الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 775-1

قال: (وتنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها، وموت الصبي المرتضع، وموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة، وانقلاع الضرس الذي اكترى لقلعه، أو برئه، ونحو هذا).
أما كون الإجارة تنفسخ بتلف العين المعقود عليها كمن اكترى بعيراً بعينه فمات؛ فلأن المنفعة زالت بالكلية فانفسخ العقد الواقع على عينه؛ كتلف المبيع قبل قبضه.
وأما كونها تنفسخ بموت الصبي المرتضع؛ فلأن استيفاء المعقود عليه قد تعذر لأنه لا يمكن إقامة غيره مقامه لاختلاف الصبيان في الرضاع واختلاف اللبن باختلافهم لأن المرضعة قد تدور على ولد دون آخر.
وأما كونها تنفسخ بموت الراكب إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة؛ فلأنه تعذر استيفاء المعقود عليه منه وممن يقوم مقامه.
أشبه ما لو مات المركوب.
وفي قوله: إذا لم يكن له من يقوم مقامه دليل على أنها لا تنفسخ إذا كان له من يقوم مقامه لأن الاستيفاء لا يتعذر لوجود من يقوم مقامه.
فإن قيل: كيف الجمع بين قول المصنف: تنفسخ بموت الراكب، وبين قوله بعدُ: لا تنفسخ بموت المكتري؟ قيل: يجب حمل قوله: لا تنفسخ بموت المكتري على أنه مات وله وارث.
وقد ذكر المصنف رحمه الله في المغني قول الخرقي: وإذا مات المكري والمكتري أو أحدهما فالإجارة بحالها وعلّله.
ثم قال: ونقل عن الإمام أحمد في رجل اكترى بعيراً فمات في بعض الطريق فإن رجع البعير خالياً فعليه بقدر ما وجب له.
ثم قال: وظاهر هذه الرواية أنه حكم بفسخ العقد فيما بقي من المدة إذا مات المستأجر.
ثم قال: ويجب أن يقدر أنه لم يكن ثَم من ورثته من يقوم مقامه في الانتفاع لأن الوارث يقوم مقام الموروث فإذا لم يكن فقد جاء أمر يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد.
أشبه ما لو مات.
ثم قال: وتأولها القاضي بأن المكري منع الورثة من الانتفاع.
ولا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لما استحق شيئاً من الكري.

وأما كونها تنفسخ بانقلاع الضرس أو برئه الذي اكترى لقلعه فلتعذر استيفاء المعقود عليه: أما تعذره بالانقلاع فأمر محس، وأما تعذره بالبرء فأمر شرعي لأنه لا يجوز قلع الضرس إلا لعارض الألم فإذا زال العارض تعذر قلعه شرعاً.
وأما قوله: ونحو هذا فيدخل فيه ما إذا اكترى كحالاً ليكحل عينه فبرئت أو طبيباً ليداويه فبرأ فإن ذلك كله تنفسخ به الإجارة لتعذر استيفاء المعقود عليه.
قال: (وإن اكترى داراً فانهدمت أو أرضاً للزرع 1 فانقطع ماؤها انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة في أحد الوجهين، وفي الآخر يثبت للمستأجر خيار الفسخ).
أما كون الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة في وجه؛ فلأن المقصود السكنى والزرع ولا يمكن استيفاء ذلك بعد الانهدام وانقطاع الماء.
وأما كونها لا تنفسخ في وجه؛ فلأن المنفعة لم تنعدم بالكلية لإمكان الانتفاع بها في الجملة.
فعلى هذا يثبت للمستأجر خيار الفسخ لنقصان المنفعة المستأجرة.
قال: (ولا تنفسخ بموت المكري والمكتري، ولا بعذر لأحدهما؛ مثل: أن يكتري للحج فتضيع نفقته، أو دكاناً فيحترق متاعه).
أما كون الإجارة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين؛ فلأنها عقد لازم فلا تنفسخ بموت من ذكر؛ كالبيع، وكما لو زوج أمته ثم مات.
وأما كونها لا تنفسخ بعذر لأحدهما؛ فلأنها إذا لم تنفسخ بالموت فلأن لا تنفسخ بالعذر بطريق الأولى.

قال: (وإن غصبت العين المستأجرة خُيّر المستأجر بين الفسخ ومطالبة الغاصب بأجرة المثل فإن فسخ فعليه أجرة ما مضى.
قال الخرقي: وإن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد فعليه من الأجرة بقدر مدة انتفاعه).
أما كون المستأجر يخير بين الفسخ ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛ فلأن في عدم ثبوت الخيار تأخيراً لحقه.
ولأن تعذر الانتفاع بذلك من غير جهته عيب في المعقود عليه فملك الخيرة به؛ كالعيب في المبيع.
وإنما لم ينفسخ العقد بمجرد الغصب؛ لأن المعقود عليه لم يفت مطلقاً بل فات إلى بدل.
أشبه ما لو أتلف الثمرة المعيبة آدمي قبل قبضها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: يتخرج انفساخها بناء على أن منافع الغصب لا تضمن على رواية.
وأما كونه عليه أجرة ما مضى إذا فسخ؛ فلأنه استوفى ما يقابل بالعوض فلزمه أجرته.
وأما قول المصنف: قال الخرقي... إلى آخره ففيه 1 تأكيد لوجوب الأجرة فيما مضى، وبيان أن الخرقي قال ذلك.
وفسر في المغني قول الخرقي هذا، ولم يجعله من صورة 2 ما إذا غصبت العين المستأجرة.
والصحيح اشتماله عليه؛ لأن الغصب أمر غالب يحجز المستأجر عن 3 منفعة ما وقع عليه العقد.
ولهذا ذكره المصنف رحمه الله هنا.
قال: (ومن استؤجر لعمل شيء فمرض أقيم مقامه من يعمله والأجرة عليه).
أما كون المريض يقيم مقامه من يعمل ما استؤجر عليه؛ فلأنه حق وجب في ذمته فوجب عليه إيفاؤه ولو بغيره كالمسلَم فيه.

ولأنه لا يجب على المستأجر إنظاره لأن العقد بإطلاقه يقتضي التعجيل.
ولأن في التأخير إضراراً به.
وأما كون الأجرة عليه؛ فلأن العمل عليه فكان عوضه عليه.
قال: (وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى).
أما كون المستأجر له الفسخ بما ذكر؛ فلأنه عيب في المستأجر فأثبت الخيار كالعيب في بيوع الأعيان.
وأما كون أجرة ما مضى عليه؛ فلأنها تلزمه إذا فسخ لما تقدم في فسخ المغصوب وقد وجد.
قال: (ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الإجارة إلا أن يشتريها المستأجر فتنفسخ على إحدى الروايتين).
أما كون بيع العين المستأجرة يجوز؛ فلأن الإجارة عقد على المنافع فلم يمنع جواز البيع؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كون الإجارة لا تنفسخ إذا اشترى العين المستأجرة غير المستأجر؛ فلأن عقد الإجارة سابقٌ على عقد البيع، واللاحق لا يوجب فسخ السابق؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كونها لا تنفسخ إذا اشتراها المستأجر على روايةٍ؛ فلأنه ملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة المسلوبة المنفعة [بعقد آخر] 1 فلم يتنافيا؛ كما لو ملك الثمرة بعقد ثم ملك الأصل بعقد آخر.
وأما كونه ينفسخ فيما بقي من المدة على روايةٍ؛ فلأن ملك الرقبة لما منع ابتداء الإجارة منع استدامتها كالنكاح لما منع ابتداء ملك اليمين منع استدامته.
وذكر المصنف هاتين الروايتين في المغني وجهين.

فصل [في ضمان الأجير] قال المصنف رحمه الله: (ولا ضمان على الأجير الخاص -وهو: الذي يسلم نفسه إلى المستأجر- فيما يتلف في يده إلا أن يتعدى.
ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله.
ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله، ولا أجرة له فيما عمل فيه.
وعنه: يضمن).
أما كون الأجير الخاص لا ضمان عليه فيما يَتلف في يده مع عدم التعدي منه فيما عمله؛ كرجل اكترى آخر ليسقي له ماء فانكسرت الجرة، أو ليكيل له فسقط من يده الكيل فانكسر، ونحو ذلك؛ فلأنه غير متعد.
أشبه تلف الوديعة.
وأما كون الضمان عليه مع التعدي؛ مثل: أن يتعمد كسر الجرة، أو يكون خبازاً فيسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه أكثر من وقته حتى يحترق؛ فلأنه متعد.
أشبه الغاصب.
وأما كون الأجير المشترك يضمن ما جنت يده من تخريق الثوب، وغلطه في تفصيله؛ فلما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي «أنه كان يُضَمِّنُ الصباغ 1 والصواغ.
وقال: لا يُصلح الناسَ إلا ذلك» 2. ولأن الأجير المشترك عمله مضمون عليه دليله أنه لا يستحق الأجرة إلا بعمله فما تولد منه يجب أن يكون مضموناً؛ كالجناية على عضوٍ ظلماً.
ولأنه قبض العين لمنفعته فكان ضامناً لها؛ كالمستعير.
وأما كونه لا ضمان عليه فيما تلف من حرزه أو بغير فعله على المذهب؛ فلأن العين في يده أمانة.
أشبه المودع.

وأما كونه يضمن ذلك على روايةٍ؛ فلما تقدم من حديث علي.
وأما كونه لا أجرة له فيما عمله؛ فلأن الأجرة لما يعمله الأجير المشترك لا يستحق إلا بالتسليم، وقد فات هنا فيفوت ما هو مرتب عليه.
قال: (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا بزاغ، ولا طبيب: إذا عرف منهم حذق، ولم تجن أيديهم.
ولا ضمان على الراعي إذا لم يتعد) 1. أما كون الحجام والختان والبزاغ وهو البيطار والطبيب لا ضمان عليهم مع معرفة الحذق منهم وعدم جناية أيديهم؛ فلأنهم فعلوا فعلاً مأذوناً لهم فيه فلم يضمنوا سراية ذلك؛ كقطع الإمام يد السارق.
وأما كونهم عليهم الضمان مع عدم معرفة الحذق منهم؛ فلأنهم إذا لم يكن فيهم حذق لم يحل لهم مباشرة القطع ولا التداوي لما فيه من الخطر المؤدي إلى التلف وذلك لا يقتضي نفي الضمان بل وجوبه.
وأما كونهم عليهم الضمان إذا جنت أيديهم؛ كخَتّان تجاوز القطع من الختان إلى الحشفة، وطبيب قطع سَلَعَةً فتجاوزها، أو قطع بآلة كالّة يكثر ألمها، ونحو ذلك؛ فلأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد 2 والخطأ.
ولأن هذا فعل محرم فيضمن كالقطع ابتداء.
وأما كون الراعي لا ضمان عليه إذا لم يتعد؛ فلأنه أجير خاص وقد تقدم أن الأجير الخاص لا ضمان عليه.
قال: (وإذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه.
وإن أتلف الثوب بعد عمله خُيِّر مالكه بين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه إياه معمولاً ويدفع إليه أجرته).
أما كون الصانع يضمن الثوب إذا حبسه على أجرته فتلف؛ فلأنه ليس له حق حبسه لأنه لم يرهنه عنده فوجب عليه ضمانه كالغاصب.

وأما كون مالك الثوب يخيّر بين ما ذكر؛ فلأن الجناية على ماله فكانت الخيرة له لا لغيره.
وأما كونه لا أجرة له إذا ضمّنه إياه غير معمول؛ فلأن الأجرة إنما تجب بالتسليم ولم يوجد.
وأما كونه يدفع الأجرة إليه إذا ضمّنه معمولاً؛ فلأنه لو لم يدفع إليه الأجرة لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها.
ولأن المالك إذا ضمّنه ذلك معمولاً يكون في معنى تسليم ذلك معمولاً فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي.
قال: (وإذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة، أو كبحها، أو الرائض الدابة لم يضمن ما تلف به.
وإن قال: أذنت لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً فالقول قول الخياط.
نص عليه).
أما كون المستأجر والرائض لا يضمنا ما ذكر؛ فلأن ذلك تلف من فعل مستحق فلم يضمناه؛ كما لو تلف تحت الحمل.
ودليل استحقاق الضرب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب جمل جابر حين ساقه» 1. ولأنه لا يمكنه استيفاء المنفعة إلا به.
وأما تقييد المصنف رحمه الله عدم الضمان بقدر العادة فدليل على أنه يجب عليه الضمان عند عدم ذلك.
وصرح به في الكافي فقال: وإن تلفت بعدوان كضربها من غير حاجة أو لإسرافه فيه ضمن لأنه جناية على ملك الغير فوجب الضمان كالغاصب.
وأما كون القول قول الخياط فيما إذا قال: أذنتَ لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً على المنصوص؛ فلأنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول الخياط كالمضارب إذا ادعى الإذن في النسأ.
ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع، والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه.

فصل قال المصنف رحمه الله: (وتجب الأجرة بنفس العقد إلا أن يتفقا على تأخيرها.
ولا يجب تسليم أجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه).
أما كون الأجرة تجب بنفس العقد إذا كانت الإجارة على عين كذا أو أرض ونحوهما ولم يتفقا على تأخيرها؛ فلأن الأجرة عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيجب بمطلق العقد كالثمن، أو يقال: عوض في عقد يتعجل بالشرط فوجب أن يتعجل بمطلق العقد كالثمن.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن﴾ [الطلاق: 6] أمر بالإيتاء بعد الرضاع.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: ثلاثةٌ أنا خَصمهمْ يومَ القيامة: رجلٌ استأجرَ أَجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّه أجرَه» 1. تَوَعّده على الامتناع من دفع الأجرة بعد العمل فدل على تعقب الوجوب له.
وروي عنه عليه السلام: «أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجِفَّ عَرَقُه» 2 رواه ابن ماجة.
قيل: الآية يحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع أو تسليم نفسها له؛ كما قال: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ [النحل: 98] أي إذا أردت القراءة.
ولو قدر أنه أراد بعد الفراغ فالأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله.
دليله ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ [النساء: 24] والصداق يجب قبل الاستمتاع.
وهذا هو الجواب عن

الحديث.
ثم يحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي يتوجه المطالبة فيه عادة.
ويمكن أن يحمل على الإجارة في الذمة.
وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما كون الأجرة لا تجب بنفس العقد إذا اتفقا على تأخيرها فكما لو اتفقا على تأخير الثمن في البيع.
وأما كون تسليم أجرة العمل في الذمة لا يجب قبل تسليمه؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
ولأنه عقد على ما في الذمة فلم يستقر عوضه قبل فعله.
قال: (وإذا انقضت الإجارة وفي الأرض غراس أو بناء لم يشترط قلعه عند انقضائها خُيِّر المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بالأجرة أو قلعه وضمان نقصه.
وإن شرط قلعه لزم ذلك ولم يجب تسوية الأرض إلا بشرط).
أما كون المالك يخير بين الأخذ بالقيمة وبين الترك بالأجرة وبين القلع وضمان النقص مع عدم اشتراط القلع عند انقضاء الإجارة؛ فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ضرره.
ولأنه في الأخذ بأحد الأمور جمعاً بين حقي الآجر والمستأجر.
فإن قيل: هلا ملك القلع من غير ضمان النقص؟ قيل: لأن مفهوم قوله عليه السلام: «ليس لعرق ظالم حق» 1 يدل على أن ما ليس بظالم له حق، وهذا ليس بظالم.
ولأنه غرس بإذن المالك فلم يجبر على القلع من غير ضمان النقص كما لو استعار منه أرضاً للغراس مدة فرجع قبل انقضائها.
وأما كونه يلزمه القلع مع الشرط فلما فيه من الوفاء بموجب الشرط.

وأما كون تسوية الأرض تجب مع عدم الشرط؛ فلأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع.
وأما كونها تجب مع الشرط؛ فلما تقدم من الوفاء بموجب الشرط.
قال: (وإن كان فيها زرع، بقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالأجرة.
وإن كان بغير تفريط لزم تركه بالأجرة).
أما كون المالك له أخذ ذلك بالقيمة وتركه بالأجرة مع تفريط المستأجر في بقائه؛ فلأن المستأجر حينئذ بمنزلة الغاصب لإبقائه زرعه في أرض غيره بغير حق.
والمعني بالتفريط أن يزرع زرعاً لم تجر العادة بكماله قبل انقضاء المدة.
وأما كونه يلزمه تركه بالأجرة مع عدم تفريط المستأجر في بقائه؛ فلأن الزرع حصل في أرض المالك بإذنه فلزمه تركه بأجرة مثله؛ كما لو أعاره إياها وأذن له في الزرع ثم رجع المالك قبل كمال الزرع.
والمعني بعدم التفريط أن يزرع زرعاً ينتهي مدته عند آخر المدة ثم يتأخر ذلك بسبب برد أو غيره.
فإن قيل: فما الفرق بين الزرع والغرس؟ قيل: سيذكر في باب الغصب إن شاء الله تعالى.
قال: (وإذا تسلم العين في الإجارة الفاسدة حتى انقضت المدة فعليه أجرة المثل سكن أو لم يسكن.
وإذا اكترى بدراهم وأعطاه عنها دنانير ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم).
أما كون من تسلم ما ذكر حتى انقضت المدة عليه الأجرة إذا سكن؛ فلأن المعوض قد استوفاه فوجب أن يجب عليه عوضه.
وأما كونه عليه ذلك إذا لم يسكن؛ فلأن الإجارة كالبيع والمنفعة كالعين والبيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل.
فكذلك الإجارة.
وعن الإمام أحمد لا شيء عليه إذا لم يسكن.
ذكره المصنف في المغني لأن الإجارة هنا عقد فاسد على منفعة لم يستوفها فلم يلزمه عوضها كالنكاح الفاسد.
وأما كون الواجب أجرة المثل حيث تجب الأجرة؛ فلأن ما ضُمن بالمسمى 1 في العقد الصحيح ضمن بالقيمة في الفاسد كالأعيان.

وأما كون المستأجر يرجع بالدراهم 1 إذا اكترى بدراهم وأعطى المؤجر عنها دنانير ثم انفسخ العقد؛ فلأن الدراهم التي وقع عليها العقد، والمستحق عند الفسخ مثل الأجرة، وأما الدنانير فإنما أخذت بعقد صرف مستأنف.

باب السبق

قال المصنف رحمه الله: (تجوز المسابقة على الدوابّ، والأقدام، وسائر الحيوانات، والسفن، والمزاريق، وغيرها).
أما كون المسابقة على الدواب تجوز؛ فبالسنة والإجماع: أما السنة؛ فما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيلِ المضمرةِ من الحفياءِ إلى ثَنيةِ الوداعِ، وبين التي لم تُضمّر من ثنيةِ الوداعِ إلى مسجدِ بني زريق» 1. متفق عليه.
قال موسى بن عقبة: من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.
وقال سفيان: من الثنية إلى مسجد بني زريق ميل.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة في الجملة على جواز المسابقة.
وأما كونها على الأقدام تجوز؛ فلما روي عنه عليه السلام «أنه كانَ في سفرٍ معه عائشة فسابقَها على رجلها فَسبقتهُ.
قالت: فلما حملتُ اللحمَ سابقْتُهُ فسبقني.
فقال: هذه بِتلك» 2. رواه أبو داود.
وأما كونها في باقي الصور تجوز؛ فبالقياس على المنصوص.

قال: (ولا تجوز بعوض إلا في الخيل والإبل والسهام بشروط خمسة: أحدها: تعيين المركوب والرماة.
سواء كانا اثنين أو جماعتين.
ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين).

أما كون المسابقة بعوض لا تجوز إلا فيما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سَبَقَ إلا في نصْلٍ أو خُفٍ أو حَافِرٍ» 1. رواه أبو داود.
ولأن المعنى يقتضي اختصاص ذلك بالعوض لأنه من آلات الحرب 2 المأمور بتعلمها وإحكامها قال الله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: 60].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا! إن القوة الرمي، ألا! إن القوة الرمي» 3. وأما كون ما ذكر لا يجوز إلا بشروط خمسة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها.
وأما كون تعيين المركوب والرماة أحد الشروط المذكورة؛ فلأن الغرض معرفة الحذق في ذلك، ولا يحصل ذلك مع الإبهام.
وأما كون ذلك كذا سواء كانا اثنين أو جماعتين فلاشتراك الصورتين في المعنى.

وأما كونه لا يشترط تعيين الراكبين والقوسين؛ فلأن الغرض معرفة حذق الفرس والرامي، لا معرفة الراكب والقوس لأنهما آلة المقصود، فلم يعتبر معرفتها؛ كسرج الدابة.
قال: (الثاني: أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد.
فلا يجوز بين عربي وهجين، ولا قوس عربي وفارسي.
ويحتمل الجواز).
أما كون الثاني من الشروط المذكورة: أن يكون المركوبان والقوسان من نوع واحد؛ فلأن النوعين يتفاوتان عادة فلم تصح المسابقة عليهما؛ كالمسابقة على بعير وفرس.
وأما كونه يحتمل الجواز؛ فلأنه قد يسبق كل واحد منهما الآخر، والتفاوت بينهما قريب لاتفاق الجنس.
وذكر المصنف هذا الاحتمال للقاضي.
قال: (الثالث: تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي بما جرت به العادة).
أما كون الثالث من الشروط: تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي؛ فلأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بذلك.
ولأن أحدهما قد يكون مقصراً في أول عدوه سريعاً في انتهائه وبعكس ذلك، فلا بد من ضبط ذلك بما ذكر ليحصل العلم بالمقصود.
وأما كون التحديد المذكور بما جرت به العادة؛ فلأن الزائد على ذلك قد يؤدي إلى عدم العلم بالسابق لبعد المسافة.
قال: (الرابع: كون العوض معلوماً).
أما كون الرابع من الشروط المذكورة: أن يكون العوض معلوماً؛ فلأنه مال في عقد فاشترط العلم به؛ كسائر العقود.
وأما ما يحصل العلم به: فبالمشاهدة، وبالقدر، وبالصفة لأن ذلك محصل للعلم بثمن المبيع فكذا هاهنا.
قال: (الخامس: الخروج عن شبه القمار؛ بأن لا يخرج جميعهم.
فإن كان الجُعل من الإمام، أو أحدٍ غيرهما، أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز.
فإن جاءا معاً

فلا شيء لهما.
وإن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئاً.
وإن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه).
أما كون الخامس من الشروط المذكورة: الخروج عن شبه القمار؛ فلأن القمار محرم وشبه القمار مثله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «منْ أدخلَ فَرساً بين فَرسينِ وقدَ أمنَ أن يَسبقَ فهوَ قِمَار» 1. وأما كون الخروج عن شبه القمار بأن لا يخرج جميعهم؛ فلأن الجميع إذا لم يخرجوا بقي من لم يخرج سالماً من الغرم، والمقامر لا يخلو منه أو من الغنم.
وأما كون الجعل يجوز من الإمام؛ فلأن في ذلك حثاً على إحكام الرمي، وفي ذلك مصلحة للمسلمين.
وأما كونه يجوز من أحدٍ غيرهما؛ فلأنه بدل مال في مصلحة المسلمين، وفيه تحصيل مقصود الرمي لما ذكر قبل فصح كونه من غيرهما كما لو كان من أحدهما.
وأما كونه يجوز من أحدهما؛ فلأنه إذا جاز كونه من غيرهما؛ فلأن يجوز من أحدهما بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: على أن من سبق أخذه فمتعلق بالجعل من الإمام، أو أحد غيرهما، أو من أحدهما، وبيان لصفة الجُعْل، وتنبيه على أن الجُعل لو جعل منهما جميعاً لم يجز.
وأما كونه لا شيء لهما إذا جاءا معاً؛ فلأنه لا سابق فيهما.
وأما كون المخرج يحرز سبق نفسه إذا سبق؛ فلأن صاحبه لم يسبق فلم يستحق شيئاً.
وأما كونه لا يأخذ من الآخر شيئاً؛ فلأنه لم يشترط للسابق عليه شيئاً.

وأما كون الآخر يحرز سبق 2 صاحبه إذا سبقه؛ فلأنه سبقه فملك المال الذي جعل عوضاً في العقد الصحيح كالعوض المجعول في رد الضالة والآبق.

قال: (فإن أخرجا معاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما 1 أو رميه رمييهما، فإن سبقهما أحرز سبقهما وإن سبقاه أحرزا سبقيهما ولم يأخذا منه شيئاً، وإن سبق أحدهما أحرز السبقين فإن سبق معه المحلل فسبق الآخر بينهما).
أما كون المسابقة لا تجوز إذا أخرج المتسابقان ولم يدخلا بينهما محللاً؛ فلما تقدم من أنه لا يجوز كون الجعل من جميع المتسابقين.
وأما كونها تجوز إذا أدخلا بينهما محللاً؛ فلأنه إدخاله يخرج الرمي عن شبه القمار لأنه لا يخرج مع المتسابقين فلم يوجد الإخراج من الجميع.
وأما قول المصنف رحمه الله: يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما فبيان لاشتراط المكافأ في المركوب والرمي والأصل فيها ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فَرساً بين فَرسين وهو لا يؤمن أن يَسبقَ فليسَ بقمارٍ، ومن أدخلَ فرساً بين فرسينِ وقدْ أمنَ أن يَسبقَ فهوَ قَمَار» 2 رواه أبو داود.
وأما كون المحلل إذا سبق يحرز سبقيهما؛ فلأنه جعل لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المخرجين إذا سبقاه يحرزان سبقيهما؛ فلأن المحلل لم يسبقهما حتى يستحق سبقيهما.
وأما كونهما لا يأخذان منه شيئاً؛ فلأنه لم يشرط عليه لمن سبقه شيئاً.
وأما كون إذا سبق يحرز السبقين؛ فلأنهما قد جعلا لمن سبق وقد سبق.
وأما كون المحلل إذا سبق معه سبق الآخر بينهما؛ فلأن ذلك مستحق بالسبق وقد اشتركا فيه فوجب أن يشتركا في عوضه.

قال: (وإن قال المخرج: من سبق فله عشرة، ومن صلى فله كذا: لم يصح.
وإن قال: ومن صلى فله خمسة صح).
أما كون المسابقة لا تصح إذا استوى بين السابق والمصلى وهو الثاني؛ فلأنه ليس فيه تحريض على السبق، فيفوت المقصود من العقد.
وأما كونها تصح إذا قال: ومن صلى فله خمسة؛ فلأن كل واحد منهما يقصد أن يكون سابقاً ليحصل له أكثر العوضين.
ولا بد أن يُلحظ كونه لا ثالث معهما لأنهم إذا كانوا ثلاثة يجتهد كل واحد منهم أن لا يكون أخيراً فيفوت المقصود من العقد.
ولذلك قيد كلام المصنف رحمه الله من أذن له في إصلاحه فقال: إذا كانا اثنين.
قال: (وإن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه أو غيرهم لم يصح الشرط.
وفي صحة المسابقة وجهان).
أما كون الشرط المذكور لا يصح؛ فلأنه عوض عن عمل فلا يستحقه غير العامل؛ كالعوض في رد الآبق.
وأما كون المسابقة تصح في وجه؛ فلأن عقد المسابقة لا تقف صحته على تسمية بدل، فلم يفسد بالشرط الفاسد؛ كالنكاح.
وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأنه بذل العوض لهذا الغرض فإذا لم يحصل له غرضه لم يلزمه العوض.
فعلى هذا إن كان المخرج السابق أحرز سبقه، وإن كان الآخر فله أجرة عمله؛ لأنه عمل عملاً بعوض لم يُسَلَّم له فاستحق أجرة المثل؛ كالإجارة الفاسدة.

فصل [في أحكام المسابقة] قال المصنف رحمه الله: (والمسابقةُ جُعالة لكل واحد منهما فسخها.
إلا أن يظهر الفضل لأحدهما فيكون له الفسخ دون صاحبه.
وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين.
وقيل: هي عقد لازم ليس لأحدهما فسخها.
لكنها تنفسخ بموت أحد المركوبين، وأحد الراميين.
ولا تبطل بموت أحد الراكبين، ولا تلف أحد القوسين).
أما كون المسابقة جُعالة.
والمراد به: أنها من العقود الجائزة؛ فلأنها عقد على ما لا يقدر على تسليمه فكان جائزاً؛ كرد الآبق.
بيان أنه لا يقدر على تسليمه أنه عقد على الإصابة وهي لا تدخل تحت قدرته.
وأما كونها عقدا لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد من شرطه أن يكون العوض والمعوض معلومين، فكان لازماً؛ كالإجارة.
فعلى القول بالجواز لكل واحد منهما الفسخ إذا لم يظهر فضل؛ لأن ذلك شأن كل عقد جائز، وإن ظهر لأحدهما فضل؛ مثل: أن يسبقه بفرسه في بعض المسافة، أو يصيب بسهامه أكثر منه: كان لمن ظهر له الفضل الفسخ؛ لأن الحق له ولم يكن للآخر الفسخ لأنه لو جاز ذلك لفات 1 غرض المسابقة؛ لأنه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة فلا يحصل المقصود، وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين كالوكالة والمضاربة وسائر العقود الجائزة.
وعلى القول باللزوم ليس لأحدهما الفسخ لأن هذا شأن كل عقد لازم، ولا تنفسخ بموت أحد الراكبين، ولا تلف أحد القوسين لأنه لم يتلف المعقود عليه.

قال: (ويقوم وارث الميت مقامه.
فإن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته).
أما كون وارث الميت يقوم مقام الموروث هنا؛ فلأنه يقوم مقامه فيما له فكذا فيما عليه.
وأما كون الحاكم يقيم مقامه إذا لم يكن له وارث؛ فلأن الموروث لزمه فعل ذلك فوجب أن يقيم الحاكم مقامه بعد موته؛ كالإجارة.
قال: (والسبق في الخيل بالرؤوس 1 إذا تماثلت الأعناق، وفي مختلفي العنق والإبل بالكتف).
أما كون السبق بالرؤوس في الخيل المتساوية الأعناق؛ فلأن السبق يعلم به.
وأما كون السبق بالكتف في مختلفي العنق؛ فلأن العلم بالسبق في المختلف لا يحصل إلا بمساحة قدر الزائد، وفي ذلك حرج ومشقة.
وأما كونه في الإبل بذلك؛ فلأن منها ما يرفع عنقه ومنها ما يمده فربما كان الرافع لرأسه سابقاً ويسبقه الآخر برأسه لمده إياه.
قال: (ولا يجوز أن يجنب أحدهما مع فرسه فرساً يحرضه على العدو.
ولا يصيح به في وقت سباقه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ» (2». أما كون أحد المتسابقين لا يجوز أن يجنب فرساً يحرض فرسه على العدو ولا أن يصيح به في وقت سباقه؛ فلما ذكر المصنف من الحديث.
وأما معنى: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ فما ذكره.
وقد فسره قوم بغير ذلك وليس بصحيح؛ لأنه جاء مفسراً بحديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ في الرهانِ» 3.2

ويروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه 1 قال: «من أجلبَ على الخيلِ يومَ الرهانِ فليسَ منَا» 2.

فصل في المناضلة المناضلة: المسابقة بالسهام.
ويقال: نضال وكلاهما مصدر ناضل.
يقال: ناضله نضالاً ومناضلة؛ مثل: قاتله قتالاً ومقاتلة.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا﴾ [يوسف: 17] قيل معناه: يسابق بعضنا بعضاً في الرمي، ويعضده قراءة من قرأ: ننتضل.
وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه خرجَ على أصحابٍ له يَنتضِلونَ.
فقال: ارمُوا وأنا مع ابن الأدرع.
فأمسكَ الآخرون وقالوا: يا رسولَ الله! كيفَ نرمِي وأنتَ معَ ابنِ الأدرع؟ فقال: ارمُوا وأنا مَعكمْ كلكُم» 1 متفق عليه.
وعنه عليه السلام أنه قال: «إن الملائكةَ لا تحضرُ من لَهوِكمْ إلا الرهان والنضال» 2. قال الأزهري: الرهان في الخيل، والنضال في الرمي، والسباق فيهما.
قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لها شروط أربعة: أحدها: أن تكون على من يحسن الرمي.
فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسنه بطل العقد فيه، وأخرج من الحزب الآخر مثله.
ولهم الفسخ إن أحبوا).
أما كون المناضلة يشترط لها شروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره فيها.
وأما كون أحد الشروط المذكورة: أن تكون على من يحسن الرمي؛ فلأن من لا يحسن الرمي وجوده كعدمه.

ولأن الغرض معرفة الحذق، ومن لا يحسن الرمي لا حذق له، ولا يحصل لمن غلبه ميزة.

وأما كون العقد يبطل فيمن لا يحسن الرمي؛ فلما تقدم من اشتراط كونه ممن يحسن.
وقوله: فيه مشعر بأن البطلان مختص بمن لا يحسن، فأما من يحسن فالعقد باق 1 في حقه؛ لأن المفسد موجود فيمن لا يحسن دون غيره فوجب أن يختص البطلان به وذكر المصنف في المغني في بطلان العقد في حق من يحسن وجهين بناء على تفريق الصفقة.
وأما كونه يخرج مثل من لا يحسن من الحزب الآخر مع القول ببقاء الصحة فيمن يحسن؛ فلأن البيع إذا بطل في البعض بطل فيما يقابله من الثمن فكذا هاهنا.
وأما كون الحزبين لهم الفسخ إن أحبوا؛ فلأن الصفقة تفرقت عليهم.
قال: (الثاني: معرفة عدد الرشق وعدد الإصابة).
أما كون الثاني من الشروط المذكورة: معرفة عدد الرشق وعدد الإصابة؛ فلأن الغرض معرفة الحذق، ولا يحصل إلا بذلك.
وأما معنى معرفة عدد الرشق فأن تكون عشرين رمية أو ما أشبه ذلك.
وأما معنى معرفة الإصابة فأن تكون الإصابات خمساً من العشرين أو أربعاً أو ما أشبه ذلك.
قال: (الثالث: معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؟ فالمبادرة أن يقولا: من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية فقد سبق فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي فهو السابق.
ولا يلزم إتمام الرمي.
والمفاضلة أن يقولا: أيُّنا فضل صاحبه بخمس إصابات من عشرين رمية سبق.
فأيهما فضل بذلك فهو السابق).
أما كون الثالث من الشروط المذكورة معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة؛ فلأن غرض الرماة يختلف: فمنهم من إصابته في الابتداء أكثر منها 2 في الانتهاء، ومنهم

من هو بالعكس.
فوجب اشتراط ذلك لِيَعْلَم ما دخل فيه.
وذكر المصنف في المغني عن القاضي أنه لا يشترط ذلك لأن مقتضى النضال أن من بادر إلى الإصابة فقد سبق.

وأما معنى المفاضلة والمبادرة فكما ذكر المصنف.
وللمناضلة صورة ثالثة ذكرها أبو الخطاب والمصنف في المغني واسمها محاطة.
ومعناها: أن يشترطا حطّ ما يتساويان فيه من الإصابة في رشق معلوم فإذا فضل أحدهما بإصابة معلومة فقد سبق صاحبه.
وصورتها مثلاً: أن يجعلا الرشق عشرين ويشترط حط ما يتساويان فيه فإذا فضل أحدهما بثلاثة أو أربعة أو ما أشبه ذلك فقد نضل صاحبه.
قال: (وإذا أطلقا الإصابة تناولها على أي صفة كانت.
وإن قالا: خواصل كان تأكيداً لأنه اسم لها كيف ما كانت.
وإن قالا: خواسق وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، أو خوارق وهو: ما خرقه ولم يثبت فيه، أو خواصر وهو: ما وقع في أحد جانبي الغرض تقيدت بذلك.
وإن شرطا إصابة موضع من الغرض كالدائرة فيه تقيد به).
أما كون إطلاق الإصابة يتناولها على أي صفة كانت؛ فلأن أي صفة كانت تدخل تحت مسمى الإصابة.
وأما كون قولهما: خواصل تأكيداً فلما ذكر المصنف من أنها اسم للإصابة كيف ما كانت.
وأما كون الإصابة تتقيد بقولهما: خواسق أو خوارق أو خواصر، أو شرطهما إصابة موضع من الغرض كالدائرة؛ فلأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فوجب أن تتقيد المناضلة به تحصيلاً للغرض.
ولأنه وصف وقع العقد عليه فوجب أن يتقيد به ضرورة الوفاء بموجبه.
وأما معنى كل واحد من الألفاظ المذكورة فكما ذكر المصنف رحمه الله.
قال: (الرابع: معرفة قدر الغرض: طوله، وعرضه، وسمكه، وارتفاعه من الأرض).
أما كون الرابع من الشروط المذكورة: معرفة قدر الغرض طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض؛ فلأن الإصابة تختلف باختلاف ذلك، فوجب العلم به.
أشبه تعيين النوع.

وأما قول المصنف رحمه الله: طوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض فبيان لقدر الغرض.
وأما معنى ذلك كله فمعلوم لأهله.
قال: (وإن تشاحّا في المبتدأ بالرمي أقرع بينهما.
وقيل: يُقدم من له مزية بإخراج السبق.
وإذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني).
أما كونه يقرع بينهما مع التشاح على المذهب؛ فلأنه يميز ما أشكل.
ولأن مقتضى العقد التساوي والقرعة مشروعة 1 عند ذلك لأن تقديم أحدهما من غير قرعة ترجيح من غير مرجح.
وأما كونه يقدم من له مزية بإخراج السبق على وجهٍ؛ فلأن له نوعاً من الترجيح فيجب أن يقدم به.
فعلى هذا إن كان العوض من أحدهما قدم صاحبه، وإن كان العوض من أجنبي قَدَّم صاحبُ العوض من شاء منهما.
قال صاحب النهاية فيها: الصحيح أنه لا يبدأ أحدهما إلا بالقرعة لأن العقد موضوع على أن لا يفضل صاحب السبق على صاحبه.
وأما كون أحدهما يبدأ في الوجه الثاني إذا بدأ صاحبه في الأول فلتحصل المساواة بينهما.
قال: (والسنة أن يكون لهما غرضان إذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني).
أما كون السنة أن يكون للمتناضلين غرضان يرميان إلى أحدهما ثم يمضيان فيأخذان السهام ثم يرميان إلى الغرض الآخر؛ فلأن ذلك فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة» 2. وقال إبراهيم التيمي: «رأيتُ حذيفةَ يشتدّ بين الغرضينِ يقولُ: أنا بها» 3. وعن ابن عمر مثله 4.

ويروى «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشتدون بين الأغراض.
يضحك بعضهم إلى بعض».
وعن عمر: «علموا أولادكم الرمي والمشي بين الغرضين» 1. وأما كون أحد المتناضلين يبدأ بالغرض الثاني إذا بدأ صاحبه بالغرض الآخر فلتحصل المساواة بينهما.
وفي قول المصنف رحمه الله: والسنة أن يكون لهما غرضان تنبيه على أن الغرض لو كان واحداً جاز.
وهو صحيح؛ لأن الغرض معرفة حذق الرماة، وذلك حاصل بالغرض الواحد.
قال: (وإذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإن كان شرطهم خواصل احتسب به، وإن كان خواسق لم يحتسب له به ولا عليه).
أما كونه يحتسب بالسهم الواقع موضع الغرض مع كون الشرط خواصل؛ فلأن الشرط الإصابة ولو كان الغرض في موضعه لأصابه.
وأما كونه لا يحتسب له به ولا عليه مع كون الشرط خواسق؛ فلأن الشرط أن يثبت فيه، ولو كان الغرض في موضعه لاحتمل أن يثبت فيه وأن لا يثبت.
قال: (وإن عرض عارض من كسر قوس، أو قطع وتر، أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم.
وإن عرض مطر، أو ظلمة جاز تأخير الرمي.
ويكره للأمين والشهود مدح أحدهما؛ لما فيه من كسر قلب صاحبه).
أما كونه لا يحتسب على الرامي بالسهم مع عارض كسر قوس، أو قطع وتر، أو اشتداد 2 ريح؛ فلأن الخطأ للعارض لا لسوء رميه.
ومفهوم قوله: لم يحتسب عليه أنه لو أصاب مع العارض حسب له لتحقق الشرط.
وقال في المغني: لا يحتسب له كما لا يحتسب عليه.

ولأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف السهم الشديد فيخطئ يجوز أن تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيباً فتكون إصابته بالريح لا بالحذق.
ولم يحك غيره.
وأما كونه يجوز تأخير الرمي إذا عرض مطر أو ظلمة؛ فلأن ذلك عذر لا يمكن معه فعل المعقود عليه.
وأما كونه يكره مدح الأمين والشهود لأحد المتناضلين؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من كسر قلب صاحبه.

الممتع في شرح المقنع

تصنيف زين الدين المنجى بن عثمان بن أسعد ابن المنجى التنوخي الحنبلي 631 - 695 هـ

الجزء الثالث

دراسة وتحقيق د. عبدالملك بن عبدالله بن دهيش

جارٍ التحميل