الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 255-294

وأما كون الراجع يغرم ربع ما أتلفوه؛ فلأنه برجوعه أقر على نفسه أن التلف المتقدم حصل بفعله وفعل بقية الشهود.
تعذر قبول ذلك بالنسبة إلى بقية الشهود وبقي قوله مقبولاً بالنسبة إليه وهم أربعة.
فوجب عليه ربع ذلك.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنى بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود.
نص عليه).
أما كون المرأة المذكورة لا حد عليها؛ فلأن عذرتها دليل براءتها.
وأما كون الشهود لا حد عليهم؛ فلأن صدقهم محتمل لجواز أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها.
قال: (وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه.
وهل يحد الشهود الأولون حد الزنى؟ على روايتين).
أما كون المشهود عليه لا يحد؛ فلأن شهادة الآخرين تضمنت جرح الأولين وشهادة الآخرين تتطرق إليها 1 التهمة.
وأما كون الشهود الأولين يحدون على روايةٍ؛ فلأنهم شهد عليهم أربعة بالزنى.
وأما كونهم لا يحدون حد الزنى على روايةٍ؛ فلأن الشهادة المذكورة متهم فيها من الجهة المتقدم ذكرها.
قال: (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده).
أما كون المرأة المذكورة لا تحد بمجرد ما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن يكون الحمل من وطء شبهة أو إكراه، والحد يدرأ بالشبهة.
فإن قيل: قد روي عن عمر: «إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا كانت البينةُ، أو الحبلُ، أو الاعتراف» 2، وذلك يدل على وجوب الحد.

قيل: ظاهره ذلك.
لكنه معارض بما روي عنه «أنه أُتي بامرأةٍ حامل فادَّعت أنها أُكرهت قال: خلِّ سبيلها، وأنه كتب إلى أمرائه» 1.

باب القذف

قال المصنف رحمه الله: (وهو: الرمي بالزنى.
ومن قذف حراً محصناً فعليه جلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حراً وأربعين إن كان عبداً.
وقذف غير المحصن يوجب التعزير).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو الرمي بالزنى؛ فبيان لمعنى القذف.
وأما كون من قذف حراً محصناً عليه جلد ثمانين جلدة إذا كان حراً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: 4].
وأما كونه عليه جلد أربعين إذا كان عبداً؛ فلما روى عبدالله 1 بن عامر بن ربيعة 2 أنه قال: «أدركتُ أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرَهم يضربونَ المملوك إذا قذفَ إلا أربعين» 3. ولأن الحد إذا كان يتبعض كان العبد فيه على النصف كحد الزنى.
فإن قيل: الآية عامة فيدخل العبد فيها.
قيل: ما ذكر خاص، والخاص مقدم على العام.
وأما كون قذف غير المحصن يوجب التعزير؛ فلأن القذف معصية.
فإذا لم يجب فيه حد؛ لفوات شرطه وهو الإحصان -وسيأتي دليلهما-: وجب التعزير.
ضرورة وجوبه في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

قال: (والمحصن هو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله.
وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين).
أما كون المحصن الذي يحد بقذفه ثمانون جلدة هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله؛ فلأنه لو كان عبداً أو كافراً لكانت حرمتهما ناقصة.
فلم تنتهض لإيجاب الحد.
ولو كان مجنوناً لم يجب عليه حد الزنا؛ لقوله عليه السلام: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن المجنون حتى يُفيق... » 1 فلا يجب الحد بقذفه.
ولأن غير العاقل لا يلحقه شَيْن بإضافة الزنى إليه؛ لكونه غير مكلف.
وحد القذف إنما وجب من أجل ذلك.
ولو كان غير عفيف لم يشنه القذف.
فلا يجب الحد بقذفه؛ لما تقدم من أن القذف إنما وجب من أجله.
ولو كان مثله لا يجامع لم يشنه القذف أيضاً؛ لتحقق كذب القاذف.
وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأنه أحد شرطي التكليف.
أشبه العقل.
ولأن زنى الصبي لا يوجب حداً.
فلا يجب الحد بالقذف؛ كزنى المجنون.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه حر عاقل عفيف يعير بهذا القول الممكن صدقه.
أشبه الكبير.
فعلى هذه الرواية لا بد أن 2 يكون كبيراً يجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشر سنين، وللجارية سبع.
قال: (وإن قال: زنيتِ وأنت صغيرة وفسره بصغر عن تسع سنين لم يحد، وإلا خرج على الروايتين).
أما كون من قال ما ذكر وفسر الصغر عن تسع سنين لا يحد؛ فلأن حد القذف إنما وجب لما يلحق بالمقذوف من العار، وذلك منتف في الصغيرة عن تسع سنين؛ لأن مثلها لا يمكن ذلك منها.
فلا يلحقها عار القذف.

وأما كونه إذا فسره بتسع يتخرج على الروايتين؛ فلأنه لو قذفها في تلك الحال لوجب عليه الحد على أحد الروايتين.
فكذلك إذا فسر صغرها بذلك.
قال: (وإن قال لحرة مسلمة: زنيتِ وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد.
وإن كانت كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين).
أما كون من قال ما ذُكر عليه الحد إذا لم تكن المقذوفة [كما قال في حال؛ فلأنه قذف محصنة.
وأما كونه عليه الحد إذا كانت المقذوفة] 1 كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال وأنكرها على وجه؛ فلأن قوله: زنيتِ خطاب في الحال، والظاهر أنه أراد ذلك.
وأما كونه لا حد عليه على وجه؛ فلأن ظاهر لفظه يقتضي تعلق: وأنت نصرانية أو أمة بقوله: زنيت، فيصير كأنه قال لها: زنيت في حال النصرانية أو الرق ولا حد مع ذلك.
وهذا أصح من الأول؛ لأن ارتباط الكلام بعضه ببعض أولى من عدم ارتباطه، وإذا كان ذلك كذلك وجب ارتباط قوله: وأنت نصرانية بقوله: زنيت، وذلك ينفي كونه قاذفاً في الحال.
قال: (ومن قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف).
أما كون من [ذكر لا يسقط الحد عنه؛ فلأن الحد] 2 قد وجب وتم بشروطه.
فلا يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما لو زنى بامرأة ثم اشتراها، أو سرق عيناً قيمتها نصاب فنقصت قيمتها أو ملكها، وكما لو جُن المقذوف بعد المطالبة.
وأما المعني بزوال الإحصان فأن يزول شرط من شروطه؛ مثل: أن يكون المقذوف عفيفاً فيزني قبل إقامة الحد، وما أشبه ذلك.

فصل [والقذف محرم إلا في موضعين] قال المصنف رحمه الله: (والقذف محرم إلا في موضعين: أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفي ولدها.
والثاني: أن لا تأتي بولد يجب نفيه أو استفاض زناها في الناس أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يعرف بالفجور يدخل إليها فيباح قذفها ولا يجب).
أما كون القذف محرماً فيما عدا المستثنى؛ فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إن الذين يَرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: 23].
وأما السنة؛ فقوله عليه السلام: «اجتنبوا السبع الموبقات.
وذكر منهن: قذف المحصنات المؤمنات الغافلات» 1. وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على تحريم القذف في الجملة.
وأما كونه يجب على من رأى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه ويعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني؛ فلأن نفي الولد واجب؛ لما يأتي، ولا يمكن إلا بالقذف، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.
وأما كونه يجب عليه نفي ولدها؛ فلئلا يلحق به ولد غيره.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأةٍ أَدخلتْ على قومٍ من ليسَ منهمْ فليستْ من اللهِ في شيء، ولن يُدخلَها اللهُ جنته» 2.

وأما كونه يباح لمن يراها تزني ولم تأت بولد يجب نفيه؛ فلأن بالزوج حاجة إلى فسخ النكاح ليخلص من زوجة شأنها ذلك، ولذلك قذف عويمر العجلاني زوجته بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم 1، وقذف هلال بن أمية زوجته بحضرة الرسول أيضاً 2. وأما كونه يباح إذا استفاض زناها أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يُعرف بالفجور يدخل عليها؛ فلأن الحاجة داعية إلى فسخ النكاح هنا كالحاجة الداعية إذا رآها، وذلك يوجب إباحة القذف؛ لاشتراك الكل في الحاجة الموجبة للإباحة.
قال: (وإن أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك.
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلامه إباحته).
أما كون الولد لا يباح نفيه بذلك على الأول؛ فلما روي «أن رجلاً ولدَ له ولد أسود.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لكَ من إبل؟ قال: نعم.
قال: فما ألوانُها؟ قال: حمرٌ.
قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لَورقًا.
قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزَعهُ عرق.
قال: وهذا عسى أن يكون نزعهُ عرق» 3. وأما كونه يباح على قول أبي الخطاب: ظاهر كلام الإمام أحمد إباحته؛ فلأن ذلك من الأسباب المغلبة على الظن أنها زنت، [ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أتتْ] 4 به على نعتِ كذا فهو لفلان 5، وإن أتت على نعت كذا فهو للزوج (6») 7.6

فصل [في ألفاظ القذف] قال المصنف رحمه الله: (وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية.
فالصريح قوله: يا زاني، يا عاهر، زنى فرجك، ونحوه مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله).
أما كون ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية؛ فلأنها ألفاظ يرتب عليها حكم شرعي فانقسمت إلى ذلك كألفاظ الطلاق.
ولأن منها ما لا يحتمل غير القذف، ومنها ما يحتمل غيره، وذلك شأن الصريح والكناية.
وأما كون الصريح: يا زاني يا عاهر زنى فرجك ونحوه مما لا يحتمل غير القذف؛ فلأن الصريح ما لا يحتمل غيره، وذلك موجود هاهنا.
وأما كون القاذف لا يقبل قوله بما يحيل القذف؛ فلأن المصرح باطلاً لا يقبل قوله إذا ادعى ما يحيله.
فكذلك المصرح بالقذف.
قال: (وإن قال: يا لوطي، أو يا معفوج فهو صريح.
وقال الخرقي: إذا قال: أردت أنك من قوم لوط فلا حد عليه وهو بعيد.
وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال احتمل وجهين).
أما كون قول: يا لوطي صريحاً على قول غير الخرقي؛ فلأن اللوطي الزاني بالصبيان.
أشبه ما لو قال: يا زاني.
وأما كون قول: يا معفوج صريحاً على ذلك؛ فلأن معناه يا مفعولاً به فعل قوم لوط، وذلك صريح فهذا مثله.
فإن قيل: قد تقدم أن الصريح ما لا يحتمل غير القذف وهذا يحتمله.
قيل: معناه والله أعلم أنه صريح في الحكم لا في اللفظ.
فعلى هذا يجب الحد عليه كما لو قذفه بالزنى.

وأما كون قائل ذلك إذا قال: أردتُ أنك من قوم لوط لا حد عليه على قول الخرقي؛ فلأن كلامه يصح أن يراد به ذلك فإذا قال: أردته لم يجب الحد لشَكِّنا في المقتضي له لا سيما والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن إطلاق مثل ذلك وإرادة مثل ذلك فيه بُعد.
وأما كونه إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال يحتمل أن لا يحد؛ فلأن ما فسر كلامه محتمل الإرادة والحد يدرأ بالشبهة.
وأما كونه يحتمل أن يحد؛ فلأنه لا يراد بمثل ذلك اللفظ في الغالب غير الزنى.
فلم يقبل تفسيره بغيره؛ كما لو قال: يا زاني وفسره بغيره.
فإن قيل: ما المراد بعمل قوم لوط الذي ينتفي معه وجوب الحد؟ قيل: هو محبة الصبيان وتقبيلهم ونحو ذلك مما لا يوجب حداً.
قال: (وإن قال: لستَ بولد فلان فقد قذف أمه.
وإن قال: لستَ بولدي فعلى وجهين).
أما كون من قال: لستَ بولد فلان قد قذف أمه؛ فلأن ذلك يقتضي أن أمه أتت به من غير أبيه، وذلك قذف لها.
وأما كون من قال: لست بولدي قد قذف أمه على وجه؛ فلأنه نفاه عن نفسه.
أشبه نفي ولد 1 غيره عن أبيه.
وأما كونه غير قاذف لأمه على وجه؛ فلأن الإنسان يغلظ لولده في القول والفعل 2 فيحتمل أنه أراد بذلك التغليظ، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
قال: (وإن قال: أنتِ أزنى الناس أو أزنى من فلانة، أو قال لرجل: يا زانية أو لامرأة 3: يا زاني، أو قال: زنت يداك ورجلاك: فهو صريح في القذف في قول أبي بكر، وليس بصريح عند ابن حامد).

أما كون قول: "أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة" صريحاً في القذف في قول أبي بكر؛ فلأن أزنى معناه المبالغة في الزنى ففيه الزنى وزيادة 4.

وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن أفعل قد تجيء لغير ما ذكر.
فيحتمل أن يراد، وذلك يمنع كونه صريحاً.
وأما كون القول للرجل: يا زانية، وللمرأة: يا زاني 1 صريحاً في قول أبي بكر؛ فلأن ما كان قذفاً لأحد الجنسين كان قذفاً للآخر.
قياساً لأحدهما على الآخر.
ولأن ترك تاء التأنيث في موضعها وزيادتها في غير موضعها خطأ لا يغير معنى.
فلا يمنع وجوب الحد؛ كاللحن.
ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنى، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها.
وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن التكلم بمثل ذلك مجاز أو خطأ، وذلك ليس بشأن الصريح.
وأما كون قول: زنت يداك ورجلاك 2 صريحاً عند أبي بكر؛ [فلأن ذلك يطلق ويراد به زنى الفرج.
وأما كونه ليس صريحاً عند] 3 ابن حامد؛ فلأن النسبة حقيقة إلى ما ذكر فلا يصرف إلى غيره.
قال: (وإن قال: زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر.
وقال ابن حامد: إن كان يعرف العربية لم يكن صريحاً.
وإن لم يقل: في الجبل فهل هو صريح أو كالتي قبلها؟ على وجهين).
أما كون قوله: زنأت في الجبل مهموزاً صريحاً عند أبي بكر؛ فلأن العامة لا يفهمون من ذلك إلا القذف، ولا يفرقون بين مهموز وغيره.
أشبه ما لو قال: زنيت في الجبل.

وأما كون ذلك ليس صريحاً عند ابن حامد إذا كان يعرف العربية؛ فلأن الظاهر من العالم أنه يريد مدلول اللفظ، وذلك هو الصعود.
بخلاف غير العالم؛ فلأنه لا يفهم منه غير الزنى.
وأما كون قول ذلك إذا لم يقل معه في الجبل صريحاً وجهاً واحداً على وجه؛ [فلأنه مع عدم القول في الجبل يتمحض القذف.
وأما كونه كالتي قبلها على وجه] 1؛ فلأنه بمعناها؛ لاشتراكهما في الهمز.
فعلى هذا يكون في ذلك وجهان: أحدهما: يكون صريحاً في حق العامي والعالم بالعربية.
والثاني: يفرق بين العالم والعامي على ما تقدم تفصيله.
قال: (والكناية: نحو قوله لامرأته: قد فضحته وغطيت أو نكّست رأسه وجعلت له قروناً، وعلقت عليه أولاداً من غيره وأفسدت فراشه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنى، يا عفيف، أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة، أو يقول لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلاً يقذف رجلاً فيقول: صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه الآخر: فهذا كناية إن فسره بما يحتمله غير القذف قُبل قوله في أحد الوجهين، وفي الآخر جميعه صريح).
أما كون ذلك كناية في وجهٍ فلأنه يحتمل إرادة غير الزنى؛ مثل أن يريد بقوله: قد فضحته أي بشكواك، أو برداءة أصلك، وبقوله: غطيت أو نكّست رأسه أي 2 حياء من الناس من ذلك، وبقوله: جعلتِ له قروناً أي أنه مسخرٌ لك مطيعٌ منقادٌ كالثور، وبقوله: علَّقتِ عليه أولاداً من غيره أي من زوج آخر أو وطء شبهة، وبقوله: أفسدت فراشه أي بالنشوز أو 3 بالشقاق ومنع الوطء، وبقوله: يا حلال ابن الحلال أنه كذلك حقيقة، وبقوله: ما يعرفك الناس بالزنى حقيقة النفي، وبقوله: يا عفيف كونه كذلك حقيقة، وبقوله: يا فاجرة كونها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعتها فيه، وبقوله: يا قحبة وبقوله: يا خبيثة برداءة

أصلها، وبقوله لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي يا متخلقاً بأخلاق أحد هؤلاء، وبقوله: صدق عند سماعه رجلاً يقذف رجلاً أنه صادق في غير الأخبار المذكورة، وبقوله: أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه آخر 1 أني موافق للكذب.
وإذا احتمل ذلك جميعه غير القذف تعين كونه كناية؛ لأن ذلك شأن كل الكنايات.
فعلى هذا إذا فسر كلامه بأحد الاحتمالات المذكورة أو ما يقوم مقامها قُبل؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله.
وأما كون جميع ذلك صريحاً في وجهٍ؛ فلأن الظاهر من حاله أنه لم يرد شيئاً مما ذكر، والغالب استعمال الألفاظ المذكورة في القذف.
فوجب حملها عليه بظاهرَي الحال والاستعمال.
فعلى هذا إذا قال: أردت أحد هذه الاحتمالات لم يقبل قوله؛ لأن هذا شأن الصريح.
ولهذا لو قال المطلق بصريح الطلاق: أردتُ غيره لم يقبل.
قال: (وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنى من جميعهم عُزِّر ولم يحد).
أما كون من ذكر يعزر؛ فلأنه واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وذلك موجود هاهنا.
وأما كونه لا يحد؛ فلأن الحد إنما وجب لما يلحق المقذوف من العار بالزنى، وذلك يستدعي إمكانه من فاعله، وذلك منتفٍ هاهنا.
ضرورة عدم تصوره.
قال: (وإن قال لرجل: اقذفني فقذفه فهل يحد؟ على وجهين).
أما كون القاذف المذكور يُحد على وجه؛ فلأن الموجب له القذف، وهو موجود.
وقول 2 [المقذوف: اقذفني لا أثر له؛ لأن القذف لا يباح بلا حاجة] 3. وأما كونه لا يحد على وجه؛ فلأن المقذوف رضي بقذفه.
أشبه ما لو قذف نفسه.

وقال صاحب النهاية فيها: وعندي أن هذا -يعني الخلاف- ينبني على أن حد القذف هل هو حق لله أو لآدمي؟ فإن قيل: لله وجب، وإلا لم يجب.
وهو معنى صحيح يجب أن يُلحظ.
قال: (وإن قال لامرأته: يا زانية قالت: بك زنيت لم تكن قاذفة، ويسقط عنه الحد بتصديقها).
أما كون المرأة القائلة ما ذكر لا تكون قاذفة للقائل لها: يا زانية؛ فلأن ذلك لا يستعمل في القذف للقذف؛ لأنه لا يراد به حقيقة ذلك، ألا ترى أنه لو قيل لشخص: يا سارق فقال: معك سرقت لم يكن معناه الإخبار بالسرقة 1 بل معناه كما لم تسرق أنت فكذا أنا.
وأما كون الحد يسقط عن القاذف؛ فلأنه رماها بالزنا، وفي قولها: بك زنيت تصديق له، وذلك يوجب إسقاط الحد كما لو قال: زنيت فقالت: صدقت.
وقال أبو الخطاب في هدايته: يكون الرجل قاذفاً لها؛ لأنه نسبها إلى الزنى وتصديقها لم ترد به حقيقة الفعل بدليل أنه لو أريد ذلك لوجب كونها قاذفة له.
قال: (وإذا 2 قُذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة.
وإن قذفت وهي ميتة.
مسلمة كانت أو كافرة.
حرة أو أمة: حد القاذف إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً.
ذكره الخرقي.
وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة).
أما كون المرأة إذا قُذفت لا يكون لولدها المطالبة إذا كانت أمه في الحياة؛ فلأنه حق ثبت للتشفي.
فلا يقوم فيه غير المستحق مقام المستحق، والمستحق هنا الأم.
فلم يقم الولد مقامها.
وأما كونها إذا قُذفت ميتة يحد القاذف على ما ذكره الخرقي؛ فلأن القاذف قَدَح في نسب الحي، وذلك أنه إذا قذف أمه فقد نسبه إلى أنه ولد من زنى.
وفي قول المصنف رحمه الله: مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة إشعار بأن الحد هنا لم يجب للولد بطريق الإرث؛ لأنه لو وجب على سبيل الإرث لاعتبر

شرائط الإحصان في المقذوف.
وقد صرح بذلك المصنف رحمه الله في المغني فقال: إنما ملك الابن مطالبة القاذف؛ لأنه قدح في نسب الحي.
وأما قوله: إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً فشروط في حد القذف: أما الطلب؛ فلأنه حق من الحقوق فلا يستوفى بغير طلب مستحقه؛ كسائر الحقوق.
وأما حرية الابن وإسلامه؛ فلأن الحد وجب للقدح في نسبه.
فإذا لم يكن كذلك لم يجب الحد.
ولأن القدح في نسب الحي ليس أسوأ حالاً من نسبة الحي نفسه إلى الزنى، ولو قذف الحي بالزنى اعتبر حريته وإسلامه.
فكذا هاهنا.
وأما كون الحد لا يجب بقذف ميتة على قول أبي بكر؛ فلأن الميتة لا تعيَّر والحي لم يقدح فيه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد.
ولأنه يحتمل أن الأم لو كانت حية لصدقته، وذلك شبهة توجب سقوط الحد.
قال: (وإن مات المقذوف سقط الحد، ومن قذف أمّ النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً كان أو كافراً).
أما كون الحد يسقط إذا مات المقذوف؛ فلأن شرطه 1 مطالبة مستحقه به، وهي لا تتصور مع موته.
وأما كون من قذفَ أمّ النبي صلى الله عليه وسلم يقتل؛ فلأنه يكفر بقذفه لها؛ لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر.
وأما كون من فعل ذلك يقتل مسلماً كان أو كافراً؛ فلاستوائهما في الموجب للقتل.
ولأن المسلم إذا قتل بذلك.
فلأن يقتل الكافر بطريق الأولى.

قال: (وإن قذف الجماعة بكلمة واحدة 1 فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم.
وعنه: إن طالبوا متفرقين حد لكل واحد حداً.
وإن قذفهم بكلمات حد لكل واحد حداً.
وإن حُدَّ القاذف فأعاده لم يعد عليه الحد).
أما كون من قذف الجماعة بكلمة واحدة يحد حداً واحداً على المذهب؛ فلأنه قذف واحد.
فلم يجب فيه إلا حد واحد.
ولأن الحد إنما وجب لإدخال المَعْيرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وترك المعيرة.
فوجب أن يكتفى به.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا طالبوا أو واحد منهم؛ فبيان لاشتراط الطلب لوجوب الحد؛ لأن الحد حق.
فلم يُستوف بغير طلب؛ كالمال.
وأما كونه يحد لكل واحد حداً إذا طالبوا متفرقين على روايةٍ؛ فلأنه إذا طلب واحد أولاً لزم إقامة الحد من أجله، وإذا طلب الآخر لزم أيضاً.
وأما كون من قذفهم بكلمات يحد لكل واحد حداً؛ فلأن حدود القذف حقوق آدميين.
فلم تتداخل؛ كالديون والقصاص.
وأما كون من حُدّ للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد؛ فلأنه حُد به مرة.
فلم يحد به ثانياً.

باب حد المسكر

الأصل في تحريم ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه -إلى قوله-: فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: 90 - 91]. وأما السنة؛ فقول النبي عليه السلام: «كل مسكرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام» 1. رواه أبو داود.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم ذلك.
فإن قيل: فقد روي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: هي حلال.
قيل: قد رجعوا عن ذلك.
نقله المصنف رحمه الله في المغني.
قال المصنف رحمه الله: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أيّ شيء كان، ويسمى خمراً، ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي ولا لعطش ولا غيره؛ إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها فيجوز).
أما كون قليل ما أسكر كثيره حراماً؛ فلما روى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» 2. رواه أبو داود.
وأما كونه يسمى خمراً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكرٍ خمر».
وهذا مسكر.
ولأن الخمر ما خامر العقل أي غطاه وستره، وهذا موجود في [كل مسكر.

وأما كونه لا يحل شربه للذة؛ فلعموم قوله: ] 1 «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام» 2، وقوله: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» 3. رواهما أبو داود.
وأما كونه لا يحل شربه للتداوي؛ فلما روى طارق بن شهاب: «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر وقال 4: إنما أصنعُها 5 للدواءِ.
فقال: إنه ليسَ بدواء ولكنه دَاء» 6. وعن مخارق «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ على أم سلمة ونبذت نبيذاً في جر فخرجَ النبيذ يهدر.
فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكتْ بطنها فنعت لها.
فدفعه برجله فكسرهُ وقال: إن الله لم يجعلْ فيما حرم عليكمْ شفاء» 7. رواهما الإمام أحمد.
ولأن الخمر محرم لعينه.
فلم يجز شربه للتداوي؛ كلحم الخنزير.
وأما كونه لا يحل شربه لعطش؛ فلأنه لا يذهبه ولا يزيله ولا يدفع 8 محذوره.
فوجب بقاؤه على تحريمه.
عملاً بالأدلة المقتضية لذلك مع سلامتها 9 عن المعارض.
وأما كونه لا يحل شربه لغير ذلك إذا لم يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها؛ فلما تقدم من عموم الأدلة المقتضية للتحريم.
فلأن لا تحل مع عدم الحاجة إليه بطريق الأولى.

وأما كونه يجوز شربه إذا اضطر إليه 1 لدفع لقمة غصّ بها؛ مثل: أن لا يجد ما يدفعها به إلا الخمر؛ فلأن الله تعالى قال في آية التحريم: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: 173]. ولأن حفظ النفس مطلوب ولذلك يباح أكل الميتة إذا اضطر إليها وهو موجود هنا.
فوجب جوازه تحصيلاً لحفظ النفس المطوب حفظها.
قال: (ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر.
قليلاً كان أو كثيراً: فعليه الحد ثمانون جلدة إن كان حراً.
وعنه: أربعون، والرقيق على النصف من ذلك، إلا الذمي فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب).
أما كون من شرب الخمر عليه الحد في الجملة؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» 2. رواه أبو داود.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعلياً جلدوا شاربها.
وأما كونه عليه الحد قليلاً كان ذلك أو كثيراً؛ فلأن القليل خمر فدخل في عموم قوله عليه السلام: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» 3. رواه أبو داود.
ولأنه شراب فيه شدة مُطربة.
فوجب الحد بشرب قليله؛ كالكثير.
وأما كونه يشترط لكون الحد 4 عليه أن يشربه مختاراً؛ فلأن من شربه مكرهاً لا حدَّ عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» 5.

وأما كونه يشترط لذلك أن يشربه عالماً أن كثير ذلك يسكر؛ فلأن من شربه غير عالم بذلك لا حد عليه؛ لأنه غير قاصد إلى ارتكاب المعصية.
أشبه من وطئ امرأة وظنها 1 زوجته.
وعن عمر رضي الله عنه: «لا حدَّ إلا على من علِمَه» 2. وليس المراد من علمَ التحريم؛ «لأن عمر رضي الله عنه حدّ قدامة بن مظعون» 3 وهو يعتقد حلها.
فتعين أن يراد بالعلم علم أن كثير ذلك يُسكر.
وأما كون حد الخمر ثمانين جلدة على روايةٍ إن كان الشارب حراً؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه استشارَ الناس في حد الخمر.
فقال عبدالرحمن: اجعله كأخفِّ الحدود.
فضرب عمرُ ثمانين» 4. وروي: «أن عليًا قال في المشورة: إذا سكِرَ هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري» 5. وروى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
وأما كونه أربعين على روايةٍ إن كان كذلك؛ فـ «لأن علياً رضي الله عنه جلدَ الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: جلدَ النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنةٌ، وهذا أحبُ إليّ» 6. رواه مسلم.
وعن أنس قال: «أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برجلٍ قد شربَ الخمر فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أُتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أُتي به عمر فاستشار الناس في الحد فقال ابن عوف: أقلُّ الحدودِ ثمانونَ.
فضربه عمر» 7 متفق عليه.

فإن قيل: فعل عمر 1 كان بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً.
قيل: فعل النبي صلى الله عليه وسلم أولى من فعل غيره.
ويحمل فعل عمر على أنه رأى الزيادة على وجه التعزير.
ودعوى الإجماع لا تصح؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع على شيء قد خالف فيه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما.
وأما كون حد الرقيق على النصف من الحر؛ فلأنه على النصف في الزنى.
فلأن يكون على النصف من شرب الخمر بطريق الأولى.
وأما كون الذمي لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب؛ فلأنه لا يعتقد تحريمه.
بخلاف الزنى وشبهه.
قال: (وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين).
أما كون الحد يجب بوجود الرائحة على روايةٍ؛ فلأن ذلك نقل عن عمر وابن مسعود 2. ولأن الرائحة تدل على الشرب [فجرى مجرى الإقرار.
وأما كونه لا يجب بذلك على روايةٍ] 3؛ فلأنه يحتمل أن يكون 4 تمضمض بالخمر أو شربه ظناًّ أنه لا يسكر، أو كان مكرهاً، أو أكل نبقاً بالغاً، أو شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر.
فإذا احتمل ذلك لم يجب الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهات.

وهذه أصح؛ لما ذكر وفعل عمر قد روي أن من وجدت منه الرائحة أو أقر 1 بالشرب؛ لأنه روي أنه قال: «وجدتُ من عبدالله ريحاً من الشراب.
فأقرّ عنده أنه شرب فقال عمر: إنه سائلٌ عنه فإن كان يُسكرُ جلدتُه» 2. قال: (والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام حَرُم؛ إلا أن يَغلي قبل ذلك فيحرم.
نص عليه، وعند أبي الخطاب: أن هذا محمول على عصير يتخمّر في ثلاث غالباً).
أما كون العصير الذي يقذف بزبده ويغلي غليان القدر يحرم بلا خلاف فيه؛ لصحة إطلاق الخمر عليه.
وأما كونه إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يوجد فيه ذلك يحرم على المنصوص عن الإمام رحمة الله عليه 3؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا العصيرَ ثلاثاً ما لم يغل» 4. وجه الحجة: أنه قيد الشرب بالثلاث، وذلك يدل على نفي الشرب فيما زاد عليها.
وفي حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُنبذُ له الزبيب ويشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة.
ثم يؤمرُ به فيُسقَى الخدم أو يُهراق» 5. رواه أبو داود.
فإن قيل: قوله: «فيسقى الخدم» دليل على إباحته 6. ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالباً وهي خفية تحتاج إلى ضابط والثلاث تصلح 7 ضابطاً لها.
فوجب اعتباره بها.
وقال ابن عمر: «اشربه ما لم يأخذه شيطانه.
قيل: وفي كمْ يأخذه شيطانه؟ قيل: في ثلاث».

وأما كونه لا يحرم عند أبي الخطاب حتى يغلي؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا في كل وعاءٍ، ولا تشربوا مسكراً» 1. ولأن علة التحريم الشدة المُطربة، وذلك في المسكر لا في غيره.
وأجاب عن إطلاق الإمام القول بأن المراد عصير يتخمر في ثلاث غالباً 2. قال: (ولا يكره أن يترك في الماء تمراً أو زبيباً ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث).
أما كون ترك ما ذكر في الماء لا يكره؛ فلما تقدم في 3 حديث ابن عباس «أنه كان ينبذُ له الزبيبَ فيشربه» 4. وأما كونه يحرم إذا اشتد؛ فلما روى أبو هريرة قال: «علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومُ.
فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء.
ثم أتيتهُ به فإذا هو يَنشّ.
فقال: اضرب بهذا الحائط.
فإن هذا شرابُ من لا يؤمن بالله واليوم الآخر» 5. رواه أبو داود.
ولأنه إذا بلغ ذلك صار مسكراً، وكل مسكر حرام.
وأما كونه يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام؛ فلأن ذلك في مظنة الاشتداد.
أشبه العصير.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: ولا يكره أن يترك... إلى قوله: ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث لا يدل على التحريم.
يجوز أنه 6 يكره عند ذلك؛ لأن الكراهة قبل الحرمة.
قيل: أما إذا اشتد فلا خلاف فيه في المذهب، والحديث المذكور وما تقدم يدل عليه.
وأما إذا أتى عليه ثلاث ففيه الخلاف المتقدم ذكره في العصير؛ لأنه في معناه.

قال: (ولا يكره الانتباذ في الدُّبّاء والحَنْتَمِ والنّقيرِ والمزَفّتِ.
وعنه: يكره).
أما كون ما ذُكر لا يكره على المذهب؛ فلما روى بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظُروف الأُدم فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا» 1. رواه مسلم.
وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ فيها» 2. والأول أصح؛ لأن دليله يصلح ناسخاً لدليل الرواية الثانية.
قال: (ويكره الخليطان وهو: أن ينبذ شيئين كالتمر والزبيب، ولا بأس بالفقاع).
أما كون الخليطين يكره أن ينبذا؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين» 3. وأدنى أحوال النهي الكراهة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن ينبذ شيئين؛ فبيان لمعنى الخليطين المكروه [أن ينبذا] 4. وأما كون الفقاع لا بأس بشربه؛ فلأنه لا يسكر، وإذا 5 ترك فسد.
بخلاف الخمر.
ولأن 6 أصل الأشياء على الإباحة حتى يرد محرم، ولم يرد ذلك في الفقاع.
فوجب بقاؤه على مقتضى الأصل.

باب التعزير

سمي التعزير بذلك؛ لأنه يَمنع من تعاطي القبيح، والأصل في التعزير: المنع.
ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه.
قال المصنف رحمه الله: (وهو التأديب.
وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإتيان المرأة المرأة، وسرقة ما لا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنى ونحوه).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو التأديب؛ فبيان لمعنى التعزير.
وفسره المصنف رحمه الله في المغني بالعقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها، وهو قريب مما ذكره هنا.
وأما كونه واجباً في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فلأن المعصية تفتقر إلى ما يمنع من فعلها.
فإذا لم يجب فيها حد ولا كفارة وجب أن يشرع فيها التعزير؛ لتحقق المانع من فعلها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ينبغي أن يتقيد قول أصحابنا في 1 وجوبه -يعني في وجوب التعزير- بما نص على التعزير فيه؛ كوطء بهيمة، أو جارية امرأته، أو جارية مشتركة، أو نحو ذلك مما لا بد من التعزير فيه؛ لأنه منصوص على تأديبه.
فوجب؛ كالحدود.
وما عداه يكون على 2 ما رآه الإمام إن رأى 3 أن المصلحة فيه وجب عليه وإلا لم يجب عليه؛ لأنه يروى «أن رجلاً أتى النبي

صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيتُ امرأةً فأصبت منها ما دون أن أطأها.
فقال: أصليتَ معنا؟ قال: نعم.
فتلا عليه: ﴿إن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئات﴾ [هود: 114]» 1. وروي: «أنه قال في الأنصار: اقبلُوا من محسنهم، وتجاوزُوا عن مُسيئهم» 2، و «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم حكمه 3 للزبير: أَن كان ابن عمتِكَ.
فغضبَ النبي صلى الله عليه وسلم» 4 ولم يعزّره على مقالته.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالاستمتاع إلى آخره؛ فبيان لمواضع وجوب التعزير ونظر 5 إلى عموم قوله: في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
فإن قيل: ما الدليل على كون هذه الأشياء معصية؟ قيل: أما الاستمتاع الذي لا يوجب الحد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله سيئة، ولذلك قال للرجل الذي قال: «لقيتُ امرأةً فأصبتُ منها ما دون أن أطأها: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: 114]» 6. وأما إتيان المرأة المرأة؛ فلأن في الحديث: «إذا أتتِ المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان».
وأما سرقة ما لا يوجب القطع؛ فلأن ذلك داخل في قوله عليه السلام: «لا يحل مالُ امرء مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» 7. وأما الجناية بما لا قصاص فيه؛ فلأنه تعدى على الغير.
أشبه الجناية التي فيها القصاص.

فإن قيل: القياس المذكور يقتضي مشروعية القصاص في ذلك أيضاً والتعزير خلافه.
قيل: تعذر القصاص [لمعنى يختص به: من عدم انتهائه إلى موضع يقتص منه.
وقد نبه على ذلك في مواضعه.
فانتفاء القصاص] 1 لمعنى يختص به لا يمنع من ثبوت الحرمة لوجهين: أحدهما: أن القصاص يقتضي الإلحاق 2 مطلقاً.
ترك العمل به في القصاص؛ لما ذكر.
فبقي فيما عداه على مقتضاه.
والثاني: أن المواضع التي فيها القصاص إنما حرمت الجناية عليها؛ لما فيه من التعدي على الغير، وذلك بعينه موجود فيما لا قصاص فيه.
قال: (ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له 3 فيجلد مائة.
وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين.
ولا يسقط بالإباحة في غير هذا الموضع).
أما كون من وطئ أمة امرأته ولم تكن أحلتها له عليه الحد؛ فلما يأتي من حديث النعمان بن بشير بعد.
ولأن وطء في فرج من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ملك فوجب الحد؛ كوطء أمة غير زوجته.
وأما كونه يجلد مائة إذا أحلتها له؛ فلما روي «أن رجلاً يقال له عبدالرحمن بن حنين 4 وقع على جارية امرأته.
فرُفعَ إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة.
فقال: لأقضينّ فيك بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كانت أحلَّتْها لك جَلدتُك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتُكَ بالحجارة.
فوُجدت أحلتها له.
فجُلدَ مائة» 5. رواه أبو داود.

[وأما كونه يلحقه نسب ولدها على روايةٍ؛ فلأنه لا يجب به الحد.
أشبه وطء الأمة المشتركة] 1. وأما كونه لا يلحقه على روايةٍ؛ فلأنه وطء في غير ملك.
أشبه وطء أمة غير زوجته.
وأما كون الحد لا يسقط بالإباحة في غير إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ فلأن الوطء حرام لا يباح بالإباحة، ومقتضى ذلك وجوب الحد مطلقاً.
تُرك العمل به في إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ لما تقدم من الحديث.
فيبقى فيما عدا ذلك على مقتضاه.
قال: (ولا يُزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلدُ أحدٌ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حد من حدودِ الله» 2. وعنه: ما كان سببه الوطء كوطء جاريته المشتركة والمزوجة ونحوه ضرب مائة ويسقط عنه النفي، وكذلك يتخرج فيمن أتى بهيمة.
وغير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود).
أما 3 كون التعزير لا يزاد فيه على عشر جلدات في غير هذا الموضع على المذهب؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من الحديث المتقدم ذكره عن أبي بردة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجلد أحدٌ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدودِ الله» 4 متفق عليه.
وأما كون ما كان سببه الوطء يضرب فيه مائة على روايةٍ؛ فلأن حديث النعمان بن بشير دل على ضرب المائة فيمن وطئ جارية امرأته بإذنها.
فيتعدى إلى وطء أمته المشتركة والمزوجة ونحوه؛ لأنهم في معناها.

وأما كون من أتى بهيمة على القول بوجوب التعزير فيه يتخرج فيه مثل ذلك؛ فلأنه وطء.
أشبه وطء أمة امرأته.
وأما كون غير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بلغَ حداً في غير حدٍ فهو من المعتدين» 1. وعن عمر: «أنه كتب إلى أبي موسى: لا تبلغ بالتعزيرِ أدنى الحدود».
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ما كان سببه الوطء يجلد فيه مائة إلا سوطاً لينقص عن حد الزنى، وفي الحديث عن عمر: «في أمة بين رجلين وطئها أحدهما: يجلد الحدُ إلا سوطاً واحداً» 2. رواه الأثرم.
قال: (ومن استمنى بيده لغير حاجة عزر.
وإن فعله خوفاً من الزنى فلا شيء عليه).
أما كون من استمنى بيده 3 لغير حاجة يعزر؛ فلأنه فعل محرماً.
بدليل أنه وطءٌ منهي عنه من حيث إنه في غير محل الحرث، وفي الأثر: «لعنَ اللهُ ناكِحَ يده».
وأما كون من فعل ذلك خوفاً من الزنى لا شيء عليه؛ فلأن ذلك حال ضرورة وحاجة.
أشبه نكاح الأمة في حق الحر إذا خاف الزنى وعدم الطَّوْل.
وروى عبدالله بن أحمد بإسناده عن ابن زياد عن أبيه قال: «كانوا يفعلونه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم».
والظاهر أنه كان يبلغه ولا ينكره.
ولأنه لا يجوز أن يقدم الصحابة على ذلك إلا بإذن.
وعن ابن عباس: «أنه سُئل عن ذلك قال: كان المهاجرونَ يفعلونه 4 في مغازيهم يستعفونَ به»، وروي عن عكرمة.

فإن قيل: الحديث الأول يدل على التحريم مطلقاً، [وفعل الصحابة يدل على الجواز مطلقاً] 1. فما وجه التفرقة بين 2 خوف الزنى وغيره؟ قيل: يجب حمل الحديث على من فعل ذلك لغير حاجة، وفعل الصحابة على الخوف المذكور؛ لأن فيه جمعاً بين الحديث وفعل الصحابة، وفي المنقول عن الصحابة ما يدل على لحظ ذلك من أن الفعل المنقول كان في المغازي التي هي مظنة الخوف من الزنى؛ لعدم استصحاب الرجل لزوجته في الغزو عادة، ويعضده قول الراوي: «يستعفونَ به»؛ لأن في هذا إشارة إلى ما ذكر.
فعلى هذا ظاهر كلام المصنف رحمه الله لا يشترط في الإباحة خوف العنت.
وقال أبو الخطاب في رؤوس مسائله: والاستمناء محرم إلا أن يخاف العنت ولا يجد طَوْل حرة ولا أمة.
وهو شرط حسن يجب أن يلحظ إلا أن يكون المحتاج إليه له زوجة وهو في موضع لا يتمكن من وطئها؛ كمغازي الصحابة المذكورة.

باب القطع في السرقة

الأصل في قطع السارق الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: 38].
وأما السنة؛ فما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقطعُ الأيدي في ربع دينار فصاعدًا» 1. وقال 2 النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلكَ 3 من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفَ قطعوه» 4 متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجب إلا بسبعة أشياء: أحدها 5: السرقة.
وهي: أخذ المال على وجه الاختفاء.
ولا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولا جاحد وديعة ولا عارية.
وعنه: يقطع جاحد العارية).
أما كون القطع لا يجب إلا بسبعة أشياء؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون أحدها السرقة؛ فلأن الله تعالى أوجب القطع على السارق.
فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي أخذ المال على وجه الاختفاء؛ فبيان لمعنى السرقة.
ومنه: استرق السمع؛ لأنه يستمعه مختفياً.

وأما كون المنتهب لا قطع عليه؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسَ على المنتَهِبِ قطع» 1. رواه أبو داود.
ولأن الواجب قطع السارق، والمنتهب ليس بسارق.
وأما كون المختلس لا قطع عليه؛ فلأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليسَ على الخائنِ قطعٌ، ولا على المختلِس قطع» 2. رواه أبو داود.
وأما كون الغاصب لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على المختلس والخائن.
فلأن لا يجب على الغاصب بطريق الأولى 3. وأما كون جاحد الوديعة لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على الغاصب.
فلأن لا يجب على جاحد الوديعة بطريق الأولى.
وأما كون جاحد العارية لا قطع عليه على روايةٍ؛ فلأنه خائن.
فلم يجب قطعه؛ لما تقدم من الحديث.
وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلما روي عن عائشة «أن امرأة كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحده.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
فأتى أهلها أسامة فكلموهُ [فكلمَ النبي صلى الله عليه وسلم] 4. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هلكَ من كان قبلكم بأنهم إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوهُ، والضعيفَ قطعوهُ.
والذي نفسي بيده لو كانتْ فاطمةُ بنت محمد سرقت 5 لقطعتُ يدها.
قالت: فقُطعت يدها» 6 متفق عليه.
والأولى أصح؛ لما تقدم.

والمرأة المذكورة في حديث عائشة: المخزومية وهي سارقة؛ لما روي عن عائشة «أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت... وذكرت القصة» 1. رواه البخاري.
فإن قيل: يحتمل أن تكون القصة مختلفة.
قيل: يجب أن تكون هي هي؛ لأن في ذلك جمعاً بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الكتاب.
قال: (ويقطع الطرَّار.
وهو: الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه.
وعنه: لا يقطع).
أما كون الطرّار يقطع على المذهب؛ فلأنه أخذ مال غيره على وجه الاختفاء.
أشبه السارق.
وأما كونه لا يقطع على روايةٍ؛ فلأنه لا يسمى سارقاً ولا هو في معنى السارق من حيث إنه يأخذه من غير حرز، وإذا كان كذلك وجب إلحاقه بالخائن.

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون المسروق مالاً محترماً.
سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ أو لا.
وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب).
أما كون الثاني من شروط القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترماً: أما اشتراط كونه مالاً؛ فلأن ما ليس بمال لا حرمة له.
فلم يجب به قطع.
ولأن الأحاديث الدالة على وجوبه من قوله صلى الله عليه وسلم: «تقطعُ اليدُ في ربع دينار فصاعداً» 1 وغير ذلك مشتملة على أخذ المال.
فإذا لم يكن المسروق مالاً لم يكن ذلك دالاً على القطع بطريق اللفظ ولا بطريق المعنى.
أما عدم دلالته بطريق اللفظ؛ فلأن اللفظ لا يشمل ذلك.
وأما عدم دلالته بطريق المعنى؛ فلأن غير المال لا يساوي المال.
فلا يصح إلحاقه به.
فإن قيل: الأحاديث إذا كانت مشتملة على المال فالآية المذكورة ليست مشتملة على ذلك؛ لأنه قال سبحانه: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: 38] من غير تعرض لكون المسروق مالاً أو غير مال.
قيل: الآية مطلقة والأحاديث مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد.
فعلى هذا لا يقطع بسرقة الكلب وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة الحر؛ لأنه ليس بمال.
وعلى هذا فقس.
وأما اشتراط كون المسروق محترماً؛ فلأن المال إذا لم يكن محترماً كمال الحربي تجوز سرقته وأخذه بكل وجه، وجواز الأخذ ينفي وجوب القطع.

وأما كون ما يسرع إليه الفساد وما لا يسرع إليه سواء في وجوب القطع؛ فلأن قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38]: يشملهما.
وفي الحديث «أن عثمان 1 رضي الله عنه أُتي برجل قد سرقَ أُترُجّة فأمرَ بها عثمان 2 فقوّمت فبلغت قيمتُها ربعَ دينار فأمرَ به فقُطع» 3. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سُئلَ عن الثمر المعلَّق.
فقال: لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ.
ثم قال: ومن سرقَ منه شيئاً بعد أن يُؤويهُ الجرينُ فبلغَ ثمنَ المِجَنّ فعليهِ القطع» 4. رواه أبو داود.
ولأن ما يسرع إليه الفساد نوع مال.
فجاز أن يتعلق به القطع؛ كالذي يمكن تجفيفه.
وأما كون ما كان ثميناً أو غير ثمين 5 سواء في وجوب القطع؛ فلأن الآية المتقدم ذكرها تشملهما.
ولأن المعتبر قيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار، وذلك موجود في الثمين وغيره.
قال: (ويقطع بسرقة العبد الصغير.
ولا يقطع بسرقة حر وإن كان صغيراً.
وعنه: يقطع بسرقة الصغير، فإن قلنا لا يقطع فسرقه وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين).
أما كون سرقة العبد الصغير يقطع فيها؛ فلأنه مملوك.
فوجب القطع بسرقته؛ كسائر الحيوانات المملوكة.

والمراد بالصغير هنا غير المميز؛ لأن مثل هذا 1 لا يفهم ولا يميز بين سيده وغيره.
وفي تقييد القطع بكون العبد صغيراً إشعار بأن سرقة العبد الكبير لا يقطع بها وهو صحيح؛ لأن العبد إذا كان كبيراً لا يمكن سرقته؛ لأنه له اختيار وإرادة.
فإذا طلب غير سيده أخذه لا يمكنه ذلك إلا باختياره.
فلم يكن الأخذ المذكور سرقة؛ كما لو هرب بنفسه من غير أن يأخذه أحد 2 معه.
وأما كون سرقة الحر الكبير لا يقطع بها؛ فلأنه ليس بمال، ومن شرطه كون المسروق مالاً.
ولأن الكبير لا يمكن سرقته.
ولأنه لم يجب القطع بسرقة العبد الكبير.
فلأن لا تجب بسرقة الحر الكبير بطريق الأولى.
وأما كون سرقة الحر الصغير لا يقطع بها على المذهب؛ فلما تقدم من أنه ليس بمال.
أشبه الحر الكبير.
وأما كونه 3 يقطع بها على روايةٍ؛ فلأنه مسروق يتبع آخذه.
أشبه المال والبهيمة.
وبهذا فارق الحر الكبير فإنه لا يتبع أحداً إلا باختياره وإرادته.
وأما كون من سرق الحر الصغير وعليه الحلي يقطع على وجه إذا قيل لا يقطع؛ فلأنه سرق نصاباً من الحلي.
فوجب القطع؛ كما لو سرقه منفرداً.
ولأن سارق ذلك سارق.
فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ [المائدة: 38].
وأما كونه لا يقطع على وجه؛ فلأنه تابع لما لا يجب القطع بسرقته.
أشبه ثيابه.
ولأن يد الصبي على ما عليه.
بدليل أن ما يوجد مع اللقيط يكون له، وإذا كانت يد الصبي على حليه وجب كونه تبعاً، وإذا كان تبعاً لم يقطع؛ كالمتبوع.

قال: (ولا يقطع بسرقة مصحف.
وعند أبي الخطاب يقطع، ويقطع بسرقة سائر كتب العلم) 1. أما كون سرقة المصحف لا يقطع بها وهو قول أبي بكر والقاضي؛ فلأن المقصود منه كلام الله، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه.
وأما كونها يقطع بها عند أبي الخطاب؛ فلظاهر قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38].
وأما كون سرقة سائر كتب العلم يقطع بها؛ فلأن ذلك مال حقيقة وشرعاً.
قال: (ولا يقطع بسرقة آلة لهو ولا محرم؛ كالخمر.
وإن سرق آنية فيها الخمر، أو صليباً، أو صنم ذهب لم يقطع، وعند أبي الخطاب يقطع).
أما كون سرقة آلة اللهو والمحرم؛ كالخمر لا يقطع بها؛ فلأنه له سلطان على ذلك لإباحة الشرع كسر آلة اللهو وإزالة المحرم.
فكان ذلك شبهة مانعة من القطع.
وأما كون من سرق آنية فيها الخمر لا يقطع عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه اتصل بما لا قطع فيه.
أشبه ما لو سرق مشتركاً بينه وبين غيره بحيث تبلغ قيمة نصيب شريكه نصاباً.
وأما كونه يقطع عند أبي الخطاب؛ فلأنه نصاب سُرق من حرزه لا شبهة فيه 2. فوجب القطع فيه؛ كما لو سرقه فارغاً.
وأما كون من سرق صليباً أو صنماً من ذهب لا يقطع وهو قول القاضي، ويقطع عند أبي الخطاب؛ فلما تقدم في سرقة آلة اللهو.

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يسرق نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض.
وعنه: أنها ثلاثة دراهم 1 أو ربع دينار أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما.
وعنه: لا تقوّم العروض إلا بالدراهم).
أما كون الثالث من شروط القطع في السرقة [أن يسرق] 2 نصاباً؛ فلأنه إجماع الصحابة.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا قطعَ إلا في ربع دينار فصاعدا» 3. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38]، وقوله عليه السلام: «لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ الحبلَ فتقطعُ يده، ويسرقُ البيضةَ فتقطعُ يده» 4 يدلان على 5 وجوب القطع في القليل والكثير.
قيل: ما تقدم من الإجماع والأحاديث يخص عموم الآية.
وأما الحديث المذكور فيجب حمله على حبل أو بيضة تبلغ قيمة كل واحد منهما نصاباً؛ لأنه مطلق.
وحديث النصاب مقيد والمطلق يحمل على المقيد.
فإن قيل: حمل الحبل على حبل قيمته نصاب ليس ببعيد، أما حمل البيضة على ذلك ففي غاية البُعد.

قيل: لا يبعد ذلك كثيراً؛ لأن كثيراً من بيض النعام يساوي ذلك.
فيجب أن يحمل الحديث عليه؛ لما فيه من الجمع الذي هو أولى من ترك أحد الحديثين.
وأما كون النصاب 1 ثلاثة دراهم؛ فلأن غيرها يقوم بها؛ لما يأتي.
فلأن يقطع بها نفسها بطريق الأولى.
وأما كونه قيمة ذلك من الذهب والعروض؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعَ في مِجَنّ قيمة ثمنه ثلاثة دراهم» 2 متفق عليه.
وأما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو قيمة أحدهما من غيرهما على روايةٍ: أما كونه ثلاثة دراهم؛ فلما تقدم.
وأما كونه ربع دينار؛ [فلما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقطعُ اليدُ في ربعِ دينار] 3 فصاعدًا» 4. وأما كونه قيمة أحدهما من غيرهما: أما كونه يقوّم بثلاثة دراهم؛ فلما تقدم في حديث ابن عمر.
وأما كونه يقوّم بالذهب؛ فلأن ما كان الورق فيه أصلاً كان الذهب فيه أصلاً كنصُبِ الزكوات والديات وقيم المتلفات، و «أُتي عثمان رضي الله عنه برجلٍ قد سرق أُترُجّة فأمرَ بها فقوّمت فبلغتْ قيمتُها ربع دينار.
فأمر به فقُطع» 5. وأما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو قيمة ثلاثة دراهم على روايةٍ: أما كونه ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ فلما تقدم.
وأما كونه قيمته ثلاثة دراهم فقط؛ فلأن المجنّ قوّم بها لا بالذهب.

قال: (وإذا سرق نصاباً ثم نقصت قيمته، أو مَلَكه ببيع أو هبة أو غيرها: لم يسقط القطع).
أما كون القطع إذا نقصت قيمة المسروق بعد إخراجه من الحرز لا يسقط؛ فلأن النقصان المذكور حدث في العين بعد استحقاق القطع.
أشبه ما لو نقص باستعماله.
ولأن النصاب شرط للوجوب.
فلم يشترط استدامته؛ كالحرز.
وأما كونه إذا ملك السارق ذلك ببيع أو هبة أو غير ذلك لا يسقط؛ فلما روي «أن صفوان بن أمية نام في المسجد فتوسد ردائه فأُخذ من تحت رأسه.
فجاء بسارقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأمر به أن يقطع.
فقال صفوان: يا رسول الله! لم أُرد هذا.
ردائي عليه صدقة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا كانَ هذا قبلَ أن تأتيني به» 1. رواه ابن ماجة.
وفي لفظ: «فأتيتُه.
فقال: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا.
أنا أبيعُه وأنسئه ثمنه.
فقال: هلا كان قبلَ أن تأتيني به» 2. رواه الأثرم وأبو داود 3. فإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن السقوط بعد الرفع، وكلام المصنف رحمه الله مطلق.
قيل: في كلامه ما يشعر بالرفع؛ لأنه قال: لم يسقط، والسقوط يستدعي وجوب القطع.
ومن شرط وجوب القطع: مطالبة المالك، وذلك يعتمد الرفع إلى الحاكم.

قال: (وإن دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم أخرجها لم يقطع.
وإن سرق فَرْدَ 1 خف قيمته منفرداً درهمان 2 وقيمته 3 مع الآخر أربعة لم يقطع).
أما كون من دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عنه ثم أخرجها لا يقطع؛ فلأن قيمتها حين الإخراج لم تبلغ نصاباً.
وأما كون من سرق فَرْدَ خف موصوف بما ذكر لا يقطع؛ فلأن العبرة بالمسروق حال السرقة وقيمته حينئذ أقل من النصاب.
فلم يقطع سارقه؛ لانتفاء شرط وجوب القطع.
قال: (وإن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً).
أما كون الجماعة إذا اشتركوا في سرقة نصاب يقطعون؛ فلأن سرقة النصاب فعل يوجب قطع اليد.
فاستوى الواحد والجماعة في ذلك؛ كالقصاص.
ولأن النصاب أحد شرطي القطع.
فإذا اشترك الجماعة كانوا كالواحد؛ كهتك الحرز.
وأما كونهم يقطعون سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً؛ فلأن الاشتراك كالانفراد.
ولو أخرج شخص نصاباً دفعة واحدة أو في دفعتين في حالة واحدة يقطع.
فكذلك هاهنا.

جارٍ التحميل