
أما كون الحاكم يقسم ما ذكر؛ فلأن اليد دليل الملك ولا مُنازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر.
فوجب أن يشارك ثبوت الملك في القسمة.
وأما كونه يذكر القصة في كتاب القسمة؛ فلئلا يتوهم الحاكم بعده أن القسمة وقعت بعد ثبوت ملكهم فيؤدي ذلك إلى ضرر من يدعي في العين حقاً.
وأما كونه لا يقسمه إذا لم يتفق الشركاء على طلب القسمة؛ فلأن الإشاعة حق لكل واحد منهم فإذا لم يرض بعضهم ولم يثبت ما يوجب القسمة لم يجز التصرف في حقه بغير رضاه.
فصل [في كيفية القسمة]
قال المصنف رحمه الله: (ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إن كانت متساوية، وبالقيمة إن كانت مختلفة، وبالرد إن كانت تقتضيه، ثم يقرع بينهم، فمن خرج له سهم صار له.
وكيف ما أقرع جاز؛ إلا أن الأحوط أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة ثم يدرجها في بنادق شمعٍ أو طينٍ متساوية القدر والوزن، وتطرح في حجر من لم يحضر ذلك ويقال له: اخرج بندقة على هذا السهم فمن خرج اسمه كان له، ثم الثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية.
وإن كتب اسم كل سهم في رقعة وقال: اخرج بندقة باسم فلان وأخرج الثانية باسم الثاني والثالثة للثالث جاز).
أما كون القاسم يعدل السهام؛ فلأن ضد ذلك جور وذلك غير جائز.
وأما كونه يعدلها بما ذكر؛ فلأنها تارة تكون متساوية الأجزاء، وتارة مختلفة، وتارة تقتضي الرد.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: مثال الأول: أرض، قيمة جميع أجزائها متساوية فهذه تعدل سهامها بالأجزاء؛ لأنه يلزم من التساوي بالأجزاء التساوي بالقيمة.
ومثال الثاني: أرض، أحد جوانبها يساوي مثلي الآخر فهذه تعدل بالقيمة؛ لأنه لما تعذر التعديل بالأجزاء لم يبق إلا التعديل بالقيمة.
ضرورة أن قسمة الإجبار لا تخلو من أحدهما.
ومثال الثالث وهو ما يقتضي الرد: أرض، قيمتها مائة فيها شجر أو بئر تساوي مائتين فإذا جعلت الأرض بينهما كانت الثلث ودعت الضرورة إلى أن يجعل مع الأرض خمسون يردها من خرجت له الشجر أو البئر على من خرجت له الأرض ليكونا نصفين متساويين.
وأما كون القاسم يقرع بين الشركاء بعد ذلك؛ فلأن الشرع ورد بها؛ لتمييز الحال في غير القسمة.
والإبهام حاصل هاهنا فتعين فعله؛ لإزالة الإبهام الحاصل قياساً لبعض موارد الشرع على بعض.
وأما كونه كيف ما أقرع يجوز؛ فلأن الغرض التمييز وذلك حاصل.
فعلى هذا يجوز أن يقرع بخواتيم وحصباً وغير ذلك.
وأما كون الأحوط أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة؛ فلأنه طريق للتمييز.
وأما كونه يدرج الرقاع في بنادق شمعٍ أو طينٍ متساوية القدر والوزن؛ فلئلا يعلم بعضها من بعض.
وأما كونها تطرح في حجر من لم يحضر ذلك؛ فلأنه أنفى للتهمة.
وأما كونه يقال له: اخرج بندقة على هذا السهم؛ فليعلم من له ذلك.
وأما كون من خرج اسمه كان السهم له؛ فلأن اسمه خرج عليه وتميز سهمه به.
وأما كون السهم الثاني كالأول في القول المذكور وفي كونه لمن خرج اسمه عليه؛ فلأنه كالأول معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون السهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية؛ فلأنه تعين له؛ لزوال الإبهام.
وأما كون القاسم إذا كتب اسم كل سهم في رقعة وقال ما ذكر... إلى آخره يجوز؛ فلأن الغرض يحصل بذلك.
قال: (وإن كانت السهام مختلفة كثلاثة: لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللآخر السدس فإنه يُجَزِّئها ستة أجزاء، ويخرج الأسماء على السهام لا غير فيكتب باسم صاحب النصف ثلاثاً، وباسم صاحب الثلث اثنين، وباسم صاحب السدس واحدة، ويخرج بندقة على السهم الأول، فإن خرج اسم صاحب النصف أخذه والثاني والثالث.
وإن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني ثم يقرع بين الآخرين والباقي للثالث).
أما كون القاسم يُجَزِّئ الأرض المذكورة ستة أجزاء؛ فلأن السهام مختلفة.
فلم يكن بد من تجزئها بحسب أقل الشركاء نصيباً وذلك السدس، وعلى هذا فقس.
فلو كانت الأرض بين ثلاثة لأحدهم النصف، وللآخر الربع 1، وللآخر الثمن: جزأها ثمانية أجزاء.
وأما كونه يخرج السهام على الأسماء لا غير؛ فلأن إخراج السهام على الأسماء لا يمكن؛ لاحتمال أن يخرج اسم من ليس له السهام المذكورة.
وأما كونه يكتب كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الرقاع تكون بحسب التجزئة ست فالرقاع ست.
وأما كونه يخرج بندقة على السهم الأول؛ فليعلم لمن هو.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب النصف عليه أخذه؛ فلما تقدم فيما إذا كانت السهام متساوية.
وأما كونه يأخذ الثاني والثالث؛ فلينضم نصيبه بعضه إلى بعض.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه إذا خرج اسم صاحب السدس أخذه وحده؛ فلأنه لا شيء له غيره.
وأما كون القاسم يقرع بين الآخرين؛ فلأن الإبهام بالنسبة إليهما باق.
وأما كون اسم صاحب النصف إذا خرج أخذ الثاني والثالث والرابع، والباقي لصاحب الثلث.
وإن خرج اسم صاحب الثلث أخذ الثاني والثالث، والباقي لصاحب النصف؛ فلما تقدم ذكره.
فصل [إذا ادعى بعضهم غلطا في القسمة]
قال المصنف رحمه الله: (فإن ادعى بعضهم غلطاً فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به لم يُلتفت إليه.
وإن كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة، وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وإن كان فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضا بعد القرعة لم تسمع دعواه، وإلا فهو كقاسم الحاكم).
أما كون مدعي الغلط لا يلتفت إليه فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به؛ فلأنه رضي بالقسمة الواقعة وبالزيادة في نصيب شريكه وأشهد عليه بذلك.
وأما كونه عليه البينة فيما قسمه قاسم الحاكم؛ فلأنه مدعٍ فيدخل في قوله عليه السلام: «البينةُ على المدعِي» 1. فإن أقام المدعي بينة بالغلط نقضت القسمة؛ لأنه بيَّن أنها وقعت على غير وجهها المعتبر، وإن لم يقم بينة بذلك فالقول قول المنكر؛ لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة.
وأما كونه لا تسمع دعواه فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما يعتبر فيه الرضا بعد القرعة كقسمة فيها رد؛ فلأنه رضي بالقسمة.
وأما كونه في ذلك كقاسم الحاكم إذا لم يكن كذلك؛ فلأنه بمنزلته.
فعلى هذا إن أقام بينة بالغلط سمعت وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه.
قال: (وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين بطلت.
وإن كان شائعاً فيهما فهل تبطل القسمة؟ على وجهين).
أما كون القسمة تبطل إذا استحق من حصة أحد المتقاسمين شيء معين؛ فلأنه تبيَّن أن أحد المتقاسمين لم يأخذ حقه.
وأما كونها تبطل إذا كان المستحق شائعاً فيهما على وجه؛ فلأن الثالث شريكهما، وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه.
وأما كونها لا تبطل على وجه؛ فلأنه يمكن بقاء حقه في يديهما جميعاً مع بقائهما فيما عدا ذلك على ما كانا عليه.
قال: (وإذا اقتسما دارين قسمة تراضٍ فبنى أحدهما في نصيبه ثم خرجت الدار مستحقة ونُقض بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه.
وإن خرج في نصيب أحدهما عيبٌ فله فسخ القسمة).
أما كون من ذكر يرجع بنصف قيمة بنائه؛ فلأن هذه القسمة بمنزلة البيع فكأنه باعه نصف الدار، ولو باعه الدار جميعها رجع عليه بالبناء كله فإذا باعه نصفها وجب أن يرجع عليه بنصف البناء.
وأما كون من خرج في نصيبه عيبٌ له فسخ القسمة؛ فلأن في العيب نقصاً عن قدر حقه الخارج له.
فوجب أن يتمكن من فسخ القسمة؛ استدراكاً لما فاته؛ كما لو اشترى شيئاً فظهر معيباً.
قال: (وإن اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين، فإن قلنا: هي إفراز حق لم تبطل القسمة.
وإن قلنا: هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين).
أما كون القسمة لا تبطل بما ذكر إذا قيل: القسمة إفراز حق؛ فلأن الدين يتعلق بالعقار بعد القسمة.
فلم يقع ضرر في حق أحد.
وأما كون ذلك ينبني على بيع التركة قبل قضاء الدين إذا قيل: هي بيع؛ فظاهر.
وأما كون بيع التركة قبل قضاء الدين يجوز على وجه؛ فلأن العبد الجاني يتعلق برقبته حق المجني عليه ويتمكن مالكه من بيعه فكذلك الورثة.
وأما كونه لا يجوز على وجه؛ فلأن تعلق الدين بالعين يمنع التصرف فيها.
دليله: ما لو كانت مرهونة.
فعلى هذا إن قيل بجوازه يوفي الدينَ الورثةُ استقر ذلك وإلا فسخ وبيعت العين في الدين.
وإن قيل بعدم جوازه بطل، بيعاً كان أو قسمة.
قال: (وإن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة.
ويجوز للأب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه).
أما كون القسمة تبطل إذا حصل الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر؛ فلأن الانتفاع بأحد النصيبين لا يمكن؛ لتعذر الانتفاع به من غير منفذ.
وأما كون الأب والوصي يجوز لهما قسم مال المولى عليه مع شريكه؛ فلأن القسمة إما بيع أو إفراز، وكلاهما يجوز للأب والوصي فعله.
باب الدعاوي والبينات
الدعوى في اللغة: إضافة الإنسان الشيء إلى نفسه ملكاً أو استحقاقاً أو صفة أو نحو ذلك.
وفي الشرع: إضافته إلى نفسه استحقاقَ شيء في يد غيره، أو في ذمته.
وقيل: الدعوى الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدَّعون﴾ [يس: 57].
أي يطلبون.
والأصل في الدعوى في الجملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماءَ قوم وأموالَهم.
ولكن اليمين على المدعى عليه» 1. رواه مسلم.
وفي الحديث: «البينةُ على المدعِي.
واليمينُ على المدعَى عليه» «2).
قال المصنف رحمه الله: (المدعي من إذا سكتَ تُرك، والمنكر من إذا سكتَ لم يُترك.
ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف).
أما كون المدعي والمنكر ما ذكر؛ فلأن المدعي طالب والمنكر مطلوب، والطالب إذا سكت ترك والمطلوب إذا سكت لم يترك.
وقال بعض أصحابنا: المدعي من يلتمس أخذ شيء من يد غيره أو إثبات حق في ذمته والمدعى عليه من ينكر ذلك.
وأما كون كل واحد من الدعوى والإنكار لا يصح إلا من جائز التصرف؛ فلأن كل واحد منهما قول يترتب عليه حكم شرعي.
فلم يصح من غير جائز التصرف؛ كالبيع.2
قال: (وإذا تداعيا عيناً لم تخل من أقسام ثلاثة:
أحدها: أن تكون في يد أحدهما فهي له مع يمينه أنها له لا حق للآخر فيها إذا لم يكن بينة).
أما كون التداعي المذكور لا يخلو من أقسام ثلاثة؛ فلأن العين مع التداعي لا تخلو من أن تكون في يد أحدهما، أو في يديهما، أو في يد غيرهما.
وأما كون أحدها: أن تكون في يد أحدهما؛ فظاهر.
وأما كونها لمن هي في يده مع يمينه إذا لم يكن بينة؛ فلأن اليد دليل الملك ظاهراً.
وإنما اشترطت يمينه أنها له لا حق للآخر فيها؛ لأن من ليست في يده يحتمل أن تكون العين له فشرعت اليمين في حق صاحبه من أجل الاحتمال المذكور.
وإنما اشترط عدم البينة؛ لأن البينة إذا كانت أظهرت الحق فلم يحتج معها إلى يمين.
قال: (ولو تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل، والآخر آخذ بزمامها فهي للأول.
وإن تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه).
أما كون الدابة للراكب أو لمن عليها حمل دون الآخذ بالزمام؛ فلأن تصرف كل واحد منهما في العين أقوى من تصرف الآخذ بالزمام، ويده آكد؛ لأنه المستوفي للمنفعة.
وأما كون القميص للابسه دون الآخذ بكمه؛ فلأن اللابس مع الآخذ بالكم أحسن حالاً من الراكب مع الآخذ بالزمام، والراكب أولى من الآخذ بالزمام فكذا ما هو أحسن حالاً منه.
قال: (وإن تنازع صاحب الدار والخياط الإبرة والمقص فهما للخياط.
وإن تنازع هو والقرّاب القربة فهي للقرّاب.
وإن تنازعا عرَصَة فيها شجرٌ أو بناءٌ لأحدهما فهي له).
أما كون الإبرة والمقص للخياط دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلأن تصرف الخياط في ذلك أظهر، والظاهر معه؛ لأن العادة جارية بحمل الخياط الإبرة والمقص.
وأما كون القربة للقرّاب دون صاحب الدار فيما ذكر؛ فلما ذكر في الخياط.
وأما كون العرصَة التي فيها شجر أو بناء لأحدهما لمن له ذلك؛ فلأن ذلك دليل الملك ظاهراً.
قال: (وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما وحده أو متصلاً به اتصالاً لا يمكن إحداثه، أو له عليه أزج: فهو له.
وإن كان محلولاً من بنائهما أو معقوداً بهما فهو بينهما).
أما كون الحائط المعقود ببناء أحد المتنازعين 1.
[قال: (وإن اختلف صانعان في قماش دكان لهما حكم بآلة: كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي.
وقال القاضي: إن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك.
وإن كانت من طريق المشاهدة فهو بينهما على كل حال)] 2.
أما كون كل آلة كل صناعة يحكم بها لصاحبها في ظاهر كلام من ذكر؛ فلأن الظاهر أنها له.
ولأن الآلة بالنسبة إلى الصانع كالقماش الصالح للرجل بالنسبة إليه والصالح للرجل للرجل.
فكذا يجب أن يكون الصالح للصانع له.
وأما كون ذلك كذلك إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم على قول القاضي؛ فلما ذكر.
وأما كونه بينهما إذا كانت أيديهما عليه من طريق المشاهدة؛ فلأن المشاهدة أقوى من اليد الحكمية.
بدليل: لو تنازع الخياط وصاحب الدار الإبرة والمقص.
فإن قيل: قول القاضي يجري في مسألة الزوجين أم هو مختص بمسألة الصانعين؟.
قيل: هو عام فيهما، وصرح به المصنف رحمه الله في المغني في مسألة الزوجين.
قال: (وكل من قلنا هو له فهو له مع يمينه إذا لم تكن بينة.
وإن كانت لأحدهما بينة حُكم له بها).
أما كون اليمين على من حُكم له بشيء مما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن لا يكون ذلك له فشُرعت اليمين من أجل ذلك.
وأما كون من كانت له بينة يُحكم له بها؛ فلأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يقتضي كون الحكم له دون غيره.
قال: (وإن كان لكل واحدٍ منهما بينة حُكم بها للمدعي في ظاهر المذهب.
وعنه: إن شهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه أو قطيعة من الإمام قدمت بينته، وإلا فهي للمدعي ببينته.
قال القاضي فيهما: إذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يُحكم بها رواية واحدة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنها مقدمة بكل حال).
أما كون العين يحكم بها للمدعي في ظاهر المذهب إذا كان لكل واحدٍ من المتنازعين بينة وكانت العين في يد أحدهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» 1. جعل النبي صلى الله عليه وسلم جنس البينات في جنبة المدعي فلا تبقى في جنبة المنكر بينة.
ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها.
ودليل كثرة فائدتها أنها تُثبت شيئاً لم يكن، وبينة المنكر إنما تُثبت ظاهراً دلت اليدُ عليه.
وأما كون المدعى عليه تقدم بينته إذا شهدت بالسبب من نتاج أو غيره كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن البينة إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده
اليد، وقد روى جابر بن عبدالله «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابةٍ أو بعير فأقام كل واحدٍ منهما البينة أنها له أنتجها.
فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها للذي في يده» 1.
وأما كون بينة الداخل لا يُحكم بها رواية واحدة إذا لم يكن معها ترجيح على قول القاضي؛ فلأن بينة الخارج أقوى منها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مستندها اليد.
بخلاف بينة الداخل.
وأما كون بينة الداخل مقدمة بكل حال في روايةٍ قالها أبو الخطاب؛ فلأن جنبته أقوى من جنبة الخارج.
بدليل: أن يمينه تُقدم على يمينه.
قال: (فإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج، وأقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل فقال القاضي: تقدم بينة الداخل، وقيل: تقدم بينة الخارج).
أما كون بينة الداخل تقدم على قول القاضي؛ فلأنه هو الخارج في المعنى؛ لأنه ثبت بالبينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه.
وأما كون بينة الخارج تقدم على قول؛ فلأنه المدعي، وفي الحديث: «البينةُ على المدعِي» 2.
ولأن اليمين في حق الداخل فتكون البينة في حق الخارج.
فصل [إذا كانت العين في يديهما]
قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: أن تكون العين في يديهما، فيتحالفان، وتُقسم بينهما).
أما كون القسم الثاني ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون من العين في يديهما يتحالفان.
وهو: أن يحلف كل واحدٍ منهما لصاحبه؛ فلأن كل واحدٍ منهما منكرٌ ما ادعاه صاحبه واليمين على من أنكر.
وأما كون العين تقسم بينهما أي نصفين؛ فلأن يد كل واحدٍ منهما على نصف العين، وما وُجد ما يقتضي رفعَ ذلك.
فوجب إقراره في يده.
قال: (وإن تنازعا مُسَنَّاةً بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا، وهي بينهما).
أما كون من تنازعا ما ذكر يتحالفان كما تقدم؛ فلما تقدم.
وأما كون المُسَنَّاة وهي الحاجز بين النهر والأرض بين صاحب النهر وصاحب الأرض؛ فلأنها حاجز بين ملكيهما ويديهما عليها.
فكانت لهما؛ كما لو تنازع صاحب العلو وصاحب السفل السقف الذي بينهما.
قال: (وإن تنازعا صبياً في يديهما فكذلك.
وإن كان مميزاً فقال: إني حر فهو حر، إلا أن تقوم بينة برقّه.
ويحتمل أن يكون كالطفل).
أما كون الصبي الذي في يد المتنازعين فيه بينهما؛ فلأن اليد دليل الملك، والصبي لا عبارة له فهو كالبهيمة والمتاع.
وأما كونه حراً إذا كان مميزاً وقال: إني حر ولم تقم بينة برقّه على المذهب؛ فلأنه مُعرِبٌ عن نفسه في قوله: إني حر المعتضد بالأصل.
فوجب أن يقبل قوله؛ كالبالغ.
وأما كونه يحتمل أن يكون كالطفل؛ فلأنه صغير ادعى رقّه من هو في يده.
أشبه ما لو كان طفلاً.
فعلى هذا إن لم يكن لأحد المتنازعين بينة فهو بينهما لثبوت يدهما عليه، وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها؛ لأن البينة تُظهر صاحب الحق، وذلك يعلق حقه بالعين المتنازع فيها.
قال: (فإن كان لكل واحدٍ بينةٌ قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن وقتت إحداهما 1 وأطلقت الأخرى فهما سواء.
ويحتمل تقديم المطلِقة).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً تقدّم؛ فلأنها أثبتت الملك لصاحبها في وقتٍ لم تُعارضها فيه البينة الأخرى، وذلك يقتضي ثبوت الملك له في ذلك الزمان، وفي الزمان الثاني تعارضت فيه البينتان وسقطتا.
فوجب بقاء الملك الثابت في الزمان الأول إلى حال التنازع.
فعلى هذا إذا شهدت بينة أحدهما أن العين له منذ سنتين وشهدت بينة الآخر أنها له منذ سنة فهي لمن شهدت بينته أنها له منذ سنتين.
إذا علم ذلك فقال المصنف رحمه الله في المغني في تقديم أقدمهما تاريخاً: قال القاضي: هو قياس المذهب.
ثم قال: وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما؛ لأن الشاهد بالملك الحادث أولى؛ لجواز أن يعلم به دون الأول فإذا لم ترجح بهذا فلا أقل من التساوي.
وأجاب عن ثبوت الملك في الزمن الأول بأن ذلك إنما يثبت تبعاً للزمن الحاصل.
بدليل: أنه لو انفردت الدعوى بالزمن الماضي لم تسمع.
وأما كون البينتين سواء إذا وقتت إحداهما وأطلقت الأخرى على المذهب؛ فلأنه ليس في المطلقة ما يقتضي التقدم.
فوجب استواؤهما؛ كما لو أطلقتا جميعاً.
وأما كون المطلقة يحتمل تقديمها؛ فلأن الملك فيها يجوز أن يكون ثابتاً قبل المؤقتة فيكون مقدماً عليها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والاحتمال المذكور معارض بمثله؛ لأنه يجوز أن تكون الموقتة قبل المطلقة، وإذا تساويا في الاحتمال المذكور وجب استواؤهما.
قال: (وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بالملك والنتاج، أو سبب من أسباب الملك فهل تقدم بذلك؟ على وجهين).
أما كون بينة النتاج أو السبب تقدم بذلك على وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة على الأخرى.
وأما كونها لا تقدم بذلك على وجه؛ فلأنهما اشتركا في إثبات أصل الملك وفي اليد.
فوجب استواؤهما لذلك.
قال: (ولا تقدم إحداهما بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة، ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ويقدم الشاهدان على الشاهد، واليمين في أحد الوجهين).
أما كون إحدى البينتين لا تقدم بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة، وكون الرجلين لا يقدمان على الرجل والمرأتين؛ فلأن الشرع قدر الشهادة بمقدار معلوم وبالعدالة وبالرجل والمرأتين.
فلم يختلف ذلك بالزيادة؛ كالدية.
وأما كون الشاهدان يقدمان على الشاهد واليمين في وجه؛ فلأنهما متفق عليهما والشاهد واليمين مختلف فيه، والمتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ولأن اليمين قوله لنفسه والبينة الكاملة شهادة الأجنبي له.
فيجب تقديمها عليه؛ كما تقدم بينة المدعي على يمين المنكر.
وأما كونهما لا يقدمان عليهما في وجه؛ فلأنهما حجتان.
أشبهتا البينتين.
قال: (وإذا تساوتا تعارضتا، وقسمت العين بينهما بغير يمين.
وعنه: أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما.
وعنه: أنه يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وأخذها).
أما كون البينتين تتعارضان إذا تساوتا؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون العين تقسم بين المتنازعين نصفين على المذهب؛ فلما روي «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما شاهدين فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالبعير بينهما نصفين» 1. رواه أبو داود.
وأما كون ذلك بغير يمين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف أحداً في الحديث المتقدم ذكره.
ولأنه قد تقرر أن بينة الخارج متقدمة، وكل واحدٍ من المتنازعين داخل في نصف خارج في نصف.
فتقدم بينته في النصف الذي في يد صاحبه ولا يحتاج إلى يمين، وتقدم بينة صاحبه في النصف الآخر.
وأما كون المتنازعين يتحالفان على روايةٍ؛ فلأن البينتين لما تعارضتا من غير ترجيح وجب إسقاطهما؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما؛ لتنافيهما.
ولا ترجيح إحداهما؛ لأنه ترجيحٌ لا لمرجحٍ، وإذا سقطتا وجب أن يتحالفا كمن لا بينة لهما.
وأما كونهما يقرع بينهما على روايةٍ؛ فلأن القرعة مشروعة في موضع الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون من قرع صاحبه يحلف؛ فلأن العين يحتمل أنها لصاحبها.
وأما كونه يأخذ العين؛ فلأن ذلك فائدة القرعة.
والأول أصح؛ للحديث المتقدم ذكره.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيدٍ لم تُسمع البينة على ذلك حتى يقول: وهي ملكه وتشهد البينة به).
أما كون البينة على ذلك لا تُسمع حتى يقول المدعي: وهي ملكه وتشهد البينة له بذلك: أما الأول؛ فلأن مجرد الشراء لا يوجب نقل الملك لجواز أن يقع مع غير مالك.
فلم يكن بد من انضمام الملك للبائع.
ولأن مجرد الشراء لو أفاد لتمكن من أراد انتزاع ملكٍ من يد شخص من ذلك بأن يوافق شخصاً لا ملك له على إيقاع الشراء على الملك الذي في يد ذلك الشخص وينزعه منه، وذلك ضرر عظيم.
وأما الثاني؛ فلأن سماع البينة الشاهدة بشيء متوقف على شهادتهما بذلك.
قال: (فإن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه، وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وأقاما بذلك بينتين: تعارضتا.
وإن أقام أحدهما
بينة أنها ملكه وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه أو وقفها عليه أو أعتقه: قدمت بينته).
أما كون البينتين في المسألة الأولى تتعارضان؛ فلأنهما استويا في السبب وثبوت الملك، وذلك يوجب التعارض؛ كالحديثين المتنافيين من كل وجه.
وأما كون بينة الشراء والوقف والعتق في المسألة الثانية تقدم؛ فلأنها شهدت بما يوجب نقل ملك صاحبه وذلك مرجح على غيره.
قال: (ولو أقام رجلٌ بينةً أن هذه الدار لأبي خلفها تركة، وأقامت امرأته بينة أن أباهُ أصدقَها إياها فهي للمرأة).
أما كون الدار المذكورة للمرأة فيما ذكر؛ فلأن بينتها شهدت بالسبب المقتضي للنقل عمن شهدت البينة الأخرى أنها له.
وأما كون بينة الابن بأنها تركة لا تُعارضها وإن نافتها؛ فلأن قولها: تركة مستندها فيه الاستصحاب وقد تيقن قطعه بقيام البينة على سبب النقل.
فصل [إذا تداعيا عينا في يد غيرهما]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما، فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها).
أما كون القسم الثالث ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون من تداعيا ما ذكر يقرع بينهما؛ فلما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بينة.
فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين» 1.
ولأن أحدهما لا مزية له.
أشبه ما لو أعتق أحد عبديه، وما لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته.
وأما كون من خرجت له القرعة يحلف ويأخذها؛ فلما تقدم فيما إذا تساوت البينتان.
وقيل: بالقرعة فيها 2.
قال: (وإن كان المدعي عبداً فأقر لأحدهما لم يرجح بإقراره.
وإن كان لأحدهما بينة حُكم له بها.
وإن كان لكل واحدٍ بينة تعارضتا والحكمُ على ما تقدم).
أما كون إقرار العبد فيما ذكر لا يرجح به؛ فلأنه متهم؛ لأنه يحتمل أن يميل إلى من أقر له دون الآخر.
وأما كون العين يحكم بها لمن له بينة دون من ليس له بينة؛ فلأن بينته أظهرت أنه هو المستحق للعين المالك لها.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا كان لكل واحدٍ منهما بينة؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى هذا يكون هنا روايتان:
إحداهما: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة قياساً على ما إذا لم تكن بينة.
والثانية: تقسم العين بينهما نصفين؛ لما روى أبو موسى الأشعري «أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقامَ كل واحدٍ منهما بينة أنه له.
فقضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين» 1.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وحديث أبي موسى محمول على ما إذا كانت العين في يد المنازعين.
ولذلك جاء في بعض الألفاظ: «ولا بينةَ لهما» 2.
قال: (فإن أقرّ صاحب اليد لأحدهما لم يرجح بذلك).
أما كون من ذكر لا يرجح به؛ فبالقياس على إقرار العبد لأحد المدعيين.
وأما الحكم فيما ذكر مما علم أن المنقول في المغني والهداية وغيرهما من الكتب أن المقر له يصير بالإقرار صاحب يدٍ؛ لأن المقر بإقراره له تبين أن يده مبنية على يد المقر له، ويلزم من ذلك صيرورة المقر له صاحب يد.
ولفظ المصنف رحمه الله في المغني بعد أن ذكر المسألة: فإن أقر بها لواحدٍ منهما أم لواحد غيرهما صار المقر له صاحب اليد ويكون حكمه كالحكم فيما إذا تداعيا عيناً في يد أحدهما على ما مضى وذلك يقتضي ترجيح قوله.
قال: (وإن ادّعاها صاحب اليد لنفسه فقال القاضي: يحلفُ لكل واحدٍ منهما وهي له.
وقال أبو بكر: بل يقرع بين المدعيين، ويكون لمن تخرج له القرعة).
أما كون صاحب اليد يحلف لكل واحدٍ من المدعيين على قول القاضي؛ فلأنهما وإن تعارضت بينتاهما ليسا بأقل ممن لا بينة لهما، وهناك يحلف صاحب اليد؛ لاحتمال صدق المدعيين.
فلأن يحلف هنا بطريق الأولى.
وأما كون العين لصاحب اليد على ذلك؛ فلأن المدعيين تعارضت بينتاهما وصارا كمن لا بينة له، ولو لم تكن لهما بينة لحكم بالعين لصاحب اليد بعد حلفه فكذا هاهنا.
وأما كونه يقرع بين المدعيين على قول أبي بكر؛ فلأن بينتهما أظهرت أنهما هما المستحقان، وأنه لا حق لصاحب اليد، وذلك يقتضي كون العين لأحدهما.
فإذا لم يُعرف شرعت القرعة كغير ذلك من المواضع.
فعلى هذا تكون العين لمن خرجت له القرعة؛ لأن فائدتها ذلك.
قال: (وإن كان في يد رجل عبد فادعى أنه اشتراه من زيد، وادعى العبد أن زيداً أعتقه، وأقام كل واحدٍ بينة انبنى على بينة الداخل والخارج.
وإن كان العبد في يد زيد فالحكم فيه الحكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما).
أما كون بينة المشتري والعبد تنبني على بينة الداخل والخارج؛ فلأن المشتري داخل؛ لأن يده على العبد، والعبد خارج؛ لأنه ليست له يد.
فعلى هذا إن قدمت بينة الخارج قدمت بينة العبد وإن قدمت بينة الداخل قدمت بينة المشتري.
ولا بد أن يلحظ أن بينتي المشتري والعبد كانتا مؤرختين تاريخاً واحداً، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة ونقول: هما سواء.
وإن كانتا مؤرختين تاريخاً مختلفاً قدمت الأولة؛ لأنها أسبق.
ومتى سبق العتق لم يصح البيع وبالعكس.
وأما كون الحكم في العبد إذا كان في يد سيده حكم ما إذا ادعيا عيناً في يد غيرهما؛ فلأن العبد عين وهو في يد غير المتنازعين.
فعلى هذا يرجع إلى قول زيد فإن أنكرهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر.
وإن أقر لأحدهما قُبل إقراره وحلف للآخر.
وإن أقام أحدهما بينة حُكم بها.
وإن أقام كل واحدٍ بينة قُدمت السابقة؛ لما تقدم ذكره، فإن كانتا في وقتٍ أو مطلقتين أو إحداهما وقيل: هما سواء تعارضتا.
فإن قيل: بتساقطهما صارا كمن لا بينة لهما.
وإن قيل: يُقرع بينهما أقرع بين المشتري والعبد فمن خرجت له القرعة حلف وحكم له.
وإن قيل: تقسم العين جعل نصف العبد مبيعاً ونصفه حراً ويسري العتق إلى جميعه إن كان البائع موسراً؛ لأن البينة قامت عليه بأنه أعتقه مختاراً وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما.
قال: (وإن كان في يده عبدٌ فادعى عليه رجلان كل واحد منهم أنه اشتراه مني بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحدٍ منهما.
وإن أنكرهما حلف لهما وبرئ.
وإن صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر.
وإن كان لأحدهما بينة فله الثمن، ويحلف للآخر.
وإن أقام كل واحدٍ بينة فأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو إطلاقهما أو إطلاق إحداهما وتاريخ الأخرى عمل بهما.
وإن اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم).
أما كون من العبد في يده يلزمه الثمن لكل واحدٍ من المدعيين إذا صدقهما؛ فلأنه يجوز أنه اشتراه من أحدهما ثم ملكه الآخر فاشتراه منه.
وأما كونه يحلف لهما إذا أنكرهما؛ فلأن من أنكر وجبت عليه اليمين.
وأما كونه يبرأ؛ فلأن كل مدعى عليه بلا بينة إذا حلف برئ.
وأما كونه يلزمه ما ادعى أحدهما إذا صدقه؛ فلتوافقهما على صحة دعواه.
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر.
وأما كون الثمن لمن له بينة؛ فلأن البينة مقدمة على الإنكار، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينةُ على المدعِي» 1.
وأما كونه يحلف للآخر؛ فلأنه منكر فيدخل في قوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكر» 2.
وأما كون البينتين يعمل بهما إذا أمكن صدقهما؛ فلأن البينة حجة شرعية.
فإذا أمكن صدقها من الجانبين وجب العمل بهما؛ كالخبرين إذا أمكن العمل بهما.
فعلى هذا لإمكان العمل بهما صور:
إحداها: أن يختلف تاريخهما؛ مثل: أن تشهد إحداهما أنه اشتراه من زيد في المحرم، وتشهد الأخرى أنه اشتراه من عمرو في صفر؛ لأنه يمكن أن يكون قد اشتراه من زيد في الوقت المذكور ثم ملكه لعمرو ثم اشتراه في الوقت الآخر.
فإن قيل: لم قيل بأن البائع لو كان واحداً والمشتري لو كان اثنين فأقام أحدهما بينة أنه اشتراه في المحرم وأقام الآخر بينة أنه اشتراه في صفر يكون الشراء الثاني باطلاً؟
قيل: لأنه إذا ثبت الملك للأول بالشراء لم يبطل ببيع البائع ثانياً، وفي المسألة المذكورة ثبوت شرائه من كل واحدٍ منهما يبطل ملكه؛ لأنه لا يجوز أن يشتري ثانياً ملك نفسه.
وثانيها: أن تكون البينتان مطلقتين؛ لأنه يمكن أن يكون زمن إحداهما غير زمن الأولى.
وثالثها: أن تكون إحدى البينتين مطلقة والأخرى مؤرخة؛ لأنه يمكن في ذلك أيضاً اختلاف زمن الشراء.
أشبه المطلقتين.
وأما كونهما تتعارضان إذا اتفق تاريخهما؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.
وأما كون الحكم على ما تقدم؛ فلأنه في معناه.
فعلى القول بالتساقط يصير المدعيان كمن لا بينة لهما.
فعلى هذا لا يلزمه المدعى عليه شيء من الثمن، وعلى القول بالقرعة يقرع بين المدعيين فمن خرج له القرعة لزم المدعى عليه الثمن له، وعلى القول بقسمة المدعى بينهما يلزم المدعى عليه الثمن ويكون مشتركاً بينهما.
قال: (وإن ادعى كل واحدٍ منهما أنه باعني إياه بألفٍ وأقاما بينة قدّم أسبقهما تاريخاً، فإن لم تسبق إحداهما تعارضتا).
أما كون أسبق البينتين تاريخاً فيما ذكر تقدم؛ فلأن نقل الملك حاصل لمن سبق.
فوقوع العقد بعد ذلك لا يصح.
وأما كونهما تتعارضان إذا لم تسبق إحداهما الأخرى؛ فلأنهما تساويا، والتساوي يوجب التعارض.
قال: (وإن قال أحدهما: غصبني إياه، وقال الآخر: ملكنيه أو أقر لي به، وأقام كل واحدٍ بينة: فهو للمغصوب منه، ولا يغرم للآخر شيئاً).
أما كون العبد للمغصوب منه دون المملك والمقر له؛ فلأنه لا تعارض بين بينتيهما؛ لأن الجمع بينهما ممكن بأن يكون قد غصب العبد من مدعيه ثم ملكه أو أقر به لمدعي ذلك.
وأما كون المشهود عليه لا يغرم للمقر له شيئاً؛ فلأنه لم يحل بينه وبين ما أقر به.
وإنما حالت البينة بينهما.
باب في تعارض البينتين
قال المصنف رحمه الله: (إذا قال لعبده: متى قُتلتُ فأنتَ حر، فادعى أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم.
وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه فهل تقدم بينة العبد فيعتق أو يتعارضان ويبقى على الرق؟ فيه وجهان).
أما كون القول قول الورثة مع عدم البينة؛ فلأن العبد يدعي شيئاً يوجب عتقه، والورثة تنكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما كون بينة العبد تقدم إذا أقام كل واحد منهما بينة في وجه؛ فلأنها شهدت بزيادة، وهو كون الموت قتلاً.
فعلى هذا يعتق؛ لأن هذا فائدة تقديم بينته.
وأما كونهما يتعارضان في وجه؛ فلأن كل واحدةٍ تشهد بضد ما شهدت الأخرى.
فعلى هذا يبقى العبد رقيقاً؛ لأنه لم يثبت عتقه.
قال: (وإن قال: إن متُّ في المحرم فسالم حر.
وإن مت في صفر فغانم حر، فأقام كل واحدٍ منهما بينة بموجب عتقه قدمت بينة سالم.
وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر.
وإن برئتُ فغانم حر فأقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق ذكره أصحابنا.
والقياس: أن يَعتق أحدهما بالقرعة.
ويحتمل أن يَعتق غانم وحده؛ لأن بينته تشهد بزيادة).
أما كون بينة سالم تقدم فيما إذا قال: إن مت في المحرم؛ فلأن معها زيادة علم.
وأما كون البينتين تتعارضان ويبقى العبدان على الرق في مسألة: إن مت في مرضي على ما ذكره أصحابنا؛ فلأن كل واحدةٍ منهما تكذب الأخرى وتثبت زيادة تنفيها الأخرى.
وأما كون القياس: أن يَعتق أحد العبدين بالقرعة؛ فلأن أحدهما استحق العتق ولا يعلم عينه فشُرعت القرعة بينهما؛ كما لو أعتق أحد عبديه.
وأما كونه يحتمل أن يعتق غانم وحده؛ فلأن بينته شهدت بزيادة قد تخفى على بينة سالم؛ لأنه يحتمل أن بينة سالم بالموت من المرض بناء على الاستصحاب.
قال: (وإن أتلف ثوباً فشهدت بينة أن قيمته عشرون، وشهدت أخرى أن قيمته ثلاثون: لزمه أقل القيمتين).
أما كون من أتلف ما ذكر يلزمه أقل القيمتين المشهود بهما؛ فلأنه متيقن.
وأما كونه لا يلزمه أكثرهما؛ فلأن بينة الأقل ربما اطلعت على ما يوجب التنقيص المذكور فتكون شاهدة بزيادة خفيت على بينة الأكثر فتكون مقدمة عليها.
قال: (ولو ماتت امرأة وابنُها فقال زوجها: ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته ثم ماتت فورثناها ولا بينة حلف كل واحدٍ منهما على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين.
وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا.
وقياس مسائل الغرقَى أن يُجعل للأخ سدس مال الابن والباقي للزوج).
أما كون كل واحدٍ من المتنازعين يحلف على إبطال دعوى الآخر؛ فلأن دعوى كل واحدٍ محتملة وصاحبه ينكر ذلك فتجب اليمين؛ لقوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكَر» 1.
وأما كون ميراث الابن لأبيه خاصة مع عدم قيام بينة لأحدهما؛ فلأن سبب استحقاقه جناية وهي موجودة، وبقاء من يشاركها بعد الموت مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك.
وأما كون ميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين مع عدم البينة؛ فلأن بقاء الابن بعد أمه مشكوك.
فصارت الميتة بمنزلة ميتة لها زوج وأخ لا غير.
فإن قيل: قد أعطي الزوج النصف وهو لا يدعي إلا الربع.
قيل: بل هو مدعٍ له كله؛ لأنه يقول: أخذتُ ربعه بالميراث من المرأة وثلاثة أرباعه صار إلى ابني ثم صار إليّ.
وأما كون البينتين تتعارضان إذا أقامها كل واحدٍ منهما؛ فلأن ذلك تساويا، وذلك يوجب تعارضهما.
وأما كونهما يسقطان؛ فلأنه لما لم يمكن العمل بهما وجب تساقطهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون قياس مسائل الغرقى: أن يُجعل سدس مال الابن للأخ والباقي للزوج؛ فلأنه يقدر أن المرأة ماتت أولاً فيكون ميراثها لابنها وزوجها، ثم مات الابن فورث الزوج كل ما في يده فصار ميراثها كله لزوجها، ثم يقدر الابن مات أولاً فلأمه الثلث والباقي لأبيه، ثم ماتت أمه وفي يديها الثلث فكان بين أخيها وزوجها نصفين لكل واحدٍ منهما السدس.
فصل [في صور من تعارض البينتين]
قال المصنف رحمه الله: (إذا شهدت بينة على ميتٍ أنه أوصى بعتق سالم وهو ثُلث ماله، وشهدت أخرى أنه أوصى بعتق غانم وهو ثُلث ماله أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة عَتق دون صاحبه؛ إلا أن تجز الورثة.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يَعتق من كل واحدٍ نصفه بغير قرعة).
أما كون سالم وغانم يُقرع بينهما إذا لم تُجز الورثة على المذهب؛ فلأنه لم تترجح بينة أحدهما على الأخرى، والقرعة مرجحة.
دليله: الإمامة والأذان.
وأما كون من تقع له القرعة يَعتق دون صاحبه؛ فلأن فائدة القرعة ذلك.
ولأن القرعة ترجحه.
فيصير بمنزلة من بينته راجحة على بينة غيره.
وأما كون نصف كل واحدٍ منهما يَعتق بغير قرعة على قول أبي بكر وابن أبي موسى؛ فلأن القسمة أقرب إلى الصواب؛ لأن القرعة قد ترقّ السابق وهو مستحق.
فإذا قسم العتق حصل له حرية نصفه.
والأول أقيس في المذهب؛ لأن الميت لو أعتق عبيداً لا مال له غيرهم في مرض موته أو وصى بعتقهم كُمّل العتق في بعضهم بالقرعة.
ولو أعتق عبداً من عبيده أخرج بالقرعة.
وما ذكر من حرية نصف السابق معارض بإرقاق نصف الحر يقيناً، وعتق نصف الرقيق يقيناً، وهو أعظم ضرراً.
قال: (وإن شهدت بينة غانم أنه قد رجع عن عِتق سالم عَتق غانم وحده سواء كانت وارثة أو لم تكن).
أما كون غانم يَعتق وحده؛ فلأن وصيته وصية بعتقٍ لم يتصل بها رجوع.
بخلاف سالم فإنه وإن وجد في حقه وصية بعتقٍ لكنه اتصل بها رجوع.
وأما كون ذلك كذلك سواء كانت البينة وارثة أو لم تكن؛ فلأن الوارثة إذا كانت هي الشاهدة بالرجوع لا تُتّهم؛ لاستواء قيمة العبدين المشهود بالوصية بعتقهما.
فإن قيل: شهادة الوارثة تثبت ولاء غانم لنفسها.
قيل: وتسقط ولاء سالم.
على أن الولاء إنما هو إثبات سبب الميراث، ومثل ذلك لا تُرد به الشهادة.
بدليل: شهادة الأخ لأخيه فإنها جائزة ويجوز أن يرثه.
قال: (وإن كانت قيمة غانمٍ سدس المال وبيّنته أجنبية قُبلت.
وإن كانت وارثةً عَتق العبدان.
وقال أبو بكر: يحتمل أن يُقرع بينهما، فإن خرجت القرعة لسالم عَتق وحده.
وإن خرجت لغانمٍ عَتق هو ونصف سالم).
أما كون بينة غانم تقبل إذا كانت أجنبية؛ فلأنها غير متهمة.
فعلى هذا لا يعتق سالم؛ لشهادة البينة الأجنبية بالرجوع عن الوصية بعتقه، ويعتق غانم؛ لشهادة البينة بالوصية بعتقه السالمة عن الرجوع.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كانت وارثةً على المذهب: أما سالم؛ فلشهادة البينة الأجنبية بالوصية بعتقه.
وأما غانم؛ فلإقرار الورثة بعتقه مع أنه أقل من ثلث الباقي.
وأما كونهما يحتمل أن يقرع بينهما على قول أبي بكر؛ فلأن التهمة في حق الورثة إنما هي في الرجوع فتبطل الشهادة بها، ويبقى أصل العتق لغانم، فاحتيج إلى القرعة؛ لتميز المستحق من غيره.
فعلى هذا إذا أخرجت القرعة تضرب.
فإن خرجت لسالم عَتق وحده؛ لأنه كمال الثلث، وإن خرجت لغانم عَتق؛ لأنه أقل من الثلث، ويُعتق نصف سالم؛ لأن الثلث لا تكمل إلا بذلك.
قال: (وإن شهدت بينة أنه أعتق سالماً في مرضه، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانمٍ وكل واحدٍ منهما ثلث المال عَتق سالم وحده.
وإن شهدت بينةُ غانمٍ أنه أعتقه في مرضه أيضاً عَتق أقدمهما تاريخاً، فإن جُهلَ السابق عَتق أحدهما بالقرعة).
أما كون سالم يعتق في المسألة الأولى؛ فلأنه معتق في مرضه وغانم موصى بعتقه، وعطايا المريض مقدمة على وصاياه؛ لرجحانها بنفس الإيقاع.
وأما كون من بينته أقدم تاريخاً يعتق؛ فلأن كل واحدٍ من العبدين معتق في المرض، وعطايا المريض يقدم فيها الأقدم فالأقدم.
وأما كون أحدهما يعتق بالقرعة إذا جُهل السابق؛ مثل: أن تكون البينتين مطلقتين أو إحداهما؛ فلأن البينتين تساوتا فاحتيج إلى التمييز، والترجيح حاصل بالقرعة.
قال: (فإن كانت بينة أحدهما وارثةً ولم تكذب الأجنبية فكذلك.
وإن قالت: ما أعتق سالماً إنما أعتق غانماً عَتق غانماً كله، وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بيّنته في أنه يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه، أو خرجت له القرعة وإلا فلا).
أما كون حكم إذا كانت بينة أحد العبدين وارثةً ولم تكذب الأجنبية كما تقدم في أنه يَعتق الأقدم تاريخاً مع العلم به، وأحدهما بالقرعة مع الجهل به؛ فلأن الوارثة غير متهمة ولا مكذبة فهي بمثابة بينة الأجنبي، ولو كانت البينتان أجنبيتين لكان الأمر كذلك فكذلك إذا كانت إحداهما وارثة.
وأما كون غانم يَعتق كله إذا كذبت الوارثة الأجنبية؛ فلإقرار الورثة بعتقه.
وأما كون سالم يَعتق إن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإلا فلا؛ فلأن طعن الوارثة في الأجنبية غير مقبول؛ لأن الأجنبية مثبتة والوارثة نافية، وقول المثبت مقدم على النافي.
وإذا لم يقبل الطعن صار طعنها كلا طعن، ولو لم تطعن الوارثة في الأجنبية لكان الحكم كما ذكر فكذلك فيما هو بمنزلته.
قال: (وإن كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم عَتق سالم كله.
وينظرُ في غانم فإن كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له عَتق كله.
وإن كان
متأخراً أو خرجت القرعة لسالم لم يَعتق منه شيء.
وقال القاضي: يَعتق من غانم نصفه.
وإن كذبت بينة سالم عتق العبدان).
أما كون سالم يعتق كله إذا كانت الوارثة فاسقةً ولم تطعن في بينة سالم؛ فلأن البينة شهدت بعتقه ولم يوجد ما يعارضها.
وأما كون غانم يعتق كله إذا كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له؛ فلإقرار الورثة أنه هو المستحق للعتق.
وأما كونه لا يَعتق منه شيء إذا كان تاريخ عتقه متأخراً أو خرجت القرعة لسالم على قول غير القاضي؛ فلأنه قد ثبت عتق سالم لشهادة بينةٍ عادلةٍ، وعتق غانم بإقرار الورثة.
فصار كما لو كانت البينتان عادلتين سواء إلا في أن حرية سالم لا تنتقض بشهادة الوارث؛ لأنه إقرار ليس بشهادة صحيحة.
وأما كونه يَعتق منه نصفه على قول القاضي؛ فلأنه مقر بعتقه مع ثبوت عتق الآخر بالبينة.
فصار بالنسبة إليه كأنه أعتق العبدين وعتقه موجب للتوزيع عليهما.
فكذلك بالنسبة إلى غانم.
وأما كون العبدين يعتقان إذا كذبت الوارثة بينة سالم؛ مثل أن تقول: ما أعتق سالماً وإنما أعتق غانماً؛ فلأن سالماً مشهود بعتقه وغانماً مقرٌ له بأنه لا مُستحق للعتق سواه.
فصل [إذا اختلفا في دين مورثهما]
قال المصنف رحمه الله: (إذا مات رجل وخلّف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه فإن عُرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه.
وإن لم يُعرف فالميراث للكافر؛ لأن المسلم لا يُقر ولدَهُ على الكفر في دار الإسلام.
وإن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم تقم به بينة فالميراث بينهما.
ويحتمل أن يكون للمسلم؛ لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه.
وقال القاضي: القياس أن يُقرع بينهما.
ويحتمل أن يقف الأمرُ حتى يظهرَ أصلُ دينه).
أما كون القول قول من يدعي الدين الذي عُرف أنه أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر يعضده.
وأما كون الميراث للكافر إذا لم يُعرف أصل دين الأب؛ فلأن الظاهر أن الأب كان كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أُقر ولده على الكفر في دار الإسلام.
وأما كونه بينهما إذا لم يعرف المسلم بأن الكافر أخوه ولم تقم بينة على الأول؛ فلأنهما سواء في اليد والدعوى.
أشبه ما لو تداعيا عيناً في أيديهما.
وأما كونه يحتمل أن يكون للمسلم؛ فلأن حكم الميت حكم المسلمين في الغسل والصلاة والدفن وغير ذلك.
وأما كون القياس أن يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأن القرعة تُزيل الإبهام، وهو موجود هاهنا.
وأما كون الأمر يحتمل أن يقف حتى يظهرَ أصلُ دينه؛ فلأنه لا يُعلم المستحق إلا بذلك.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله فيها: أن غاية الإيقاف ظهور دين الميت فقط.
وقال أبو الخطاب في هدايته: حتى يظهرَ أصلُ دينه أو يصطلحا.
وهو صحيح فيجب أن يحمل كلام المصنف رحمه الله عليه.
قال: (وإن أقام كل واحدٍ منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا.
وإن قال شاهدان: نعرفه مسلماً، وقال شاهدان: نعرفه كافراً، فالميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم).
أما كون البينتين تتعارضان إذا شهدت بينة كل واحدٍ منهما أنه مات على دينه؛ فلأنهما تساوتا، وذلك يوجب التعارض.
وأما كون الميراث للمسلم إذا لم يُؤرخ الشهود معرفتهم؛ فلأنه يمكن العمل بهما بأن تعرفه بينة تدعي الكفر ثم تعرفه بينة تدعي الإسلام بالإسلام.
فإن قيل: كما يجوز ما ذكر يجوز العكس.
قيل: إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن الأمر لو كان كذلك لما أُقر على كفره لأنه مرتد.
قال: (وإن خلّف أبوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الأبوين.
ويحتمل أن القول قول الابنين).
أما كون القول قول الأبوين على الأول؛ فلأن كونهما كافرين بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل بلوغه محكوم له بدين أبويه.
وأما كونه يحتمل أن القول قول الابنين؛ فلأن ظاهر الدار انقطاع حكم التبعية في الكفر؛ للبلوغ.
قال صاحب النهاية فيها مزيفاً للتبطيل المذكور: حكم الدار إنما يعتبر فيمن لا يعرف نسبه؛ كالمنبوذ.
قال: (وإن خلّف ابناً كافراً وأخاً وامرأة مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابن على قول الخرقي.
وقال القاضي: يُقرع بينهما.
وقال أبو بكر: قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع، ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين).
أما كون القول قول الابن على قول الخرقي؛ فلأن الظاهر كون الأب كافراً؛ لأنه لو كان مسلماً لما أقرّ ولده على الكفر في دار الإسلام.
وأما كونهما يُقرع بينهما على قول القاضي؛ فلأنها مشروعة في الإبهام وهو موجود هاهنا.
وأما كون قياس المذهب أن تُعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين على قول أبي بكر: أما الأول؛ فلأن الكافر لا يحجب الزوجة.
وأما الثاني؛ فلأنهما استويا في الدعوى.
فعلى هذا تصح المسألة من ثمانية.
قال: (ولو مات مسلم وخلّف ولدين مسلماً وكافراً فأسلم الكافر وقال: أسلمتُ قبل موت أبي وقال أخوه: بل بعده، فلا ميراث له.
فإن قال: أسلمتُ في المحرم ومات أبي في صفر وقال أخوه: بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه).
أما كون القائل المذكور لا ميراث له في المسألة الأولى؛ فلأنه يدعي الإسلام قبل موت أبيه المسلم وأخوه يُنكره، والقول قول المنكر.
وأما كونه له الميراث مع أخيه في المسألة الثانية؛ فلأن الأصل بقاء الأب إلى صفر فيكون الابن المدعي الإسلام في المحرم مسلماً قبل موت الأب.
فيكون شريك أخيه.