قال: (وإن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو سمناً أو كشكاً أو مصلاً أو جبناً: لم يحنث.
وإن حلف على الزبد أو السمن فأكل لبناً لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً... إلى جبناً لا يحنث؛ لأن ذلك كله لا يسمى لبناً.
فوجب أن لا يحنث؛ لعدم المخالفة.
وأما كون من حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى زبداً ولا سمناً.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن لم يظهر فيه الزبد لم يحنث، وإن ظهر حنث؛ لأن ظهور الشيء كوجوده.
قال: (وإن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر؛ كالجوز واللوز والتمر والرمان حنث.
وإن أكل البطيخ حنث.
ويحتمل أن لا يحنث.
ولا يحنث بأكل القثاء والخيار).
أما كون من حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كما مثل المصنف رحمه الله يحنث؛ فلأن ذلك يسمى فاكهة عُرفاً وشرعاً.
فإن قيل: ينبغي أن لا يحنث بأكل النخل والرمان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: 68] والمعطوف يغاير المعطوف عليه.
قيل: عطفهما؛ لزيادة فضلهما لا لخروجهما من المعطوف عليه.
ونظيره قوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: 98] وهما من الملائكة.
وأما كونه إذا أكل البطيخ يحنث وإن كان ليس له ساق؛ فلأنه ينضج ويحلو.
فوجب كونه كثمر الشجر.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ثمرة بقلة.
أشبه القثاء والخيار.
وأما كونه لا يحنث بأكل القثاء والخيار؛ فلأنه لا يسمى فاكهة ولا هو في معنى الفاكهة.
فوجب أن لا يحنث بأكله؛ لعدم المخالفة لفظاً ومعنى.
قال: (وإن حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً حنث.
وإن أكل تمراً أو بسراً، أو حلف لا يأكل تمراً فأكل رُطباً أو دِبْساً أو ناطِفاً لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً يحنث؛ فلأن المذنب ما أُرطب بعضه فيكون آكله آكلاً رطباً وتمراً.
فوجب أن يحنث؛ كما لو أكل نصف رطبة ونصف تمرة منفردتين.
وأما كونه إذا أكل تمراً أو بسراً لا يحنث؛ فلأن ذلك لا يسمى رطباً.
وأما كون من حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً أو دبساً أو ناطفاً لا يحنث؛ فلأن ذلك كله لا يسمى تمراً.
قال: (وإن حلف لا يأكل أُدماً حنث بأكل البيض والشواء والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يُصطبَغُ به.
وفي التمر وجهان).
أما كون من حلف لا يأكل أدماً يحنث بأكل البيض... إلى قوله: وسائر ما يصطبغ به؛ فلأن العادة جارية بالتأدُّم بذلك كله.
وأما كونه يحنث بأكل التمر في وجه؛ فلأنه أُدم لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضعَ تمرة على كسرة وقال: هذهِ أُدم» 1. رواه أبو داود.
وأما كونه لا يحنث به في وجه؛ فلأنه لا يُؤدَمُ به عادة إنما يؤكل قُوتاً أو حلاوة.
قال: (وإن حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً: حنث).
أما كون من حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً يحنث؛ فلأنه ليس شيئاً حقيقة وعُرفاً.
وأما كونه يحنث إذا لبس خفاً؛ فلأن الخف مما يلبَسُ عادة، وفي الحديث: «أن النجاشي أهدَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خُفين فلبسهُما» 2.
وأما كونه يحنث إذا لبس نعلاً؛ فلأنه مما يلبس عادة.
وقيل لابن عمر: «إنكَ تلبسُ هذه النعال.
قال: إني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها» 1.
قال: (وإن حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث.
وإن لبس عقيقاً أو سَبَجاً لم يحنث.
وإن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين).
أما كون من حلف لا يلبس حُلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر يحنث؛ فلأن ذلك كله حلي.
قال الله تعالى: ﴿يُحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾ [فاطر: 33]، وقال: ﴿وتستخرجوا منه حلية﴾ [النحل: 14]، وفي الحديث أن ابن عمر قال: «قال الله تعالى للبحر الشرقي: إني عاجل فيك الحلية والصيد والطيب».
وأما كونه لا يحنث إذا لبس عقيقاً أو سبجاً؛ فلأن ذلك ليس بحلي عُرفاً فكذا يجب أن يكون شرعاً.
وأما كونه لا يحنث إذا لبس الدراهم والدنانير في مرسلة على وجه؛ فلأن العادة أنه لا يحلى بذلك.
قال: (وإن حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره، فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره، أو فعل ذلك فيما استأجره فلان: حنث.
وإن ركب دابة استعارها لم يحنث.
وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث).
أما كون من حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره يحنث إذا ركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره؛ فلأن ذلك كله ملك لسيده فالفاعل لذلك بمنزلة من فعل ذلك في ملك فلان نفسه.
وأما كونه يحنث إذا فعل ذلك فيما استأجره؛ فلأن الدار تضاف إلى ساكنها إذا أضافها إلى مالكها.
قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ [الطلاق: 1].
والمراد بيوت أزواجهن.
ولأن الإضافة هنا للاختصاص، ولذلك يُضاف الرجل إلى أخيه بالأخوَّة، وإلى ابنه بالبنوَّة، وإلى أبيه بالأبوَّة، وإلى زوجته بالزوجيَّة.
وأما كونه لا يحنث إذا ركب دابة استعارها؛ فلأن فلاناً لا يملك منافع الدابة المستعارة.
قال المصنف رحمه الله في المغني: إذا قال: لا دخلت مسكن زيد تعلقت يمينه بالدار التي سكنها سواء كانت مملوكة أو مستأجرة.
وأما كون من حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جُعلت برسمه يحنث؛ فلأنه مختص بها حينئذ.
أشبه الدار المستأجرة.
قال: (وإن حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها حنث.
وإن دخل طاقَ الباب احتمل وجهين).
أما كون من حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها يحنث؛ فلأنه من الدار وحكمُه حكمُها.
بدليل صحة 1 الاعتكاف فيه ومنع الجنب من اللبث فيه.
فوجب أن يحنث إذا دخله؛ كما لو دخل الدار نفسها.
وأما كونه إذا دخل طاقَ الباب لا يحنث في وجه؛ فلأنه إذا أغلق الباب حصل خارجاً منها ولا يُسمى داخلاً فيها، وهذا أصح؛ لما ذكر.
قاله المصنف في المغني.
قال: (وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان.
وإن زجره فقال: تنح أو اسكت حنث.
وإن حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً حنث).
أما كون من حلف لا يكلم إنساناً يحنث بكلام كل إنسان؛ فلأن النكرة في سياق النفي تعم، وإذا كان اللفظ عاماً دخل تحته كل إنسان، وذلك يوجب الحنث؛ لأنه خالف ما عليه.
وأما كونه يحنث إذا زجره فقال: تنح أو اسكت؛ فلأن ذلك كلام فيدخل تحت ما حلف على عدمه.
وأما كونه يحنث إذا حلف لا يبتدئه بكلام فتكلما معاً؛ فلأنه قصد البداءة بكلامهِ، وكلامُ صاحبه وقعَ معه اتفاقاً، وإذا كان كذلك وجب الحنث.
قال: (وإن حلف لا يكلمه حيناً فذلك ستة أشهر نص عليه.
وإن قال: زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً رجع إلى أقل ما يتناوله اللفظ.
وإن قال: عمُراً احتمل ذلك، واحتمل أن يكون أربعين عاماً، وقال القاضي: هذه الألفاظ كلها مثل: الحين إلا بعيداً أو ملياً فإنه على أكثر من شهر.
وإن قال: الأبد والدهر فذلك على الزمان كله).
أما كون حين ستة أشهر؛ فلأن الحين المطلق من كلام الحالف يحمل على الحين المطلق من كلام الله، والحين المطلق من كلام الله يراد به ذلك.
فيجب أن يحمل كلام الحالف عليه.
فإن قيل: حين يطلق ويراد به السنة؛ كقوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: 25]، ويطلق ويراد به يوم القيامة؛ كقوله تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: 88]، ويطلق ويراد به ساعة ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم: 17].
ويقال في العرف: أتيتك مذ حين وإن كنت قد أتيته من ساعة، ويطلق ويراد به مدة طويلة؛ كقوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: 54].
قيل: لا نزاع في صحة الإطلاق وإرادة جميع ما ذكر لكن الكلام في الإطلاق الخالي عن الإرادة، وغالب ما يُستعمل في ستة أشهر.
فوجب حمل الكلام عليه؛ لغلبته.
وأما قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كلَّ حين﴾ [إبراهيم: 25] فقال عكرمة وسعيد ابن جبير وأبو عبيدة: هو ستة أشهر.
وأما كون زمناً ودهراً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلأن ما زاد عليه مشكوك في إرادته والأصل عدمه.
وأما كونهما مثل الحين على قول القاضي؛ فلمشاركتهما له في المعنى.
وأما كون بعيداً أو ملياً يرجع فيهما إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".
وأما كونهما أكثر من شهر على قوله 1.
وأما كون عُمُر يحتمل فيه ذلك أي أنه يرجع فيه إلى أقل ما يتناوله اللفظ على قول غير القاضي؛ فلما ذكر في " حين ".
وأما كونه يحتمل أن يكون أربعين عاماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لبثت فيكم عُمُراً﴾ [يونس: 16].
وفسر بأربعين عاماً.
وأما كونه مثل الحين على قوله؛ فلما ذكر فيه.
وأما كون الأبد والدهر على الزمان كله؛ فلأن الألف واللام للاستغراق وذلك يوجب دخول الزمان كله.
قال: (والحُقب ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر عند القاضي، وعند أبي الخطاب: ثلاثة؛ كالأشهر والأيام ثلاثة.
وإن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث).
أما كون الحُقب بضم الحاء ثمانين سنة؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس.
وقال الجوهري في كتابه المسمى بالصحاح: الحُقْب بالضم ثمانون سنة.
وأما كون الشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾ [التوبة: 36].
وأما كونها ثلاثة كالأشهر عند أبي الخطاب؛ فلأن فعولاً تستعمل ويراد به أفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] وإذا استعمل في كل واحد منهما كان الأقل متيقناً والأكثر مشكوكاً فيه، ومتى دار الأمر بين متيقن ومشكوك فيه كان حمل اللفظ على المتيقن متعيناً.
ولأن الأصل براءة ذمته.
تُرك العمل به في الأقل؛ لتيقنه.
فيبقى فيما عداه على مقتضى البراءة.
وأما كون الأيام ثلاثة؛ فلأنها أقل الجمع.
وأما كون من حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول ودخله حنث؛ فلأنه فعل ما حلف على تركه.
قال: (وإن حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله.
ويحتمل أن يتناول جميع مدته).
[أما كون من حلف لا يكلمه إلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله] 1 على المذهب؛ فلأن ما بعد إلى لا يدخل فيما قبلها إلا بقرينة، وهي منتفية هنا.
وأما كونه يحتمل أن يتناول جميع مدته؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجرانه، واللفظ صالح لتناول الجميع بدليل صحة تفسير كلامه به.
قال: (وإن حلف لا مال له، وله مال غير زكوي، أو دين على الناس: حنث).
أما كون من ذكر يحنث إذا كان له دين؛ فلأن الدين مال ينعقد عليه الحول ويصح تصرفه فيه بالإبراء والحوالة.
أشبه المودع.
قال: (وإذا حلف لا يفعل شيئاً فوكّل من فعله حنث إلا أن ينوي).
أما كون من حلف لا يفعل شيئاً فوكّل في فعله يحنث إذا لم ينو؛ فلأن قصده ظاهراً أن لا يفعل، وذلك لا يحصل مع فعل وكيله له.
وأما كونه لا يحنث إذا حلف لا يفعل بنفسه؛ فلأن الموجب للحنث المخالفة ولم يوجد.
فصل [الأسماء العرفية]
قال المصنف رحمه الله: (فأما الأسماء العُرفية فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ كالرّاوية والظَّعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحوها، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة).
أما كون الأسماء العرفية هي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة؛ فلأنها إذا لم تشتهر تكون مجازاً له.
فإن قيل: لم سميت عُرفية؟
قيل: لاستعمال أهل العُرف لها في غير المعنى اللغوي.
وذلك أن الألفاظ قد تكون حقيقة لغوية في معنى ثم تصير مدلولاً بها على معنى آخر عُرفي.
ولا شُبهة في وقوع ذلك؛ لما ذكر المصنف رحمه الله من الرّاوية والظعينة والدابة والغائط والعَذِرة ونحو ذلك.
فإن قيل: فما معاني الألفاظ المذكورة لغة وعُرفاً؟
قيل: الرّاوية في اللغة: اسم للجمل الذي يظعن عليه، وفي العرف: اسم للمرأة.
والدابة في اللغة: اسم لما دبّ ودرج، وفي العرف: اسم لذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير.
والغائط في اللغة: اسم للمكان المطمئن، وفي العرف: اسم للفضلة المستقذرة.
وأما كون يمين الحالف بذلك تتعلق بالعُرف دون الحقيقة؛ فلأن العُرف هو السابق إلى الفهم.
فوجب تعلق اليمين به دون غيره.
قال: (وإن حلف على وطء امرأة: تعلقت يمينه بجماعها.
وإن حلف على وطء دار: تعلقت يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً).
أما كون من حلف على وطء امرأة تعلقت يمينه بجماعها؛ فلأنه المتبادر إلى الفهم، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: 23] تعلق التحريم بالجماع.
وأما كون من حلف على وطء دار تعلقت يمينه بدخولها؛ فلأنها غير قابلة للجماع.
فوجب تعلق يمينه بدخولها.
وأما كونه تتعلق يمينه بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً؛ فلأن اليمين محمولة على الدخول، والفاعل لحالةٍ مما ذكر يسمى داخلاً.
فإن قيل: لم لا تتعلق بوطء القدم فيما 1 إذا دخلها راكباً؟
قيل 2: لأن إرادة الدخول أظهر من إرادة ما ذكر، واللفظ يحمل على الظاهر لا على غيره.
قال: (وإن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين، أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد فالقياس أنه لا يحنث، وقال بعض أصحابنا: يحنث).
أما كون من حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين لا يحنث على القياس؛ فلأن الريحان في العُرف هو اسم للفارسي.
فلم تنصرف اليمين إلى ما ذكر.
وأما كونه يحنث على قول بعض أصحابنا وهو أبو الخطاب؛ فلأن الريحان في اللغة: اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح وهو موجود في الورد والبنفسج والياسمين.
وأما كون من حلف لا يشم الورد والبنفسج فشم دُهنهما أو ماء الورد ولم يحلف على ذلك 3.
وأما كونه يحنث على الثاني وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن معنى كلامه: لا أشم رائحة ذلك؛ لأن الشم إنما يكون للرائحة، ورائحة الورد والبنفسج في دهنهما، وقد شم ذلك.
قال: (وإن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي، ولم يحنث عند ابن أبي موسى).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند الخرقي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً﴾ [النحل: 14]، وقال عز وجل: ﴿ومِن كُلٍّ تأكلونَ لحمًا طريًا﴾ [فاطر: 12].
ولأن السمك لحم حيوان.
وأما كونه لا يحنث عند ابن أبي موسى؛ فلأن السمك لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم بدليل: ما لو وكل رجلاً في شراء لحم فاشترى له سمكاً لم يلزمه.
ولأنه يصح أن يُنفى عنه فيقال: ما أكل لحماً وإنما أكل سمكاً.
وتسمية ذلك باللحم لا يوجب الحنث.
بدليل: أن الله عز وجل سمى السماء سقفاً محفوظاً 1. ولو حلف حالف: لا قعدت تحت سقف ففعل تحت السماء لم يحنث.
والأول ظاهر المذهب.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
والفرق بين مسألة اللحم وبين مسألة السقف: أن الظاهر أن من حلف لا يقعد تحت سقف قصد بيمينه تحت سقف يمكنه التحرز منه، والسماء ليست كذلك فلا تدخل في يمينه.
بخلاف الحالف بأنه لا يأكل لحماً؛ لعدم المعنى المذكور في يمينه.
قال: (وإن حلف لا يأكل رأساً ولا بيضاً حنث بأكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد عند القاضي، وعند أبي الخطاب لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفرداً، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث بما ذكر عند القاضي؛ فلأن رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد رؤوس وبيض حقيقة وعُرفاً.
فوجب أن يحنث؛
كما لو حلف لا يأكل لحماً فأكل من لحم الأنعام والزرافة.
والجامع بينهما أن غاية ما يقدر أن أكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد نادر بالنسبة إلى رؤوس النعم وإلى بيض الدجاج، وأكل لحم الأنعام نادر بالنسبة إلى أكل لحوم النعم، والحنث في مسألة اللحم محقق فكذا في مسألة الرؤوس والبيض.
وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب إلا بأكل رأسٍ جرت العادةُ بأكله منفرداً؛ كالغنم والبقر، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة؛ كبيض الدجاج؛ فلأن المتبادر إلى الذهن ما جرت العادة بأكله منفرداً.
ولأن الظاهر إرادة ذلك.
فوجب أن لا يتعداه اليمين.
فلم يحنث بأكل غيره؛ لعدم دخوله في يمينه.
وحنث بأكله؛ لدخوله في يمينه.
قال: (وإن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شعر أو أدم.
أو لا يركب فركب سفينة حنث عند أصحابنا.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون من حلف لا يدخل بيتاً يحنث إذا دخل مسجداً عند أصحابنا؛ فلأن الله تعالى سماه بيتاً فقال: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ [آل عمران: 96]، وقال: ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع﴾ [النور: 36].
وأما كونه يحنث إذا دخل حماماً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بيتاً قال: «بئسَ البيتُ الحمام» 1.
وأما كونه يحنث إذا دخل بيت شعر أو أدم؛ فلأن البدوي يسميه بيتاً.
ولأن البدوي لو حلف لا يدخل بيتاً فدخل بيت الحضري حنث فكذلك إذا حلف الحضري لا يدخل بيتاً فدخل بيت البدوي.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث في ذلك كله؛ فلأن الظاهر أن الحالف لم يُرد ذلك بيمينه فلم يحنث بالدخول فيه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني أن الاحتمال إنما هو في المسجد والحمام؛ لأن أهل العُرف لا تسمي ذلك بيتاً.
قال: (وإن حلف لا يتكلم فقرأ أو سبّح أو ذكر الله عز وجل لم يحنث.
وإن دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه لم يحنث).
أما كون من حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر اسم الله لا يحنث؛ فلأن الكلام في العُرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين، ولهذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238]. فأُمرنا بالسكوتِ ونُهينا عن الكلام» 1.
وقال الله: ﴿أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبّح بالعشي والإبكار﴾ [آل عمران: 41].
نهاه عن الكلام وأمره بالتسبيح، ولو كان التسبيح كلاماً لدخل في المنهي عنه.
وأما كونه لا يحنث إذا دقَّ عليه إنسان فقال: ادخلوها بسلام آمنين يقصد تنبيهه؛ فلأن ذلك كلام الله عز وجل ويمينه إنما تنصرف إلى كلام الآدميين.
فلم يحنث؛ لعدم شمول يمينه لذلك.
فإن قيل: لو قال ذلك في الصلاة لبطلت صلاته، ولو لم يكن من كلام الآدميين لما كان كذلك؟
قيل: في ذلك منعٌ.
وعلى تقدير التسليم الفرق بينهما 2 أن الصلاة لا تصح بغير قرآن وقد وقع التردد في كون ذلك قرآناً.
فلا تصح مع الشك في شرطها.
بخلاف الحنث فإن شرط الحنث فيه: كون المتكلم به كلام الآدميين وقد وقع التردد فيه فلا يحنث بالشك في شرطه.
قال: (وإن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضّها حنث.
وإن حلف ليضربنّهُ مائة سوطٍ فجمعها فضربهُ بها ضربة واحدة لم يبرّ في يمينه).
أما كون من حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتفَ شعرها أو عضّها يحنث؛ فلأن ذلك اللفظ يطلق ويراد به عدم إيلام المرأة، وفي جميع ما ذكر يحصل إيلام المرأة.
وأما كون من حلف ليضربنّ شخصاً مائة سوطٍ فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لا يبرّ في يمينه؛ فلأنه لا يفهم في العُرف من ضرب مائة سوط إلا مائة ضربة متفرقة.
فيجب أن يحمل اليمين عليه.
ولأن السوط آلة أقيمت مقام المصدر وانتصبت انتصابه فمعنى كلامه: لأضربنّه مائة ضربة بسوط فلا يبرّ بضربه بمائة سوط مجموعة؛ لأن ذلك ليس بمائة ضربة بسوط.
فصل [إذا حلف لا يأكل شيئا فأكله مستهلكاً]
قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مُستهلكاً في غيره؛ مثل: أن لا يأكل لبناً فأكل زبداً، أو لا يأكل سمناً فأكل خَبيصاً فيه سمن لا يظهرُ فيه طعمُه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً، أو لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير: لم يحنث.
وإن ظهرَ طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه حنث.
وقال الخرقي: يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده، وقال غيره: يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير).
أما كون من حلف بما ذكر لا يحنث إذا أكل المحلوف عليه مُستهلكاً في غيره؛ فلأن المستهلك لا يقع عليه اسم الذي حلف عليه.
فلم يحنث بأكل المستهلك فيه؛ كما لو حلف لا يأكل رُطباً فأكل تمراً.
ولأن المستهلَك في الشيء يصير وجوده كعدمه.
والظاهر من الحالف على شيء من ذلك أنه إنما حلف لمعنى في المحلوف عليه، وإذا كان كذلك تعين عدم الحنث؛ لانتفاء المعنى المحلوف من أجله.
فعلى هذا لا يحنث بأكل الزُبد إذا حلف لا يأكل لبناً؛ لأن اللبن الذي في الزبد مستهلك فيه، ولا يحنث بأكل الخبيص الذي فيه سمن لا يظهر طعمه فيه إذا حلف لا يأكل سمناً؛ لأن السمن إذا لم يظهر طعمه مستهلك في الخبيص، ولا يحنث بأكل الناطف إذا حلف لا يأكل بيضاً؛ لأن بياض البيض يصير مستهلكاً في الناطف.
وأما كون من حلف لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر لا يحنث على المذهب؛ فلأن اللحم الأحمر إن كان فيه شحم فهو مستهلك فيه.
وأما كونه يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه لا يخلو من شحم.
ودعوى الاستهلاك ممنوعة.
وأما كون من حلف لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لا يحنث على المذهب؛ فلأن الشعير مستهلك في الحنطة.
وأما كونه يحنث على قول بعض الأصحاب؛ فلأن الشعير يمكن تمييزه فتركه فيه وأكله له أكل لما منع نفسه من أكله مع القدرة عليه.
وأما كون ما تقدم ذكره يحنث إذا ظهر طعمُ السمنِ أو طعمُ شيء من المحلوف عليه؛ فلأن عدم الحنث إنما انتفى من أجل انتفاء المعنى الذي قصده الحالف، وذلك منتفٍ فيما إذا ظهر الطعم.
فوجب الحنث؛ لوجود المقتضي للحنث وانتفاء المعني عدمه.
فصل [إذا حلف لا يأكل شيئاً فشربه]
قال المصنف رحمه الله: (وإن حلف لا يأكلُ سَويقاً فشربه، أو لا يشربه فأكله فقال الخرقي: يحنث.
وقال أحمد فيمن حلف لا يشرب نبيذاً فثَرد فيه وأكله: لا يحنث.
فيُخَرّج في كل ما حلف لا يأكله فشربه، أو لا يشربه فأكله وجهان.
وقال القاضي: إن عيّن المحلوف عليه حنث.
وإن لم يعيّنه لم يحنث).
أما كون من حلف لا يأكل سَويقاً فشربه أو بالعكس يحنث على قول الخرقي؛ فلأن الحلف على ترك شيء يقصد به في العُرف اجتناب ذلك بالكلية فحملت اليمين عليه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم﴾ [النساء: 2] فإنه يتناول تحريم شربها.
ولو قال طبيب لمريض: لا تأكل العسل لكان ناهياً له عن شربه وبالعكس.
وأما كونه لا يحنث على ما قاله الإمام في مسألة النبيذ؛ فلأن الأفعال كالأعيان، ولو حلف على عين لم يحنث بالأخرى فكذلك إذا حلف على فعل لم يحنث بالآخر.
وأما كونه إذا عين المحلوف عليه؛ مثل: إن حلف لا يأكل هذا السمن فشربه أو بالعكس يحنث على قول القاضي؛ فلأن تغير صفة المحلوف عليه لا تنفي الحنث فكذلك تغير صفة الفعل، وإذا لم يعينه لا يحنث؛ لأنه لا تحصل المخالفة من جهة الاسم ولا من جهة التعيين.
قال: (وإن حلف لا يطعمه حنث بأكله وشربه.
وإن ذاقه ولم يبلعه لم يحنث.
وإن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث).
أما كون من حلف لا يطعَمُ شيئاً يحنث بأكله وشربه؛ فلأنه طعمه.
ضرورة وجود ذلك في الأكل والشرب.
وأما كونه إذا ذاقه ولم يبلعه لا يحنث؛ فلأنه ما طعمه.
وأما كون من حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث؛ فلأن المائع هكذا يُؤكل في العادة.
فصل [إذا حلف فاستدام ذلك]
قال المصنف رحمه الله 1: (وإن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث.
وإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث).
أما كون من حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لا يحنث؛ فلأن المستديم لا يُطلق عليه ذلك.
بدليل أنه لا يقال: تزوج شهراً، ولا تطهر شهراً، ولا تطيب شهراً.
وأما كون من حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك يحنث؛ فلأن المستديم يُطلق عليه ذلك.
بدليل أنه يقال: ركب شهراً ولبس شهراً.
قال 2: (وإن حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب.
وإن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه فعلى الوجهين).
أما كون من حلف لا يدخل داراً هو داخلها فأقام فيها يحنث على قول القاضي؛ فلأن استدامة الإقامة في الدار حرام كابتداء الدخول.
وأما كونه لا يحنث على قول أبي الخطاب؛ فلأن الدخول لا يُستعمل في الاستدامة، ولهذا يقال: دخلتها منذ شهر، ولا يقال: دخلتها شهراً فجرى مجرى التزويج.
ولأن الانفصال من خارج إلى داخل لا يوجد في الإقامة.
وأما كون من حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلانٌ عليه فأقام معه على الوجهين؛ فلأن الإقامة هنا كالإقامة في المسألة التي قبلها.
فوجب أن يخرّج فيها ما خرّج فيها نقلاً ودليلاً.
قال: (وإن حلف لا يسكن داراً، أو لا يُساكن فُلاناً وهو مساكنه.
فلم يخرج في الحال: حنث؛ إلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشَى على نفسه الخروج فيقيم إلى أن يمكنه، فإن خرج دون متاعه وأهله حنث، إلا أن يودع متاعه أو يعيره وتأبى امرأته الخروج معه، ولا يمكنه إكراهها فيخرج وحده فلا يحنث).
أما كون من حلف بما ذكر فلم يخرج في الحال من الدار المحلوف عليها وهو قادر على نقل متاعه غير خائفٍ على نفسه الخروج يحنث؛ فلأن استدامة السُكنى سُكنى.
بدليل أنه يصح أن يقال: سكن الدار شهراً.
وأما كون من يقيم لنقل متاعه لا يحنث؛ فلأن النقل لا يكون إلا بالمتاع، والإقامة من أجله إقامة لا يمكن التحرز عنها.
فلا يقع اليمين عليها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا: أن الإقامة مختصة بالمتاع.
وقال في المغني: وإن أقام لنقل متاعه وأهله لم يحنث.
والواجب حمل كلامه هنا على ما في المغني؛ لأن نقل الأهل مثل المتاع بدليل: أنه لو خرج دون أهله حنث كما يحنث إذا خرج دون متاعه.
وأما كون من يخشى على نفسه من الخروج فيقيم حتى يزول الخوف لا يحنث؛ فلأنه أقام لدفع الضرر، وإزالته عند ذلك مطلوبة شرعاً.
فلم تدخل تحته اليمين؛ لأنها تقتضي المنع.
وأما كون من خرج في الحال دون أهله ومتاعه ويمكنه إخراج ذلك ولم يُودع متاعه ولا يُعيره يحنث؛ فلأن السُكنى تكون بالأهل والمال، ولهذا يقال: فلان ساكن في البلد الفلاني وهو غائب عن بيته، وإذا نزل بلداً بأهله وماله يقال: سكنه وإن نزله بنفسه.
وأما كون من خرج وحده وأودع متاعه أو أعاره متاعه وأبتِ امرأته الخروج معه ولم يمكنه إكراهها لا يحنث؛ فلأن يده زالت عن متاعه، وامرأته هو عاجز عن إخراجها، وزوال اليد والعجز لا يتصور معهما حنث البتة.
قال: (وإن حلف لا يُسَاكن فُلاناً فبنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان حنث.
وإن كان في الدار حُجرتان كل حجرة تختص ببنائها ومرافقها فسكن كل واحد في حجرة لم يحنث).
أما كون من حلف لا يُسَاكن فُلاناً يحنث إذا بنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان؛ فلأن إقامتهما إلى بناء الحائط يقع عليها اسم المساكنة المحلوف على تركها، وذلك يوجب ضرورة تحقق المخالفة ليمينه.
وأما كونه لا يحنث إذا كان في الدار حجرتان... إلى آخره؛ فلأن كل واحد ساكن في حجرته فلا يكون مُساكناً لغيره.
فلم يحنث؛ لعدم فعل المحلوف على تركه.
قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله برّ.
وإن حلف ليخرجن من هذه الدار فخرج دون أهله لم يبرّ).
أما كون من حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله يبرّ؛ فلأن حقيقة الخروج لم يعارضها في الخروج من البلدة معارض.
فوجب حصول البر؛ لحصول الحقيقة، وذلك موجود في خروجه بنفسه دون أهله.
وأما كون من حلف ليخرجن من هذه الدار لا يبرّ إذا خرج دون أهله؛ فلأن الدار يخرج منها ساكناً في اليوم مراراً.
فظاهر حاله أنه لم يُرد حقيقة الخروج.
فوجب حمله على مجازه وذلك هو النقلة.
وقد تقدم أن النقلة تقتضي إخراج الأهل فإذا خرج دونهم لم يحصل البر ضرورة عدم الوفاء باليمين.
قال: (وإن حلف ليخرجنّ من هذه البلدة، أو ليرحلنّ عن هذه الدار ففعل فهل له العود إليها؟ على روايتين).
أما كون من حلف بما ذكر ففعل له العود إلى البلدة والدار على روايةٍ؛ فلأن يمينه على الرحيل، وقد وجد، وذلك يوجب انحلال اليمين وإذا انحلت يمينه صار بمنزلة من لم يحلف.
وأما كونه ليس له العود إليهما على روايةٍ؛ فلأن الظاهر أنه قصد هجران ما حلف على الرحيل منه، والعود إليه ينافي مقصود يمينه.
فصل [في مسائل من الحلف]
قال المصنف رحمه الله: (إذا حلفَ لا يدخلُ داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلفَ لا يستخدمُ رجلاً فخدمه وهو ساكت فقال القاضي: يحنث.
ويحتمل أن لا يحنث).
أما كون من حلف لا يدخل داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع يحنث عند القاضي؛ فلأن عدم الامتناع مع القدرة يُذهب معنى الإكراه النافي للحنث.
فإن قيل: فحُملَ فأُدخلَها مشعر بالإكراه فيكون الكلام مفروضاً في الإكراه.
فإذا خرج عن أن يكون مكرهاً خرجت المسألة عن أصلها.
قيل: لما كان الحملُ إكراهاً في الصورة أُطلق عليه مُكرهاً فإذا أمكنه الامتناع لم يكن مكرهاً حقيقة.
وتقييد المصنف رحمه الله الحنث بأن يمكنه الامتناع إشعار بأنه إذا لم يمكنه لا يحنث.
وهو صحيح نص عليه الإمام أحمد.
قال المصنف في المغني: والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 1.
ولأن الفعل غير موجود عنه ولا منسوب إليه.
وأما كون من يمكنه الامتناع فلم يفعل يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه مكره صورة.
أشبه المكره معنى.
وأما كون من حلف لا يستخدم رجلاً فخدمه وهو ساكت يحنث على قول القاضي؛ فلأن الظاهر أنه قصد اجتناب خدمته ولم يحصل.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ما استخدمه.
والسكوت لا يدل على الرضى بدليل: ما لو شقّ رجل ثوب رجل وهو ساكت فإن سكوته لا يدل على رضاه، ولهذا يملك الذي شقّ ثوبه مطالبة الذي شقه بقيمة شقه.
قال: (وإن حلف ليشربنّ الماء أو ليضربنّ غلامه غداً فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي.
ويحتمل أن لا يحنث.
وإن مات الحالف لم يحنث).
أما كون من حلف بما ذكر يحنث إذا تلف المحلوف عليه قبل الغد عند الخرقي؛ فلأن الحالف لم يفعل المحلوف عليه في وقته وعدم إكراهه ونسيانه.
أشبه ما لو حلف ليحجّن هذا العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم نفقة.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه تعذر فعل المحلوف عليه لا من جهته.
أشبه المكره والناسي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين المكره والناسي: أن الامتناع في الإكراه والنسيان لمعنى فيه، وهاهنا الامتناع في المحل.
وأما كونه لا يحنث إذا مات الحالف؛ فلأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل ذلك فلا يمكن حنثه.
وبأهلية الحالف ظهر الفرق بين موت الحالف وبين موت المحلوف عليه؛ لأن في تلف المحلوف عليه أهليّة الحالف باقية فصادف الحنث محله، وفي موت الحالف أهليّته تبطل بموته.
فلم يُصادف بالحنث محله.
قال: (وإن حلف ليقضينّه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين.
وإن مات المستحقّ فقضى ورثته لم يحنث، وقال القاضي: يحنث.
وإن باعه بحقه عرْضاً لم يحنث عند ابن حامد، وحنث عند القاضي.
وإن حلف ليقضينّه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر برّ).
أما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه فأبرأه يحنث على وجه؛ فلأن الحلف على القضاء، والإبراء ليس بقضاء.
بدليل أنه يصح أن يقال: ما قضاني حقي وإنما أبرأته منه.
وأما كونه لا يحنث على وجه؛ فلأن الغرض من القضاء حصول البراءة فإذا أبرأه فقد حصل مقصود يمينه.
فيجب أن لا يحنث.
وأما كونه إذا مات المستحقّ فقضى ورثته لا يحنث وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن قضاء الورثة قائم مقام قضائه في إبراء ذمته.
فكذلك يجب أن يقوم مقامه في البرّ في يمينه.
وأما كونه يحنث على قول القاضي فكما لو حلف ليضربنّ عبده في غد فمات العبد قبل الغد.
وأما كونه إذا باعه بحقه عرْضاً لا يحنث عند ابن حامد؛ فلأن الغرض البراءة وهي حاصلة بذلك.
وأما كونه يحنث عند القاضي؛ فلأن الحلف على قضاء الحق ولم يوجد.
وأما كون من حلف ليقضينّ غريمه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر يبرّ؛ فلأن ذلك هو الوقت المحلوف فيه.
فإذا قضاه فيه وجب حصول البر.
قال: (وإن حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب منه حنث.
نصّ عليه، وقال الخرقي: لا يحنث.
وإن فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه خُرِّج على الروايتين.
وإن حلف: لا افترقنا فهرب منه حنث.
وقدْر الفراق ما عده الناس فراقاً؛ كفُرقَة البيع).
أما كون من حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فهرب يحنث على المنصوص؛ فلأن معنى يمينه: لا حصل منا فرقة وقد حصل.
وأما كونه لا يحنث على قول الخرقي؛ فلأنه حلف على فعل نفسه في الفُرقة وما فعلها ولا فعل باختيار.
فلم يحنث؛ كما لو قال: لا قمت فأقامه غيره.
وأما كونه إذا فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه يخرج على روايتين؛ فلأن ذلك في معنى الروايتين في الإكراه، وقد تقدم ذكر دليلهما.
وأما كونه يحنث إذا قال: لا افترقنا على قوليهما جميعاً؛ فلأن يمينه يقتضي لا حصل بيننا فرقة بوجه من جهة اللفظ والمعنى.
وبذلك يظهر الفرق بين المسألة الأولى والثانية على قول الخرقي؛ لأن لفظ الأولى لا يقتضي ذلك.
وأما كون قدر الفراق الذي يحصل به الحنث في موضع الحكم بالحنث فيه ما عده الناس فراقاً في العُرف؛ فلأن الشرع رتب على ذلك أحكاماً ولم يبين مقداره.
فوجب الرجوع فيه إلى العادة؛ كالحِرْز والقبض.
ولأن الفرقة في البيع تثبت الخيار وهي مقدرة بذلك.
فكذلك يجب تقديرها في الحلف قياساً له عليها.
باب النذر
الأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: 29].
وأما السنة؛ فما روت عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نذرَ أن يطيعَ الله فليطعهُ، ومن نذرَ أن يعصيهِ فلا يعصِه» 1.
وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيركمْ قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينذرونَ ولا يهبون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون، ويشهدونَ ولا يُسْتشهدون، ويظهرُ فيهم السِّمَن» 2. رواهما البخاري.
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهو: أن يُلزم نفسه لله تعالى شيئاً.
ولا يصح إلا من مكلّف مسلماً كان أو كافراً).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يُلزم نفسه لله تعالى شيئاً؛ فبيان لمعنى النذر.
وفي إضافة الإلزام إلى نفسه احتراز عن الواجب بأصل الشرع.
وأما كون النذر لا يصح من غير مكلف؛ فلأن غير المكلف كالصبي والمجنون لا اعتبار بقوله.
والنذر قول يترتب عليه حكم شرعي.
فلم يصح من واحدٍ منهما؛ كسائر أقوالهما.
وأما كونه يصح من المكلف؛ فلدخوله فيما تقدم مع سلامته عما ذكر.
وأما كونه يصح من المكلف مسلماً كان أو كافراً: أما المسلم فظاهر.
وأما الكافر؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني نذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ يوماً، قال: أوْفِ» 1 متفق عليه.
قال: (ولا يصحُ إلا بالقول.
فإن نواه من غير قول لم يصح).
أما كون النذر لا يصح بغير القول؛ فلأنه التزام.
فلم يصح بغير القول؛ كالطلاق والنكاح.
وأما كونه يصح بالقول؛ فلأنه التزام يصح بالقول؛ كسائر الالتزامات.
وأما كون الناذر إذا نواه من غير قول لا يصح؛ فلأن من شرطه القول ولم يوجد.
قال: (ولا يصح في محال ولا واجب.
فلو قال: لله عليَّ صوم أمس أو صوم رمضان لم ينعقد).
أما كون النذر لا يصح في المحال؛ فلأنه لا يتصور انعقاده فيه.
فلم يصح فيه؛ كاليمين التي لا يمكن انعقادها.
وأما كونه لا يصح في واجب؛ فلأن النذر التزام، والتزام اللازم لا يصح.
وأما كون من قال: لله عليَّ صوم أمس أو صوم رمضان لا ينعقد؛ فلما تقدم من أن النذر لا يصح في محال ولا واجب، وصوم أمس محال، وصوم رمضان واجب.
قال: (والنذر المنعقد على خمسة أقسام:
أحدها: النذر المطلق.
وهو أن يقول: لله عليَّ نذر.
فيجب به كفارة يمين.
الثاني: نذر اللجاج والغضب.
وهو: ما يقصد به المنع من شيء غيره أو الحمل عليه؛ كقوله: إن كلمتكَ فلله عليَّ الحج، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو الصدقة بمالي.
فهذا يمين يتخير بين فعله والتكفير).
أما كون النذر المنعقد على خمسة أقسام؛ فلأنه تارة يكون مطلقاً، وتارة نذر لجاج وغضب، وتارة مباحاً، وتارة معصية، وتارة تبرراً.
وأما كون أحد أقسام النذر المنعقد: النذر المطلق كما مثل المصنف رحمه الله من قوله: لله عليَّ نذر؛ فلأنه نذر فيدخل في قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «النذرُ حلفَة (1») 2.
وأما كونه تجب به كفارة يمين؛ [فلقوله صلى الله عليه وسلم «كفارةُ النذر إذا لم يُسمِّ كفارةُ يمين» 3. رواه الترمذي] 4 وقال: حديث حسن صحيح غريب.
ولأنه قول ابن عباس وابن مسعود وجابر وعائشة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما كون الثاني من أقسام النذر المنعقد: نذر اللجاج والغضب كما مثل المصنف رحمه الله؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يميناً يتخير بين فعله والتكفير؛ فلأن ذلك خرج مخرج اليمين.
فوجب أن يعطى حكمها.1
قال: (الثالث: نذر المباح؛ كقوله: لله عليَّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي.
فهذا كاليمين يتخير بين فعله وكفارة يمين.
فإن نذر مكروهاً؛ كالطلاق استحب أن يكفّر ولا يفعله).
أما كون الثالث من أقسام النذر المنعقد: نذر المباح.
والمراد بالمباح هنا ما استوى طرفاه وما ترجح تركه على فعله.
فالأول: كلبس الثوب، وركوب الدابة.
والثاني: كالطلاق؛ فلما ذكر قبل.
وأما كون الأول؛ كاليمين يتخير بين فعله وكفارة يمين: أما الفعل؛ فلما روي: «أن امرأت أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني نذرتُ أن أضربَ على رأسكَ بالدُّفِ.
فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أوفِ بنذرك» 1. رواه أبو داود.
وأما الكفارة ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أنه يجوز تركه.
وهو صحيح؛ لأن النذر أُجري مجراه في الكفارة.
فكذلك يجب أن يجري مجراه في جواز الترك.
وأما الثاني وهو ما ترجح تركه على فعله؛ كالطلاق وسائر ما يكره فعله يستحب أن يكفّر ولا يفعله: أما التكفير؛ فليخرج من عهدة نذره.
وأما عدم الفعل؛ فلأن فعله مكروه، وهو مطلوب العدم.
قال: (الرابع: نذر المعصية؛ كشربِ الخمر، وصوم يوم الحيض ويوم النحر، فلا يجوز الوفاءُ به ويكفر؛ إلا أن ينذر نحرَ ولده ففيه روايتان:
إحداهما: أنه كذلك.
والثانية: يلزمه ذبح كبش.
ويحتمل أن لا ينعقد نذر المباح ولا المعصية، ولا يجب به كفارة، ولهذا قال أصحابنا: لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في مكان مُعيّن فله فعله في غيره، ولا كفارة).
أما كون الرابع من أقسام النذر المنعقد: نذر المعصية كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه لا يجوز الوفاء به؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذرَ أن يعصي الله فلا يعصِه» 1.
وأما كون ناذره يكفر نحر ولده كان أو لد غيره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذرَ في معصيةٍ وكفارتهُ كفارةُ يمين» 2. رواه أبو داود.
وقال الترمذي: هو حديث غريب.
وأما كونه يلزمه ذبح كبش إذا كان نذر نحر ولده في روايةٍ؛ فلأن الله عز وجل جعل الكبش عوضاً عن ذبح ولد إبراهيم بعد أن ذبحه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع إبراهيم حيث قال: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [النحل: 123].
وأما كون نذر المباح والمعصية يحتمل أن لا ينعقد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذرَ إلا فيما ابتغُي به وجهُ الله» 3.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ إذا برجل قائم فسألَ عنه.
فقالوا: أبو إسرائيلَ نذرَ أن يقومَ في الشمس ولا يستظلَ ولا يتكلمَ ويصوم.
قال: ليستظلَ وليتكلمَ وليتمَ صومَه» 4. رواه البخاري.
وعن أنس قال: «نذرت امرأة أن تمشي إلى بيتِ الله.
فسُئلَ نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
فقال: إن الله لغنيٌ عن مشيهَا.
مُروها فلتركَب» 5. قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نذرَ» 1 معناه والله أعلم لا نذر يجب وفاؤه ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في انعقاده موجباً للكفارة ودعوى عدم إيجاب الكفارة في حديث ابن عباس ممنوعة.
ولأن في بعض ألفاظه: «وليصُم ثلاثةَ أيام».
قال: (ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه.
وإن نذر الصدقة بألفٍ لزمه جميعها.
وعنه: يجزؤه ثلثها).
أما كون من نذر الصدقة بكل ماله له الصدقة بثلثه؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأبي لبابة حين قال: إنَّ منْ توبَتي أن أنخلِعَ من مالي قال: يجزئك الثلث» 2.
وفي رواية: «أمسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ» 3 متفق عليه.
ولأبي داود: «يجزئُ عنكَ الثلث» 4.
وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أبي لبابة سوى ثلث ماله.
وأما كون من نذر الصدقة بألفٍ يلزمه الصدقة بجميعها على المذهب؛ فلأن الأصل لزوم الوفاء بالنذر خولف في جميع المال للأثر فيبقى في غيره على الأصل.
وأما كونه يجزئه ثلثها على روايةٍ؛ فلأنه مال نذر للصدقة.
فأجزأه ثلثه؛ كما لو نذر جميع المال.
والأول أصح قاله المصنف رحمه الله في المغني؛ لما تقدم.
وقياس الألف على جميع المال لا يصح؛ لما في الصدقة بجميع المال من الإضرار بنفسه وورثته، ولهذا منع الشخص من الوصية بجميع ماله.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله في الألف غير مقيدٍ بكونها بعض ماله أو كله.
قيل: قال في المغني: إذا نذر الصدقة بقدرٍ يستغرق ماله كله صح إلحاقه بالصورة الأولى.
يعني بنذر صدقة ماله كله.
ووجهه: أن المعنى المانع من صدقة جميع المال موجودة في الصدقة بالعدد الذي مقداره جميع ماله.
فصل [في نذر التبرر]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: نذر التبرر؛ كنذر الصلاة والصيام والصدقة والاعتكاف والحج والعمرة ونحوها من القرب على وجه التقرب سواء نذره مطلقاً أو علّقه بشرط يرجوه فقال: إن شفى الله مريضي، أو سلم الله مالي فلله 1 عليّ كذا فمتى وجد شرطه انعقد نذره ولزمه فعله).
أما كون الخامس من أقسام النذر المنعقد: نذر التبرر كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذرَ أن يطيعَ الله فليُطِعْه» 2.
وأما كون النذر المذكور كما ذكر سواء نذره كما تقدم، أو علقه بشرط يرجوه كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن ما ذكر يشملهما.
وأما كون المعلق متى وجد شرطه ينعقد نذره؛ فلأنه يصير عند وجود شرطه بمنزلة المطلق، ولذلك لو أطلق الطلاق من غير تعليق طلقت امرأته ولو علقه على شرط فوجد طلقت.
وأما كونه يلزمه فعله عند ذلك؛ فلأن الناذر حينئذ يصير كالمطلق، والمطلقُ يلزم الوفاء به.
فكذلك من هو بمنزلته.
قال: (وإن نذر صوم سنة لم يدخل في نذره رمضان ويوما العيدين، وفي أيام التشريق روايتان.
وعنه: ما يدل على أنه يقضى يومي العيدين وأيام التشريق).
أما كون رمضان لا يدخل في نذر صوم السنة؛ فلأن رمضان لا يقبل غير صومه.
فلم يدخل في صوم نذر؛ كالليل.
وأما كون يومي العيدين لا يدخلان في ذلك على المذهب؛ فلأنهما يومان لا يصح صومهما عن نذره.
فلم يدخلا في صوم السنة؛ كأيام رمضان.
وأما كون ناذر ذلك يقضيه على روايةٍ؛ فلأن الصوم لما كان حراماً وجب أن ينعقد نذره موجباً للقضاء.
وأما كون أيام التشريق فيها روايتان فمبني على أن صومها عن الفرض هل هو جائز أم لا؟
فإن قيل: هو جائز دخلت في نذره، وإن قيل: هو غير جائز لم تدخل.
وأما كونها تقضى على روايةٍ؛ فبالقياس على العيدين.
ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية أنها مبنية على القول بتحريم صيامها عن الفرض؛ لأنها حينئذ تشبه العيدين.
قال: (وإذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض أفطر وقضى وكفّر.
وعنه: يكفّر من غير قضاء، ونقل عنه ما يدل على أنه إن صام يوم العيد صحّ صومه.
وإن وافق أيام التشريق فهل يصومه؟ على روايتين).
أما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم عيد يفطر؛ فلأن الشرع حرم صومه.
وأما كونه يقضي؛ فلأنه فاته ما نذر صومه.
وأما كونه يكفّر؛ فلعدم الوفاء بنذره.
وأما كونه يكفّر من غير قضاء على روايةٍ؛ فكما لو نذرت المرأة صوم يوم حيضها.
وأما كون الناذر إن صام يوم العيد صح صومه على روايةٍ؛ فلأنه وفاء بما نذر.
وذكر المصنف في المغني رواية رابعة: أنه يقضي ولا كفارة عليه: أما كونه يقضي؛ فلأن النذر الواجب فاته.
فلزمه قضاؤه؛ كما لو تركه ناسياً.
وأما كونه لا كفارة عليه؛ فلأن الشرع منع القادر صومه.
فلم تلزمه الكفارة؛ كالمكره.
وأما كون من نذر ما ذكر فوافق يوم حيض يفطر فلا خلاف فيه؛ لقيام المنافي للصوم.
وأما كونه يقضي ويكفر، أو يكفر من غير قضاء، أو يقضي ولا يكفر؛ فلما تقدم فيمن نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد.
وأما كونه إذا وافق أيام التشريق هل يصومه فيه روايتان؛ فمبني على جواز صومها فرضاً.
فإن قيل: يجوز صومها عن الفرض جاز له صوم يوم النذر، وإن قيل: لا يجوز صومها عن الفرض كان حكمها حكم يومي العيد.
قال: (وإن نذر صوم يوم يقدُم فلان فقدم ليلاً فلا شيء عليه.
وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره، ولا يلزمه إلا إتمامُ صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر.
وعنه: أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم).
أما كون من نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلاً لا شيء عليه؛ فلأن شرط لزوم النذر قدومه نهاراً ولم يوجد.
وأما كونه إذا قدم نهاراً لا ينعقد نذره على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكنه صومه بعد وجود شرطه.
فلم ينعقد؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أصوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان.
وأما كونه لا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم إن لم يكن أفطر فكما لو قال: لله عليَّ أن أصوم بقية يومي.
وأما كونه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم على روايةٍ: أما فيما إذا قدم وهو صائم؛ فلأنه لم ينو صوم النذر من الليل.
فإن قيل: لو علم بقدوم فلان من الليل فنوى الصوم.
قيل: يصح صومه ويجزئه عن نذره؛ لوفائه بما نذره.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن إتمام صيام ذلك اليوم مرتب على عدم الانعقاد؛ لأنه قال: وإن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه إلا إتمام صيام ذلك اليوم، وعنه أنه يقضي ويكفر.
قيل: ليس لذلك وجه.
وقد حكى في المغني بانعقاد النذر المذكور ثم علله ثم قال: فإذا ثبتت صحته فعلم... وذكر بقية الأحكام.
قال: (وإن وافق قدومه يوماً من رمضان فقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره، وقال غيره: عليه القضاء.
وفي الكفارة روايتان.
وإن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة).
أما كونه إن وافق قدومه يوماً من رمضان يجزئه صيامه لرمضان ونذره أي عنهما على قول الخرقي؛ فلأن الناذر نذر صيام ذلك الزمن وقد صامه.
وكونه يجزئه صيام ذلك اليوم فيه إشعار بأن النذر صحيح.
صرح به في المغني.
وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن النذر لا ينعقد؛ لأن النذر وافق زمناً يستحق صيامه.
فلم ينعقد؛ كما لو نذر صيام رمضان.
والأول عند المصنف رحمه الله أصح.
ذكره في المغني وعلله بأنه نذر طاعة يمكن الوفاء به غالباً.
فانعقد؛ كما لو قدم في غير رمضان.
وأما كونه عليه القضاء على قول غير الخرقي؛ فلأن زمن النذر يستحق الصيام لغيره.
فلم يمكن صيامه عنه.
فوجب أن يجب عليه القضاء؛ استدراكاً لما فاته من نذره.
وأما كونه عليه الكفارة في روايةٍ؛ [فلتأخر النذر] 1.
[وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ] 2؛ فلأنه ممنوع من صيام غير رمضان فيه فيصير كالمكره على عدم صيامه عن النذر، ومع الإكراه المذكور لا كفارة فكذلك ما هو بمنزلته.
وأما كونه لا قضاء عليه ولا كفارة إذا وافق يوم نذره وهو مجنون؛ فلأن وجود الشرط يصير الناذر كالمطلق للنذر.
ولو أطلق النذر وهو مجنون لم يكن عليه قضاء ولا كفارة فكذلك هاهنا.
ولأن وجوبه ينفي وجوب الأداء عليه، والقضاء والكفارة يعتمدان وجوب الأداء.
قال: (وإن نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين.
وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء، وفي الكفارة روايتان.
وإن صام قبله لم يجزئه.
وإن أفطر في بعضه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر.
ويحتمل أن يُتم باقيه ويقضي ويكفر).
أما كون من ذكر عليه القضاء إذا لم يصم المنذور لغير عذر أو لعذر؛ فلأنه أفطر ما نذر صومه.
فلزمه قضاؤه؛ استدراكاً لما فاته من نذره.
وأما كونه عليه كفارة يمين إذا لم يصم لغير عذر؛ فلأنه أفطر من غير عذر عرض له.
فكان عليه الكفارة؛ استدراكاً لما فاته من التعيين.
وكانت كفارة يمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النذر حلفةٌ وكفارتهُ كفارةُ يمين» 1.
وأما كونه عليه الكفارة إذا لم يصم لعذر في روايةٍ؛ فلأنه أخلّ بنذره.
فلزمته الكفارة؛ كما لو نذر الحج ماشياً فركب.
ولأن النذر كاليمين.
ولو حلف ليصومن يوم كذا فأفطره لعذر لزمته الكفارة فكذا هاهنا.
وأما كونه لا كفارة عليه في روايةٍ؛ فلأنه أتى بصيام أجزأ عن نذره من غير تفريط.
فلم يكن عليه كفارة؛ كما لو صام ما عيّنه.
والأولى أولى.
قاله المصنف في المغني وعلله بما تقدم ذكره.
وأما كونه لا يجزئه إذا صامه قبله؛ فلأنه يجب عليه صوم ذلك الشهر بعينه، ولم يوجد ذلك مع تقديم الصوم، وذلك يقتضي عدم الإجزاء لبقائه في عهدة ما وجب عليه.
ولأن العبادات إذا كانت مؤقتة لم يجز تقديمها على وقتها.
دليله الصلاة.
وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر في بعضه لغير عذر؛ كمن نذر صوم المحرم فأفطر منه يوماً؛ فلأن ما نذره صوم يجب تتابعه.
فأبطله الفطر فيه لغير عذر؛ كما لو أفطر في نذرٍ نَذَرَ التتابُع فيه.
وأما كونه يكفر؛ فلفوات زمن النذر.
وأما كونه يحتمل أن يُتمّ باقيه ويقضي ويكفر: أما الإتمام؛ فلأن التتابع فيما نذره وجب من حيث الوقت لا من حيث الشرط.
فلم يبطله الفطر؛ كصوم رمضان.
وأما القضاء؛ فكما لو أفطر يوماً من رمضان.
وأما الكفارة؛ فلفوات زمن النذر.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين رمضان وبين النذر: أن تتابُع رمضان بالشرع لا بالنذر، وتتابُع النذر أوجبه الناذر على نفسه على صفة ثم فوّتها فهو شبيه بما شرط التتابُع فيه.
فإن قيل: هذا حكم ما إذا أفطر بعض المنذور لغير عذر، فما حكمه إذا أفطره لعذر فإنه لم يذكر المصنف رحمه الله حكمه؟
قيل: قد ذكره في المغني فقال: قياس المذهب أنه يبني على ما مضى ويقضي ما أفطر ويكفر: أما البناء؛ فلأنه معذور في القطع.
وأما القضاء؛ فلاستدراك ما فات من النذر الواجب صومه.
وأما الكفارة؛ فلفوات زمن المنذور.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أنه لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع.
ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شيء.
والأولى أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخت عقبة بن عامر: «لتركب ولتكفِّر عن يمينِها» 1. وفارق رمضان من حيث إنه لو أفطر لغير عذر لم يكن عليه كفارة إلا في الجماع.
وإنما لم يذكره المصنف رحمه الله بالتصريح؛ لأنه يصح أن يدخل في قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان.
فإن قيل: لمَ لمْ يقتصر فيما إذا أفطر بعضه لغير عذر على قوله قبل ذلك: فلم يصمه لغير عذر؟
قيل: لأن حكم ما إذا أفطر الناذر بعضه الاستئناف على روايةٍ ولا دلالة لقوله فعليه القضاء وكفارة يمين على ذلك.
بخلاف قوله: وإن لم يصمه لعذر فعليه القضاء وفي الكفارة روايتان فإن ذلك له دلالة على حكم ما أفطر الناذر بعضه؛ لاستوائهما في وجوب القضاء وجريان الخلاف في الكفارة لم يبق بينهما إلا
وجوب الإتمام وذلك يصلح أن يترك استناداً إلى أصل وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الإتمام بعض ما نذره.
قال: (وإذا نذر صوم شهر لزمه التتابع.
وإن نذر صيام أيام معدودة لم يلزمه التتابع إلا أن يشترطه).
أما كون من ذكر يلزمه التتابع في نذر الشهر؛ فلأن إطلاق الشهر يقتضي ذلك.
وحكى المصنف رحمه الله في المغني رواية أخرى أنه لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوماً إجماعاً.
فلم يلزمه التتابع؛ كما لو نذر صوم ثلاثين يوماً.
وأما كونه لا يلزمه ذلك في نذر صيام الأيام المعدودة إذا لم يشترطه؛ فلأن الأيام لا دلالة لها على التتابع، ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أُخَر﴾ [البقرة: 184]: لم يلزم التتابع فيها.
وأما كونه يلزمه إذا شرطه؛ فللوفاء بنذره.
ولم يفرق المصنف رحمه الله في الأيام بين الثلاثين وبين غيرها؛ كعشرة ونحوها.
ومنصوص الإمام أحمد في الثلاثين لا يلزمه التتابع وأنه في العشرة يلزمه.
وفرق بينهما من حيث إن الثلاثين تطلق ويراد بها الشهر فعدوله عن الشهر دليل على إرادة العدد دون التتابع فيها.
قاله المصنف في المغني؛ لأن عدم ما يدل على التفريق ليس بدليل على التتابع، ولذلك أن الله تعالى لما قال في قضاء رمضان: ﴿فعدةٌ من أيامٍ أخَر﴾ [البقرة: 184] ولم يذكر تفريقها ولا تتابعها لم يجب التتابع فيها.
قال: (وإن نذر صياماً متتابعاً فأفطر لمرض أو حيض قضى لا غير.
وإن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف.
وإن أفطر لسفر أو ما أبيح الفطر فعلى وجهين).
أما كون من ذُكر إذا أفطر لمرض أو حيض يقضي؛ فلأنه صوم وجب عليه.
فيجب قضاؤه؛ كما لو أفطر في رمضان.
وأما كونه لا شيء عليه غيره؛ فلأن المرض والحيض عذر لا يقطع التتابُع.
ويخير بين الاستئناف وبين البناء وقضاء ما ترك وكفارة يمين: أما الاستئناف؛ فلأن به يحصل التتابع صورة وحكماً.
وأما البناء؛ فلأن ذلك بقية زمن نذر جميعه.
وأما القضاء؛ فبدل عما أفطره.
وأما الكفارة؛ فلأن العجز لا ينفيها.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أخت عقبة بن عامر بالكفارة مع عجزها عن المشي.
ولأن النذر كاليمين.
ولو حلف ليصومنّ متتابعاً فأخلّ به لزمته الكفارة.
وأما كونه يلزمه الاستئناف إذا أفطر لغير عذر؛ فلأن التتابُع ينقطع بالفطر لغير عذر، وذلك يوجب الاستئناف ضرورة الوفاء بالتتابع.
وأما كونه إذا أفطر لسفر أو ما يبيح الفطر يلزمه الاستئناف على وجه؛ فلأنه أفطر باختياره.
أشبه ما لو أفطر لغير عذر.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على وجه؛ فلأن فطره لعذر.
أشبه ما لو أفطر لمرض أو حيض.
ويجيء على قول الخرقي أنه يخير بين الاستئناف وبين البناء والقضاء والكفارة؛ لما تقدم.
فإن قيل: قد ذكر المصنف رحمه الله المرض فيما يوجب القضاء لا غير، من غير فرق بين الموجب للفطر منه وبين المبيح.
ثم حكى فيما يبيح الفطر وجهين فهل يجب تأويل المرض بالمخوف ليكون موجبا للفطر كالمعطوف عليه وهو الحيض، أم يحمل على إطلاقه؟ وعلى تأويله لا إشكال وعلى حمله على إطلاقه ما الفرق بين المرض المبيح وبين السفر المبيح؟
قيل: هو محمول على التأويل المذكور.
ويؤيده ما حكاه أبو الخطاب في هدايته.
وعلى ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن المرض يبيح الفطر مطلقاً سواء كان مخوفاً أو لا، ويؤيده أنه ذكر في المغني عن أبي الخطاب أن المرض غير المخوف؛ كالسفر فيه وجهان، وأنه فرق بين الموجب للفطر وبين المبيح له ثم قال: ولم أرَ هذا عن غيره.