الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 634-662

قال: (والواجب من ذلك القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأدنى دعاء للميت والسلام).
أما كون الواجب مما تقدم ذكره ما ذكره المصنف رحمه الله هنا: أما التكبيرات فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإجماع الصحابة على ما ذكر في موضعه مبيناً.
وأما الفاتحة فلما روت أم شريك قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بأم الكتاب» 1 رواه ابن ماجة.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها في الأولى» 2 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 3. ولأن صلاة الجنازة صلاة فلم يكن بد من قراءة الفاتحة فيها كالصلاة.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه» 4. وأما الدعاء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» 5 رواه أبو داود.
و«لأنه دعا له حين صلى عليه» 6. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 7. [ولأن الدعاء هو المقصود.
فلا يجوز الإخلال به.
وأما وجوب السلام؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحليلها التسليم» 8] 9.

ولم يذكر المصنف رحمه الله النية ولا القيام وهما واجبان وفاقاً: أما النية فلقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 1. ولقوله عليه السلام: «لا عمل إلا بالنية» 2. وأما القيام؛ فلأنها فرض كفاية فيجب فيها القيام كالفريضة.
ولقوله عليه السلام: «صل قائماً» 3. ولأنه صلى الله عليه وسلم «كان يصلي على الجنازة قائماً» 4. وإنما لم يذكرهما المصنف رحمه الله هنا لظهورهما وقصد الاختصار.
ولذلك صرح بهما في المغني.
وقد ألحق القيامَ بعضُ من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح.

قال: (وإن كبر الإمام خمساً كبر بتكبيره.
وعنه لا يتابع في زيادة على أربع.
وعنه يتابع إلى سبع.
ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته.
وقال الخرقي: يقضيه متتابعاً فإن سلم ولم يقضه فعلى روايتين).
أما كون المأموم يكبر بتكبير إمامه إذا كبر خمساً على روايةٍ فلأن زيد بن أرقم روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبرها» 1. ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم ما فارقوه.
وأما كونه لا يتابع في زيادة على أربع على روايةٍ فلما تقدم من إجماع الصحابة على الأربع 2. ولأن آخر أمري رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربع.
والعمل بالآخر متعين.
وأما كونه يتابع إلى سبع على روايةٍ فـ «لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر سبعاً» 3. ولا يختلف المذهب أنه لا يتابعه فيما زاد على سبع لأن السنة لم ترد بالزيادة عليها.
ولا أنه يُسلم قبل إمامه إذا قلنا لا يتابع إمَامه فيما زاد على الواجب بل يقف حتى يسلم معه لأنها زيادة قول مختلف فيه فلم يجز له مفارقة إمامه إذا اشتغل به كالقنوت في الصبح.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايات المذكورة؟ قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يتابع إلى خمس لما تقدم من تكبير زيد بن أرقم على الجنازة خمساً، وقوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها» 4 لأنه لا تعارض

بينه وبين ما ورد في تكبير الأربع لأن الجمع ممكن وهو أن فعل الأربع على وجهٍ المداومة يدل على الفضيلة وفعل الخمس يدل على الجواز وإذا ثبت جوازه وجب متابعة الإمام فيه.
وإنما لم يتابعه إلى سبع لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لم يثبت ثبوته في الأربع 1. وقال ابن عقيل: المختار أنه لا يتابع فيما زاد على الأربع لأن إجماع الصحابة ناسخ لما تقدم.
فلم يكن فعل الزائد على الأربع مشروعاً.
وإذا لم يكن مشروعاً لم يتابعه فيه كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى.
ولذلك قال مالك رضي الله عنه: «قف حيث وقفت السنة».
وأما كون من فاته شيء من التكبير يقضي ما فاته على صفته على المذهب فلقوله عليه السلام: «وما فاتكم فاقضوا» 2. ولأن القضاء يحكي الأداء.
والمراد بالقضاء على الصفة القضاء بالتكبير والذكر المشروع في محله.
وأما كونه يقضي ذلك متتابعاً على قول الخرقي فلأنه ربما رُفِع الميت فتكون صلاة في حالة لا تكون فيها جنازة.
وأما كونه إذا سلم ولم يقض ما فاته تصح صلاته على روايةٍ فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله! إني أصلي على الجنازة ويخفى عليّ بعض التكبير.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء عليك».
ولأنها تكبيرات متوالية حال القيام فلم يجب قضاء ما فات منها كتكبيرات العيد.
وأما كونها لا تصح على روايةٍ فقياساً على سائر الصلوات.

قال: (ومن فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إلى شهر.
ويصلى على الغائب بالنية.
فإن كان في أحد جانبي البلد لم يصل عليه بالنية في أصح الوجهين).
أما كون من فاتته الصلاة على الجنازة يصلي على القبر فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبر منبوذ فأمَّهم وصلوا خلفه.
قال الشعبي: قلت لمن أخبرني: من حدثك بهذا؟ قال: ابن عباس» 1 رواه البخاري.
وروى سهل بن حنيف «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبرِ مسكينة دفنت ليلاً» 2. وأما كونه يصلي على القبر إلى شهر فلأن أكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد ما دفنت بشهر» 3 رواه الترمذي.
قال ابن عقيل: ليس في هذا الحديث دليل على أنه لا يصلي بعد شهر لأن ذلك وقع اتفاقاً.
ولعله لو قدم بعد شهر كان يصلي.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الجواز يعتمد دليلاً وُجد في الشهر فما دون فيبقى فيما عداه على الأصل.
وأما كون الغائب يصلى عليه بالنية فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي» 4 رواه مسلم.
وأما كونه لا يصلي عليه إذا كان في أحد جانبي البلد في وجهٍ فلأنه بُعْدٌ لا يمنع الحضور أشبه ما لو صلى في بيته على جنازة في المسجد.
وهذا الوجه لأبي حفص البرمكي.
وأما كونه يصلي عليه في وجهٍ فلأن أحد جانبي البلد فيه بُعْدٌ تلحق به المشقة أشبه البلد الآخر.
وهذا الوجه لابن حامد.

قال: (ولا يصلي الإمام على الغالّ ولا من قتل نفسه).
أما كون الإمام لا يصلي على الغالّ فـ «لأن رجلاً توفي يوم خيبر.
فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: صلوا على صاحبكم.
فتغيرت وجوه القوم.
فقال: إن صاحبكم غل من الغنيمة» 1 رواه الإمام أحمد.
واحتج به.
فإن قيل: ما الغال؟ قيل: هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها.
وأما كونه لا يصلي على من قتل نفسه فلما روى جابر بن سمرة قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» 2 رواه مسلم.
وفي لفظ: «أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فلا أصلي عليه» 3 رواه النسائي.
فإن قيل: ما المشاقص؟ قيل: جمع مشقص.
وهو سهم له نصل عريض وليس بالطويل.
قاله أبو عبيد.
وقال الجوهري: هو من النصال ما طال وعرض.
قال: (فإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه.
وعنه لا يصلى على الجوارح).
أما كون ما وجد من الميت يغسل ويصلى عليه على المذهب فـ «لأن رجلاً من المشركين كان لا يميل على جانب من المسلمين إلا كسره فتحامل المسلمون عليه

فظفروا به فوجدوا معه خُرجاً فيه رؤوس المسلمين فأمرهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بتغسيلها وتكفينها والصلاة عليها» 1. و«صلى عمر رضي الله عنه على عظامٍ بالشام» 2. وأما كون الجوارح لا يصلى عليها على روايةٍ فلأن يد الحي لو قطعت في حياته لم يصل عليها فكذلك جوارح الميت.
قال: (فإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلى على الجميع ينوي من يصلى عليه).
أما كون المصلي يصلي على الجميع فلأن الصلاة على المسلم واجبة ولا يمكنه الخروج من العهدة إلا بذلك.
وأما كونه ينوي من يُصلى عليه.
ومعناه: أن ينوي الصلاة على المسلمين من ذلك الجميع فلأن الصلاة على الكافر لا تجوز فلم يكن بد من نية من يصلى عليه.
قال: (ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد.
وإن لم يحضره غير النساء صلين عليه).
أما كون الصلاة على الميت في المسجد لا بأس بها فلقول عائشة رضي الله عنها: «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن بيضاء إلا في المسجد» 3 رواه مسلم.
وروي «[أن] 4 أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلي عليهما في المسجد» 5 رواه سعيد.

وكان ذلك بمحضر من الصحابة فكان إجماعاً.
ولأنها صلاة فلم تكره في المسجد كسائر الصلوات.
وأما كون من لم يحضره غير النساء صلين عليه فلأن الصلاة على الميت فرض كفاية.
وذلك لا يسقط بغير فعل أحد.
ولا أحد موجود غير النساء فتعين فعله ضرورة الخروج عن عهدة الفرض.

فصل في حمل الميت ودفنه قال المصنف رحمه الله: (يستحب التربيع في حمله.
وهو: أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى.
ثم ينتقل إلى المؤخرة.
ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى.
ثم ينتقل إلى المؤخرة.
وإن حمل بين العمودين فحسن).
أما كون التربيع في حمل الميت يستحب؛ فلقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع ثم ليتطوع بعد أو ليذر فإنه من السنة» 1 رواه ابن ماجة وسعيد بن منصور في سننه.
وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تبع جنازة فأخذ بجوانبها الأربع غفر الله له أربعين ذنباً كل ذنب منها كبيرة» 2. وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يضع... إلى قوله: المؤخرة الآخرة؛ فبيان لصفة التربيع.
وفيها روايتان: إحداهما: أنه كما ذكره هنا.
وعلله في المغني بأنه أحد الجانبين فبدئ فيه بالمقدمة كالآخر.
وثانيهما: أنه ينتقل من الرجل إلى الرجل ثم يختم بالرأس لأن ابن عمر كذا كان يفعل.
فروى النجاد بإسناده «كان ابن عمر يحمل الجنازة من قبل ميامنها: يبدأ باليد.
ثم بالرجل.
ثم بالرجل الأخرى.
ثم باليد» 3.

وأما كون حمله بين العمودين حسناً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين».
«حمل سعد بن أبي وقاص عبدالرحمن بن عوف بين العمودين» 1. و«حمل عثمان سرير أمه بين العمودين] 2 فلم يفارقه حتى وضع».
و«حمل أبو هريرة سرير ابن أبي وقاص بين العمودين».
و«حمل ابن عمر عبدالرحمن بن أبي بكر بين العمودين» 3. فإن قيل: أيهما أفضل؟ قيل: التربيع لأن دليله قول معتضد بقول ابن مسعود وفعل ابن عمر فكان أولى من غيره.
ولأن الفعل المذكور يمكن حمله على الجواز والتربيع على الفضيلة لأنه مصرح فيه بالثواب الجزيل وذلك دليل الرجحان.

قال: (ويستحب الإسراع بها.
ويكون المشاة أمامها، والركبان خلفها.
ولا يجلس من تبعها حتى توضع.
وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها).
أما كون الإسراع بالجنازة يستحب فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة، [فإن تك صالحة] 1 فخيرٌ تُقدمونها إليه.
وإن يكن غير ذلك، فشرٌ تَضعونَه عن رِقابكم» 2 متفق عليه.
وأما كون المشاة أمامها فلما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» 3 رواه الإمام أحمد [وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة] 4. وأما كون الركبان خلفها فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الراكب خلف الجنازة... مختصر» 5 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولأن سير الراكب أمامها يؤذي مُتّبعي الجنازة لأنه موضع المشاة.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «والماشي حيث شاء منها» 6 مشكل لأنه إن حُمل على الجواز لزم أن يكون الراكب لا يجوز له ذلك لأنه عليه السلام فرق بينهما حيث قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»، وإن حُمل على الفضيلة لزم المساواة بين أمَام الجنازة وخلفها للماشي.

قيل: يندفع ذلك بأن يحمل على الجواز الخالي عن الكراهة.
وذلك لأن الماشي يجوز له المشي كيف شاء من غير كراهة.
وأما الراكب فيتجه أن يقال يجوز له ذلك لكنه يكره له أن يكون أمامها لما فيه من إيذاء المشاة بدابته.
وأما كون من تبعها لا يجلس حتى توضع فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» 1 رواه البخاري.
وأما كون الجالس إذا جاءت لا يقوم لها فلقول علي رضي الله عنه: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد» 2 رواه مسلم.
وهذا ناسخ لما روى مسلم: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه» 3. قال: (ويُدخل قبره من عند رجل القبر إن كان أسهل عليهم.
ولا يسجى القبر إلا أن يكون لامرأة).
أما كون الميت يدخل قبره من عند رجل القبر إن كان يَسهل على من يدخله فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُل من قبل رأسه» 4. وإنما يسل من قبل رأسه إذا كان قد أدخل من رجل القبر.
فإن قيل: لم اشترط المصنف رحمه الله السهولة؟ قيل: لأن في ضدها مشقة وضرراً وذلك منفي شرعاً.
وأما كون القبر لا يسجى إلا أن يكون لامرأة فلما روي عن علي رضي الله عنه: «أنه مر بقوم دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذبه.
وقال: إنما يصنع هذا بالنساء» 5.

قال: (ويلحد له لحداً.
وينصب عليه اللبن نصباً.
ولا يدخله خشباً، ولا شيئاً مسته النار).
أما كون اللاحد للميت يلحد له لحداً وينصب عليه اللبن نصباً فلقول سعد بن أبي وقاص: «الحدوا لي لحداً وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله صلى الله عليه وسلم» 1 رواه مسلم.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «اللحد لنا والشق لغيرنا» 2 رواه أبو داود.
ومعنى اللحد: أنه إذا بلغ الحافر أرض القبر [حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت.
ومعنى الشق: أن يحفر في أرض القبر] 3 شيئاً يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء.
وأما كونه لا يُدخل القبر خشباً ولا شيئاً مسته النار فلأن إبراهيم قال: «كانوا يستحبون اللَّبِن ويكرهون الخشب والآجر» 4. قال: (ويقول الذي يدخله 5: بسم الله وعلى ملة رسول الله.
ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة).
أما كون من يُدخل الميت قبره يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل الميت القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله» 6.

ويروى: «على سنة رسول الله» 1 قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأما كونه يضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا دُفن.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض».
قال: (ويحثو التراب في القبر ثلاث حثيات.
ويهال عليه التراب.
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً).
أما كون من حضر الدفن يحثو التراب في القبر ثلاثاً فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه حثى ثلاث حثيات بيديه جميعاً على الميت» 2 رواه الشافعي في مسنده.
و«لأن علياً رضي الله عنه حثى على زيد بن المكفف ثلاثاً، وابن عباس حثى على زيد بن ثابت ثلاثاً» 3. وينبغي أن يقول عند الأولى: ﴿منها خلقناكم﴾.
وعند الثانية: ﴿وفيها نعيدكم﴾.
وعند الثالثة: ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: 55].
وأما كون الميت يهال عليه التراب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فُعل به كذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي» 4 رواه الإمام أحمد.

وقالت فاطمة رضي الله عنها: «كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب» 1 رواه البخاري.
وأما كون القبر يرفع عن الأرض قدر شبر فلما روى الساجي «أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض [قدر شبر] (2») 3. ولأن بذلك يعلم أنه قبر فيتوقى ويُترحم عليه.
وأما كونه مسنماً فلما روى سفيان التمار «أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً» 4 رواه البخاري.
ولأن المسطح يشبه أبنية أهل الدنيا.
قال: (ويرش عليه الماء.
ولا بأس بتطيينه.
ويكره تجصيصه، والبناء، والكتابة عليه، والجلوس والوطء عليه، والاتكاء إليه).
أما كون القبر يرش عليه الماء فلما روى أبو رافع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلَّ سعداً ورش على قبره ماء» 5 رواه ابن ماجة.
ولأن الماء يُلبدُه.
وأما كونه لا بأس بتطيينه فلما روى جعفر بن محمد عن أبيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وطين بطين أحمر من العرصة» 6.2

ولأن في تطيينه صيانة له عن الدوس.
والحديث الذي فيه النهي عن التطيين محمول على التطيين للتحسين جمعاً بين نهيه وبين تطيين قبره.
وأما كونه يكره تجصيصه والبناء والكتابة عليه والجلوس والوطء عليه والاتكاء إليه فلقول جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد إليه» 1 رواه مسلم.
و[زاد] 2 الترمذي: «وأن يكتب عليها وأن توطأ» 3.

و«رأى عليه السلام عمرو بن حزم متكئاً على قبر.
فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر» 4 رواه الإمام أحمد.
قال: (ولا يدفن فيه اثنان إلا لضرورة.
ويقدم الأفضل إلى القبلة.
ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب).
أما كون القبر لا يدفن فيه اثنان إذا لم تكن ضرورة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَدفن كل ميت في قبر.
ثم فعل ذلك بعده السلف والخلف من الصحابة وغيرهم.

وأما كونه يدفن فيه ذلك إذا كان ضرورة مثل كثرة الموتى وقلة من يدفنهم وخوف الفساد عليهم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كثر القتلى يوم أحد كان يجمع بين الرجلين في القبر الواحد» 1. وأما كون الأفضل يقدم إلى القبلة «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في قتلى أحد: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد» 2. وأما كون حاجز من تراب يجعل بين كل اثنين فليصير كل واحد منفرداً كأنه في قبر منفرد.
قال: (وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخذ.
وإن كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره غرم ذلك من تركته.
وقيل ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج).
أما كون القبر ينبش ويؤخذ ما وقع فيه مثل أن ينسى الحفار مسحاته أو من يدفنه خاتمه ونحوه؛ فلما روي عن المغيرة بن شعبة «أنه وضع خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: خاتمي.
ففتح منه موضع فدخل وأخذه».
ولأنه لا ضرر في أخذه ولا هتك لحرمة الميت فجاز إيصاله إلى مستحقه.
ولأن في تركه إضاعة للمال المنهي عنها.
وأما كون من كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره يغرم ذلك من تركته على المذهب فلأن استحقاق العين يسقط عند تعذر الرجوع وينتقل إلى القيمة.
والرجوع في العين هنا متعذر شرعاً لأن نبش الميت وشق جوفه مُثلةٌ منهي عنها.
وإذا انتقل حق المال إلى القيمة استحق أخذها من التركة كما لو أتلف الميت شيئاً قبل موته.
وأما كون الميت ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج ما فيه على قولٍ فلأن حق صاحبه متعلق بعينه ولم يرض بتركه فكان له ما ذكر كما لو دفن في أرض الغير بغير إذنه.

قال: (وإن ماتت حامل لم يشق بطنها وتسطو عليه القوابل فيخرجنه.
ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيى).
أما كون الحامل إذا ماتت لا يشق بطنها على المذهب فلأن الشق مُثْلةٌ متيقنة، وحياة الولد مظنونة موهومة.
ثم إنه لو خرج حياً فالغالب المعتاد أنه لا يعيش.
وقد احتج الإمام أحمد رحمه الله عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» 1 رواه أبو داود.
وأما كون القوابل يسطو على الحمل.
ومعناه: أنهن يدخلن أيديهن في رحم الميتة فيخرجنه فلأن في ذلك إبقاء للولد من غير مُثلةٌ بأمه.
فإن قيل: قد تقدم أنه لا يعيش غالباً فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى أن يسطو عليه القوابل؟ قيل: إنما يفعل ذلك إذا قويت الحركة وظهر انفتاح المخارج وأمارات الولادة وماتت في الطلق.
وإلا فلا يتعرض لها.
وأما كونه يحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيى فلأنه تعارض حق الحي وحق الميت فكان حق الحي أولى.
قال: (فإن ماتت ذمية حامل من مسلم دفنت وحدها.
ويجعل ظهرها إلى القبلة).
أما كون الذمية الحامل من مسلم تدفن وحدها فلأنها إن دفنت في مقابر المسلمين تأذوا بعذابها، وإن دفنت في مقابر أهل الذمة تأذى ولدها المحكوم بإسلامه بعذابهم.
وأما كون ظهرها يجعل إلى القبلة فلأن وجه الولد المحكوم بإسلامه إلى ظهرها فإذا جعل ظهرها إلى القبلة كان الولد مستقبلاً للقبلة.

قال: (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين).
أما كون ما ذُكر لا يكره في الصحيح فلما روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دخل المقابر فقرأ فيها سورة يس خُفف عنهم يومئذ وكان له بعددهم حسنات» 1. وروت عائشة رضي الله عنها عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عندهما أو عنده سورة يس غفر لهما» 2 رواهما أبو بكر صاحب الخلال.
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر لا يقرأ فيها شيئاً من القرآن.
فإن الشيطان يفر من بيت يقرأ فيه سورة البقرة» 3. فلو كانت المقبرة يقرأ فيها القرآن لم يكن بينهما فرق.
قال: (وأي قربة فعلها وجعلها للميت المسلم: نفعه ذلك).
أما كون كل قربة فعلها الإنسان؛ من دعاء واستغفار وأداء واجب وصدقة وصلاة وصوم وحج وقراءة ونحو ذلك وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك: أما الدعاء والاستغفار وأداء الواجب؛ فبالإجماع وقد قال الله تعالى: ﴿والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: 10].
وقال تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: 19].
ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة 4.

وأما الصدقة؛ فلأن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أينفع أمي إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» 1 رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة.
وأن هشام بن العاص نحر حصته من ذلك خمسين.
أفتجزئ عنه؟ فقال: إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمت عنه أو تصدقت بلغه ذلك» 2. وعن أنس بن مالك «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نتصدق عن موتانا ونحج فهل يصل إليهم ذلك؟ فقال: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه».
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كان لي أبوان.
كنت أبرهما في حياتهما.
فكيف لي 3 أن أبرهما بعد موتهما؟ فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك.
وأن تصوم لهما مع صومك.
وأن تتصدق لهما مع صدقتك» 4. وأما الصلاة فلأنها مذكورة 5 في حديث الرجل.

وأما الصوم فلأنه مذكور في حديث عمرو وأنس والرجل.
وأما الحج فلأنه مذكور في حديث أنس.
ولأن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت 1: «إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت إن كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم.
قال: فدين الله أحق أن يقضى» 2. وأما قراءة القرآن؛ فلما تقدم من أنها لا تكره على القبر.
ولأنها قربة أشبهت سائر القرب.
وأما نحو ذلك؛ فبالقياس على ما تقدم.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: 39] تنفي ما ذُكر لأنه ليس من سعيه.
وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ [البقرة: 286] كذلك لأنه ليس من كسبه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالح يدعو له» 3 كذلك؛ لأنه ليس أحد الأمور الثلاثة؟ قيل: أما الأول فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن ذلك في صحف إبراهيم وموسى.
ولذلك قال عكرمة: هذا في حقهم خاصة بخلاف شرعنا.
واستدل على ذلك بحديث الخثعمية 4.

وثانيها: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ [الطور: 21].
روى ذلك ابن عباس.
وثالثها: أنه مختص بالكافر أي ليس له من الجزاء إلا جزاء سعيه يُوفّاه في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب.
ذكره الثعلبي في تفسيره.
ورابعها: أن معنى ﴿ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: 39] عدلاً.
وله ما سعى وسعى غيره وصلاً.
وخامسها: أن اللام بمعنى على.
ونحوه قوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ [الرعد: 25] أي عليهم.
وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: 196] أي على من لم يكن أهل.
وأما الثاني وهو قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ [البقرة: 286] فإنما تدل على نفي ما تقدم بالمفهوم.
وما تقدم من الأدلة منطوق.
والمنطوق راجح على المفهوم.
على أن فعل القربة من الغير لا يخلو من نوع كسب ولو مودة الإسلام.
وأما الثالث: وهو قوله: «انقطع عمله» فالكلام في عمل غيره لا في عمله.
وأما قول المصنف رحمه الله: وجعل ثوابها للميت المسلم؛ فمشعر بأمرين: أحدهما: أنه إذا جعلها للحي لا ينفعه ذلك.
ووجهه: أن العجز في الحج ونحوه مصحح للنيابة فليكن ما ذكر كذلك.
وقال صاحب النهاية فيها: المنقول عن أحمد أنه لا فرق بين الحي والميت؛ لأن المعنى فيهما واحد.
ولعل المصنف رحمه الله إنما ذكر الميت؛ لأن أكثر الأدلة المتقدمة فيه.
ولأن حاجته إلى الثواب أكثر من الحي لا أن ذلك شرطٌ فيه.

وثانيهما: أنه إذا جعلها لغير المسلم لا تنفعه.
وهو صحيح.
وقد تقدم ذلك في حديث عمرو من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد بلغه ذلك» 1. قال: (ويستحب أن يُصلَحَ لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، ولا يُصلحون هم طعاماً للناس).
أما كون أن يُصْلَحَ لأهل الميت طعام يُبعث إليهم فلقوله عليه السلام: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد جاءهم 2 أمر شغلهم» 3 رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود.
وأما كون أهل الميت لا يُصلحون طعاماً للناس فلأنهم في شغل بمصابهم.
ولأنه زيادة عليهم في مصيبتهم.
ولما قَدِم جرير على عمر قال: «هل يناح على ميتكم؟ قال: لا.
قال: فهل يجتمعون الناس عند الميت ويجعلون الطعام؟ قال: تلك النياحة» 4.

فصل [في زيارة القبور] قال المصنف رحمه الله: (ويستحب للرجال زيارة القبور.
وهل تكره للنساء؟ على روايتين).
أما كون زيارة القبور تستحب للرجال فلقوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها.
فإنها تذكركم الموت» 1 رواه مسلم.
وأما كونها تكره للنساء على روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله زوّارات القبور» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث صحيح.
ولأن المرأة قليلة الصبر فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله بخلاف الرجل.
وأما كونها لا تكره على روايةٍ فلعموم ما تقدم.
و«لأن عائشة رضي الله زارت قبر أخيها عبدالرحمن» 3 رواه الترمذي.
قال: (ويقول إذا زارها أو مر بها: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون.
ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين.
نسأل الله لنا ولكم العافية.
اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم).
أما كون من زار القبور أو مر بها يقول: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ونسأل الله لنا ولكم العافية فـ «لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر.
فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» 1 رواه مسلم.
وأما كونه يقول: ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين فلأن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك 2. وأما كونه يقول: اللهم! لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك 3. رواه أحمد.
وأما كونه يطلب المغفرة؛ فلأن في حديث آخر: «يغفر الله لنا ولكم» 4. قال: (ويستحب تعزية أهل الميت.
ويكره الجلوس لها.
ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك.
وفي تعزيته عن كافر: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك.
وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك.
وفي تعزيته عن كافر: أخلف الله عليك ولا نقص عددك).
أما كون تعزية أهل الميت تستحب فلما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عزى 5 مصاباً فله مثل أجره» 6 رواه الترمذي وهو غريب.
وروى عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن يُعزِّي أخاه إلا كساهُ الله من حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامة» 7 رواه ابن ماجة.

وأما كون الجلوس لها يكره فلأنه محدَث.
مع ما فيه من تهيج الحزن.
وأما كون المعزي يقول: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك في تعزية المسلم بالمسلم.
وأعظم الله أجرك وأحسن عزاءك في تعزية المسلم بالكافر.
وأحسن الله عزاءك وغفر لميتك في تعزية الكافر بالمسلم.
وأخلف الله عليك ولا نقص عددك في تعزية الكافر بالكافر فلأنه لائق بحال الميت والمصاب.
وقد ورد شيء في ذلك لم يذكره المصنف رحمه الله هنا وذكره في المغني وهو «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي سُمع صوتٌ من ناحية البيت: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته.
إن في الله عَزاءً من كل مصيبة.
وخلفاً من كل هالك.
ودركاً من كل فائت.
فبالله فثقوا وإياه فارجُوا.
فإن المصَاب من حُرم الثواب» 1 رواه الشافعي.
فقيل: إنه الخضر عليه السلام جاء يعزي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأنه يجوز للمسلم تعزية الكافر.
وسئل الإمام أحمد 2 رحمة الله عليه عن ذلك فتوقف.
وفي ذلك وجه حمله الأصحاب رحمهم الله على جواز عيادته.
وفيها روايتان.
أما كون التعزية تحمل على العيادة فلأنها في معناها.
ولأنه إذا جاز أن يقصده في بيته لعيادته فلا يجوز أن 3 يُعزى بطريق الأولى.
وأما كون العيادة تجوز في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاد يهودياً كان يحضر في حوائجه وقال: كيف تجدك» وفي لفظ: «كيف أنت يا يهودي» 4.

و «عاد نصرانياً فقال: كيف أنت يا 1 نصراني» 2. ولأن في ذلك تأليفاً للإسلام.
وأما كونها لا تجوز في روايةٍ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤهم بالسلام وألجؤهم إلى أضيق الطرق» 3. فلأن لا يعاد بطريق الأولى.
قال: (ويجوز البكاء على الميت.
وأن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به).
أما كون البكاء على الميت يجوز فلما روى أنس قال: «شهدنا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر.
فرأيت عينيه تدمعان» 4. و«قَبّل عثمانَ بن مظعون وهو ميت ورفع رأسه وعيناه تهراقان» 5. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم» 6 متفق عليه.
و«دخل عليه السلام على ابنه إبراهيم وهو يجُودُ بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان.
فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله! فقال: يا ابن عوف إنها رحمة.
ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع 7 والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» 8 رواه البخاري.

وأما كون المصاب يجوز أن يجعل على رأسه ثوباً يعرف به فلأن التعزية سنة وذلك وسيلة إليها.
فإذا لم يكن سنة فلا أقل من أن يكون جائزاً.
بيان أنه وسيلة إلى التعزية أنه إذا وضع عليه ما يعرف الناس به أنه هو المصاب عرفه الناس فعزَّوه.
قال: (ولا يجوز الندب.
ولا النياحة.
ولا شق الثياب، ولطم الخدود، وما أشبه ذلك).
أما كون الندب والنياحة.
ومعناهما: أن يقول المصاب: وا رَجُلاه وا سيداه وما أشبه ذلك من تعديد محاسن الميت لا يجوزان فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة» 1 متفق عليه.
وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة.
وعنه عليه السلام: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشق جيوب... مختصر» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن عمر: «ما على نساء بني المغيرة أن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نَقْعٌ، ولا لَقْلَقَة» 3. قال أبو عبيد: اللقلقة رفع الصوت، والنَّقْع التراب يوضع على الرأس.
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنه: 12] أنه النوح.
وقالت أم عطية رضي الله عنها: «أَخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح» 4 متفق عليه.

وأما كون شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية» 1 متفق عليه.

جارٍ التحميل