وعن عمر «أن صاحب جيش الشام كتب إليه: إنا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف.
فكتب إليه: دع الناس يعلفون ويأكلون» 1 رواه سعيد.
وأما كونه له علف دابته فلما ذُكر في حديث عمر.
ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه ضرر بدوابّ الجيش.
وأما كونه ليس له بيعه فلأنه إنما أبيح أكله لفعل الصحابة ولم ينقل عنهم بيعه.
ولأنه لا حاجة في بيعه بخلاف الأكل.
وأما كونه يَرُدُّ ثمن المبيع في المغنم فلأن فيما كتب عمر: «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» 2.
وظاهر لفظ المصنف: أنه ممنوع من البيع فإذا باع صح بيعه ويرد الثمن في المغنم؛ لأن الغرض أن لا يضيع حق الغانمين وفي رد الثمن تحصيل لذلك الغرض.
وقال القاضي: إن باعه لغير غازٍ فالبيع باطل ويرد الثمن على المشتري؛ لأنه بيع من غير ولاية ولا نيابة، وإن باعه لغاز بطعام أو علف من دار الحرب فليس ببيع حقيقة بل يكون كل واحد منهما أحق بما صار إليه.
وإن باعه بذهب أو فضة أو غير الطعام والعلف فالمشتري أحق به لثبوت يده عليه ويجب على البائع رد الثمن لعدم انعقاد البيع.
وأما كون ما فضل معه إذا أدخله البلد وكان كثيراً يرده؛ فلأنه إنما أخذه للحاجة وقد زالت.
ولأنه فضل 3 لما تبين أنه أخذ أكثر من حاجته.
وأما كونه له أكل اليسير في رواية فلأنه يروى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأَخْرِجَتنا منه مملاة» 4 رواه أبو داود.
وأما كونه ليس له ذلك في رواية فبالقياس على الكثير.
قال: (ومن أخذ سلاحاً فله أن يقاتل به حتى 1 تنقضي الحرب، ثم يرده.
وليس له ركوب الفرس في إحدى الروايتين).
أما كون من أخذ سلاحاً له أن يقاتل به حتى تنقضي الحرب فلأن الحاجة إليه أعظم من الطعام.
ولأن شرر استعماله أقلُّ من ضرر أكل الطعام لأن عينه لا تزول بالاستعمال.
وأما كونه يرده بعد انقضاء الحرب فلزوال الحاجة.
وأما كونه ليس له ركوب الفرس في روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» 2.
ولأن الغالب أن الفرس تعطب في القتال.
وأما كونه له ذلك في رواية؛ فلأنه آلة يستعان به في الحرب فكان له ذلك كالسلاح.
والأول أصح؛ لما ذُكر.
باب قسمة الغنائم
الغنائم: جمع غنيمة، وهي: مشتقة من الغنم والفضل.
والأصل فيها الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾ [الأنفال: 69].
وقولُه: ﴿واعلموا أنما غنمتم... الآية﴾ [الأنفال: 41].
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي.
ذكر منها: وأحلت لي الغنائم» 1.
قال المصنف رحمه الله: (الغنيمة: كل مال أُخذ من المشركين قهراً بالقتال.
وإن أُخذ منهم مالُ مسلمٍ فأدركه صاحبه قبل قَسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسوماً فهو أحق به بثمنه.
وعنه: لا حق له فيه)
أما قول المصنف رحمه الله: "الغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً بالقتال"؛ فبيان لمعنى الغنيمة شرعاً.
وأما كون المسلم أحق بماله المأخوذ من المشركين إذا أدركه قبل قسم المسلمين له؛ فلما روى ابن عمر «أن غلاماً له أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر، ولم يقسمه» 2.
وعنه قال: «ذهب له فرس، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرده عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم» 1 رواهما البخاري وأبو داود.
وعن عمر رضي الله عنه: «من وجد عين ماله بعينه فهو أحق به ما لم يقسم» 2. رواه الأثرم.
وأما كونه إذا أدركه بعد قسمه أحق به بقيمته على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس «أن رجلاً وَجد بعيراً له كان المشركون أصابوه.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أصبته قبل القسمة فهو لك، وإن أصبته بعد ما قُسم أخذته بالقيمة» 3.
ولأنه لو أخذه بغير شيء لأدى إلى حرمان الآخذ حقه من الغنيمة، ولو لم يأخذه لأدى إلى ضياع حقه فالرجوع بشرط وزن القيمة فيه جمعاً بين الحقين.
وأما كونه لا حق له فيه على روايةٍ؛ فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ماله قبل أن يُقسم فهو له، وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء» 4.
قال: (وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمنٍ فصاحبه أحق به بثمنه، وإن أخذه 5 بغير عوض فهو أحق به بغير شيءٍ).
أما كون صاحب المأخوذ بثمن أحقَّ به بثمنه؛ فلأن آخذه حصل ذلك في يده بثمنٍ فكان صاحبه أحق به بثمنه؛ كما لو أخذه واحد من المغنم بحقه فإن صاحبه أحق به بقيمته لما تقدم.
فإن قيل: الكلام هنا في الثمن وهناك في القيمة.
قيل: الثمن هنا نظير القيمة هناك.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: حكمه حكم المقسوم على ما تقدم من الخلاف.
ويؤيد عدم الأخذ ما روى الشعبي قال: «أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب فأصابوا سبايا.
فكتب السائب بن الأقرع 1 إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم قد اشتراها التجار من أهل مكة.
فكتب عمر: من أصاب رقيقه ومتاعه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه» 2 رواه سعيد بن منصور.
وأما كونه أحق به بغير شيء ممن أخذه بغير عوض فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ناقته التي استولى عليها الكفار من التي جاءت منهزمة عليها بغير شيء» 3. وسيأتي الحديث مفصلاً إن شاء الله تعالى.
والمراد بالأخذ بغير عوض الهبة والسرقة ونحوهما.
قال: (ويملك الكفارُ أموالَ المسلمين بالقهر.
ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنهم لا يملكونها).
أما كون الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر على قول القاضي فلأن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك الكافر مال المسلم كالبيع.
وأما كونهم لا يملكونها على ما قاله أبو الخطاب فلأن ملك المسلم معصوم بخلاف الكافر.
واحتج بعض أصحابنا على ذلك بما روي «أن قوماً أغاروا على سرح النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا ناقته وجاريةً من الأنصار فأقامت عندهم أياماً.
ثم خرجت في بعض الليل.
قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت حتى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها.
ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها.
فلما قدمت المدينة استعرفت
الناقة فإذا هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها.
فقلت يا رسول الله! إني نذرت أن أنحرها.
فقال: بئس ما جازيتها.
لا نذر في معصية» 1.
وفي رواية: «لا نذر فيما لم يملك ابن آدم» 2.
ولا دلالة فيه لأن غايته أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ناقته.
والمسلم له أخذ ذلك سواء قيل بملك الكفار أموال المسلمين أو لا.
قال: (وما أخذ من دار الحرب من رِكاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة).
أما كون المأخوذ مما ذكر غنيمة؛ فلأنه مال حصل الاستيلاء عليه قهراً بالقتل فكان غنيمة أشبه سائر أموالهم.
وأما قول المصنف رحمه الله: من ركازٍ فلا بد أن يُلحظ فيه أن آخذه لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين؛ لأن ما قدَر عليه بنفسه يكون له.
صرح به في المغني.
قال: (وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمها فيها).
أما كون الغنيمة تملك بالاستيلاء عليها في دار الحرب؛ فلأنهما مال مباح فمُلكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات.
وأما كون قسمها يجوز فيها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم، وغنائم حنين بأوطاس وهو واد من حنين».
ولأنهم مَلكوا الغنيمة بالاستيلاء فجاز قَسمها كما لو أحازوها إلى دار الإسلام.
قال: (وهي لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرَائِهم الذين يستعدون للقتال.
فأما المريض العاجز عن القتال، والمخذل، والمرجف، والفرس الضعيف العجيف فلا حق له).
أما كون الغنيمة لمن شهد الوَقْعة من أهل القتال؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 3 رواه سعيد بن منصور.
وروى مثل ذلك عن عثمان في غزوة أرمينية.
وأما كون من لم يقاتل من تجار العسكر وأُجَرائهم الذين يستعدون للقتال كمن قاتل في الغنيمة؛ فلأن من لم يُقاتل شهد الوقعة فيدخل في قول عمر رضي الله عنه: «الغنيمة لمن شهد الوقعة».
ولأنه -إذا لم يقاتل- ردء للمقاتل.
ولأنه مستعد للقتال أشبه المقاتل.
وأما كون المريض العاجز عن القتال لا حق له في الغنيمة؛ فلأنه ليس من أهل الجهاد أشبه العبد.
وقول المصنف رحمه الله: العاجز عن القتال فيه تنبيه على أن المرض إذا لم يمنع من القتال كالصداع والحمى لا يُسقط السهم.
وصرح به في المغني؛ لأنه من أهل الجهاد فلم يسقط كالصحيح.
وأما كون المخذل والمرجف لا حق لهما في ذلك فلأن ضررهما أكثر من نفعهما.
وأما كون الفرس الضعيف العجيف لا حق له فلأنه لا نفع فيه.
ولأن الإمام يملك منعه من الدخول معه فلم يُسهم له كالمخذل والمرجف.
قال: (وإذا لحق مدد، أو هرب أسير فأدركوا الحرب قبل تَقَضّيه أُسهم لهم، وإن جاؤا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء).
أما كون من ذكر يسهم لهم إذا أدركوا الحرب قبل تَقَضّيها؛ فلأنهم شهدوا الوقعة فدخلوا في قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 1.
وأما كونهم لا شيء لهم إذا جاؤا بعد إحراز الغنيمة؛ فلما روى أبو هريرة «أن أبان بن سعد وأصحابه قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها.
فقال أبان: اقسم لنا
يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس يا أبان.
ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم» 2 رواه أبو داود.
ولأنهم لم يشهدوا الوقعة.
أشبهوا من جاء بعد القسمة.
قال: (وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها، ثم أخرج أجرة الذين جمعوا الغنيمة وحملوها وحفظوها).
أما كون الأمير إذا أراد القسمة يبدأ بالأسلاب فيدفعها إلى أهلها فلأن القاتل يستحقها غير مخموسة لما تقدم.
وأما كونه يخرج أجرة من ذكر بعد ذلك فلأنها من مصلحة الغنيمة.
قال: (ثم يخمس الباقي فيقسم خمسه على أهل الخمس خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم يصرف مصرف الفيء، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل من المسلمين).
أما كون الأمير يُخَمّس باقي الغنيمة ويقسمه على خمسة أسهم؛ فلقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكيِن وابن السبيل﴾ [الأنفال: 41].
فإن قيل: ينبغي أن يكون مقسوماً على ستة نظراً إلى ظاهر اللفظ.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن يكون لله وللرسول بمعنى الرسول كقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة: 62].
والثاني: أنه إنما أضيف إلى الله والرسول ليُعلم أن جهته جهة مصلحة وأنه ليس مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كون سهم الله ورسوله ينصرف مصرف الفيء الآتي ذكره في موضعه 1؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لي من الفيء إلا الخمس، وهو مردود عليكم» 2. ولا يكون مردوداً علينا إلا إذا صُرف في مصالحنا.
وأما كون سهمٍ لذوي القربى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال: 41].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم» 1. وهو ثابت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تمسكاً بظاهر لفظ الآية، وبإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يأت ناسخ ولا مغيّر.
وأما كون ذوي القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم؛ فلما روى جبير بن مطعم قال: «لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب: أتيت أنا وعثمانُ بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقلنا: يا رسول الله! أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا.
فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد.
وشبّك بين أصابعه» 2.
وفي رواية: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» 3.
وأما كونهم لهم ذلك حيث كانوا؛ فلأنه مستحق بالقرابة فوجب كونه لهم حيث كانوا كالميراث.
وأما كون ذكرهم له مثل حظ الأنثيين؛ فلأنه مال مأخوذ بالقرابة فكان للذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث.
وأما كون غنيهم وفقيرهم فيه سواء؛ فلما ذكر.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص فقراء قرابته بل أعطى الغني كالعباس وغيره.
ولأن شرط الفقر ينافي ظاهر الآية.
ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالإرث.
وأما كون سهمٍ لليتامى؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿واليتامى﴾ [الأنفال: 41].
واليتامى هم الذين لا آباء لهم ولم يبلغوا الحلم.
أما كونهم لا آباء لهم فلأن اليتيم لغة من أب له.
وأما كونهم لم يبلغوا الحلم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتم بعد احتلام» 1.
واشترط المصنف رحمه الله فقرهم؛ لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.
فإن قيل: اسم اليتيم شامل لهما فوجب دخول كل يتيم في الآية لشمول اللفظ له كذوي القربى.
قيل: ذوي القربى استحقوا لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرمة لهم بخلاف اليتامى فإنهم استحقوا للرحمة فوجب اعتبار الغنى فيهم.
ويجب تعميم سهمهم أيضاً كما ذكر في ذوي القربى.
وأما كون سهمٍ للمساكين؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿والمساكين﴾ [الأنفال: 41].
ويدخل فيهم الفقراء؛ لأنهما صنف واحد في غير باب الزكاة.
ويجب تعميمهم أيضاً.
وأما كون سهمٍ لابن السبيل؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ [الأنفال: 41].
وابن السبيل هو: المسافر المنقطع به.
وقد ذكر في الزكاة.
ويعطى بقدر حاجته؛ لأن دفعه إليه لأجل الحاجة فأعطي بقدرها.
واشترط المصنف رحمه الله: أن يكون من المسلمين لأن الكافر لا مدخل له في الجهاد فكذا في الغنيمة.
قال: (ثم يعطى النفل بعد ذلك، ويُرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد، والنساء والصبيان.
وفي الكافر روايتان: إحداهما: يرضخ له، والأخرى: يُسهم له).
أما كون الأمير يعطي النفل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي ذلك.
وأما كون النفل بعد الخمس وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: بعد ذلك.
فلما روى معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نفل إلا بعد الخمس» 1 رواه أبو داود.
ولأنه مال يُستحق بالتحريض على القتال فكان من أربعة أخماس الغنيمة كسهم الفارس والراجل.
وأما كونه يُرضخ لمن لا سهم له؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرضخ.
وأما كون الرضخ بعد الخمس فلأنه استُحق بحضور الوَقْعة فكان بعد الخمس كسهام الغانمين.
وفيه وجه: أنه من أصل الغنيمة.
ولأنه استحق للمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة الجمل.
وأما كون من يُرضخ لهم، هم: العبيد والنساء والصبيان: أما العبيد فلما روى عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُخبر أني مملوك.
فأمر لي بشيء مِن خُرْثِيِّ المتاع» 2 رواه أبو داود.
واحتج به أحمد.
و«لأن نجدة سأل ابن عباس عن المرأة والمملوك.
فقال: يُحذيان وليس لهما شيء» 3 رواه سعيد.
وأما كون النساء فلأن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويُحْذَيْنَ من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن» 4 رواه مسلم.
وأما الصبيان فلما روي عن سعيد بن المسيب قال: «كان الصبيان يُحْذَوْن من الغنيمة إذا حضروا الغزو».
وأما كون الكافر يُرضخ له في رواية؛ فلأنه من غير أهل الجهاد فرضخ له كالعبيد.
وأما كونه يُسهم له في روايةٍ؛ فلأنه حر أشبه المسلم.
وهذه أصح؛ لما ذكر.
ولما روى الزهري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم» 1 رواه سعيد في سننه.
وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وهو على شركه، فأسهم له».
ولأن الكفر نقصٌ في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق.
وبهذا فارق الرقيق فإن نقصانه في دنياه وأحكامه.
قال: (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل، ولا للفارس سهم فارس.
فإن تغيّر حالهم قبل تَقَضّي الحرب أسهم لهم.
وإن غزا العبد على فرس لسيده قسم للفرس ورضخ للعبد).
أما كون الرضخ لا يبلغ به ما ذكر فلأن السهم أكملُ من الرضخ فلم يبلغ بالرضخ ذلك؛ كما لا يبلغ التعزير الحد.
وأما كون من تغيّر حاله قبل تَقَضّي الحرب يُسهم له فلأنه إنما لم يُسهم لمن لم يتغير حالهم لما فيهم من الموانع فإذا زالت وجب زوال المنع من الإعطاء.
وأما كون الفرس يسهم له فلما سيأتي.
وأما كون العبد يرضخ له فلما تقدم.
قال: (ثم يقسم باقي الغنيمة: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، إلا أن يكون فرسه هجيناً أو برذوناً فيكون له سهم، وعنه: له سهمان كالعربي).
أما كون باقي الغنيمة يقسم لمن ذكر فلما يأتي.
وفيه إشعار بأن باقي الغنيمة لمن ذكر ممن شهد الوقعة.
وهو صحيح؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: 41] فُهم منه أن أربعة الأخماس لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهماً لغيرهم بقي باقيها لهم؛ كقوله سبحانه: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النساء: 11].
وقال عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 1.
فإذا أخرج الأمير السلب والأجرة والنفل والرضخ لما تقدم من الدليل وجب بقاء الباقي لمن شهد لما ذكر قبل.
وأما كون الراجل له سهم، والفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه فلأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له» 2 متفق عليه.
وعن خالد الحذاء قال: «لا يُختلف فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم هكذا: للفرس سهمين ولصاحبه سهما، وللراجل سهماً» 3.
وأما كون الهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، والبِرْذَوْن وهو الذي أبواه غير عربيين له سهم على رواية فلما روى أبو الأقمر قال: «أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن 4 ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حميصة.
فقال: لا أجعل الذي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك.
فقال عمر: هبلت الوادعيَّ أمه أمضوها على ما قال» 5 أخرجه سعيد.
وروي أنه كتب إلى عمر: «إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً فما ترى في سهمانها؟ فكتب عمر: تلك البراذين فما قارب العناق فاجعل له سهماً واحداً وألق ما سوى ذلك».
وعن مكحول «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي سهمين، والهجين سهماً» 6 رواه الجوزجاني.
وأما كون ذلك له سهمان كالعربي على رواية فلشمول اسم الفرس له.
ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى العربي وغيره كالرجال.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولم يبين المصنف المقرف، وهو: الذي أبوه غير عربي وأمه عربية.
وحكمه حكم الهجين؛ لمساواته له.
قال: (ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لغير الخيل.
وقال الخرقي: من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان).
أما كونه لا يسهم لأكثر من فرسين فلأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم لذلك.
وأما كونه لا يسهم لغير الخيل على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسهم لغير الخيل».
ولأن غير الخيل لا يُلحق بالخيل في التأثير في الحرب والكر والفر فلم يلحق بها في السهم.
وأما كونه يسهم على قول الخرقي فلأن الله تعالى قال: ﴿فما أَوْجَفْتُم عليه من خيلٍ ولا رِكاب﴾ [الحشر: 6] والركاب الإبل.
ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس.
وأما كونه لا يزاد على سهم فلأنه دون البرذون.
قال: (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره أو استأجره وشهد به الوقعة فله سهم فارس.
فإن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب فله سهم راجل.
ومن غصب فرساً فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه).
أما كون من دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً وشهد به الوقعة له سهم فارس، ومن دخل فارساً فنفق فرسه أو شرد حتى تَقَضّي الحرب له سهم راجل فلأن العبرة باستحقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقعة لا أن يدخل دار الحرب فارساً؛ لأن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال كالآدمي.
ويعضده قول عمر: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» 1.
ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: واستعاره أو استأجره فتنبيه على أن العبرة بملك منفعة الفرس سواء كان مملوك الرقبة أو لا؛ لأن السهم لنفع الفرس لا لذاته بدليل أنه لا يسهم للضعيف والزمن ونحوه والرقبة موجودة فيهما.
ومعنى نفق فرسه مات.
وأما كون سهم الفرس المغصوب لمالكه فلأن استحقاق سهم الفرس مرتب على نفعه وهو لمالكه.
قال: (وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فَضّل بعض الغانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى).
أما كون الإمام إذا قال: من أخذ شيئاً فهو له ونحو ذلك لا يجوز في روايةٍ فلما فيه من المحذور الآتي ذكره.
وأما كونه يجوز في رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «من أخذ شيئاً فهو له» 1.
ولأنهم غزوا على ذلك ورضوا به.
والرواية الأولى أصح؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده».
ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، وظفرِ العدو بهم فلا يجوز.
وقضية بدر منسوخة بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: 1].
وأما كونه إذا فضّل بعض الغانمين على بعض لا يجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً» 2.
ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلأن الإمام يجوز له أن ينفل ويعطي السلب فجاز أن يفضل بعضهم على بعض قياساً عليهما.
قال: (ومن استؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إلا الأجرة.
ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه.
ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم).
أما كون من استؤجر للجهاد ممن ذكر ليس له إلا الأجرة فلأن غزوه بعوض فكأنه واقع من غيره فلا يستحق شيئاً.
وروى يعلى بن أمية قال: «أذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيراً يكفيني وأُجْري له سهمَه فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل قال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي فسمّ لي شيئاً كان السهم أو لم يكن.
فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أمره.
فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى» 1 رواه أبو داود.
وقول المصنف رحمه: ممن لا يلزمه يحترز به عمن يلزمه كالأحرار المسلمين فإن في صحة استئجارهم خلافاً.
قال القاضي في قول أحمد رحمه الله: إذا استأجر الأمير قوماً يغزون هذا محمول على من لا تجب عليه لأن الغزو يتعين عليه بحضوره ومن تعين عليه أمرٌ لم يجز أن يفعله عن غيره كالحج.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يحمل كلام أحمد على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو ولمن تتعين عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي» 2 رواه أبو داود.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل الذين يَغزون من أمتي ويأخذون الجُعْلَ يتقوَّوْن به على عدوهم مثلُ أمّ موسى ترضع ولدها وتأخذُ أجرها» 3 رواه سعيد بن منصور.
ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.
فعلى القول بصحة الإجارة لا سهم له على ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لما ذكر فيمن لا يلزمه.
ويحتمل أن يسهم له.
اختاره الخلال لما تقدم من الحديثين قبل.
وعلى القول بالفساد يرد الأجرة إن كان أخذها وله سهمه لأن غزوه بغير عوض.
وأما كون وارث من مات بعد انقضاء الحرب يستحق سهمه فلأنه مات بعد أن ملكت الغنيمة فكان سهمه لوارثه؛ لقوله عليه السلام: «من ترك حقاً فلورثته» 1.
وأما كون الجيش يشارك سراياه فيما غنمت وكونها تشاركه فيما غنم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين هزم هوازن أَسْرَى قِبل أَوْطاس سرية فقسم الغنائم بين الجميع».
ولأن الجيش جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة كأحد جانبي الجيش.
وشرط هذه المشاركة أن يكون الجيش قاصداً للعدو فإن كان مقيماً في البلد ومضت السرايا فلكل سرية غنيمتها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من المدينة ولم يشاركها أهل المدينة فيما غنمت».
قال: (وإذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي من مال المشتري في إحدى الروايتين.
اختارها الخلاّل وصاحبه.
والأخرى من مال البائع.
اختارها الخرقي).
أما كون ما بيع من ذلك من مال المشتري في الصحيح من المذهب فلأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه التصرف فيه فكان من ضمانه كما لو اشتراه في دار الإسلام.
وأما كونه من مال البائع في روايةٍ فلأنه لم يكمُل قبضه لكونه في خطر قهر العدو فلم يضمنه المشتري كالثمر في الشجر.
وشرط كونه من مال البائع أن يكون الأخذ بغير تفريط من المشتري.
فإن أخذه بتفريطه كخروجه من العسكر فهو من ضمان المشتري لأنه ذهب بتفريطه؛ أشبه ما لو أتلفه.
قال: (ومن وطئ جاريةً من المغنم أو ممن له فيها حق: أُدِّب ولم يبلغ به الحد.
إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها، وتصير أم ولد له، والولد حر ثابت النسب).
أما كون الواطئ المذكور يؤدب فلأن وطئه حرام لأنه في ملكٍ مشترك.
وأما كون التأديب لا يُبلغ به الحد فلأن له فيه ملكاً أو شبه ملك وذلك يدرأ الحد.
وأما كون الواطئ عليه مهر الجارية فلأنها ليست مملوكة أشبه ما لو وطئ أمة الغير.
فإن قيل: هي مشتركة بينه وبين بقية الغانمين فيجب أن لا يكون عليه جميع المهر كما لو وطئ أمة مشتركة.
قيل: هو كذلك لكن لما كان مقدار حقه يعسر العلم به مع أنه لا ضرر عليه لكون المهر يوضع في الغنيمة فيعود حقه إليه لم يعتبر ذلك.
وأما كونه عليه قيمة الجارية إذا ولدت منه فلأنها تصير أم ولد له كما سيأتي فتجب عليه قيمتها لأنه فوّتها على الغانمين.
وأما كونها تصير أم ولد له فلأنه وطء يلحق به النسب لشبهة الملك فصارت أم ولد له أشبه وطء جارية ابنه.
وأما كون الولد حراً فلأنه من وطءٍ في ملك أو شبه ملك.
وأما كونه ثابت النسب فلأنه وطءٌ سقط فيه الحد لشبهة الملك؛ أشبه ما لو كانت ملكه.
ولأنه وطءٌ له فيه شبهة أشبه ما لو وطئ امرأة ظنها زوجته.
قال: (ومن أعتق منهم عبداً عتق عليه قدر حقه، وقُوّم عليه باقيه إن كان موسراً.
وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه).
أما كون من ذكر يعتق عليه قدر حقه فلأنه عتقٌ من مالك، وذلك يوجب العتق.
وأما كونه يقوم باقيه عليه إن كان موسراً فلأن العتق من الموسر موجب لذلك لما سيأتي في باب العتق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه فتسوية لهذه الصورة بما ذكر قبل فيما ذكر.
وهو صحيح لأن ملك من يعتق عليه بمنزلة إعتاقه له.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أنه إذا أعتق بعض الغانمين أحداً من المغنم أو كان فيهم [من يعتق عليه] 1 عتق قدر نصيبه سواء كان المعتق رجلاً أو امرأة أو صبياً.
وقد صرح في المغني بأن الغانم إذا أعتق رجلاً من المغنم لم يعتق لأن الأسير لا يصير رقيقاً إلا باسترقاق الإمام واختاره.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه الله على من يصير رقيقاً بنفس السبي كالنساء والصبيان.
قال: (والغالّ من الغنيمة يحرق رَحْلُه كلُّه إلا المصحف والسلاح والحيوان).
أما كون الغالّ من الغنيمة.
وهو: الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة.
يحرق رحله كله غير 2 سلاحه ومصحفه وحيوانه فلما روى صالح بن محمد قال: دخلت مع سلمة أرض الروم فأُتي برجل قد غلّ فسأل سالماً عنه.
فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه.
قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً.
فسأل سالماً عنه.
فقال: بعه وتصدق بثمنه» 3 رواه أبو داود والأثرم.
وأما كونه لا يحرق سلاحه فلأن الحاجة تدعو إليه.
وأما كونه لا يحرق مصحفه فلأنه مذكور في حديث صالح.
ولأن له حرمة.
وأما كونه لا يحرق حيوانه فلأن له حرمة في نفسه.
ولأنه لا يدخل في اسم المتاع.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعذب بالنار» 4.
قال: (وما أُخذ من الفدية، أو أهداه الكفار لأمير الجيش، أو بعض قواده: فهو غنيمة).
أما كون ما أُخذ من الفدية غنيمة فلأنه عوض عما هو غنيمة فكان غنيمة لأن حكم العوَض حكم المعوّض.
وأما كون ما أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قواده غنيمة فلأنه يغلب على الظن إنما فعلوا ذلك خوفاً من المسلمين؛ أشبه ما أُخذ بالقتل.
وشرط المصنف رحمه الله في الكافي أن يكون الهدية في دار الحرب.
فإن كانت في دار الإسلام فهي لمن أهديت له؛ لأنه مال تبرع له به من غير خوف أشبه هدية المسلم.
باب حكم الأرضين المغنومة
قال المصنف رحمه الله: (وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما فتح عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام بين قسمها ووقَفَها على المسلمين، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها.
وعنه: تصير وقفاً بنفس الاستيلاء.
وعنه: تقسم بين الغانمين).
أما كون الإمام يخير بين قَسم ما فتح عنوة وبين وقفه على الرواية الأولى فلأن كلا الأمرين ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي «أنه قسم نصف خيبر ووقف نصفها» 1.
و«وقف مكة» 2، و «وقف الشام والعراق عمر» 3 وأقره على ذلك علماء عصره.
وقد تقدم ذكره في موضعه.
ولأن عمر قال: «لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر» 4. فوقف مع علمه بقسم النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذا إن قسمها لم يضرب عليها خراجاً؛ لأنها ملك أربابها فلم يكن عليهم فيها شيء كالغنائم المنقولة، وإن وقفها ضرب عليها خراجاً يؤخذ ممن هي في يده؛ لأن عمر فعل ذلك وقد تقدم ذكره في موضعه.
وأما كون ما ذكر يصير وقفاً بنفس الاستيلاء على الرواية الثانية فلأن ذلك أنفع للمسلمين ولذلك قيل لعمر في أرض الشام: «إن قسمتها ربما صار ريع الكل للبيت الواحدة» 1.
وأما كونها تقسم بين الغانمين على الرواية الثالثة فلأن الله تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء... الآية﴾ [الأنفال: 41] ولم يفرق بين المنقول وغيره.
ولأن كل سبب يملك به ما ينقل يملك به ما لا ينقل.
دليله البيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف؛ فبيان لمعنى ما فتح عنوة شرعاً.
قال: (الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفاً فتصير وقفاً بنفس الظهور عليها.
وعنه: حكمها حكم العُنوة).
أما كون الأرض التي خلى عنها أهلها خوفاً تصير وقفاً بنفس الظهور على الرواية الأولى فلأنها ليست غنيمة فتقسم.
وإذا كان كذلك تعين صيرورتها وقفاً بنفس الظهور لأنه إذا امتنعت القسمة امتنعت الخيرة لأن القسمة أحد شطريها وهي ممتنعة وإذا امتنعت الخيرة تعين صيرورتها وقفاً.
وأما كون حكمها حكم ما فتح عنوة على الرواية الثانية فلأنها مال ظهر عليه المسلمون بقوتهم فوجب أن يكون حكمه حكم ما فتح عنوة قياساً لأحد الحكمين على الآخر.
فعلى هذه الرواية يكون فيما جلى أهلها عنها خوفاً روايات ثلاث كما فيما فتح عنوة ودليلها ما مر.
قال: (الثالث: ما صولحوا عليه، وهو ضربان: أحدهما أن نصالحهم على أن الأرض لنا ونقرها معهم بالخراج.
فهذه تصير وقفاً أيضاً.
الثاني: أن نصالحهم على أنها لهم ولنا الخراج عنها.
فهذه ملك لهم خراجها كالجزية إن أسلموا سقط عنهم، وإن انتقلت إلى مسلم فلا خراج عليه.
ويقرون فيها بغير جزية لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها).
أما كون ما صولح الكفار عليه على ضربين فلأنه تارة يكون لنا وتارة يكون لهم.
وأما كون الأرض التي صولحوا عليها على أنها لنا تصير وقفاً وتقر معهم بالخراج فلأن ذلك شبيه بفعل عمر في أرض السواد فوجب كونها وقفاً مقراً في يد من هي في يده بالخراج كأرض السواد.
وأما كونها ملكاً لهم إذا صولحوا على ذلك فلأن الصلح يجب الوفاء به.
وأما كون خراج ذلك يسقط عنهم إذا أسلموا فلأن الخراج هنا بمعنى الجزية.
وأما كونه لا خراج على المسلم إذا انتقلت الأرض المذكورة إليه فلأنه خراج قصد بوضعه الصَّغار فوجب سقوطه بالإسلام كالجزية.
وأما كون من صولح على أن الأرض لهم يقر فيها بغير جزية فلما ذَكر المصنف رحمه الله من أنهم في غير دار الإسلام.
وقوله: بخلاف التي قبلها إشارة إلى الفرق بين هذه وبين التي قبلها وهي ما إذا صالحناهم على أن الأرض لنا.
وفُهم من قوله: بخلاف التي قبلها أنهم لا يقرون في الأرض التي صولحوا على أنها لنا إلا بجزية وهو صحيح لأن الدار دار إسلام فلا بد فيها من التزام الجزية.
قال: (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة.
وعنه: يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد ولا ينقص.
وعنه: تجوز الزيادة دون النقص.
قال أحمد وأبو عبيد: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون يعني: «أن عمر وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» 1. وقدر القفيز ثمانية أرطال بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي، والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة).
أما كون المرجع في تقدير الخراج في الجزية إلى اجتهاد الإمام على المذهب فلأن ذلك مصروف في المصالح وذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام صرفاً فكذا قبضاً.
وأما كونه يرجع إلى ما ضربه عمر رضي الله عنه لا يزاد عليه ولا ينقص عنه على روايةٍ فلأن عمر رضي الله عنه ضربه بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً.
ولأن عمر لما ضربه لم يغيره أحد من الخلفاء الراشدين بعده.
وأما كون الزيادة تجوز دون النقص على رواية فلأن الإمام ناظر في مصلحة كافة الناس وذلك يقتضي الزيادة دون النقص.
وأما قول المصنف رحمه الله: قال أحمد... إلى آخره؛ فتنبيه على أن أصح ما روي عن عمر في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون، وإشعار بأنه قد روي عنه في ذلك غيره وهو صحيح؛ لأن عمر روى عنه عمرو بن ميمون «أنه وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً» 2.
وروى عنه أبو عبيد «أنه بعث عثمان بن حنيف لمساحة أرض السواد فضرب على جريب الزيتون اثني عشر درهماً، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الرطبة ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين» 3.
وأما كون حديث عمرو أصح؛ فلما ذكر الإمام أحمد وأبو عبيد.
ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنعت العراق قفيزها ودرهمها» 1. على معنى ستمنع.
وهو من الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقدر القفيز ثمانية أرطال يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي فبيانٌ لمعنى قدر القفيز.
والمنقول في ذلك عن الإمام أحمد أنه ثمانية أرطال.
وقال القاضي: يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي.
وقال بعض أصحابنا: ثلاثون رطلاً.
وأما قوله: والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإبهام قائمة: فبيان لمعنى الجريب والقصبة والذراع.
قال: (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه، فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام).
أما كون ما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه لا خراج عليه فلأن الخراج في مقابلة الانتفاع حقيقة أو مظنة وكلاهما مفقود هاهنا.
وأما كون ما يمكن زرعه عاماً بعد عام يجب نصف خراجه في كل عام فلأن نفعه على النصف فيكون خراجه كذلك ضرورةَ كونه في مقابلته.
قال: (والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر).
أما كون الخراج على المالك دون المستأجر فلأنه على الرقبة وهي للمالك دون المستأجر.
وأما كونه كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر فلأنه حق عليه أشبه الدين.
ولأنه مساو له معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (ومن عجز عن عمارة أرضه أُجبر على إجارتها أو رفع يده عنها).
أما كون من عجز عن عمارة أرضه يجبر في الجملة فلأنه لو لم يجبر لأدى ذلك إلى ضياع حق أرباب الخراج وفي ذلك ضرر عليهم وتفويت لحقهم وذلك لا يجوز.
وأما كونه يجبر على الإجارة أو رفع يده فلأن الغرض تحصيل أحدهما فلا معنى للتعيين.
قال: (ويجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه، ولا يجوز له ذلك ليدع له منه شيئاً، وإن رأى 1 المصلحة في إسقاط الخراج عن إنسان جاز).
أما كون مَن عليه خراج يجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه فلأن به حاجة إلى دفع الظلم عنه فإذا لم يندفع إلا بالرشوة أو الهدية جاز ذلك دفعاً للضرر.
وأما كونه لا يجوز له ذلك ليدع له من خراجه شيئاً فلأنه رشوة لإبطال حَقٍّ أشبه رشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
وأما كون الإمام يجوز له إسقاط الخراج عن إنسان إذا رأى المصلحة في ذلك فلأن الإمام يجوز له فعل ما فيه المصلحة فإذا تضمن ذلك مصلحة جاز كما لو رأى المصلحة في المنّ على العدو.
باب الفيء
الفيء في اللغة: الراجع.
يقال: فاء الفيء إذا رجع نحو المشرق.
وفي الشرع: عبارة عما يذكره المصنف رحمه الله بعد إن شاء الله تعالى.
وفي الحقيقة يطلق على الغنيمة وبالعكس.
وإنما خص كل واحد منهما باسم ليتميز به عن صاحبه.
والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أَوْجَفْتم عليه من خيل ولا رِكابٍ... الآية﴾ [الحشر: 6].
قال المصنف رحمه الله: (وهو: ما أخذ من مال مشرك بغير قتال كالجزية والخراج والعشر، وما تركوه فزعاً.
وخمس خمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فيصرف في المصالح.
ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وكفاية أهلها وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين.
ثم الأهم فالأهم من سد البثوق وكري الأنهار وعمل القناطر وأرزاق القضاة وغير ذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال فبيان لمعنى الفيء شرعاً ليتميز عن غيره.
وأما قوله: كالجزية... إلى لا وارث له؛ فتمثيل وتعداد لصور أموال الفيء ولأماكنه.
وأما كونه يصرف في المصالح فلأن نفعها عام والحاجة داعية إلى ذلك، ودفع الكفار هو المقصود الأعظم فيبدأ به، وقد يقدم على غيره.
وأما كونه يبدأ بعد ذلك بالأهم فالأهم من سد البثوق وهي ما انخرق مما تدعو الحاجة إلى سده، وكري الأنهار وعمل القناطر والمساجد والطرقات وأرزاق القضاة والعلماء والأئمة والمؤذنين ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع فلأن ذلك من المصالح العامة فقدمت على سائر الناس الآتي ذكرهم بعد.
قال: (ولا يخمس.
وقال الخرقي: يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه للمصالح).
أما كون الفيء لا يخمس وهو المنقول عن الإمام أحمد فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركاب... الآيات﴾ [الحشر: 6] جعله كله لجميع المسلمين.
ولذلك لما قرأها عمر قال: «هذه استوعبت المسلمين.
ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيه جبينه» 1.
وأما كونه يخمس على قول الخرقي فلأن الله تعالى لما قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولةً بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: 7] اقتضى أن يكون جميعها لهؤلاء الأصناف وهم أهل الخمس والآية المتقدمة وما جاء عن عمر وغيره يدل على اشتراك جميع المسلمين فيه فوجب الجمع بينهما كي لا تتناقض الآية والأخبار وتتعارض.
وفي إيجاب الخمس جمعاً بينهما وتوفيق فإن خمسه لمن ذكر في الآية وسائره مصروف إلى من في الخبر.
ولأنه مال مشرك مظهور عليه فوجب أن يخمس كالغنيمة والركاز.
وروى البراء بن عازب قال: «لقيت خالي ومعه الراية.
فقلت: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس ماله» 2.
فعلى هذا يصرف إلى أهل الخمس لأن المسمى في الآيتين واحد وباقيه للمصالح لما ذكر من الجمع.
والأول المذهب حملاً للفظ الآية الأولى على عمومه؛ وعملاً بقول عمر رضي الله عنه.
والآية الأخرى تحمل على خمس الغنيمة.
قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي عن أحمد نصاً فأحكيه.
وإنما نص على أنه غير مخموس.
قال: (وإن فضل منه فضلٌ قُسم بين المسلمين.
ويبدأ بالمهاجرين، ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأنصار، ثم سائر المسلمين.
وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من الفيء بعد ما تقدم ذكره من سد الثغور وما يتعلق بها وسد البثوق وما ذكر معها يقسم بين المسلمين فلما تقدم من الآية وقول عمر رضي الله عنه.
وأما كونه يبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فـ «لأن عمر لما قدِم عليه أبو هريرة بثمانمائة ألف درهم أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا عليّ بمن أبدأ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! بك.
إنك ولي ذلك.
قال: لا.
ولكن أبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب» 1.
وأما كونه يقدم الأنصار بعدهم فلسابقتهم وآثارهم الجميلة.
وأما كون ما بقي لسائر المسلمين فليحصل التعميم بالدفع.
وأما كون من تقدم ذكرهم لا يفاضل بينهم على روايةٍ فلأن أبا بكر الصديق سوى بينهم 2.
ولأن الغنائم تقسم بين من حضر بالسوية فكذا الفيء.
وأما كونهم يفاضل بينهم على روايةٍ «فلأن عمر رضي الله عنه قسم بينهم على السوابق، وقال: لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه».
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم النفل بين أهله متفاضلاً».
وهذا في معناه.
قال: (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دُفع إلى ورثته حقه.
ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده 1 الصغار كفايتهم، فإذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم، وإن لم يختاروا تركوا).
أما كون من مات بعد حلول وقت العطاء يدفع إلى ورثته حقه فلأن صاحب الحق مات بعد استحقاقه ذلك فانتقل إلى ورثته كسائر الموروثات.
وأما كون من مات من أجناد المسلمين يدفع إلى امرأته وأولاده الصغار كفايتهم فلما فيه من تطييب قلوب المجاهدين؛ لأنهم متى علموا أن عيالهم يُكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على الجهاد.
وأما كونه يفرض لمن بلغ من ذكورهم إذا اختاروا أن يكونوا في المقاتلة فلأنهم أهل لذلك ففرض لهم كآبائهم.
وأما كونهم يتركون إذا لم يختاروا ذلك فلأن الإنسان البالغ لا يجبر على خلاف مراده إلا لواجب عليه، ودخولهم في ديوان المقاتلة غير واجب.
باب الأمان
الأمان جائز بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَأَجِرْه حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: 6].
وأما السنة فما روى علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» 1 رواه البخاري.
قال المصنف رحمه الله: (يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مطلقاً أو أسيراً.
وفي أمان الصبي المميز روايتان).
أما كون أمان المسلم المكلف الذكر يصح فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «ذمة المسلمين واحدة... الحديث».
وأما كونه يصح من الأنثى فلدخولها في ذلك.
ولما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كانت المرأة لَتُجِير على المسلمين فيجوز» 2.
وأما كونه يصح من العبد فلقوله صلى الله عليه وسلم: «يسعى بها أدناهم» 3.
ولما روى فضيل بن يزيد الرقاشي قال: «جهّز عمر رضي الله عنه جيشاً فحصرنا موضعاً فرأينا أنا سنفتحها اليوم وجعلنا نقبل ونروح فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه.
فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم فأخذوها وخرجوا.
فكتب بذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين يجوز أمانه» 4 رواه سعيد.
ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر.
وأما كونه يصح من الأسير فلأن لفظ الحديث يشمله.
ولأنه مسلم عاقل أشبه البالغ.
وأما كونه لا يصح منه في رواية فلأن القلم رفع عنه.
ولأنه لا يلزمه بقوله حكم فلأن لا يلزم غيره بطريق الأولى.
وفي قول المصنف رحمه الله: يصح أمان المسلم المكلف إشعار بأنه لا يصح أمان كافر ولا مجنون ولا صبي.
وصرح في الكافي بذلك.
أما كونه لا يصح أمان كافر فلأنه ليس منا فلا يدخل في الحديث المتقدم.
ولأنه متهم في الدين فلم يقبل أمانه لمكان التهمة.
وأما كونه لا يصح أمان مجنون فلأنه لا قول له.
وأما الصبي فإن كان طفلاً فلا يصح أمانه لعدم اعتبار قوله، وإن كان مميزاً ففيه روايتان تقدم ذكرهما.
ويشترط أن لا يكون معطي الأمان مكرهاً؛ لأن قول المكرَه لا يترتب عليه حكم شرعي.
ولم يذكره المصنف رحمه الله للعلم به وعادة الأصحاب يشترطونه في الأسير 1. ولم يشترطه المصنف رحمه الله فيه لأن الحر المطلق لو أكره على الأمان لم يصح فلا حاجة إلى اختصاص الأسير به وإنما ذكره الأصحاب نظراً إلى المظنة بخلاف المطلق.
قال: (ويصح أمان الإمام لجميع المشركين، وأمان الأمير لمن جعل بإزائه، وأمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة).
أما كون أمان الإمام يصح لجميع المشركين فلأن له الولاية على جميع المسلمين.
وأما كون أمان الأمير يصح لمن جعل بإزائه فإن له الولاية على من بإزائه دون غيره فاختص به.
وأما كون أمان أحد الرعية يصح كما ذكره المصنف رحمه الله فلعموم الحديث.
فعلى هذا لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة ولا رستاق وجمع كبير ونحو ذلك لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
قال: (ومن قال لكافر: أنت آمن، أو لا بأس عليك، أو أجرتك، أو وقف، أو ألق سلاحك، أو مَتَرْس فقد أمّنه).
أما كون من قال لكافر: أنت آمن فقد أمنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» 1.
وأما كون من قال له: لا بأس عليك فقد أمّنه؛ «فلأن عمر رضي الله عنه لما قال للهرمزان: لا بأس عليك.
قالت الصحابة رضوان الله عليهم: قد أمنته فلا سبيل لك عليه» 2 رواه سعيد.
وأما كون من قال له: أجرتك فقد أمنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم هانئ رضي الله عنها: «قد أجرنا من أجرت» 3.
وأما كون من قال له: قف أو ألق سلاحك فقد أمنه فلأن الكافر يعتقده أماناً أشبه قوله: لا بأس عليك.
وأما كون من قال له مترس فقد أمنه فلأن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن الله يعلم كل إنسان، فمن أتى منكم أعجمياً، فقال: مَتَرْس فقد أمنه» 4.
وليس الأمان مقيداً بما ذكره المصنف رحمه الله بل يحصل بكل ما يدل عليه من قول وغيره.
وأما كونه يحصل بالقول فظاهر.
وأما كونه يحصل بغيره كالإشارة ونحوها فلأن عمر رضي الله عنه قال: «لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه فقتله لقتلته به» 1.
قال: (ومن جاء بمشرك فادعى أنه أمنه فأنكره فالقول قوله.
وعنه: قول الأسير.
وعنه: قول من يدل الحال على صدقه).
أما كون القول قول المسلم في هذه الصورة على الرواية الأولى فلأن الأصل معه؛ لأن الأصل إباحة دم الحربي وعدم الأمان.
وأما كون القول قول الأسير على الرواية الثانية فلأن صدقه محتمل فيكون قوله شبهة في حقن دمه.
وأما كون القول قول من يدل الحال على صدقه على الرواية الثالثة فلأنها قرينة دالة على الصدق فعلى هذا إن كان الأسير ذا قوة ومعه سلاحه فالظاهر صدقه وإن كان ضعيفاً مسلوباً سلاحه فالظاهر كذبه.
قال: (ومن أُعطي أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه علينا فيهم حرم قتلهم واسترقاقهم، وقال أبو بكر: يخرج واحد بالقرعة ويسترق الباقون).
كما لو أعتق عبداً من عنده ثم أشكل.
قال: (ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمَن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وقال أبو الخطاب: لا يقيمون سنة واحدة إلا بجزية).
أما كون الأمان يجوز للرسول والمستأمن فلأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
وأما كونهم يقيمون مدة الهدنة بغير جزية على الأول وهو ظاهر كلام أحمد وقول القاضي فلأنهم لما جاز أمانهم دون السنة بغير جزية جاز فيما زاد عليها بخلاف أهل الذمة.
وأما كونه لا يجوز على قول أبي الخطاب فلعموم قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
قال: (ومن دخل دار الإسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قُبل منه.
وإن كان جاسوساً خُير الإمام فيه كالأسير.
وإن كان ممن ضل عن الطريق أو حملته الريح في مركب إلينا فهو لمن أخذه.
وعنه: يكون فيئاً للمسلمين).
أما كون قول من دخل دار الإسلام فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يُقبل فلأن ما ادعاه ممكن فيكون شبهة في درء القتل فلأنه يتعذر عليه إقامة البينة على ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ومعه متاع فشرط في قبول قوله أنه تاجر لأنه إذا لم يكن معه ذلك لم يحتمل صدقه.
وقوله: قُبل منه فيه إشعار بأنه لا يتعرض إليه.
صرح بذلك هو وغيره من الأصحاب.
أما الرسول «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرسولي مُسَيْلمة: لولا أن الرسول لا يقتل لقتلتكما» 1 رواه أبو داود.
وأما التاجر فلأنه إذا جاء بماله ولا سلاح معه دل على قصد الأمان.
ولم يشترط المصنف رحمه الله هنا أن تكون العادة جارية بذلك لما ذكر من قصده الأمان.
واشترطه في الكافي وصرح به غيره من الأصحاب لأن العادة جارية مجرى الشرط.
فإذا لم تكن عادة ولم يدخل بأمان وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة.
وأما كون الإمام يخير في الجاسوس كالأسير فلأنه كافر قصد نكاية المسلمين فخير الإمام فيه بعد القدرة عليه كالأسير.
وأما كون المأخوذ ممن ذكر لمن أخذه على المذهب فلأنه مباح ظهر عليه بغير جهاد فكان لآخذه كمباحات دار الإسلام.
وأما كونه يكون فيئاً على روايةٍ فلأنه مال مشترك ظهر عليه بغير قتال أشبه ما تركوه فزعاً وهربوا.
قال: (وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إياه ثم عاد إلى دار الحرب بقي الأمان في ماله ويُبعث إليه إن طلبه، وإن مات فهو لوارثه.
فإن لم يكن له وارث فهو فيء).
أما كون الأمان يبقى في مال المستأمن إذا تركه عندنا وعاد هو إلى دار الحرب فلأن الموجِب للنقض دخول دار الحرب فانتقض فيما دخل دون غيره.
فإن قيل: الأمان ثبت في المال تبعاً فإذا بطل في المتبوع بطل في التابع.
قيل: لا نسلم أن الأمان ثبت في المال تبعاً بل ثبت فيهما جميعاً فإذا بطل في أحدهما بقي في الآخر.
وعلى تقدير التسليم يجوز حكم التبع وإن زال في المتبوع لأن أم الولد يثبت لولدها حكم الاستيلاد تبعاً لها ويبقى حكمه له بعد موتها.
وأما كونه يُبعث إليه إن طلبه فلأنه ملكه.
وأما كونه لوارثه إذا مات فلأن من ثبت له حق على وجه مخصوص انتقل إلى وارثه على صفته من تأجيل ورهن وضمين فكذا هذا.
وأما كونه فيئاً إذا لم يكن له وارث فلأن أهل الذمة إذا ماتوا ولا وارث لهم يكون مالهم فيئاً فكذلك هذا.
قال: (وإن أسر الكفار مسلماً فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم لزمه الوفاء لهم، وإن لم يشترطوا شيئاً، أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب).
أما كون المسلم يلزمه الوفاء لهم إذا شرط ما ذكر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 1.
ولأنهم أطلقوه على ذلك فلزمه الوفاء به وفاءً بشرطه.
وأما كونه له أن يقتل ويسرق ويهرب إذا لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كون المسلم رقيقاً فلأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان.
قال: (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً، فإن عجز عنه عاد إليهم لزمه الوفاء إلا أن يكون امرأة فلا ترجع إليهم.
وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضاً).
أما كون الرجل المسلم إذا شرط ما ذكر يلزمه الوفاء على المذهب فلما تقدم ذكره.
وأما كونه لا يرجع على قول الخرقي فبالقياس على المرأة.
وأما كون المرأة لا ترجع قولا واحداً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية على رد من جاءه منعه الله رد النساء» 1.
ولأن في رجوعها تسليطاً على وطئها حراماً فلم يجز.
باب الهدنة
مشتقة من قولهم تهادن الأمر إذا استقام، وهدنت المرأة صبيها بالكلام إذا أرادت أن ينام.
والأصل فيها الكتاب والسنة والمعنى.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [التوبة: 4].
وأما السنة ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم روي «أنه صالح قريشاً عشر سنين» 1.
وأما المعنى فلأنه قد يكون بالمسلمين ضعف فيهادن 2 حتى يقووا.
قال: (ولا يصح عقد الهدنة والذمة إلا من الإمام أو نائبه.
فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدة معلومة وإن طالت.
وعنه: لا يجوز في أكثر من عشر سنين.
فإن زاد على عشر بطل في الزيادة.
وفي العشر وجهان).
أما كون عقد الهدنة والذمة لا يصح من غير الإمام أو نائبه فلأن ذلك يتعلق بنظر واجتهاد ومصلحة للمسلمين وليس غير الإمام ونائبه محلاً لذلك لعدم ولايته عليهم.
ولأن عقد الهدنة قد يكون مع جملة الكفار وليس لأحد من المسلمين إعطاء الأمان لأكثر من القافلة والحصن الصغير لأن في تجويزه افتياتاً على الإمام وتعطيل الجهاد 3.
وأما كون عقدها يصح منهما: أما من الإمام فلما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما من نائبه فلأنه نائب عنه ومُنَزّل منزلته.
وأما ما يشترط لذلك فأمور:
أحدها: أن يكون في العقد مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله كسائر الأمور التي لا مصلحة فيها.
وثانيها: كون المدة مقدرة لما يأتي.
وثالثها: كون التقدير معلوماً لأن ما وجب أن يكون مقدراً وجب أن يكون معلوماً كخيار الشرط.
ورابعها: هل يتقدر بالعَشر؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يتقدر لأنها تجوز في أقل من عشر فجازت في أكثره كمدة الإجارة.
ولأن أصل الهدنة إنما جازت للمصلحة فإذا تضمنت الزيادة على العشر المصلحة جازت تحصيلاً للمصلحة.
والثانية: يتقدر بالعشر؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5] عام خص منه مدة العشر لصلح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً 1 فيبقى ما زاد على ذلك على مقتضى الدليل.
فعلى قولنا لا يصح إذا عقدها على أكثر من عشر سنين بطل فيما زاد عليها.
وفي العشر وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.
قال: (وإن هادنهم مطلقاً لم يصح.
وإن شرط شرطاً فاسداً كنقضها متى شاء، ورد النساء إليهم أو صداقهن أو سلاحهم، وإدخالهم الحرم بطل الشرط.
وفي العقد وجهان).
أما كون الهدنة لا تصح مطلقاً فلأن إطلاق ذلك يقتضي التأبيد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد.
وأما كون شرط النقض متى شاء يبطل فلأنه ينافي مقتضى العقد.
ولأنه عقد مؤقت فكان تعليقه على المشيئة باطلاً كالإجارة.
وأما كون شرط رد النساء المسلمات يبطل فلقوله: ﴿فلا تَرجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: 10].
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد منع الصلح في النساء».
ولأنه لا يؤمن أن تزوج بمشرك فيصيبها أو تفتتن في دينها.
وأما كون شرط رد صداقهن يبطل فلأن بضع المرأة لا يدخل في الأمان.
فإن قيل: فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم المهر.
قيل: لأنه شرط رد النساء وكان شرطاً صحيحاً ثم نسخ فوجب رد البدل لصحة الشرط بخلاف حكم من بعده فإن رد النساء نسخ فلم يبق صحيحاً.
وأما كون شرط رد السلاح يبطل فلأنه يصير لهم به قوة.
وأما كون شرط إدخالهم الحرم يبطل فلقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: 28].
وأما كون العقد إذا شرط فيه شيء من ذلك أو شبهه يبطل ففيه وجهان مبنيان على الشروط الفاسدة في البيع.
وسيأتي دليل ذلك في موضعه.
قال: (وإن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز، ولا يمنعهم أخذه، ولا يجبره على ذلك.
وله أن يأمره بقتالهم، والفرار منهم).
أما كون شرط رد من جاء من الرجال مسلماً يجوز فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 1.
وأما كون الإمام لا يمنعهم أخذه «فلأن أبا بصير جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فجاء الكفار في طلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا يصلح في ديننا الغدر، وقد علمت ما عاهدنا عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً.
فرجع معهم.
فقتل أحدَهم ورجع النبي صلى الله عليه وسلم» 2. فلم يلمه.
وأما كونه لا يجبره على ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبر أبا بصير.
وأما كونه له أن يأمره بقتالهم والفرار منهم فلأنه رجوع إلى باطل فكان له الأمر بعدمه كالزوجة التي سمعت طلاقها بأذنها.