الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 212-251

والصلاة ولم يعد الآخر.
ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له.
فقال للذي لم يعد: أجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين» 1 رواه أبو داود.
ولأنه أدى صلاته بطهارة صحيحة أشبه ما لو أداها بالماء.
وأما كون من وجد الماء تبطل صلاته في روايةٍ فلعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» 2. وأما كونه لا يبطل في روايةٍ؛ فلأنه شَرَع في المقصود أشبه المكفِّر إذا قدر على الإعتاق بعد شروعه في الصيام.
والأولى أصح في المذهب؛ لأنه يروى عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: كنت أقول يمضي.
ثم تدبرت الأحاديث فإذا أكثرها أنه يخرج.
وهذا يدل على رجوعه عن الرواية الثانية.
قال: (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء.
فإن تيمم وصلى في أول الوقت أجزأه).
أما كون من يرجو وجود الماء يستحب له تأخير التيمم؛ فلأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى.
وأما كونه إذا تيمم وصلى في أول الوقت يجزئه فلما تقدم من حديث عطاء بن يسار 3. قال: (والسنة في التيمم أن ينوي، ويسمي، ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع على التراب ضربة واحدة.
فيمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه.
وقال القاضي: المسنون ضربتان يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
فيضع بطون أصابع اليسرى على ظهر أصابع اليمنى، ويمرها إلى

مرفقه.
ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه، ويمر إبهام اليسرى على ظهر إبهام اليمنى، ويمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل الأصابع).
أما كون السنة في التيمم أن تكون الصفة المذكورة أولاً 1 على المذهب؛ فلأن في حديث عمار «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب ضربة واحدة ثم الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» 2 متفق عليه.
وأما كون المسنون أن تكون على الصفة الثانية على قول القاضي؛ فلأن التيمم بدل فإذا أشبه مبدله في كمال اليد كان أولى.
ولأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» 3. وحديث عمار محمول على المجزئ جمعًا بين الحديثين.
وأما كون المتيمم يضرب بيديه مفرجتي الأصابع فليدخل الغبار فيما بينهما.
وأما كونه يمسح إحدى الراحتين بالأخرى فلِيُمِرّ التراب بذلك بعد الضرب.
وأما تخليل 4 الأصابع؛ فلأنه كالتخليل في الوضوء.
قال: (ومن حبس في المصر صلى بالتيمم ولا إعادة عليه).
أما كون من حبس في المصر يصلي بالتيمم؛ فلأنه عاجز عن الماء أشبه المسافر.
وأما كونه لا إعادة عليه؛ فلأنه أدى فريضة بالبدل فلم يكن عليه إعادة كالمسافر.
قال: (ولا يجوز لواجد الماء التيمم خوفًا من فوات المكتوبة ولا الجنازة.
وعنه يجوز للجنازة).
أما كون واجد الماء لا يجوز له التيمم خوفًا من فوات المكتوبة؛ فلأن الله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا واجد للماء.

وأما كونه لا يجوز له ذلك خوفا من فوات الجنازة على روايةٍ فلما مر قبل.
وأما كونه يجوز 1 على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكن استدراكها بخلاف غيرها.
قال: (وإن اجتمع 2 جنب وميت ومن عليها غسل حيض فبذل ما يكفي أحدهم لأَوْلاَهم به فهو للميت.
وعنه أنه للحي.
وأيهما يقدم؟ فيه وجهان).
أما كون ما ذكره للميت على الرواية الأولى؛ فلأن غسله خاتمة طهارته وصاحباه يرجعان إلى الماء ويغتسلان.
وأما كونه للحي على الرواية الأخرى؛ فلأنه متعبد بالغسل مع وجود الماء وهو واجد والميت قد سقط عنه الفرض بالموت.
وأما كون الحائض تقدم على الجنب في أحد الوجهين؛ فلأن غسلها آكد وتستبيح بغسلها ما يستبيحه الجنب وزيادة جواز الوطء.
وأما كون الجنب يقدم عليها في الوجه الآخر؛ فلأن غسله ثابت بتصريح القرآن بخلاف غسل الحيض.

باب إزالة النجاسة

قال المصنف رحمه الله: (لا تجوز إزالتها بغير الماء.
وعنه ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل كالخل ونحوه) 1. أما كون إزالة النجاسة لا تجوز بغير الماء كالخل والمري والنبيذ وماء الورد والمعتصر من الشجر وما أشبه ذلك على المذهب فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما في دم الحيض يصيب الثوب-: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» 2 متفق عليه.
أمر بالغسل بالماء، وأمره للوجوب.
ولأن إزالة النجاسة طهارة شرعية فلم يجز بغير الماء كطهارة الحدث.
وأما كونها تزال بكل مائع طاهر مزيل على روايةٍ؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فإذا زالت يجب أن تطهر.
وفي تقييد ذلك بالمائع احتراز عن غير المائع فإن ذلك لا يزيل شيئًا، وبالطاهر عن النجس لأن النجس إذا ضم إلى النجس لا يفيد طهارة، وبالمزيل عما لا يزيل لأن الغرض الإزالة ولا يحصل إلا بالمزيل.

وقول المصنف رحمه الله: كالخل ونحوه تعداد لما تزال به النجاسة.
والمراد بنحوه ما تقدم ذكره في المري إلى آخره.
وكل شيء اجتمع فيه الصفات المذكورة تحصل [به] 1 الإزالة.
قال: (ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعًا إحداهن بالتراب.
فإن جعل مكانه أشنانًا أو نحوه فعلى وجهين) 2. أما كون غسل نجاسة الكلب يجب سبعًا إحداهن بالتراب فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» 3. وفي لفظ لمسلم: «أولاهن بالتراب» 4. وعن أحمد يجب غسله سبعًا وواحدة بالتراب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا وعفروه الثامن بالتراب» 5. والأول أصح لأن الحديث الثاني عد النبي - صلى الله عليه وسلم - التراب ثامنة لكونه من غير جنس الماء.
والأولى جعل التراب في الأولى ليكون الماء بعده فينظف.
وأما الأشنان ونحوه كالصابون إذا جعل مكان التراب لا يقوم مقامه على وجه؛ فلأنه تطهير ورد من الشرع التراب فيه فلم يقم غيره مقامه كالتراب في التيمم.
وأما كونه يقوم مقامه على وجهٍ؛ فلأن نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف وذلك موجود فيما ذكر.

وقال بعض أصحابنا: يقوم مع عدم التراب ومع إفساد التراب للمغسول لأن كل واحد منهما موضع حاجة.
وأما كون غسل نجاسة الخنزير تجب سبعًا إحداهن بالتراب؛ فلأنه منصوص على حرمته في القرآن مجمع عليه وليس منتفعًا به بوجه فكان أولى بذلك من الكلب.
فإن قيل: ما حكم المتولد منهما أو من أحدهما؟ قيل: حكم الكلب تغليبًا للنجاسة المغلظة واحتياطًا في إزالة النجاسات.
ولا فرق بين ولوغ الكلب والخنزير والمتولد المذكور وبين رجيع ذلك ودمه وبوله وعرقه أو وضع يده أو رجله أو شيء من أجزائه لأنه إذا نص على الفم مع أنه أشرف شيء من أجزائه فغيره أولى.
ولأن الولوغ يكثر ويشق غسله فإذا نص على وجوب الغسل فيه ففيما يقل يكون بطريق الأولى.
قال: (وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: إحداهن: يجب غسلها سبعًا، وهل يشترط التراب؟ على وجهين.
والثانية: ثلاثًا.
والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد كالنجاسات كلها إذا كانت على الأرض).
أما كون سائر النجاسات إذا كانت على الأرض يجب غسلها سبعًا في روايةٍ؛ فلقول ابن عمر: «أُمرنا بغسل الأنجاس سبعًا».
وهذا عام.
والصحابي إذا قال: أُمرنا ينصرف إلى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولأن السبع واجبة في الكلب مع الاختلاف في نجاسته فللمتفق على نجاسته أولى.
ويكون نصه في الكلب تنبيهًا بالأدنى على الأعلى.
فعلى هذه الرواية هل يشترط التراب؟ على وجهين: أحدهما: يشترط كالكلب.
والثاني: لا يشترط قياسًا على النجاسة على الأرض.

و «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أسماء بالتراب لما أمرها بغسل الثوب من دم الحيض» 1. وأما كونها يجب غسلها ثلاثًا في روايةٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فلأنه لا يدري أين باتت يده» 2. أمر بالثلاث وعلل بوهم النجاسة ولا يرفع وهمها إلا ما يرفع حقيقتها.
وأما كونه يكاثر بالماء من غير عدد في روايةٍ فقياسًا على النجاسة على الأرض و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أسماء بعدد» 3. وروي أن ابن عمر قال: «كان غسل الثوب من النجاسة سبع مرات فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل حتى جعل الغسل من البول مرة» 4 رواه أبو داود.
وأما كون النجاسات كلها إذا كانت على الأرض تكاثر بالماء من غير عدد فـ «لأن أعرابيًا بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه» 5 متفق عليه.
ولو لم تطهر بذلك لكان تكثيرًا للنجاسة.
ولأن الأرض مصاب الفضلات ومطارح الأقذار فلو اعتبر في غسلها العدد لشق ذلك على الناس وحرجوا منه.
وذلك منتف شرعًا.
والمراد بالمكاثرة أن يصب الماء على النجاسة حتى يذهب عينها ولونها.

قال: (ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا بريح) 1. أما كون الأرض النجسة لا تطهر بالشمس؛ فلأن ذلك لا يثبت إلا بالشرع ولم يرد به.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل بول الأعرابي» 2. ولو كانت الشمس تطهر لاكتفى بها.
ولأن الأرض النجسة محل نجس فلم يطهر بالجفاف كالثوب المجفف بالشمس.
وأما كونها لا تطهر بالريح فلما ذكر في الشمس.
قال: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها.
فإن خللت لم تطهر.
وقيل: تطهر).
أما كون شيء من النجاسات غير الخمرة لا يطهر بالاستحالة نحو أن يلقى [خنزير] 3 في ملاحة فيصير ملحًا، [أو] 4 في نار فيصير رمادًا، وما أشبه ذلك؛ فلأن ذلك أجزاء النجاسة فكان نجسًا كالدبس النجس إذا طبخ فصار ناطفًا.
ولأن نجاسة ذلك لعينه بخلاف الخمرة فإن نجاستها لمعنى يزول بالانقلاب.
وأما كون الخمرة إذا انقلبت بنفسها تطهر؛ فلأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زالت من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر كالماء الذي ينجس بالتغيير إذا زال تغيره.
وأما كونها إذا خللت لا تطهر على المذهب فلما روي: «أن أبا طلحة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرًا.
فقال: أهرقها.
قال: أفلا أخللها.
قال: لا» 5 من المسند رواه الترمذي.
ولو جاز التخليل لم ينهه عنه.
فإن قيل: ما صفة تخليلها؟

قيل: أن يلقى فيها ملح أو ما أشبه ذلك.
واختلف فيما إذا نقلت 1 من شمس إلى فيء وبعكس ذلك فقيل: هو تخليل.
وقيل: ليس بتخليل.
وأما كونها تطهر على قولٍ فلزوال علة التحريم أشبه ما إذا تخللت بنفسها.
قال: (ولا تطهر الأدهان النجسة 2. وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله.
وإذا خفي موضع النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها).
أما كون الأدهان النجسة التي لا يتأتى غسلها لا تطهر بالغسل؛ فلأن المطهر الغسل ولا يتأتى ذلك فيما ذكر.
وأما كون [ما] 3 يتأتى غسله كالزيت ونحوه لا يطهر بالغسل أيضًا على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه فأرة» 4. ولو كان إلى تطهيره طريق لما أمر بإراقته لأنه يكون إتلافًا للمال.
وأما كونه يطهر على قول أبي الخطاب؛ فلأن تطهيره ممكن أشبه الثوب.
فإن قيل: ما صفة غسله.
قيل: أن يترك في إناء له بِزالٌ في أسفله.
ثم يصب عليه الماء.
ويخاض به.
ثم يفتح البِزال فينزل الماء إلى آخره.
ثم يُسد.
وأما كون من خفي عليه موضع النجاسة يلزمه غسل ما يتيقن به إزالة النجاسة؛ فلأن بذلك يحصل تأدية فرضه بيقين فلزمه.
وكما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها.
فإن قيل: لو نظر على ثوب عليه نجاسة ماذا يلزمه.
قيل: غسل ما يقع نظره عليه وهو لا بسه دون ما خلفه.
وكذا لو رأى النجاسة في أحد كميه بعينه لزمه غسله دون سائر الثوب.

قال: (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: النضحُ).
أما كون بول الغلام المذكور يجزئ فيه النضح؛ لما روت أم قيس بنت محصن الأسدية قالت: «دخلت بابن لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الطعام.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فرشه عليه» 1 متفق عليه.
وفي لفظ: «فأجلسه على حجره.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فنضحه ولم يغسله» 2. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فأتبعه بوله ولم يغسله» 3 متفق عليه 4. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل» 5 رواه أحمد.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: لم يأكل الطعام عدم أكله له بشهوة لا عدم أكله بالكلية؛ لأن الصبي أول ما يولد يحنك بتمر أو نحوه.
«وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحسين رضي الله عنه» 6.

والمراد بالنضح: رش الماء على موضع البول حتى يغمره.
ولا يشترط فيه عصر ولا قرص ولا عدد ولا أن يجري الماء عن موضع النجاسة.
وتقييد المصنف رحمه الله البول بكونه بول غلام لم يأكل الطعام مشعر بأمرين: أحدهما: أن بول الغلام الذي أكل يُغسل.
وهو صحيح صرح به في غير مقنعه.
وذكره غيره من الأصحاب.
ووجهه أن مقتضى الدليل غسل كل نجاسة.
تُرك في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام للحديث.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
ولأنه إذا أكل لشهوة وصار ذلك غذاء له استحال استحالة شديدة.
بخلاف أكله قبل ذلك.
وثانيهما: أن بول الجارية يغسل.
وهو صحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» 1 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه.
وروي «أن الحسين بال على إزار النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقالت أم الفضل بنت الحارث: أعطني إزارك لأغسله.
فقال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام» 2 رواه أحمد.
وذكر بعض أصحابنا بينهما فرقًا.
قال: بول الجارية لا يعسر التحرز منه ولا يتعدى مكانه.
بخلاف الصبي فإنه لا يزال مُحْبَنْطِيًا 3 ويخرج بوله بقوة فيصيب من بَعُد عنه وذلك يكثر ويصعب التحرز منه.
فلو كُلّف الشخص غسله لشق ولذلك أن الغلام إذا بلغ حدًا يشتهي به الطعام قعد على مقعدته وجب غسل بوله لأنه حينئذ يمكن التحرز منه.
قال: (وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء وجب غسله.
وعنه يجزئ دلكه بالأرض.
وعنه يغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما).
أما كون أسفل الخف أو الحذاء يجب غسله إذا تنجس على روايةٍ؛ فلأنه محلٌّ تنجس فوجب غسله.
قياسًا على سائر المحالّ إذا تنجست.

وأما كونه يجزئ دلكه بالأرض على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه يُغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما على روايةٍ: أما غسله من البول والغائط؛ فلأنهما أغلظ وأفحش من غيرهما.
وأما دلكه من غيرهما؛ فلأن ذلك يشق غسله في كل وقت، وليست في الغلظ والفحش كذلك فعفي عنه دفعًا للمشقة السالمة عن معارضة المبالغة في الفحش والغلظ.
فإن قيل: ما حكم ذلك بعد الدلك في الطهارة أو العفو عنه مع نجاسته؟ قيل: حكم أثر الاستجمار.
قال: (ولا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا الدم وما تولد منه من القيح والصديد وأثر الاستنجاء.
وعنه في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير وعرقها وبول الخفاش والنبيذ والمني: أنه كالدم.
وعنه في المذي: أنه يجزئ فيه النضح).
أما كون شيء من النجاسات غير المستثنى لا يعفى عن يسيره على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وثيابك فطهر? والرجز فاهجر﴾ [المدثر: 4 - 5]. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه مر بقبرين.
فقال: إنهما ليعذبان.
وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرأ من البول» 2 وفي لفظ: «لا يستنزه» 3.

وإذا كان كذلك في البول ففي غيره بطريق الأولى لأنه لا يشق التحرز منه بخلاف البول.
وأما كون الدم يعفى عن يسيره فلما روت عائشة قالت: «كان يكون لإحدانا الدرع: فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة.
ثم ترى فيه قطرة من دم فَتَقْصَعُهُ بريقها» 1. وفي لفظ: «بلته بريقها ثم قَصعَتْهُ بظفرها» 2. والريق لا يُطَهِّر.
وهو إخبار عن دوام الفعل.
ومثل هذا لا يخفى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يكون ذلك إلا عن أمره.
و«لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق يديه».
و«عصر بُثْرة فخرج منها شيء من دم فمسحه بيديه ولم يغسله (3») (4). ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار.
واليسير والكثير هنا كهما في نقض الوضوء وقد مر.
وأما كون ما تولد من الدم ومن القيح والصديد يعفى عن يسيره؛ فلأنهما متولدان من الدم.
والعفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما.
والدم المتولد منه المعفو عنه هو ما كان من حيوان طاهر.
أما دم الحيوان النجس كالكلب والخنزير وشبههما والمتولد من ذلك الدم فلا يعفى عن شيء منه لأنه 4 اكتسب حكم التغليظ لملاقاته لحم الحيوان النجس.35

وأما كون أثر الاستنجاء والمراد به الاستجمار يعفى عنه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الأحجار: «أنها تجزئ» 1. ولو كان الباقي في المحل غير معفو عنه لما كانت مجزئة.
وأما كون المذي يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه يخرج من الشاب كثيرًا فيشق التحرز منه.
وأما كون القيء يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه خارج من غير السبيل أشبه الدم.
وأما كون ريق البغل والحمار يعفى عن يسيره في روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب البغل والحمار» 2. والظاهر أنه لا يسلم من ريقهما.
ولأن ذلك يشق التحرز منه.
وأما كون ريق سباع البهائم والطير وعرقها يعفى عن يسيره في روايةٍ فللاختلاف في نجاسته.
واعلم أن سباع البهائم عام يدخل فيه الكلب والخنزير والمتولد منهما.
وليس ذلك مرادًا من العموم؛ لأن ريق ذلك وعرقه اكتسب حكم التغليظ من الكلب والخنزير والمتولد منهما.
وأما كون بول الخفاش يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه لو لم يعف عنه لما أمكن الصلاة في بعض المساجد.
وأما كون النبيذ يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه اختلف في نجاسته.
وأما كون المني يعفى عن يسيره إذا قيل بنجاسته في روايةٍ؛ فلأنه مختلف في نجاسته.
وإذا قيل بطهارته فلا فرق بين القليل والكثير.
قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا ما لا نفس له سائلة كالذباب وغيره).
أما كون الآدمي لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» 3.

وقال عليه السلام: «لا تنجسوا موتاكم إن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا» 1 رواه الدارقطني.
ولأنه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد.
وفارق بقية الحيوانات لحرمته.
ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر؛ لاستوائهما في الآدمية.
ولأنهما استويا حالة الحياة فكذلك بعد الممات.
وعن الإمام أحمد: أنه ينجس قياسًا على سائر ما ينجس بالموت.
وأما كون ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه.
فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» 2 رواه البخاري.
أمر بمقله فلو تنجس بالموت لما أمر به لأن الظاهر موته بمقله لا سيما إذا كان الطعام حارًا فلو تنجس بالموت لكان ذلك تنجيسًا للطعام والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بذلك.
فإذا لم يَنجس الذباب بالموت لم ينجس سائر ما لا نفس له سائلة؛ لأن الكل مشترك معنى فوجب أن يشترك حكمًا.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالذباب فتمثيل لما لا نفس له سائلة.
قال: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر.
وعنه أنه نجس).
أما كون بول ما يؤكل لحمه طاهرًا على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العُرَنِيّين بشرب أبوال الإبل» 3. ولو كانت نجسة لما أمر بشربها.

فإن قيل: أمر به؛ لأن التداوي بالنجس يجوز.
قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» 1. وعلى تقدير التسليم لا ينبغي حمل الحديث عليه لأنه لو كان للتداوي لا للطهارة لأمرهم بغسل أفواههم وأيديهم لأجل الصلاة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
فلما لم يأمرهم بالغسل علم أن الأمر بالشرب للطهارة.
وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا بأس ببول ما أُكل لحمه» 2. وروى جابر عليه السلام أنه قال: «ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله» 3 رواهما الدارقطني.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه اللبن.
وأما كون روثه طاهرًا على المذهب فـ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابض الغنم» 4 قبل المسجد.
وهي لا تخلو من أبعارها.
ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه يصلون على الأوطية ولم ينقل عنهم تنظيفها.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه البول واللبن.

وأما كون منيه طاهرًا على المذهب؛ فلأنه إذا حكم بطهارة بوله وروثه؛ فلأن يحكم بطهارة منيّه بطريق الأولى.
وأما كون بوله وروثه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه رجيع أشبه رجيع غير مأكول اللحم.
وأما كون منيه نجسًا على روايةٍ؛ فلأن طهارته بالقياس على طهارة البول والروث فإذا حكم بنجاستهما وجب الحكم بنجاسته لانتفاء الحكم في المقيس عليه، ولثبوت التنجيس فيه.
قال: (ومني الآدمي طاهر.
وعنه أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه.
وفي رطوبة فرج المرأة روايتان).
أما كون مني الآدمي طاهرًا على المذهب فلقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا﴾ [الفرقان: 54].
أطلق عليه اسم الماء فوجب أن يطلق عليه حكمه في الطهارة.
ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يذهب.
فيصلي فيه» 1 رواه مسلم.
ولو كان نجسًا لم يَطهر بالفرك كالعَذِرَة.
وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة.
ولا تغسله إنما هو كالبصاق والمخاط» 2. ورواه الدارقطني مرفوعًا.
ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين.
وأما كونه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه مستحيل من الدم أشبه القيح والصديد.
ولأنه خارج لشهوة أشبه المذي.
وأما كونه يجزئ فرك يابسه على هذه الرواية فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» 3 رواه الدارقطني.

و «لأنه نزل بعائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء ينام فيها.
فاحتلم.
فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام.
فغمسها في الماء.
ثم أرسلها.
فقالت عائشة رضي الله عنها: لِمَ أفسد علينا ثوبنا.
إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه.
وربما فركته من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصابعي» 1 رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وتقييد الإجزاء بكون المني يابسًا مشعر بأنه إذا كان رطبًا لا بد من غسله.
وهو صحيح لوجوه: الأول: أن المجزئ الفرك وذلك لا يتأتى في الرطب.
الثاني: أن المحل نجس فلم يكن بد من تطهيره.
الثالث: أن الآثار وردت بغسله.
منها: ما تقدم من قول عائشة: «وأغسله إذا كان رطبًا» 2. ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها: «كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يخرج فيصلي فيه.
وأنا أنظر إلى البقع فيه من أثر الغسل» 3 متفق عليه.
فإن قيل: إجزاء الفرك عام في كل مني أم لا؟ قيل: لا.
بل هو مختص بمني الرجل؛ لأن أحمد نص على أنه لا يجزئ فرك مني المرأة لأنه رقيق.
وإنما أجزأ فرك مني الرجل لأنه غليظ فيؤثر الفرك فيه تخفيفًا بخلاف مني المرأة.
وأما كون رطوبة فرج المرأة نجسة في روايةٍ؛ فلأنها لا تخلو من مذي.

وأما كونها طاهرة في روايةٍ -وهي الصحيحة- لما ذكر في طهارة المني المستدل عليه بفرك مني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان مني جماع لا مني غيره ضرورة أن الأنبياء لا يحتلمون.
قال: (وسباع البهائم، والطير، والبغل، والحمار الأهلي نجسة.
وعنه أنها طاهرة).
أما كون سباع البهائم كالأسد والنمر وغير ذلك نجسة على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من السباع.
فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» 1. فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما.
وإنما ينجس أن لو كان الذي نابه نجسًا.
ولأنه حيوان حرم أكله يمكن التحرز منه فكان نجسًا كالكلب.
وأما كونها طاهرة على روايةٍ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة.
تردها الكلاب والسباع والحمر.
فقال: لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» 2 رواه ابن ماجة.
و«لأن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاصي مرا بحوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض! ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا.
فإنا نرد عليها وترد علينا» 3 رواه مالك في الموطأ.
وأما كون جوارح الطير كالعقاب والنسر ونحو ذلك نجسة على روايةٍ، وطاهرة على روايةٍ؛ فلأنها تساوي سباع البهائم معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا.
وأما كون كل واحد من البغل والحمار الأهلي نجسًا على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر «إنها رجس» 4 متفق عليه.
ولما ذكرنا في السباع.

وأما كونه طاهرًا على روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال: نعم.
وبما أفضلت السباع كلها» 1 رواه الشافعي في مسنده.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار والبغل.
و «ركب يومًا حمارًا مُعْرَوْرَى في الحر» 2 أي عريانًا.
ذكره البخاري.
والظاهر أنه لا يسلم من عرقه.
وكان أصحابه عليه السلام يقتنون البغال والحمير ويصحبونها في أسفارهم.
فلو كانت نجسة لبين لهم نجاستها.
ولأنه لا يمكن التحرز منها للمشقة أشبها الهر.
ولأنه يجوز بيعهما أشبها مأكول اللحم.
قال: (وسؤر الهر 3 وما دونها في الخلقة طاهر).
أما كون سؤر الهر طاهرًا فلما روت كبشة بنت كعب بن مالك قالت: «دخل عليّ أبو قتادة.
فسكبت له وضوءًا.
فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت.
فرآني أنظر إليه.
فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم.
قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ليست بنجس.
إنها من الطوافين عليكم والطوافات» 4 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.

وأما كون سؤر ما دون الهر في الخلقة كالفأرة ونحوها طاهرًا؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل طهارة الهر بكونها من الطوافين والطوافات وذلك موجود فيما دونها لكونه مما يطوف علينا.
ولأنه لا يمكن التحرز منه أشبه الهر.

باب الحيض

قال المصنف رحمه الله: (وهو دم طبيعة وجِبِلَّة.
ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والطواف، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر، ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد 1 به).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو دم طبيعة وجبلة فبيان لمعنى الحيض.
وأما كون الحيض يمنع فعل الصلاة فـ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي الصلاة أيام أقرائك» 2 متفق عليه.
وأما كونه يمنع وجوبها فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» 3 متفق عليه.
وأما كونه يمنع فعل الصوم فلقول عائشة رضي الله عنها: «إن كان ليكون علي الصوم من رمضان.
فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان» 4 متفق عليه.
يعني صومًا أفطر به بالحيض.

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ قلن: بلى» 1 رواه البخاري.
وأما كونه يمنع قراءة القرآن فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» 2 رواه الترمذي.
وأما كونه يمنع مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: 79].
وأما كونه يمنع اللبث في المسجد فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» 3 رواه أبو داود.
وأما كونه يمنع الطواف فلما روت عائشة قالت: «قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بالصفا والمروة.
فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» 4 متفق عليه.
وأما كونه يمنع الوطء في الفرج فلقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: 222]. وأما كونه يمنع سنة الطلاق؛ فلأنه يحرم طلاق المدخول بها لما فيه من تطويل العدة.

وأما كونه يمنع الاعتداد بالأشهر؛ فلأن الحائض يجب عليها الاعتداد بالأقراء لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما كونه يوجب الغسل فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك التي كنت تحيضين فيها.
ثم اغتسلي وصلي» 1 متفق عليه.
وأما كونه يوجب البلوغ؛ فلأن حيض المرأة يحصل به البلوغ لما يأتي في المحجور عليه.
وأما كونه يوجب الاعتداد به فلقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228]. قال: (والنفاس مثله إلا في الاعتداد).
أما كون النفاس مثل الحيض في الأحكام المذكورة غير الاعتداد؛ فلأنه دم حيض اجتمع ثم خرج دفعة واحدة.
ولأنه دم يمنع فرض الصلاة أشبه الحيض.
وأما كونه لا يوجب الاعتداد بخلاف الحيض؛ فلأن عدة النفساء تنقضي بوضع الحمل.
قال: (وإذا 2 انقطع الدم أبيح فعل الصيام والطلاق ولم يبح غيرهما حتى تغتسل).
أما كون من انقطع دم حيضها يباح لها فعل الصيام؛ فلأنها حينئذ كالجنب، والجنب يباح له ذلك؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» 3 متفق عليه.
وأما كونها يباح طلاقها فلزوال تطويل العدة التي هي علة تحريمه في الحيض.

وأما كون غير فعل الصيام والطلاق لا يباح حتى تغتسل؛ فلأن المانع من ذلك زمن الحيض موجود زمن الانقطاع قبل الغسل فوجب بقاء ما كان [على ما كان] 1 عملاً بالمقتضى واستصحابًا للحال.
قال: (ويجوز أن يستمتع 2 من الحائض بما دون الفرج.
فإن وطئها في الفرج فعليه نصف دينار كفارة.
وعنه: ليس عليه إلا التوبة).
أما كون الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج يجوز فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» 3 رواه مسلم.
ولأن وطء الفرج إنما مُنع من الأذى ويختص المنع بموضع الأذى.
وأما كون من وطئها في الفرج عليه نصف دينار كفارة على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار» 4 رواه أبو داود والنسائي.
وأما كونه ليس عليه إلا التوبة على روايةٍ؛ فلأن الحديث المذكور قيل ليس بصحيح.
ولذلك قال الإمام أحمد رضي الله عنه: لو صح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كنا أخذنا به.
ولأنه وطء نُهي عنه لأجل الأذى فلم تجب فيه كفارة قياسًا على الوطء في الدبر.

وأما كونه عليه التوبة؛ فلأنه وطء محرم فلم يكن بد من التوبة كغيره من المحرمات.
قال: (وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين.
وأكثره خمسون سنة.
وعنه ستون في نساء العرب.
والحامل لا تحيض).
أما كون أقل سنٍّ تحيض المرأة تسع سنين؛ فلأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» 1. وأما كون أكثره خمسين سنة على المذهب فلقول عائشة رضي الله عنها: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت عن حد الحيض».
وأما كونه ستين سنة في نساء العرب على روايةٍ؛ فلأن المرجع في ذلك إلى الوجود.
وقد وجد في نساء العرب حيض معتاد.
أخبر به ثقات عن أنفسهن بعد الخمسين.
ولأن ما كان فيه الحد معتبرًا ولم يوجد له في الشرع حد: يرجع فيه إلى العادات.
وأما كون الحامل لا تحيض فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عمر عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض.
قال: مره فليراجعها.
ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملاً» 2 متفق عليه.
فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟ قيل: الحجة فيه أنه جعل الحمل علمًا على دم الحيض كما جعل الطهر علمًا عليه.

و «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة» 1 رواه الإمام أحمد.
جعل وجود الحيض علمًا على براءة الرحم.
ولأنه زمان لا يعتاد فيه الحيض غالبًا فلم يكن ما تراه من الدم حيضًا كالآيسة.
قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: إنما يَعرف النساء الحمل بانقطاع الدم.
قال: (وأقل الحيض يوم وليلة.
وعنه يوم.
وأكثره خمسة عشر يومًا.
وعنه سبعة عشر.
وغالبه: ست أو سبع).
أما كون أقل الحيض يومًا وليلة على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «أقل الحيض يوم وليلة» 2. وأما كونه يومًا على روايةٍ؛ فلأن الشرع علق على الحيض أحكامًا ولم يبين قدره فعلم أنه رده إلى العرف كالقبض والحِرز.
وقد وجد حيض معتاد يومًا ولم يوجد أقل منه.
قال عطاء: «رأيت من تحيض يومًا، ومن تحيض خمسة عشر يومًا» 3. وأما كون أكثره خمسة عشر يومًا على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة» 4. ولأن في قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» 5 رواه البخاري.
إشارة إلى هذا.

وأما كونه سبعة عشر على روايةٍ؛ فلأن أقل الطهر إذا كان ثلاثة عشر كان أكثر الحيض سبعة عشر ضرورة أن الشهر يجمع طهرًا وحيضًا.
وأما كون غالبه ستًا أو سبعًا فـ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء.
وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» 1. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
قال: (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
وقيل خمسة عشر يومًا.
ولا حد لأكثره).
أما كون أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا على المذهب فلما روي عن علي رضي الله عنه «أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر.
فقال لشريح: قل فيها.
فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدان أنها حاضت في شهر ثلاث حيضات تترك الصلاة فيها، وإلا فهي كاذبة.
فقال علي رضي الله عنه: قالون.
يعني جيد» 2. وهذا اتفاق منهما على إمكان ثلاث حيضات في شهر ولا يمكن ذلك إلا بما قلنا في أقل الحيض وأقل الطهر.
وأما كونه خمسة عشر على قولٍ فلما تقدم من قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها... الحديث» 3. وأما كون الطهر لا حد لأكثره؛ فلأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً.

فصل [في المبتدأة] قال المصنف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي.
فإن انقطع دمها لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه.
وتفعل ذلك ثلاثًا.
فإن كان في الثلاث على قدر واحدٍ صار عادة، وانتقلت إليه، وأعادت ما صامته من الفرض 1. وعنه يصير عادة بمرتين).
أما كون المبتدأة وهي التي أول ما ترى الدم تجلس أي تدع الصلاة والصوم؛ فلأن دم الحيض دم طبيعة وجبلة وعادة، ودم الفساد 2 دم عارض لمرض ونحوه.
والأصل عدم العارض.
وأما كون ذلك يومًا وليلة؛ فلأنه أول الحيض على المذهب.
ومفهوم ذلك أنها لا تجلس أكثر من ذلك وهو صحيح على المذهب لأن الصلاة في ذمتها بيقين وقد شكّت في الزائد على أقل الحيض فلا يترك اليقين بالشك.
وأما كونها تغتسل بعد اليوم والليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكمًا أشبه آخر حيضها حسًا.
وأما كونها تصلي بعد ذلك؛ فلأن المانع من الصلاة الحيض وعدم الغسل وقد انتفى كل واحد منهما: أما الحيض؛ فلأنه حكم بانقضائه لما تقدم.
وأما عدم الغسل فلوجود الغسل حقيقة.
وأما كونها تغتسل عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها فلا تكون طاهرة بيقين إلا بالغسل حينئذ.
وأما كونها تفعل ذلك ثلاثًا أي مثل جلوسها يومًا وليلة وغسلها عند آخر ذلك.
ثم غسلها عند انقطاع الدم؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بتكرار الدم ثلاث

مرات على المذهب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» 1. والأقراء جمعٌ أقله ثلاثة.
ولأن ما اعتبر فيه التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء في عدة الحرة، والشهور، وخيار المصراة، ومهلة المرتد، وتعليم الكلب في الوجه الصحيح.
فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد صار ذلك عادة لتكرره ثلاثًا وإلا فلا لما ذكرنا.
وإن تكرر مختلفًا مثل أن يكون في الشهر الأول عشرة وفي الثاني اثني عشر وفي الثالث ثلاثة عشر فالعشرة متكررة ثلاثًا فهي عادة وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك.
وفي الجملة كل دم تكرر ثلاثًا صار عادة ما لم يجاوز أكثر الحيض وما لا فلا، مختلفًا كان أو متفقًا.
وأما كون الدم إذا تكرر مرتين صار عادة على روايةٍ؛ فلأن العادة مأخوذة من المعاودة وذلك يحصل بمرتين.
فلا يختلف المذهب أنها لا تثبت بمرة لما ذكرنا من الاشتقاق.
[فإن قيل: لم خص المصنف رحمه الله جلوس المبتدأة باليوم والليلة؟ قيل: لأن ذلك أقل الحيض على رواية.
ولعلها هي المختارة بدليل أنه قدمها.
ولأن دليل الثانية يمكن حمله على اليوم والليلة لجواز إطلاق اليوم وإرادة الليلة؛ لأن الليل في العدد قد يدخل تبعا] 2. وأما كون من صار دمها عادة تنتقل إليه أي تجلسه كما تقدم؛ فلأن المعتادة يجب عليها أن تجلس زمن العادة لقوله عليه السلام: «دعي الصلاة أيام أقرائك» 3. ولما يأتي في المستحاضة المعتادة بعد.

وأما كونها تعيد ما صامته من الفرض في الزمن الذي قبل الحكم بالعادة؛ فلأن بتكرره ثلاثًا عُلم أن الدم في ذلك الزمن كان دم الحيض فعلم أن الصوم فيه غير صحيح فيجب إعادته لأن الحيض لا يُسقِط وجوب الصوم بدليل ما تقدم من حديث عائشة 1. قال: (وإن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة: فإن كان دمها متميزًا بعضه ثخين أسود منتن، وبعضه رقيق أحمر.
فحيضها زمن الدم الأسود وما عداه استحاضة.
وإن لم يكن متميزًا قعدت من كل شهر غالب الحيض.
وعنه: أقله.
وعنه: أكثره.
وعنه عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها.
وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع).
أما كون المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض مستحاضة؛ فلأن عليًا رضي الله عنه قال: «ما زاد على خمسة عشر يومًا فهو استحاضة» 2. ولما تقدم من أن أكثر الحيض خمسة عشر.
فإن قيل: دم المرأة على كم ضرب؟ قيل: على ثلاثة: أحدها: دم يسمى دم فساد.
وهو المرئي أقل من يوم وليلة.
وثانيها: دم يسمى حيضًا.
وهو ما كان في العادة والتمييز أو ما أشبههما مما تُمنع فيه من الصلاة والصوم ونحوهما.
وثالثها: دم يسمى استحاضة.
وهو ما اتصل بالحيض وجاوزه.
والمرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر.
منه الحيض، وخارج كالإليتين.
منه الاستحاضة.
وأما كون حيض المستحاضة إذا كان دمها متميزًا كما ذكر المصنف رحمه الله من الدم الأسود فلما روي «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني

أستحاض فلا أطهر.
أفأدع الصلاة؟ قال: إن ذلك عرق ليس بالحيضة.
فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم» 1 متفق عليه.
يعني بإقباله سواده ونتنه وإدباره رقته وحمرته.
وفي لفظ قال لها: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف.
فأمسكي عن الصلاة.
فإذا كان الآخر فتوضئي.
إنما هو عرق» 2 رواه النسائي.
وقال ابن عباس: «ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة.
إنها والله إن ترى الدم بعد أيام حيضها إلا كغسالة ماء اللحم» 3. ولا بد أن يُلحظ في ذلك كون الدم الأسود يصلح أن يكون حيضًا بأن يكون لا ينقص عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره لأنه متى نقص عن ذلك أو زاد عنه لا يصلح أن يكون حيضًا.
وأما كون ما عداه استحاضة فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: إن ذلك عرق وليس بالحيضة» 4. فإن قيل: ما حكم المرأة في زمن استحاضتها؟ قيل: حكم الطاهرات تصوم وتصلي؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» 5 متفق عليه.

وفي لفظ للنسائي: «فإذا كان دم الحيض فأمسكي عن الصلاة.
فإذا كان الآخر فتوضئي.
إنما هو عرق» 1. وأما كونها إذا لم يكن دمهًا متميزًا تقعد من كل شهر غالبه ستًا أو سبعًا على المذهب فلما روي «أن حمنة بنت جحش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة.
قد منعتني الصوم والصلاة.
فقال: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي... مختصر» 2 رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وأما كونها تقعد أوله على روايةٍ فلما ذكرنا في المبتدأة.
وأما كونها تقعد أكثره على روايةٍ؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون حيضًا فكان حيضًا قياسًا على دم المبتدأة أول ما تراه.
ولأن الأصل عدم كونه دم فساد.
وأما كونها تقعد عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن الغالب شبهها بهن.
وقياسًا على المهر.
وأما كون المبتدأة أول ما ترى الدم [فيها] 3 الروايات الأربع على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنها تساوي ما تقدم ذكره معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا.
قال: (وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها وإن كانت مميزة.
وعنه يُقدَّم التمييز.
وهو اختيار الخرقي).
أما كون المستحاضة المعتادة التي لا تمييز لها ترجع إلى عادتها فـ «لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة: لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر» 4 متفق عليه.

وروي «أن سودة استحيضت فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت» 1. ولأن الحيض يتعلق به أحكام وأيام فجاز أن يُرجع إلى الأيام عند إعواز الدم كالعدة.
وأما كون المعتادة التي لها تمييز ترجع إلى عادتها على المذهب؛ فلأن اعتبار العادة متفق عليه والتمييز مختلف فيه.
وأما كونه يُقدم التمييز على روايةٍ - وهو اختيار الخرقي -؛ فلأنه اجتهاد، والعادة تقليد والاجتهاد مقدم على التقليد.
والأول أصح لما تقدم.
ولأن الرجوع في التمييز إلى لون الدم.
ونحن نرى ألوان الدماء التي في العروق تختلف اختلافًا بيّنًا.
وقد تبطل دلالة التمييز إذا نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره.
بخلاف العادة.
ولأن الأحاديث الدالة على العادة تقتضي العموم مميزة كانت أو غير مميزة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل السائلة ولم يسألها عن ذلك.
فإن قيل: حديث فاطمة يدل على اعتبار التمييز من غير استفصال عن العادة ولا سؤال عنها.
قيل: حديث فاطمة قد روي من طريق متفق عليه أنه ردها إلى العادة فيتعارضان.
ثم على تقدير التسليم بأنه ردها إلى التمييز تكون أخبرته أنها لا عادة لها، أو علم ذلك بقرينة.
ثم يلزم من تقدير التمييز إشكال هو أنها إذا كانت عادتها خمسة من أول كل شهر ثم استحيضت فرأت عشرة أيام أسود وباقي الشهر أحمر أو أصفر فعلى تقدير التمييز تترك الصلاة عشرة أيام وفي ذلك إسقاط العبادة عنها في خمسة أيام.

قال: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز.
فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض في كل شهر.
وعنه أقله.
وقيل فيها الروايات الأربع).
أما كون من نسيت العادة تعمل بالتمييز؛ فلأن التمييز حينئذ دليل لا معارض له فوجب العمل به كدم المبتدأة.
وأما كون من لها تمييز تجلس غالب الحيض على المذهب فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» 1. ولأن الظاهر أن ذلك حيضها لأن ذلك غالب عادة النساء.
وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ فقياسًا على المبتدأة.
وأما كونها فيها الروايات الأربع المتقدم ذكرهن على قول بعض الأصحاب فلما تقدم في المبتدأة 2. قال: (وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين.
وفي الآخر: تجلسها بالتحري.
وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز).
أما كون من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها تجلسها من أول كل شهر في وجه فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي وصلي ثلاثا وعشرين» 3. جعل حيضها من أوله، والصلاة في بقيته.
وأما كونها تجلسها بالتحري أي بالاجتهاد في وجهٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع 4 فكذلك في الوقت.
وأما كون الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز كالحكم في موضع من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها؛ فلأن من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من

نسيت موضع حيضها في تعدد الجلوس في زمن محقق فوجب أن يثبت لها ما ثبت لها لأن الاشتراك يوجب المساواة.
قال: (وإن علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كنصفه الأول جلستها فيه إما من أوله [أو بالتحري] 1 على اختلاف الوجهين).
أما كون من علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كما مثّل المصنف رحمه الله تجلسها فيه؛ فلأن ما عداه طهر بيقين.
وأما كونها تجلسها من أوله أو بالتحري ففيه الوجهان المتقدم ذكرهما وتوجيههما في من نسيت موضع أيام حيضها.
قال: (وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين).
أما كون من علمت حيضها ونسيت عدده تجلس فيه غالب الحيض على روايةٍ فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» 2. وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ؛ فلأن العبادة في ذمتها بيقين وما زاد على أقله مشكوك فيه ولا يزول عن اليقين بالشك.
قال: (وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين على اختلاف الروايتين.
وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار).
أما كون من تغيرت عادتها بما ذُكر لا يلتفت إلى ما خرج عن العادة على المذهب حتى يتكرر كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بذلك فلم يلتفت إلى [ما] 3 خرج عنها ضرورة أنه غير معتاد.
فإن قيل: ما معنى تغيّر العادة بذلك؟

قيل: تغيرها بالزيادة أن تكون عادتها مثلاً خمسة من كل شهر فتصير ستة أو سبعة أو شبه ذلك، وتغيرها بالتقدم أن يكون حيضها في أول الشهر خمسة فيصير يومًا من الشهر الذي قبله وأربعة من الشهر الذي كانت تحيض فيه، وتغيرها بالتأخر أن يكون حيضها خمسة من أول الشهر فتصير خمسة من ثانيه، وتغيرها بالانتقال أن يكون حيضها الخمسة الأولة فتصير الخمسة الثانية.
وأما كونها تصير إليه من غير تكرار عند المصنف رحمه الله.
وهي رواية عن الإمام أحمد.
ذكرها صاحب المستوعب فيه: فـ «لأن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة رضي الله عنها فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» 1. ولأن ظاهر الأخبار يدل على أن النساء كن يَعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير اعتبار عادة.
ولأنا رجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص.
ولأن في اعتبار العادة على الوجه المذكور أولاً إخلاء لبعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها [الدم] 2 على صفته، وهذا لا سبيل إليه.
قال: (وإن طهرت في أثناء عادتها اغتسلت وصلت.
فإن عاودها الدم في العادة فهل تلتفت إليه؟ على روايتين).
أما كون من طهرت في أثناء عادتها تغتسل؛ فلأن ابن عباس قال: «لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل» 3. وأما كونها تصلي؛ فلأنها طاهرة فيلزمها الصلاة كسائر الطاهرات.
وأما كونها تلتفت إلى الدم الذي يعاودها في العادة على روايةٍ؛ فلأنه دم في العادة فكان حيضًا كما لو اتصل.

وأما كونها لا تلتفت إليه على روايةٍ؛ فلأنه جاء بعد طهر فلم يكن حيضًا بغير تكرار كالخارج عن العادة.
قال: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض).
أما كون الصفرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلما تقدم من «أن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» 1. فإن قيل: ما القَصَّة؟ قيل: قال الإمام أحمد رحمه الله: القصة البيضاء ما ابيض يتبع الحيضة.
وأما كون الكدرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلأنها في معنى الصفرة.
[ولأنه في زمن العادة أشبه الأسود] 2. قال: (ومن كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا فإنها تضم الدم إلى 3 الدم فيكون حيضًا والباقي طهرًا إلا أن يجاوز أكثر الحيض فتكون مستحاضة).
أما كون من كانت ترى ما ذكر تضم الدم إلى الدم والطهر إلى الطهر إذا لم يجاوز مجموعها أكثر الحيض؛ فلأنه لا سبيل إلى جعل كل واحد من الدم حيضة ضرورة أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا أو خمسة عشر على الخلاف وإذا لم يكن سبيل إلى ذلك تعين الضم.
وأما كون الدم المضموم بعضه إلى بعض حيضًا؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون فيه حيضًا فكان حيضًا كما لو لم يفصل بينه طهرًا.
وأما كون الباقي طهرًا؛ فلأنه طهر حقيقة فكذلك حكمًا.
وأما كونها مستحاضة إذا جاوز مجموعهما أكثر الحيض فلما تقدم من قول علي رضي الله عنه 4.

فصل [في المستحاضة] قال المصنف رحمه الله: (والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات.
وكذلك من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم).
أما كون المستحاضة تغسل فرجها فلإزالة ما عليه من الدم.
وأما كونها تعصبه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف - يعني القطن - تحشي به المحل.
قالت: إنه أشد من ذلك.
قال: تلجمي» 1. وقال في حديث أم سلمة: «فلتستثفر بثوب ثم لتصل فيه» 2. وأما كونها تتوضأ لوقت كل صلاة فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: توضئي لوقت كل صلاة وصلي» 3. قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
فإن قيل في بعض ألفاظ الحديث: «توضئي لوقت كل صلاة» 4. قيل: ذلك مطلق وما تقدم مقيد والمطلق يجب حمله على المقيد لما تقدم ذكره غير مرة.

ولأنها طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت لأنه موضع الضرورة بخلاف ما قبله.
فإن قيل: إن خرج منها الدم بعد الوضوء.
قيل: إن خرج لتفريط في الشدّ أعادت الوضوء لأنه حدثٌ أمكن التحرز منه، وإن خرج لغير تفريط فلا شيء عليها؛ لما روت عائشة قالت: «اعتكفتْ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي» 1 رواه البخاري.
ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط.
وأما كونها تصلي ما شاءت من الصلوات؛ فلأنها متطهرة أشبهت المتيمم.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك بقاء الوقت.
فإن خرج وقت الصلاة الذي توضأت المستحاضة فيه لم يكن لها أن تصلي شيئًا لأن طهارتها تبطل بخروج الوقت لما تقدم من أنها طهارة ضرورة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «توضئي لوقت كل صلاة» 2. ولا بد أن يُلحظ استمرار دمها فإن انقطع دمها بعد أن توضأت فإن كان عادتها انقطاعه في وقت لا تتسع للصلاة لم تؤثر لأنه يمكن الصلاة فيه، وإن لم يكن لها عادة أو كان عادتها انقطاعه مدة طويلة لزمها استئناف الوضوء، وإن كان في الصلاة بطلت لأن العفو عن الوضوء ضرورة جريان الدم فيزول بزواله.
وأما كون من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم كالمستحاضة في الطهارة المذكورة؛ فلأن هؤلاء شاركوا المستحاضة في أعذارهم المذكورة فأعطوا حكمها.
فإن قيل: ما لا يمكن عصبه.
قيل: يصلي صاحبه بحسب حاله «لأن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب دمًا» 3.

جارٍ التحميل