الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 92-131

: لا بد من تعريف كل واحد من الكتاب والطهارة لأن تعريف المركب موقوف على تعريف كل واحد من مفرداته.
أما تعريف الكتاب.
فالكتاب: مأخوذ من الجمع.
ومنه كتبت البغلة إذا جمعت بين شُفريْها بحلقة.
فالكتاب إذًا هو الجامع.
وأحكام الطهارة مجموعة فيه فكأنه جمعها.
فحسُن لذلك إطلاق لفظ الكتاب عليه.
وأما الطهارة ففي اللغة: هي النظافة والنزاهة عن الأقذار.
وفي الشرع: عبارة عن استعمال الماء الطهور أو بدله في أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص.
وسنبين ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
وقيل: عن رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب.
فإذا عرف كل واحد من الكتاب والطهارة فمعنى كتاب الطهارة: الجامع لأحكام الطهارة.

باب المياه

المياه جمع ماء.
فإن قيل: الماء اسم جنس، وأسماء الأجناس لا تجمع.
قيل: أسماء الأجناس تجمع إذا اختلفت أنواعها.
والماء هنا متنوع لانقسامه إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ثلاثة أقسام: ماء طهور.
وهو: الباقي على أصل خلقته، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر، أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن، أو ما أصله الماء كالملح البحري.
وما تروح بريح منتنة إلى جانبه أو سُخّن بالشمس أو بطاهر فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروه الاستعمال).
أما كون المياه ثلاثة أقسام فلانقسامها إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.
فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟ قيل: الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا.
فإن جاز فهو الطاهر غير المطهر وإن لم يجز فهو النجس.
وأما قول المصنف رحمه الله: ماء طهور فمعناه أحد الأقسام ماء طهور.
وقدمه على قسيميه لرجحانه على الثاني بالطهورية، وعلى الثالث بالطهورية والطاهرية.
والطهور عندنا من الأسماء المتعدية 1 أي اسم لما يتطهر به.
قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: 48]، وقال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: 11].

فإن قيل: لا فرق بين الطاهر والطهور لأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم؛ كقاعد وقَعود وضارب وضَروب.
وإذا كان كذلك فالطاهر غير متعد فالطهور مثله.
ولأن طهورًا لو كان متعديًا لما وقع هذا الإطلاق حقيقة إلا بعد وجود التطهير؛ كالقتول لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود القتل، والضروب لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود الضرب.
ولأن الطهور لو كان متعديًا لتكرر 1 فعل التطهر به.
قيل: يدل على الفرق بينهما الكتاب والسنة.
أما الكتاب فما تقدم.
وأما السنة فما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ماء البحر.
قال: هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولو كان الطهور هو الطاهر لما امتن الله على عباده بماء السماء، ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا عن السؤال؛ لأنهم علموا طاهريته.
وإنما سألوا عن طهوريته وتعدي فعله إليهم.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي -فذكر منهن-: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» 3 رواه البخاري.
وجه الحجة أنه لو تساوى فاعل وفعول لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر فضلية لأن الطهارة ثابتة لسائر الأنبياء.

ثم القول بأن لا فرق بينهما عند العرب لا يصح لأن فعولا عندهم آكد.
ولم يكن تأكيد الطهور بتكرار فعله فجعل تأكيده بتعدي فعله إلى غيره.
وأما القول بأنه لو تعدى لتكرر فعله فعنه جوابان: أحدهما: أن التعدي صفة لجنس الماء وجنس الماء يتكرر فعله للتطهير، وكذلك الماء الكثير.
والثاني: أن الماء اليسير يتكرر منه فعل التطهر قبل الانفصال لأنه ينتقل من محل إلى آخر.
وأما كون الطهور هو الباقي على أصل خلقته... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كون الباقي على أصل خلقته كماء السماء وذوب الثلج والبرد وماء البحر والبئر والعيون والأنهار وما أشبه ذلك طهور: أما ماء السماء فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: 11].
وأما ذوب الثلج والبرد فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم طهرني بالثلج والبرد» 1 رواه مسلم.
وأما ماء البحر فلقوله عليه السلام: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما ماء البئر فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من بئر بُضاعة» 3 رواه النسائي.
وأما ماء العيون والأنهار؛ فلأن مائهما كماء البئر.
وأما كون ما تغير بمكثه طهورًا؛ فلأنه تغير في مقره أشبه الجاري على المعادن.

و «لأن عليًا رضي الله عنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بماء آجن في دَرَقَته فغسل به وجهه» 1. وروي «أنه توضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحنا» 2. ولأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق أشبه الباقي على أصل خلقته.
وأما كون ما تغير بطاهر لا يمكن صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر طهورًا؛ فلأنه يشق الاحتراز منه، ولا يسلبه اسم الماء ولا معناه أشبه المتغير بمكثه.
وأما كون ما تغير بطاهر لا يخالطه كالعود والكافور والدهن طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة أشبه ما لو تغير بمجاورة جيفة إلى قربة.
وأما كون ما تغير بما أصله الماء كالملح البحري طهورًا؛ فلأن المتغير به منعقد من الماء أشبه ذوب الثلج.
وأما كون ما تغير بريح منتنة إلى جانبه طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة لا مخالطة.
وأما كون ما سخن بالشمس أو بطاهر طهورًا؛ فلأن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برده.
أما كون ما ذكر كله طاهرًا مطهرًا يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروهة الاستعمال: أما كونه طاهرًا؛ فلأنه طهور لما تقدم.
وكل طهور طاهر.
وأما كونه طهورًا فلما تقدم.
وأما كونه يرفع الأحداث؛ فلأن ذلك شأن الطهور.
وأما كونه يزيل الأنجاس؛ فلأن كل ما رفع الحدث أزال النجس.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عُمَيس أن تغسل دم الحيض بالماء» 3. وأما كونه غير مكروه الاستعمال: أما ما عدا المسخن فلا خلاف.

وأما المسخن فلما تقدم من أن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برَّده.
و«لأن ابن عباس رضي الله عنهما دخل حمام الجحفة» 1. ولأن الكراهة تستدعي دليلاً ولم يوجد.
فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعائشة رضي الله عنها وقد سخنت ماء في الشمس: لا تفعلي.
فإنه يورث البرص» 2 رواه الدارقطني.
وعن أنس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تغتسلوا بالماء الذي سخن بالشمس فإنه يعدي من البرص» 3 رواه العقيلي.
قيل: الحديثان غير صحيحين.
ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص وأنه لو أثر لما اختلفا بالقصد وعدمه.
ولما اختص بتسخينه في الأواني المنطبعة دون غيرها.
قال: (وإن سخن بنجاسة فهل يكره استعماله؟ على روايتين).
أما كون ما ذُكر يكره على روايةٍ؛ فلأنه يحتمل أن تصل إليه النجاسة فيتنجس.
وإذا لم يحكم بذلك فلا أقل من الكراهة.
وأما كونه لا يكره على روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم ذلك.
ولا بد أن يلحظ أن تسخين الماء بنجاسة له صور: إحداها: أن يكون يسيرًا ويحتمل أن تصل إليه النجاسة وأن لا تصل فهذا فيه الخلاف المذكور وعليه ما ذكر.
وثانيها: أن يكون كثيرًا فهذا طهور غير مكروه الاستعمال لأنه يدفع الخبث عن نفسه وأسوأ ما يُقّدَّر وصول النجاسة إليه.
وذلك لا أثر له في الماء الكثير إلا أن يغيره.

وثالثها: أن يكون الماء يسيرًا ويعلم وصول النجاسة إليه فهذا ينجس لأن الماء اليسير ينجس بمخالطة النجاسة.
ورابعها: أن يكون يسيرًا ويعلم عدم وصول النجاسة إليه فهذا طهور غير مكروه الاستعمال لأنه لا سبب يقتضي الكراهة.
وفيه وجه أنه يكره؛ لأن المتصاعد من النجاسة لطيف فربما وصل ولم يشعر به.

فصل [في الماء الطاهر غير المطهر]

قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: ماء طاهر غير مطهر.
وهو: ما خالطه طاهر فغيّر اسمه، أو غلب على أجزائه، أو طبخ فيه.
فإن غيّر أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة، أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين).
أما كون القسم الثاني من أقسام المياه ماء طاهرًا غير مطهر فلما تقدم في كون المياه ثلاثة أقسام.
وأما كونه هو ما خالطه طاهر... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وهو على ضربين: أحدهما: متفق على طهارته وعدم تطهيره.
وهو أنواع: أحدها: ماء خالطه طاهر فغيّر اسمه.
مثل: إن جعله صبغًا أو خبزًا فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه زال عنه اسم الماء أشبه الخل.
وثانيها: ماء خالطه طاهر فغلب على أجزائه.
فهذا أيضًا طاهر غير مطهر؛ لأن المخالط إذا غلب يجب أن يكون الحكم له، والمخالط طاهر غير مطهر فوجب كون الماء مثله.
ولأن المخالط إذا غلب على أجزاء الماء زال معه الماء لأنه حينئذ لا يُطلب منه الإرواء.
وإذا كان كذلك فقد سلب الماء خاصيته التي خلق لها فوجب سلب الطهورية عنه.
وثالثها: ماء طبخ فيه طاهر.
مثل: الباقلاء والحمص ونحو ذلك.
فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه صار طبيخًا وزال عنه مقصود الماء من الإرواء.
أشبه ما لو صار خبزًا.

فإن قيل: الطبخ إن اعتبر فيه تغيّر الاسم أو غلبة الأجزاء كان كالنوعين قبله.
فلا حاجة إلى ذكره، وإن لم يعتبر فيه ذلك 1 دخل فيه ما لو سلق في ماء بيض فإنه يسمى طبيخًا؛ بدليل ما لو حلف ليطبخن قدرًا بكيلجة ملح ولا يجد طعمه.
فإنهم قالوا: يسلق فيها بيضًا.
وطبيخ ما ذكر لا يسلب طهورية 2 الماء.
قيل: المراد الطبخ المعتاد.
وما ذكر نادر فلا يحمل الكلام عليه.
على أن قوله طبخ فيه لا عموم له.
الضرب الثاني: مختلف فيه.
وهو أنواع: أحدها: ماء خالطه طاهر فغير أحد أوصافه المذكورة.
وفيه روايتان: إحداهما أنه طاهر غير مطهر؛ لأنه غيّر صفته.
أشبه ماء الباقلاء المغلي.
والرواية الثانية: أنه طاهر مطهر؛ لقول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
وهذا ماء فلا يجوز التيمم معه.
ومثله «قوله عليه السلام لأبي ذر: التراب كافيك ما لم تجد الماء» 3. ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم والظاهر تغيّر الماء فيها.
ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء ولا رقته ولا جريانه أشبه المتغير بالدهن.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولأن الماء له صفتان الطهورية والطهارية.
والمخالف له على نوعين مخالف في صفته وهو النجاسة فإذا تغير به سلبه الصفتين جميعًا.
والثاني: مخالف له في إحدى صفتيه فإذا تغير به وجب أن يسلبه ما خالفه فيه.
والآية والخبر مطلقان والمطلق من الأسماء ينصرف إلى المطلق من المسميات.
والماء المطلق هو غير المضاف إلى قيد مخصص به.
وهذا ماء يصح أن يقيد.
فيقال: ماء زعفران ونحوه.
ثم هما مخصوصان بماء الباقلاء المغلي فيخصصان بما ذكر قياسًا عليه.

والمخالط إن لم يسلبه اسم الماء فقد سلبه الإطلاق.
والقياس على المتغير بالدهن لا يصح لأنه تغير عن مجاورة بخلاف ما ذكر فإنه متغير عن مخالطة.
وثانيها: ماء استعمل في رفع حدث.
وفيه أيضًا روايتان: إحداهما: أنه طاهر غير مطهر: أما كونه طاهرًا فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صب على جابر من وَضوئه» 1. وأما كونه غير مطهر؛ فلأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران.
والثانية: أنه طهور؛ لأنه ماء طاهر لاقى أعضاءً طاهرة أشبه ما لو تبرد به.
والأولى أصح في المذهب؛ لما تقدم.
ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسافرون وتضيق بهم المياه فكانوا يستعملون ما معهم من الماء استعمال إتلاف وإراقة.
ولو جاز استعماله ثانيا لامتنعوا من إراقته واستعملوه ثانيًا.
ولم ينقل عن أحد منهم حفظ الماء المستعمل وادخاره للوضوء.
وثالثها: ماء استعمل في طهارة مستحبة كالتجديد وغسل الجمعة وما أشبههما.
وفيه أيضًا روايتان: إحداهما: أنه طهور؛ لأنه ماء ما استعمل في نجاسة ولا أزيل به مانع من الصلاة فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
والثانية: أنه غير مطهر؛ لأنه استعمل في طهارة مشروعة أشبه المستعمل في رفع الحدث.
ورابعها: ماء غَمَس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا.
وفيه أيضًا روايتان مبنيتان على وجوب غسل يد القائم من نوم الليل، وفيه روايتان:

إحداهما: يجب؛ لقوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء.
فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» 1. وفي لفظ: «فلا يغمس يده في وَضوئه حتى يغسلها ثلاثًا» 2. رواه مسلم.
أمر والأمر للوجوب، ونهى والنهي للتحريم.
والثانية: لا يجب غسل يده؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6].
ولم يذكر غسل اليدين.
والحديث محمول على الاستحباب بدليل أنه علل بوهم النجاسة.
قال: (وإن أزيلت به النجاسة فانفصل متغيرًا أو قبل زوالها فهو نجس، وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر إن كان المحل أرضًا.
وإن كان غير الأرض فهو طاهر في أصح الوجهين.
وهل يكون طهورًا؟ على وجهين).
أما كون الماء المزال به النجاسة نجسًا إذا انفصل متغيرًا؛ فلأن التغيير بالنجاسة يوجب التنجيس؛ لقوله عليه السلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه» 3. والواو هنا بمعنى أو كقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته... الآية﴾ [البقرة: 98].
وأما كونه نجسًا إذا انفصل قبل الحكم بزوال النجاسة مثل أن ينفصل في السادسة من ولوغ الكلب ونحو ذلك؛ فلأنه ملاق لنجاسة لم يطهرها فكان نجسًا كما لو وردت عليه.
وأما كونه طاهرًا إذا انفصل غير متغير بعد زوال النجاسة إن كان المحل أرضًا فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُصب على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء» 4 متفق عليه.

ولولا أنه يطهُرُ لكان تكثيرًا للنجاسة.
وأما كونه طاهرًا إذا انفصل غير متغير بعد زوالها إن كان المحل غير أرض.
مثل أن ينفصل في السابعة من ولوغ الكلب في قصعة أو نحوها في أصح الوجهين فبالقياس على المنفصل عن الأرض.
ولأن البلل الباقي بعضُ المنفصل وهو طاهر فكان حكمُه حكمَه.
وأما كونه نجسًا في وجهٍ؛ فلأنه ماء يسير لاقى نجاسة فوجب أن ينجس كما لو وردت عليه.
وأما كونه طهورًا على وجهين فأصلهما المستعْمَل في رفع الحدث.
وقد مضى توجيههما 1. قال: (وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور.
ولا يجوز للرجل الطهارة به في ظاهر المذهب).
أما كون الماء الذي خلت به امرأة طهورًا؛ فلأنه كان طهورًا ولم يوجد ما يسلبه ذلك فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
وأما كون الرجل لا يجوز له الطهارة به في ظاهر المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» 2 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلما روى مسلم «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بفضل ميمونة» 3.

ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الطهارة به فجاز للرجل.
أشبه فضل الرجل.
إذا علم مأخذ الروايتين فالواجب حمل النهي على إذا ما خلت المرأة بالماء، وحمل اغتساله - صلى الله عليه وسلم - من فضلة ميمونة على أنه شاهدها أو اغتسلا جميعًا جمعًا بين الأحاديث.
فإن قيل: ما معنى الخلوة؟ قيل: فيها أوجه: أحدها: أن لا يشاهدها رجل.
قاله القاضي.
وثانيها: هي ما تكون خالية به في النكاح.
قاله الشريف.
وثالثها: هي أن لا يشاركها في الوضوء أحد.
فإن قيل: فما فائدة تخصيص الرجل بالذكر.
قيل: اختصاصه بالحكم المذكور فيجوز إذن للمرأة الطهارة لأن تخصيص الرجل بالنهي يدل على جوازه للمرأة وهو تعبد لا يعقل معناه حتى يتعدى.
فيجب قصره على مَوْرِد النصّ.
وقيل: لا يجوز للمرأة أيضًا بالقياس عليه.

فصل [الماء النجس]

قال المصنف رحمه الله: (القسم الثالث: ماء نجس.
وهو: ما تغير بمخالطة النجاسة.
فإن لم يتغير وهو يسير فهل ينجس؟ على روايتين.
وإن كان كثيرًا فهو طاهر.
إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذرة مائعة ففيه روايتان: إحداهما لا ينجس، والأخرى: ينجس.
إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه لكثرته فلا ينجس).
أما كون القسم الثالث ماء نجسًا فلما تقدم في كون المياه ثلاثة أقسام.
وأما كون الماء النجس هو ما تغير بمخالطة النجاسة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه» 1. وقد تقدم معنى الواو.
ولأن تغيره لظهور النجاسة فيه والحكم للظاهر.
وأما كون ما لم يتغير بمخالطة النجاسة إذا كان يسيرًا وهو ما دون القلتين ينجس على روايةٍ؛ فلأن قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» 2 يدل بمفهومه على أن ما دون القلتين يحمل الخبث.
و«لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب» 3. والظاهر عدم تغيره.
وأما كونه لا ينجس على روايةٍ فلعموم قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه... الحديث» 4.

والأولى أصح؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى.
فيجب حمل قوله: «الماء طهور» على الكثير.
فإن قيل: فلِمَ يَنْجُس القليل إذا تغير إن لم يتناوله الحديث؟ قيل: بالقياس على الكثير بل بطريق الأولى لأنه إذا نجس الدافع عن نفسه فأولى أن ينجس غير الدافع.
ولأنه [إذا] 1 نجس بمجرد الملاقاة وإن لم يتغير؛ فلأن ينجس بالتغير بطريق الأولى.
وأما كون الماء الكثير إذا كانت النجاسة المخالطة له غير بول آدمي أو عذرته: الماء يعد طاهرًا فلما تقدم من قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» 2. ومن قوله عليه السلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء... الحديث» 3. وأما كونه لا ينجس إذا كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكان الماء الكثير مما يمكن نزحه على روايةٍ فلعموم الحديثين المتقدمين.
وأما كونه ينجس على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» 4 متفق عليه.
والأولى أصح؛ لأن خبر البول لا بد من تخصيصه فيخص بخبر القلتين 5. ولأن البول كغيره من النجاسات في سائر الأحكام فكذلك في تنجيس الماء.
وأما كونه لا ينجس رواية واحدة إذا كان مما لا يمكن نزحه؛ فلأن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف إلى ما كان بأرضه في عهده من 6 آبار المدينة.
ولأن نجاسه ذلك بما ذكر تؤدي إلى الحرج والمشقة.
وذلك منتف شرعًا.

قال: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهّره إن لم يبق فيه تغيّر).
أما كون ما ذكر يطهّر الماء النجس؛ فلأن الماء الطهور الكثير يدفع النجاسة عن نفسه فيدفعها عن غيره.
وأما قول المصنف رحمه الله: ماء طاهر المراد به الطهور لأن غير الطهور لا يدفع النجاسة عن نفسه؛ فلأن لا يدفعها عن غيره بطريق الأولى.
وقوله: كثير فيه تنبيه على أنه يشترط في تطهير ما ذكر بكثرة الماء المضموم؛ لأن اليسير لا يطهر لما يأتي.
وقوله: إن لم يبق فيه تغيّر فيه تنبيه على أنه يشترط في تطهير ما ذكر زوال التغيّر؛ لأن التغيّر ينجس الكثير.
فإن قيل: ما صفة هذا الضم؟ قيل: أن يجري الماء الكثير من ساقية أو أن يصبه دلوًا فدلوًا.
ولا يعتبر صبه دفعة واحدة للمشقة.
قال: (وإن كان الماء النجس كثيرًا فزال تغيّره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير طهر).
أما كون الماء الكثير إذا زال تغيّره بنفسه يطهر؛ فلأن العلة في تنجيسه التغيّر.
فإذا زال زال التنجيس ضرورة زوال الحكم عند زوال علته.
وأما كونه إذا زال تغيره بالنزح يطهر فلما ذكر.
وأما قول المصنف رحمه الله: بنزح بقي بعده كثير فبيان لاشتراط بقاء الماء كثيرًا بعد نزحه؛ لأن القليل الموجب لتنجيسه أمران: الملاقاة والتغير فإذا زال أحد السببين الذي هو التغير لا يلزم دفع التنجيس لبقاء سببه الآخر.
قال: (وإن كُوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغيّر لم يطهر، ويتخرج أن يطهر).
أما كون ما كُوثر بماء يسير لا يطهر على المذهب؛ فلأن ذلك لا يدفع الخبث عن نفسه؛ فلأن لا يدفع عن غيره بطريق الأولى.
وأما كون ما كُوثر بغير الماء كالتراب والخل لا يطهر على المذهب؛ فلأن الماء اليسير إذا لم يطهّر مع كونه مطهرًا في الجملة؛ فلأن لا يطهّر غيرَه بطريق الأولى.

قال ابن عقيل: التراب ونحوه لا يُطَهّر لأنه لا يزيل التغيّر وإنما يستره.
وأما كون ما كُوثر بماء يسير أو بطاهر يتخرج أن يطهر؛ فلأن علة التنجيس التغيّر وقد زال فوجب زوال التنجيس كما لو زال التغيّر بالمكاثرة.
قال: (والكثير ما بلغ قلتين، واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي.
وعنه أربعمائة.
وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين).
أما كون الكثير ما بلغ قلتين.
وهما تثنية قلة.
وهي الجرّة.
وسميت بذلك لأنها تُقَلُّ.
أي تحمل.
ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا أَقَلَّت سحابًا ثِقَالاً﴾ [الأعراف: 57].
أي حملت.
واليسير ما دونهما؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرّق بين القلتين وما دونهما حيث قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» 1. فوجب جعل ما لم يحمل الخبث كثيرا لدفعه الخبث وما دونه يسيرًا لعدم دفعه ذلك.
وأما كون القلتين خمسمائة رطلٍ بالعراقي على المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن جريج أنه قال: «رأيت قِلال هَجَر وكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا» 2. فالاحتياط أن يُجْعل الشيء نصفًا.
والقربة مائة بإجماع فتكون القلتان خمسمائة رطل بالعراقي.
والرطل العراقي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا فيكون القنطار بالرطل الدمشقي أحد وعشرين رطلاً وثلث رطل.
فتكون القلتان على هذا مائة رطل وستة أرطال وثلثي رطل.
كذا ذكر المصنف رحمه الله في المغني القديم وعزاه إلى أبي عبيد 3. وذكر في المغني الجديد أن الرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
فتكون القلتان على هذا مائة رطل وسبعة أرطال وأوقية وخمسة أسباع أوقية.

وأما كونهما أربعمائة على روايةٍ فلما روي عن ابن جريج ويحيى بن عُقيل: أن القلة تأخذ قربتين.
وقِربُ الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل.
فعلى هذا تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل بالدمشقي على الأول.
وعلى ما في المغني الجديد تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل وأربعة أسباع أوقية.
وأما كون ذلك تقريبًا على وجهٍ؛ فلأن الشيء إنما جعل نصفًا احتياطًا والغالب استعماله دون النصف.
وأما كونه تحديدًا على وجه؛ فلأن ما جعل احتياطًا يصير واجبًا كغسل جزء من الرأس مع الوجه.
فإن قيل: الخلاف في التقريب والتحديد راجع إلى خمسمائة أو إلى أربعمائة أو إليهما.
قيل: ظاهر هنا رجوعه إليهما، وظاهر كلامه في المغني رجوعه إلى خمسمائة؛ لأنه قال فيه: اختلف أصحابنا هل القلتان خمسمائة رطل تحديدًا أو تقريبًا؟ فخص الخلاف بخمسائة.
والأشبه ذلك إن قيل القربة مائة بإجماع لأنه لا ترديد في كون القلتين قربتين وإنما الترديد في الزائد عليهما.
وإن قيل: القربة مائة تقريبًا حسن مجيء الخلاف في التقريب والتحديد في الروايتين المتقدم ذكرهما.
فإن قيل: ما الصحيح منهما؟ قيل: التقريب عند المصنف رحمه الله، والتحديد عن أبي الحسن الآمدي.
وذكره المصنف في المغني.
إذا علم ذلك.
ففائدة الخلاف لو نقصتا رطلاً أو نحوه فوقع فيها نجاسة فعلى القول بالتقريب هو طاهر؛ لأنه نقص يسير لا أثر له، وعلى القول بالتحديد هو نجس لأنه ما نقص عن قلتين.
قال: (وإذا شك في نجاسة الماء أو كان نجسًا فشك في طهارته بنى على اليقين).
أما كون من شك في نجاسة الماء بعد طهارته بنى على اليقين؛ فلأن طهارته متيقنة والمتيقن لا يزول بالشك.
ولأن اليقين راجح على ما يطرأ عليه من الشك.

وأما كون من شك في طهارة الماء بعد نجاسته بنى على اليقين فلما ذكر قبل.
قال: (وإن اشتبه الماء الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ويتيمم.
وهل يشترط إراقتهما أو خلطهما؟ على روايتين).
أما كون من اشتبه عليه الماء الطهور - وهو المراد بقول المصنف رحمه الله الطاهر - بالنجس لم يتحر فيهما فلما يأتي ذكره في صوره، وهي ثلاث صور: إحداها: أن يكثر عدد النجس على عدد الطهور.
الثانية: أن يستويا.
الثالثة: أن يكثر عدد الطهور على النجس.
فالأولتان لا خلاف في المذهب أنه لا يتحرى فيهما.
أما كونهما لا خلاف فيهما؛ فلأن المصنف رحمه الله صرح في المغني بذلك فيجب حمل كلامه هاهنا على الصورة الثالثة ويكون من باب إطلاق اللفظ المتواطئ إذا أريد به بعض محاله وهذا مجاز سائغ.
وأما كونه لا يتحرى فيهما؛ فلأنه اشتبه عليه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري كما لو اشتبهت أخته بأجنبية.
وأما كونه لا يتحرى في الصورة الثالثة فلما ذكر في الصورتين.
قيل: وحكي عن أبي علي النجاد أنه يتحرى فيهما؛ لأنه إذا كثر عدد الطهور على النجس يغلب على الظن إصابة الطهور.
وإلى ذلك الوجه أشار المصنف رحمه الله بقوله: على الصحيح من المذهب.
والأول أصح لما تقدم.
وأما غلبة الظن إصابة الطهور فلا أثر له؛ كما لو اختلطت أخته بأجنبيات، والميتة بمذكيات.
وأما كونه يتيمم إذا لم يتحر في الصور الثلاث؛ فلأن ذلك شأن عادم الماء لدخوله تحت قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
وأما كون إراقتهما أو خلطهما يشترط على روايةٍ فليتحقق عدم الماء الطهور حسًا وشرعًا.

وأما كون ذلك لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه ممنوع من استعمالهما شرعًا، والممنوع منه شرعًا كالمعدوم حقيقة دليله الجريح.
قال: (وإن اشتبه طاهر بطهور توضأ من كل واحد منهما وصلى صلاة واحدة).
أما كون من اشتبه عليه طاهر بطهور يتوضأ من كل واحد منهما؛ فلأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين فلزمه ذلك كما لو نسي صلاةً من خمس لا يَعلم عينها.
وأما كونه يصلي صلاة واحدة؛ فلأنه إذا توضأ من كل واحد ثم صلى صلاة واحدة علم أنه صلى متوضئًا بماء طهور قطعًا.
قال: (وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة).
أما كون من ذكر يصلي في كل ثوب صلاة بعدد النجس؛ فلأنه لا يمكنه تأدية فرضه بيقين بدون ذلك فلزمه فعله لما تقدم.
وأما كونه يزيد صلاة؛ فلأنه إذا فعل ذلك علم أنه صلى في ثوب طاهر قطعًا.

باب الآنية

: قال المصنف رحمه الله: (كل إناء طاهر مباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثمينًا كالجوهر ونحوه إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء.
فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته؟ على وجهين.
إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة كتشعيب القدح 1 فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال).
أما كون كل إناء طاهر ليس ذهبًا ولا فضة ولا مضببًا بأحدهما يباح اتخاذه؛ فلأنه يباح استعماله لما يأتي، وما يباح استعماله يباح اتخاذه.
دليله الثياب المباح استعمالها.
وأما كونه يباح استعماله؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من جفنة، ومن تور من صفر، ومن تور من حجارة، ومن إداوة، وقربة.
فيثبت الحكم فيما ذكر لفعله، وفيما بقي من الصور لأنه في معناه.
وأما قول المصنف رحمه الله: ولو كان ثمينًا فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الإناء الثمين كالجوهر والبلور وغير الثمين؛ لأن العلة المحرمة للذهب والفضة مفقودة في الثمين؛ لأن الثمين لا يعرفه إلا الخواص من الناس فلا يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
وأما كون آنية الذهب والفضة يحرم اتخاذها؛ فلأنه 2 يحرم استعمالها لما يأتي، وما يحرم استعماله يحرم اتخاذه.
دليله الطنبور.

وأما كونها يحرم استعمالها فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» 1. وقال عليه السلام: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم» 2 متفق عليهما.
فتوعّد على ذلك النار.
وذلك دليل الحرمة.
ولأن فيه سرفًا وخيلاء وكسرًا لقلوب الفقراء.
فإن قيل: الحديث المتقدم إنما دليله حرمة الأكل والشرب.
قيل: الشيء إذا خرج مخرج الغالب لا يتقيد الحكم به.
ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]؛ لأن الرهن يصح في الحضر وذِكْر السفر خرج مخرج الغالب.
وأما كون المضبب بالذهب أو بالفضة يحرم اتخاذه واستعماله ما لم تكن الضبة يسيرة من فضة؛ فلأن علة تحريم الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهي موجودة في المضبب المذكور فوجب ثبوت حكمهما فيه.
وأما قول المصنف رحمه الله: على الرجال والنساء فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم الأحاديث.
وأما كون الوضوء من الآنية المذكورة المحرم استعمالها يصح على وجه؛ فلأن الوضوء جريان الماء على الأعضاء وليس ذلك بمعصية.
وأما كونه لا يصح على وجه؛ فلأن ذلك استعمال المعصية في العبادة أشبه الصلاة في الدار المغصوبة.

والأول أصح؛ لأن استعمال الماء في الوضوء يكون بعد فعله المعصية بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة فإن نفس العبادة واقعة معصية وذلك لا يجامع الطاعة فلزم انتفاء كونها عبادة.
وأما كون الضبة اليسيرة من فضة لا بأس بها فـ «لأن قدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة» 1 رواه البخاري.
ولأن الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الضبة بكونها يسيرة من فضة إشعار 2 بأمرين: أحدهما: أنه يشترط فيما ذكر ذلك.
وهو صحيح لأن مقتضى الدليل حرمة المضبب مطلقًا.
تُرك العمل به فيما ضبته يسيرة من فضة للحديث المذكور فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وثانيهما: أنه لا يشترط غير ذلك.
فعلى هذا لا يشترط أن تكون الضبة لحاجة.
وصرح به في المغني.
ووجهه أنها ضبة يسيرة لا خيلاء فيها ولا كسر.
وقال أبو الخطاب: لا بد من الحاجة لأن الرخصة وردت في الحاجة فيجب قصر الحكم عليها.
فإن قال قائل: قول المصنف رحمه الله لا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال يدل على وجود البأس عند وجود المباشرة والبأس ظاهر في التحريم والأمر ليس كذلك.
قيل: مراده نفي الكراهة إذا لم يباشرها وهو عند المباشرة مكروه الاستعمال لأنه يكون شاربًا على فضة.

قال: (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها.
وعنه: ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه.
وعنه: أن من لا تحل ذبيحتهم لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله، ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها).
أما كون ثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يلبسون من نسج الكفار».
و«أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند يهودي خبزًا وإهالةٍ سَنِخة» 1 رواه الإمام أحمد.
و«توضأ عمر رضي الله من جرة نصرانية» 2. وأما كون ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه على روايةٍ؛ فلأن الغالب نجاسته.
وأما كون من لا تحل ذبيحته كالمجوس وعبدة الأوثان لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله على روايةٍ؛ فلأنها تتنجس بذبيحتهم ضرورة كونها ميتة.
وأما كونهم لا يؤكل من طعامهم غير الفاكهة ونحوها؛ فلأنه يتنجس بتنجس آنيتهم 3. وأما كونهم يؤكل من طعامهم الفاكهة ونحوها؛ فلأن الظاهر سلامتها من النجاسة.
فإن قيل: من يتعبد بالنجاسة كبعض النصارى ما حكمه؟ قيل: حكم من لا تحل ذبيحته لا شتراكهما في التنجيس.
ويعضده ما روى أبو ثعلبة قال: «قلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في

آنيتهم؟ فقال: لا تأكلوا بها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها» 1 متفق عليه.
فإن قيل: هذا يدل على النجاسة في أهل الكتاب كلهم.
قيل: يجب حمله على أهل الكتاب الذين يتعبدون بالنجاسة كبعض النصارى جمعًا بينه وبين قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5] وبين فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - 2 وفعل عمر 3. قال: (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ، وهل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين.
وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة، ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة).
أما كون جلد الميتة لا يطهر بالدباغ على الصحيح في المذهب فلما روي عن عبدالله بن عُكيم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض جهينة -وأنا غلام شاب- أن لا تَنتفعُوا من الميتةِ بإهَابٍ ولا عَصَب» 4. قال أحمد: ما أصلح إسناده.
ولأنه جزء من الميتة ينجس بالموت فلم يطهر بالدبغ كاللحم.
فعلى هذه الرواية هل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين:

إحداهما: لا يجوز لعموم قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» 1. والثانية: يجوز لقوله: «فهلا أخذوا إهابها فانتفعوا به» 2. فإن قيل: هذا يعم الانتفاع بعد الدبغ وقبله فلِم خص الانتفاع ببعد الدبغ؟ قيل: قد روي «فدبغوه فانتفعوا به» 3 والمطلق يحمل على المقيد فيجب أن لا يجوز الانتفاع به قبل الدبغ لما تقدم من حديث ابن عكيم السالم عن معارضة حديث ميمونة.
فإن قيل: الاختلاف جار في كل جلد دبغ.
قيل: لا بل في كل جلد اختلف في طهارته بالدبغ فأما الجلد الذي لا يطهر بالدبغ قولاً واحدًا كجلد الكلب والحنزير فلا يجوز استعماله في اليابسات رواية واحدة.
وأما كون جلد ما كان طاهرًا في الحياة يطهر بالدباغ على روايةٍ؛ فلأن ذلك ينقسم إلى مأكولٍ كالشاة ونحوها فيجب أن يطهر بالدبغ؛ لقوله عليه السلام في حديث ميمونة: «هلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» 4. وإلى غير مأكول كالبغل والحمار فيجب أن يطهر بالدبغ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دباغ الأديم ذكاته» 5. أي يطيبه من قولهم رائحة ذكية أي طيبة.
ولأنه حيوان طاهر فطهر بالدباغ قياسًا على جلد الشاة.
ولأن الحيوان كان طاهرًا في الحياة وإنما ينجس بالموت لأنه يجمع الرطوبات والعفونات.
والدباغ يُذهب ذلك فيجب أن يعود إلى ما كان عليه من الطهارة.
وإنما لم يطهر إذا كان نجسًا في الحياة؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن افتراش جلود السباع» 6.

ولأن قوله عليه السلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» 1 عام خولف في جلد الشاة وما في معناه لما تقدم.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون جلد غير المأكول لا يطهر بالذكاة فلعموم نهيه عليه السلام عن افتراش جلود السباع.
ولأنه ذبح غير مشروع فيجب أن يكون كعدمه.
قال: (ولبن الميتة وأنفحتها نجس 2 في ظاهر المذهب.
وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر).
أما كون لبن الميتة وأنفحتها نجسًا في ظاهر المذهب؛ فلأن كل واحد منهما مائع في وعاء نجس فكان نجسًا كما لو وقع في إناء نجس.
وأما كونهما طاهرين على روايةٍ؛ فلأن الصحابة رضي الله عنهم أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن.
وهو يعمل بالأنفحة وذبائحهم ميتة.
فإن قيل: ما ذكر يدل على طهارة الأنفحة فما بال اللبن؟ قيل: هو في معناها.
وقال بعض أصحابنا: لا خلاف في نجاسة اللبن كذلك.
والخلاف المذكور في الأنفحة لما ذكر.
والأصح نجاستهما لما تقدم.
وأما أكل الصحابة جبن المجوس فقد قيل ما كان أهل المدائن يتولون الذبح.
بل كان اليهود جزّاريهم.

وأما كون عظمها وقرنها وظفرها نجسًا؛ فلأنه جزء من الميتة بدليل قوله تعالى: ﴿من يحيي العظام وهي رميم? قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: 78 - 79]. وما يُحْيى فهو ميت.
ولأنها توجد فيها أمارة الإحساس والألم.
وعن الإمام أحمد أن ذلك طاهر لما روى ثوبان «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: اشتر لفاطمة سوارًا من عاج» 1 رواه أبو داود.
والأول أصح.
والجواب عن هذا أنه مطعون فيه.
وعلى تقدير الصحة المراد به الذَّبْل.
قاله ابن قتيبة والأصمعي.
وأما كون صوفها وشعرها وريشها طاهرًا؛ فلأنه لا روح فيه ولا يحله الموت لأن الحيوان لا يألم بأخذه.
وعن الإمام أحمد أنه نجس؛ لأنه نمى بنماء الحيوان أشبه بعض أعضائه.
وقد روي «ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة» 2. والصحيح الأول لما ذكر.
والحديث منكر.
والنماء ليس دليل الحياة بدليل النبات.

باب الاستنجاء

: [الاستنجاء] 1: استعمال الماء أو الأحجار في محل النَّجْوِ.
والمتبادر إلى الفهم عرفًا أن الاستنجاء استعمال الماء، والاستجمار استعمال الحجار.
قال المصنف رحمه الله: (يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث الرجس النجس الشيطان الرجيم).
أما كون من أراد دخول الخلاء يستحب له أن يقول: بسم الله فلما روى علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله» 2 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث فلما روى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبْثِ والخَبائِث» 3 متفق عليه.
قال أبو عبيد: الخُبْث بسكون الباء الشر، والخبائث الشياطين.
وقال الخطابي: الخُبُث بضم الباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة.
استعاذ من ذكران الجن وإناثهم.

وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم فلما روي عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم» 1 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى.
ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج.
ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
ويعتمد على رجله اليسرى ولا يتكلم ولا يلبث فوق حاجته).
أما كون من دخل الخلاء لا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى فلما روى أنس قال: «كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم يضعه إذا دخل الخلاء» 2. «لأن فيه محمد رسول الله: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر» 3. ولأن في ذلك تعظيمًا لله عز وجل.
وأما كونه يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج؛ فلأن ذلك على الضد من دخول المسجد.
وأما كونه لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد حاجته لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض» 4 رواه أبو داود.

ولأن ذلك أستر له فكان فعله أولى.
وأما كونه يعتمد على رجله السرى فلما روى سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى» 1 رواه الطبراني في المعجم.
ولأنه أسهل لخروج الخارج.
وأما كونه لا يتكلم فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ.
ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» 2 رواه مسلم.
وأما كونه لا يلبث فوق حاجته؛ فلأنه يقال أنه يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور.
قال: (وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).
أما كون الخارج من الخلاء يقول: غفرانك فلما روت عائشة «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» 3 رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وأما كونه يقول الحمد لله إلى آخره؛ فلأن في لفظ قال: «غفرانك.
الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» 4 رواه ابن ماجة.
قال: (وإن كان في الفضاء أبعد واستتر، وارتاد مكانًا رخوًا).
أما كون من كان في الفضاء يُبْعد فلما روى المغيرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب [المذهب] أبعد» 5 رواه أبو داود.

وأما كونه يستتر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره» 1 رواه أحمد وأبو داود.
وأما [كونه] 2 يرتاد مكانًا رخوًا -ومعناه أن يهيء لبوله مكانًا فيه رخاوة- فلما روى أبو موسى الأشعري قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم.
فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار فبال.
ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله [موضعا]» 3 رواه أحمد وأبو داود.
والدمث: المكان السهل.
ولأن المكان الصلب يَرُدّ عليه النجاسة.
قال: (ولا يبول في شق، ولا سِرب، ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة.
ولا يستقبل الشمس، ولا القمر).
أما كون من تقدم ذكره لا يبول في شق ولا سرب وهما جحر الحيوان فلما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبال في الجُحر» 4 رواه أحمد وأبو داود.
ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان ينجسه، أو يؤذيه، أو يكون مسكنًا للجن.
ويروى «أن سعد بن عبادة بال في جحرٍ بالشام فسقط ميتًا ثم سُمع هاتف يقول:

نحن قتلنا سيد الْـ... ـخزرج سعدَ بنَ عبادة فرميناهُ بسهمين... فلم نُخْط فؤاده» 1 وأما كونه لا يبول في طريق ولا ظل نافع فلما روى معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» 2 رواه أبو داود.
ولما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا اللاعنين.
قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، وظلهم» 3 رواه مسلم.
فإن قيل: الحديثان يدلان على المنع من البول في الظل فلم يشترط كونه نافعًا.
قيل: في الحديث الثاني إشعار بذلك لأنه أضاف الظل إلى الناس.
ولأن الظل متى لم يكن نافعًا كظل البرية ينتفي كونه سببًا للعن فينتفي المنع لزوال علته.
ولأن المنع من البول في الظل من أجل إبقاء انتفاع الناس لأنه مناسب فإذا لم يكن منتفَعًا به يجب أن لا يثبت المنع لأن الحكم يزول بزوال علته.
وأما كونه لا يبول تحت شجرة مثمرة فلئلا تتنجس الثمرة.
وأما كونه لا يستقبل الشمس ولا القمر؛ فلأن في ذلك استتارًا.
وهو مطلوب في نظر الشرع.

ولأن في عدم استقبالهما تكريمًا لهما.
قال: (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء.
وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان).
أما كون من تقدم ذكره لا يجوز له أن يستقبل القبلة بغائط ولا بول في الفضاء فلما روى أبو أيوب قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا.
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» 1 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له أن يستدبر القبلة بذلك في الفضاء في روايةٍ فلما ذكر في الحديث المذكور.
وأما كونه يجوز له أن يستدبرها في روايةٍ فلما روى ابن عمر قال: «رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة» 2 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له أن يستقبل القبلة بذلك في البنيان في روايةٍ فلما ذكر في حديث أبي أيوب من قوله: «فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» 3. وأما كونه يجوز ذلك في البنيان في روايةٍ فلما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» 4 رواه الإمام أحمد والترمذي.

والصحيح في المذهب أنه لا يجوز ذلك في الفضاء ويجوز في البنيان: أما كونه لا يجوز في الفضاء فلدخول ذلك في حديث أبي أيوب.
وأما كونه يجوز في البنيان: أما الاستدبار فلحديث ابن عمر.
فإن قيل: قد احتج بذلك على الاستدبار في الفضاء.
قيل: إذا جاز ذلك في الفضاء جاز في البنيان بطريق الأولى.
على أنه يحتمل أن يراد به البنيان.
وكذلك احتج به بعض الأصحاب عليه.
وأما الاستقبال فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذُكر له أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم.
فقال: أَوَقَد فعلوها! استقبلوا بمقعدتي القبلة» 1 رواه أحمد وابن ماجة.
وعن مروان قال: «رأيت ابن عمر أناخ راحلته.
وجلس يبول إليها.
فقلت: أبا عبدالرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى.
إنما نهي عن هذا في الصحراء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» 2 رواه أبو داود.
وأما كون هذه الرواية هي الصحيحة فبالنقل والدليل: أما النقل فذِكْره عن واحد من أصحابنا، وأما الدليل؛ فلأن الأحاديث المتقدمة يمكن الجمع بينها عليها.
بخلاف غيرها لأن دليلها راجح على غيرها.

أما كون الجمع يمكن؛ فلأن حديث أبي أيوب يحمل على الفضاء، وباقي الأحاديث تحمل على البنيان.
وأما كون دليلها راجحًا؛ فلأن كل واحد من حديث ابن عمر على تقدير إرادة البنيان به، وحديث عائشة، ومروان الأصفر يدل بخصوصه.
وحديث أبي أيوب يدل بعمومه والخاص مقدم عليه 1. قال: (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثًا).
أما كون من فرغ من حاجته يمسح بيده اليسرى؛ فلأن اليسرى معدة للاستنجاء؛ لما روت عائشة قالت: «كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان به من أذى» 2. وأما كون المسح من أصل ذكره إلى رأسه فلئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل.
وأما كونه ينتره ثلاثًا فلما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» 3 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يمس فرجه بيمينه ولا يستجمر بها، فإن فعل أجزأه).
أما كون من تقدم ذكره لا يمس فرجه بيمينه فلما روى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول» 4 متفق عليه.
فإن قيل: المنع من مس الفرج بيمينه مختص بحالة البول؛ لأن النهي مختص به.

قيل: هو كذلك وإنما لم يذكره المصنف لدلالة الحال عليه لأن الكلام مسوق في الفاعل للحاجة.
وأما كونه لا يستجمر بيمينه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح بيمينه» 1 متفق عليه.
ولما روى سلمان قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجي أحدنا بيمينه» 2 رواه مسلم.
وأما كون من فعل ذلك أجزأه؛ فلأن النهي عن ذلك نهي تأديب لا نهي تحريم.
قال: (ثم يتحول عن موضعه.
ثم يستجمر.
ثم يستنجي بالماء.
ويُجْزئه أحدهما إلا أن يعدو الخارج موضع العادة فلا يجزئ إلا الماء).
أما كون من تقدم ذكره يتحول عن موضع البول فلئلا تصيب النجاسة يده.
وأما كونه يستجمر ثم يستنجي بالماء فلقول عائشة: «مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني أستحييهم وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله» 3 رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف؛ لأن الحجر يزيل غير النجاسة فلا تباشرها يده، والماء يزيل أثرها.
وأما كونه يجزئه أحدهما إذا لم يعد الخارج موضع العادة: فأما 4 الماء؛ فلأن أنسًا قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء يستنجي به» 5 متفق عليه.

وأما الحجارة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يجزئه غير الماء إذا كان الخارج قد تعدى موضع العادة مثل أن تقع النجاسة على الصفحتين، أو تجاوز معظم الحشفة؛ فلأن المسح بالأحجار للمشقة الحاصلة بتكرار الغائط والبول فإذا تعدى ذلك إلى ما ذُكر كان ذلك نادرًا فلم يجز فيه المسح لانتفاء المشقة.
قال: (ويجوز الاستجمار بكل طاهر يُنَقّي؛ كالحجر والخشب والخرق، إلا الروث والطعام والعظام وما له حرمة وما يتصل بحيوان).
أما كون الاستجمار يجوز بكل طاهر يُنَقّي غير المستثنى؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «فليذهب بثلاثة أحجار أو بثلاث أعواد أو ثلاث حثيات من تراب» 2 رواه الدارقطني، وقال: روي مرفوعًا والصحيح أنه مرسل.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» 3. فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع.
وعن الإمام أحمد أنه يختص الحجر لقوله: «فليذهب بثلاثة أحجار» 4. والصحيح الأول لمشاركة غير الحجر في الإزالة.
وأما كونه لا يجوز بالروث والعظام فلقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» 5 رواه مسلم.

و «نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال: إنهما لا يطهران» 1 رواه الدارقطني.
وقال: إسناده صحيح.
وأما كونه لا يجوز بالطعام؛ فلأنه - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من العظم بأنه زاد الجن فزادنا أولى.
وأما كونه لا يجوز بما له حرمة -والمراد ما فيه ذكر الله ونحوه- فلما فيه من هتك الحرمة.
ولأنه نُهي عن تلويث المساجد بالنجاسة لأنها مواضع الذكر فنفس الذكر أولى.
وأما كونه لا يجوز بما يتصل بحيوان كيده ورجله وصوفه ونحو ذلك؛ فلأن الحيوان له حرمة ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة.
قال: (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة، فإن لم ينق بها زاد حتى ينقي.
ويقطع على وتر).
أما كون أقل من ثلاث مسحات لا يجوز فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فليذهب معه بثلاثة أحجار» 2 رواه أبو داود.
ولقول سلمان: «نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» 3 رواه مسلم.
وأما كون الحجر ذي الشعب الثلاث كالأحجار الثلاثة؛ فلأن الغرض عدد المسحات لا الأحجار؛ بدليل التعدية إلى ما في معنى الحجارة.
وقال أبو بكر: لا بد من ثلاثة أحجار اتباعًا للفظ الحديث.
وأما كون من لم ينق بالثلاث يزيد حتى ينقي؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول.
وأما كونه يقطع على وتر فلقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر» 4 متفق عليه.

قال: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح).
أما كون الاستنجاء يجب من كل خارج سوى الريح فلقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: 5]؛ لأنه يعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن.
ولقوله عليه السلام: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» 1 رواه أبو داود.
أمر.
والأمر للوجوب.
وقال: إنها تجزئ.
ولفظ الإجزاء ظاهر فيما يجب.
وعلى أي صفة حصل الإنقاء أجزأه.
والسنة أن يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى المكان الذي بدأ منه.
ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك.
ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسربة» 2 رواه الدارقطني.
وقال: إسناده حسن.
والمسربة: مجرى الغائط.
مأخوذ من سرب الماء.
وذهب الشريف أبو جعفر إلى أنه يعم بكل حجر جميع المحل وإلا فيكون 3 توقيعًا لا تكرارًا.
واختاره ابن عقيل.
وحمل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه يبدأ بالصفحة [ثم يعم، ثم بالصفحة] 4 الأخرى، ثم يعم، ثم بالمسربة، ثم يعم.
وأما كونه لا يجب من الريح فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استنجى من الريح فليس منا» 5 رواه الطبراني في معجمه الصغير.
ولأن الغسل إنما وجب لإزالة النجاسة ولا نجاسة من الريح.

جارٍ التحميل