الصلاة في اللغة: الدعاء.
قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم إن دعاءك سكن لهم.
وفي الشرع: عبارة عن الأفعال المخصوصة المشتملة على الأذكار والدعاء.
وسميت في الشرع صلاة لاشتمالها على الدعاء.
وقيل: لرفع الصَّلاَ في الركوع.
والصَّلاَ مَغْرِز الذنب من الفرس.
وقيل: سميت صلاة لما فيها من الخشوع.
يقال: صليت العود بالنار إذا لينته.
فالمصلي يلين ويخشع.
والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: 72]، وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا﴾ [النساء: 103] أي مؤقتاً.
وأما السنة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» 1 متفق عليه.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء).
أما كون الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل ليس حائضاً ولا نفساء فلدخوله فيما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع.
وأما كونها غير واجبة على الحائض؛ فلقوله عليه السلام: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل» 2 رواه البخاري.
ولقول عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء [الصوم ولا نؤمر بقضاء] 3 الصلاة» 4 متفق عليه.
وأما كونها غير واجبة على النفساء؛ فلأن حكمها حكم الحائض في غير ذلك.
فكذلك في هذا.
وتقييد المصنف رحمه الله وجوب الصلاة بما ذكر مشعر بعدم وجوبها على كافر وصبي ومجنون.
وسيأتي ذلك مصرحاً به إن شاء الله تعالى.
قال: (وتجب على النائم، ومن زال عقله بسكر، أو إغماء، أو شرب دواء).
أما كون الصلاة تجب على النائم؛ فلأنه يجب عليه قضاؤها إذا استوعب وقت الأداء بالنوم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصلها إذا ذكرها» 1 متفق عليه.
أمر والأمر للوجوب.
وإذا كان القضاء واجباً اقتضى تعلق الخطاب بالنائم لأنه لو لم يكن كذلك لما وجب القضاء بدليل المجنون.
وأما كونها تجب على من زال عقله بسكر؛ فلأن سكره معصية فلا يناسب إسقاط الواجب عنه.
ولأن حكمه حكم الصاحي في الطلاق والإقرار والحد بالقذف ونحو ذلك.
فكذلك يجب أن يكون حكمُه حكمَه في وجوب الصلاة.
وأما كونها تجب على المغمى عليه فـ «لأن عماراً روي أنه غشي عليه ثلاثاً.
ثم أفاق فقال: هل صليت؟ قالوا: ما صليت منذ ثلاث.
فقال: أعطوني وضوءاً فأعطوه.
فتوضأ ثم صلى تلك الثلاثة» 2.
وروى أبو مجلز: «أن سمرة بن جندب قال: المغمى عليه يترك الصلاة.
يصلي مع كل صلاة مثلها.
قال: قال عمران: زعم.
ولكن ليصليهن جميعاً» 1 رواهما الأثرم.
وجه الحجة: أن ما ذكر فعل الصحابة وقولهم ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
ولأن الإغماء لا يؤثر في إسقاط فرض الصيام فلا يؤثر في إسقاط الصلاة كالنوم.
وأما من زال عقله بشرب دواء فقد أطلق المصنف رحمه الله القول فيه بوجوب الصلاة عليه.
وقال في المغني: ينظر فيه فإن كان -يعني شُربُ الدواءِ- محرماً لم تسقط عنه الفرائض بذلك كما لو شرب مسكراً، وإن كان مباحاً له شربه سقط عنه فرض الصلاة كما لو زال بجنون.
ثم قال: ويتوجه أن لا يسقط كما لو زال بالإغماء.
قال: (ولا تجب على كافر ولا مجنون.
ولا تصح منهما.
وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه).
أما كون الصلاة لا تجب على كافر؛ فلأنها لو وجبت عليه في حال كفره لوجب عليه قضاؤها في حال السلامة لأن وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء واللازم منتف لقول الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38].
ولأنه قد أسلم كثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فلم يُؤمروا بقضاء.
ولأن في إيجاب القضاء تنفيراً لهم عن الإسلام فعفي عنه.
ولا فرق بين الأصلي والمرتد فيما ذكر لاستوائهما في ذلك.
وعن الإمام أحمد يجب على المرتد قضاء ما ترك حال ردته؛ لأنه اعتقد وجوبها وأمكنه التسبُّبَ إلى أدائها أشبه المسلم.
والأول المذهب؛ لأن الدليل الدال على إسقاط العبادة في حق الأصلي موجود في حق المرتد فوجب أن يثبت له حكمه عملاً بالمقتضي الشامل لهما.
وأما كونها لا تجب على مجنون؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: ذكر منهم المجنون حتى يُفيق» 2 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
ولأن مدته تطول غالباً فعفي عنه لما في إيجاب القضاء المتكرر من الضرر المنتفي شرعاً.
وأما كونها لا تصح من كافر ولا مجنون؛ فلأن من شرط صحتها النية وهي لا تصح من كافر ولا تقع من مجنون.
ولأن صحة الصلاة تقتضي دخول الجنة غالباً وذلك معلوم الانتفاء مع الكفر.
ولأن السكران ممنوع من فعل الصلاة لزوال عقله فكذلك المجنون لاشتراكهما في الزوال بل أولى لأن المجنون لا يدرك شيئاً بخلاف السكران فإنه قد يدرك بعض الأشياء.
وأما كون الكافر إذا صلى حكم بإسلامه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا: فهو منا.
له ما لنا وعليه ما علينا» 1.
ولأن الصلاة عبادة تختص شرعنا أشبهت الشهادة.
وسواء في ذلك صلاته في دار الحرب أو في دار الإسلام.
جماعة أو فرادى؛ لعموم ما ذكر.
قال: (ولا تجب على صبي.
وعنه تجب على من بلغ عشراً).
أما كون الصلاة لا تجب على صبي لم يبلغ عشراً فلا خلاف فيه عند الإمام أحمد؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ... الحديث» 2.
وأما كونها لا تجب على من بلغ عشراً ولم يبلغ على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر» 3. والضرب لا يكون إلا لترك واجب.
والصحيح الأول؛ لما ذكر من الحديث.
والضرب للتمرين.
قال: (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها).
أما أمر الصبي بالصلاة لسبع وضربه عليها لعشر] 1 فللحديث المذكور قبل.
وأما كون من بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها يلزمه إعادتها؛ فلأن الأولى 2 وقعت نفلاً.
وببلوغه في الوقت صارت الصلاة واجبة عليه فلم تجزئه عن الفرض كما لو نوى نفلاً في صلاة مفروضة.
قال: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها).
أما كون من وجبت عليه الصلاة لا يجوز له تأخيرها عن وقتها لغير المستثنى؛ فلأن الصلاة يجب إيقاعها في الوقت فإذا خرج الوقت ولم يأت بها كان تاركاً للواجب مخالفاً للأمر.
والتارك للواجب المخالف للأمر عاصٍ مستحق للعقاب.
وأما كون من ينوي الجمع يجوز له تأخيرها عن وقتها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الأولى في الجمع فيصليها في وقت الثانية» 3.
وسيأتي ذلك مبيناً في باب الجمع 4.
ولأن وقت الصلاتين يصير وقتاً لكل واحدة منهما.
فإن قيل: فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء من ينوي الجمع لأن الاستثناء له إنما هو من التأخير عن آخر الوقت.
فإذا كان الوقتان وقتاً لهما لم يحتج إلى ذلك.
قيل: لما كان وقت كل صلاة معلوماً تبادر الذهن عند قولنا عن وقتها إليه.
وذلك يحتاج معه إلى الاستثناء لأن من ينوي الجمع يجوز أن يؤخر الصلاة عن آخر ذلك الوقت المتبادر إلى الذهن.
وأما كون المشتغل بشرط الصلاة يجوز له تأخيرها عن وقتها؛ فلأنه لا يجوز له الدخول في الصلاة مع عدم شرطها.
فكيف يوصف الدخول بالوجوب؛ لأن قولنا لا يجوز له التأخير ينافيه قولنا يجب عليه الدخول.
إذا علم ذلك ففي جواز التأخير للمشتغل بالشرط نظر.
وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه لم ينقله أحد من الأصحاب ممن تقدم المصنف رحمه الله ممن نعلمه.
بل نقلوا المسألة المتقدم ذكرها واستثنوا من نوى الجمع لا غير.
ذكر ذلك أبو الخطاب في هدايته وصاحب النهاية فيها وفي خلاصته.
وثانيهما: أن ذلك يدخل فيه من أخر الصلاة عمداً حتى بقي من الوقت مقدار الصلاة.
ولا وجه لجواز التأخير له.
قال: (ومن جحد وجوبها كفر.
فإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله.
وعنه: لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة.
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل بالسيف.
وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين).
أما كون من جحد وجوب الصلاة يكفر؛ فلأنه كذب الله تعالى في خبره.
وأما كون من تركها تهاوناً لا جحوداً يُدعى إلى فعلها فلاحتمال أنه تركها لعذر يعتقد سقوطها بمثله كالمرض ونحوه.
وأما كون من تركها تهاوناً ودعي إلى فعلها وأبى يجب قتله في الجملة؛ فلأن الصلاة آكد من الزكاة.
وقد أجمع الصحابة على وجوب قتل مانعها؛ فلأن يجب قتل تارك الصلاة بطريق الأولى.
وأما كونه يجب قتله إذا تضايق وقت الثانية على المذهب؛ فلأنه إذا لم يجب قتله بالأولى في وقتها لإمكان فعلها فيه ولا إذا خرج وقتها لأنها صارت فائتة -والفائتة لا يقتل بها لأن وقتها موسع في بعض المذاهب- تعين وجوب قتله إذا ضاق وقت الثانية عن فعلها لأنه يُعلم أنه قد عزم على ترك الصلاة.
وأما كونه لا يجب قتله حتى يترك ثلاثاً ويَضيق وقت الرابعة على روايةٍ؛ فلأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة.
فإذا ترك الرابعة علم أنه عزم على ترك الصلاة بالكلية.
وأما كونه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام فبالقياس على المرتد.
وأما كونه يقتل إن لم يتب فكالمرتد إذا لم يتب، وكمانع الزكاة إذا لم يؤدها.
وأما كونه يقتل بالسيف؛ فلأنه قتلٌ واجب فكان بالسيف كالقصاص.
وأما كونه يقتل حداً على روايةٍ فبالقياس على الزاني المحصن.
وأما كونه يقتل لكفره فلقول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: 5].
وقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: 11].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة» 1.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» 2 رواه مسلم.
ولأن الصلاة من دعائم الإسلام لا يدخلها نيابة نفس ولا مال فيكون تاركها كافراً كالشهادتين.
وهذه الرواية هي ظاهر المذهب لما ذكر.
والأولى اختيار المصنف رحمه الله؛ لما ذكر.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» 3 من المسند.
والكافر لا يدخل تحت مشيئته.
ولأنها فعل واجب فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج.
باب الأذان والإقامة
الأذان 1 في اللغة: الإعلام.
قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ [التوبة: 3] أي وإعلام.
وقال تعالى: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: 109] أي أعلمتكم فاستوينا في العلم.
قال الشاعر 2:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ... رب ثاوٍ يَمَلُّ منه الثَّواءُ
وقال الحطيئة 3:
أَلاَ إنّ ليْلى آذَنَتْ بِقُفُولٍ... وما آذَنَتْ ذا حَاجَةَ برَحِيلِ
وفي الشرع: [هو] 4 الإعلام بدخول الوقت للصلاة.
يقال: أذّن يُؤذن أذاناً وتأذيناً أي أعلم الناس بدخول الوقت للصلاة.
وشُدد للمبالغة والتكثير؛ لأن المؤذن يكرر الشهادتين.
والإقامة في اللغة: الإدامة.
ومنه قوله تعالى: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: 3] أي ويديمون فعلها.
وفي الشرع هنا: إعلام الحاضرين بقيام الصلاة ليقوموا فيصطفوا.
والأصل في الأذان قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: 9]،، وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا﴾ [المائدة: 58]،، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» 5 رواه البخاري.
قال المصنف رحمه الله: (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها.
للرجال دون النساء).
أما كون الأذان والإقامة مشروعين للصلوات الخمس للرجال؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُؤذن له للصلوات الخمس وتقام سفراً وحضراً.
وأما كونهما غير مشروعين في غير الصلوات الخمس؛ فلأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما كونهما غير مشروعين للنساء؛ فلأنهما مشروعان للإعلام.
يسن فيهما رفع الصوت ورفع الصوت مكروه للنساء لأن صوتهن عورة.
وقد روى النجاد بإسناده عن أسماء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة... مختصر» 1.
قال: (وهما فرض على الكفاية.
إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام).
أما كون الأذان فرضاً على الكفاية؛ فلما روى مالك بن الحويرث قال: «أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأقمنا عنده عشرين يوماً.
وكان رحيماً رفيقاً.
فظن أننا قد اشتقنا إلى أهلنا.
فقال: ارجعوا إلى أهلكم.
وليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم» 2 متفق عليه.
أمر أحدهم بالأذان فظاهر الأمر الوجوب فيكون ذلك فرضاً على الكفاية للإجماع على أنه ليس فرضاً على الأعيان.
وقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة لا يُؤذن ولا يُقام فيهم إلا استحوذ عليهم الشيطان» 1 رواه البخاري.
ولأن الأذان من شعائر الإسلام أشبه الجهاد.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه سفراً وحضراً ولو كان ذلك غير واجب لبين حكمه بالترك ولو مرة.
وأما كون الإقامة فرضاً على الكفاية؛ فلأنها كأذان معنى فوجب أن تكون كالأذان حكماً.
وعن الإمام أحمد أنها سنة؛ لما روى الأثرم بإسناده عن علقمة والأسود قالا: «دخلنا على عبدالله فقام فصلى بلا أذان ولا إقامة» 2.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: إذا أدركتَ الصلاة فأحسن الوضوء.
ثم استقبل القبلة فكبر» 3. ولم يأمره بأذان ولا إقامة.
والصحيح الأول لما ذكر.
وحديث المسيء يدل على أن الأذان والإقامة ليسا ركناً ولا شرطا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين له الأركان والشرائط ونحن نقول به.
وذلك لا ينفي كونهما فرضين على الكفاية.
فإن قيل: ذلك يختص أهل البلدان أم يعم البلدان والقرى والصحراء جماعة وفرادى؟
قيل: يختص أهل البلدان.
ذكره القاضي؛ لأنها هي المواضع التي يقصد فيها شعائر الإسلام غالباً.
وتختص الجماعة بذلك.
وقيل: يعم ما ذكر.
وهو الصحيح من المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له ويقام سفراً وحضراً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري: إذا كنت في غنمك أو في باديتك فأذّنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» 1 رواه البخاري.
ويكفي أذان واحد لجميع أهل البلد الصغير والمحلة الكبيرة إذا كان يسمعهم جميعهم؛ لأن الغرض إسماعهم.
وذلك حاصل بما ذكر.
وأما كون الإمام يُقاتل أهل بلد اتفقوا على تركهم الأذان والإقامة؛ فلأنهم تركوا ما هو من شعائر الإسلام الظاهرة.
فكان للإمام أن يقاتلهم؛ كما لو تركوا الجهاد.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن ما ذكر مرتب على القول بفرضهما على الكفاية لأنه قال: وهما فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد.
وهو ظاهر كلامه في المغني أيضاً؛ لأنه حكى أنهما فرض كفاية.
ثم قال: فعلى هذا إذا قام به قوم سقط عن الباقين.
فإن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام.
فعلى هذا يكون قتال الإمام لهم لتركهم الواجب كقتال مانعي الزكاة.
وقال صاحب النهاية فيها: سواء قلنا أنهما سنة أو واجب متى اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام لأنهما من أعلام الدين الظاهرة فلا يرخص في تعطيلهما لأن الشعائر المستمرة الظاهرة في الشريعة لو خلا منها قطرٌ لتبادر الخلق بالإنكار والاستنكار.
قال: (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين.
فإن لم يوجد متطوع بهما رَزق الإمامُ من بيت المال من يقوم بهما).
أما كون أخذ الأجرة على الأذان لا يجوز في أظهر الروايتين؛ فلما روى عثمان بن أبي العاص أنه قال: «إن آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» 2. قال الترمذي: حديث حسن.
ولأنه يقع قربة لفاعله أشبه الإمامة.
وأما كونه يجوز على روايةٍ؛ فلأن فعله عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه [فجاز أخذ الأجرة عليه] 1 كسائر الأعمال.
والأولى أصح؛ لأن دليل الثانية قياس مع وجود النص وذلك فاسد.
وأما كون أخذ الأجرة على الإقامة لا يجوز ففيه الروايتان المذكورتان لأنها كالأذان معنى فكذا يجب أن تكون حكماً.
وأما كون الإمام يَرزق من بيت المال من يقوم بهما إذا لم يوجد متطوع بهما؛ فلأن الحاجة داعية إليه فجاز إعطاء الرزق عليه كالجهاد.
وتقييد المصنف رحمه الله رزق الإمام بعدم وجدان متطوع مشعر بأنه إذا وجد متطوع بهما لم يرزقه من بيت المال.
وهو صحيح لأن بيت المال مُرْصَدٌ للمصلحة ولا مصلحة في الرزق مع وجدان المتطوع فلا يفعل لعدم المصلحة.
قال: (وينبغي أن يكون المؤذن صَيِّتاً أميناً عالماً بالأوقات).
أما كون المؤذن ينبغي أن يكون صيتاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله: ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً» 2.
ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وأما كونه ينبغي أن يكون أميناً؛ فلأنه يحتاج إلى ذلك لكونه يُؤمَن على الأوقات، وعلى الكف عن النظر إلى الجيران.
وأما كونه ينبغي أن يكون عالماً بالأوقات فليتمكن من الأذان في أول الأوقات.
قال: (فإن تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك.
ثم أفضلهما في دينه وعقله.
ثم من يختاره الجيران، فإن استويا أقرع بينهما).
أما كون أفضل المؤذنيْن في ذلك -أي في الصوت والأمانة والعلم بالأوقات- يقدم إذا تشاحا؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم بلالاً على عبدالله لكونه أندى صوتاً منه» 3. والأمران الآخران في معناه.
وأما كون أفضلهما في دينه وعقله يقدم؛ فلأنه إذا قدم بالأفضل في الصوت؛ فلأن يقدم بالأفضل في ذلك بطريق الأولى؛ لأن مراعاة الدين والعقل أولى من مراعاة الصوت لأن ضرر فقد الدين أو العقل شديد؛ لأنه يتعدى إلى رؤية الجيران وغير ذلك بخلاف ضرر فَقْدِ حسن الصوت؛ فلأنه لا يؤدي إلى ذلك.
وأما كون من يختاره الجيران يقدم بعد ما تقدم ذكره؛ فلأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ولا ينظر إلى حريمهم ويكف عن عوراتهم فاعتبر اختيارهم ورجح به كالإمامة.
وأما كونهما يقرع بينهما إذا استويا؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» 1 متفق عليه.
و«لأنه لما تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فاختصموا إلى سعد أقرع بينهم» 2.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله يقتضي تقديم من يختاره الجيران على القرعة.
قيل: في ذلك روايتان.
إحداهما: هو كذلك؛ لما ذكر قبل.
والثانية: يقدم من خرجت له القرعة لأن القرعة تزيل الإبهام وتجعل من خرجت له كالمستحق المتعين.
قال: (والأذان خمس عشرة كلمة.
لا ترجيع فيه.
والإقامة إحدى عشرة كلمة.
فإن رجع في الأذان أو ثنى الإقامة فلا بأس.
ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين).
أما كون الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة إحدى عشرة كلمة؛ فلما روى عبدالله بن زيد قال: «لما أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يُعمل لجمع الناس للصلاة وهو كاره لموافقة النصارى.
طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً.
فقلت له: يا
عبدالله! ألا تبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة.
فقال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك.
فقلت له: بلى.
قال: تقول: الله أكبر الله أكبر.
الله أكبر الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله.
حي على الصلاة حي على الصلاة.
حي على الفلاح حي على الفلاح.
الله أكبر الله أكبر.
لا إله إلا الله.
ثم استأخر عني غير بعيد.
قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله.
حي على الصلاة حي على الفلاح.
قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت.
قال: إنها رؤيا حق إن شاء الله.
فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت.
فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك.
قال: فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به.
فسمع عمر ذلك وهو في بيته.
فخرج يجر رداءه.
فقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل الذي رأى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله» 1 رواه أبو داود.
وذكر الترمذي آخره بهذا الطريق.
وقال: حديث عبدالله بن زيد حديث حسن صحيح.
فإن قيل: ما معنى هذه 2 الكلمات؟.
قيل: معنى حي على الصلاة أقبلوا إلى الصلاة.
وقيل: أسرعوا.
ومعنى الفلاح البقاء لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد.
وقيل: هو الرشد والخير.
وطَالِبُهُما مفلح لأنه يصير إلى الفلاح.
وقيل: هو إدراك الطلب والظفَر.
وأما كون الأذان لا ترجيع فيه.
وهو: أن يُكرر لفظ الشهادتين يَخفض بهما صوته.
ثم يرفعه؛ فلأن أذان عبدالله لا ترجيع فيه.
وأما كون المؤذن إذا رجَّع في الأذان لا بأس فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان مُرَجّعاً» 1. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قيل لأحمد رحمة الله عليه: حديث أبي محذورة بعد فتح مكة.
قال: أليس قد رَجَع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقر بلالاً على أذانه.
أشار الإمام أحمد رحمة الله عليه إلى ترجيح أذان بلال من حيث إنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن أذانه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما كونه إذا ثنى الإقامة.
وهو: أن يقيم كما يؤذن بزيادة قد قامت الصلاة مرتين لا بأس؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد في بعض طرقه «أنه أقام مثل أذانه» 2 رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: فلا بأس؛ فمشعر بأن الأولى أن لا يرجع الأذان ولا يثني الإقامة.
وهو صحيح لأن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك في أذانه ولا في إقامته.
وفي الحديث: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» 3 متفق عليه.
وروى ابن عمر [قال] 4: «كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة واحدة.
غير أن المؤذن كان إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مرتين» 5.
وأما كونه يقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين؛ فلما روى أبو محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن كان في أذان الصبح قلت: الصلاة خير من النوم مرتين» 1 رواه النسائي.
قال: (ويستحب أن يَتَرَسَّلَ في الأذان.
ويحدر الإقامة 2. ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة.
فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر.
ويجعل أصبعيه في أذنيه.
ويتولاهما معاً.
ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه).
أما كون المؤذن يستحب أن يَتَرَسّل في الأذان -وهو التمهل والتأني.
من قولهم جاء فلان على رِسْله- وأن يحدر الإقامة وهو الإسراع؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر» 3. رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث غريب.
وأما كونه يستحب أن يؤذن قائماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: قم فأذن» 4.
ولأنه أبلغ في الإسماع.
وأما كونه يستحب أن يؤذن متطهراً؛ فلأن أبا هريرة قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» 5. وروي مرفوعاً.
أخرجه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يؤذن على موضع عال؛ فلأنه أبلغ في الإعلام.
وأما كونه يستحب أن يؤذن مستقبل القبلة فاقتداء بمؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه دعاء إلى جهة القبلة فاقتضى أن يكون من 1 سنته التوجه إليها.
وأما كونه يستحب أن يلتفت إذا بلغ الحيعلة يميناً وشمالاً ولا يستدبر القبلة؛ فلما روى أبو جحيفة قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة له حمراء من أدم.
فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح» 2 متفق عليه.
وفي لفظ: «ولم يستدر» 3 رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب أن يجعل أصبعيه في أذنيه؛ فلأن في حديث أبي جحيفة: «وأصبعاه في أذنيه» 4 رواه الترمذي.
وأما كونه يستحب أن يتولى الأذان والإقامة معاً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخا صداء أذّن ومن أذّن فهو يقيم» 5 من المسند.
ولأنهما فصلان من الذكر يندبان للصلاة فاستحب أن يتولاهما واحد كالخطبتين.
وأما كونه يستحب أن يقيم في موضع أذانه إذا لم يشق عليه؛ فلأن الإقامة مشروعة للإعلام فشرعت في موضع الأذان ليكون أبلغ.
ولأنه فصل باق من الذكر يتقدم عليه فصل من جنسه فكان محلهما واحد كالخطبتين.
فإن قيل: المراد بالإقامة في موضع الأذان عدم التأخر عنه مطلقاً أم لا.
قيل: التأخر عنه باليسير غير البعيد لا يخل بالسنة لأن في حديث عبدالله بن زيد «فاستأخر غير بعيد» 6.
وأما كونه لا يستحب ذلك إذا شق عليه مثل أن يكون في منارة أو شبهها؛ فلأن فيه تفويتاً للركعة الأولى.
قال: (ولا يصح الأذان إلا مرتباً متوالياً.
فإن نكسه أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير أو محرم لم يعتد به).
أما كون الأذان لا يصح إلا مرتباً متوالياً؛ فلأنه [لا يعلم أنه أذان بدونهما.
ولأنه] 1 شرع في الأصل مرتباً متوالياً وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة مرتباً متوالياً.
وأما كونه لا يعتد به إذا نكسه وهو أن يجعل آخره أوله وأوله آخره أو نحو ذلك، أو فرق بينه بسكوت طويل أو كلام كثير؛ فلما ذكر من أنه لا يعلم أنه أذان مع ذلك.
وأما كونه لا يعتد به إذا فرق بينه بكلام محرم وإن قل كالقذف والسب؛ فلأنه فعل يخرجه عن أهلية الأذان أشبه الردة.
قال: (ولا يجوز قبل دخول الوقت 2 إلا الفجر فإنه يؤذن لها بعد نصف الليل.
ويستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم).
أما كون الأذان لا يجوز قبل دخول الوقت في غير الفجر؛ فلأن الأذان شرع للإعلام بالوقت فلو جاز قبل الوقت لذهب مقصوده.
وأما كونه يجوز في الفجر قبل ذلك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» 3 متفق عليه.
وهذا يدل على دوام ذلك.
فإن قيل: هذا يدل على الجواز لكن بشرط كونهما مؤذنين كمؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: كونهما مؤذنين ليس بشرط.
بدليل ما روى زياد بن الحارث الصدائي قال: «لما كان أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت.
فجعلت أقول: أقيم يا رسول
الله! فجعل ينظر إلى ناحية المشرق.
ويقول: لا.
حتى إذا طلع الفجر نزل فبرز.
ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم... الحديث» 1. رواه الترمذي.
ولأن الفجرَ وقتُها وقت نوم الناس فجاز تقديم الأذان ليتأهبوا.
ويحتمل أن فيهم من احتلم أو جامع فينتبه ليغتسل فيدرك الصلاة في أول وقتها.
وأما كون الجواز المذكور يختص بعد نصف الليل؛ فلأن الليل إذا تنصف ترجح جانب الفجر.
والمستحب أن لا يكون بين الأذان وطلوع الفجر إلا شيء قليل «لأنه كان بين أذان بلال وبين أذان ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا ويطلع هذا» 2.
ويستحب أن يكون مؤذنان: أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر عند طلوعه اقتداء بمؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليحصل الإعلام من أحدهما بقرب الوقت، ومن الآخر بدخول الوقت.
وأما كون المؤذن يستحب أن يجلس بعد أذان المغرب جلسة خفيفة ثم يقيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة» 3 رواه تمام في الفوائد.
قال: (ومن جمع بين صلاتين أو قضى فوائت أذّن وأقام للأولى ثم أقام لكل صلاة بعدها).
أما كون من جمع بين صلاتين يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم؛ فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما -أي بين المغرب والعشاء- بجَمْع بأذان وإقامتين» 1.
وأما كون من قضى فوائت يؤذن ويقيم للأولى ثم يقيم لكل صلاة بعدها فـ «لأن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله.
فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر.
ثم أمره فأقام وصلى العصر.
ثم أمره فأقام وصلى المغرب.
ثم أمره فأقام فصلى العشاء» 2 رواه أحمد.
قال: (وهل يجزئ أذان المميز للبالغين؟ على روايتين).
أما إجزاء أذان المميز على روايةٍ.
ومعناه: أنه يعتد به؛ فلأنه ذَكَرٌ تصح صلاته أشبه البالغ.
وروى ابن المنذر بإسناده عن عبدالله بن أنس قال: «كان عمومتي يأمروني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم وأنس بن مالك شاهد فلم ينكر ذلك عليهم».
وهذا مما يظهر ولا يخفى فيكون كالإجماع.
وأما عدم إجزائه على روايةٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره فلم يصح الإعلام بأذانه.
قال: (وهل يعتد بأذان الفاسق والملحن؟ على وجهين).
أما كون أذان الفاسق لا يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه لا يقبل خبره.
ولأنه قد روي في الحديث: «وليؤذن لكم خياركم» 3.
ولأنه يستحب أن يؤذن على موضع عال فإذا لم يكن عدلاً فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأنه أذان رجل مكلف فاعتد به كأذان العدل.
وأما كون الأذان الملحن وهو الأذان الذي فيه تمديد لا يعتد به على وجهٍ؛ فلما روى ابن عباس قال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن» 1 رواه الدارقطني.
ولأنه يخرج الكلام عن حد الإفهام.
وأما كونه يعتد به على وجهٍ؛ فلأن المقصود الإعلام وهو يحصل به أشبه غير الملحن.
قال: (ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد).
أما كون من سمع المؤذن يستحب له أن يقول كما يقول في غير الحيعلة؛ فلما روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول» 2 متفق عليه.
وأما كونه يستحب له أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في الحيعلة؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر.
فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله.
ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله.
فقال: أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم قال: حي على الصلاة.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: حي على الفلاح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: الله أكبر الله أكبر.
فقال: الله أكبر الله أكبر.
ثم قال: لا إله إلا الله.
قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة» 1 رواه مسلم.
وأما كونه يستحب له أن يقول بعد فراغه: اللهم! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد؛ فلما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة وذكر إلى قوله: الذي وعدته.
حلت له الشفاعة يوم القيامة» 2 رواه البخاري.
ولم يذكر الدرجة الرفيعة، ولم يُعَرّف المقام ولا المحمود.
ورواه غيره معرفاً لهما.
باب شروط الصلاة
الشروط: جمع شرط.
والشرط في اللغة: ما يلزم من وجوده وجود المشروط.
وفي الشرع: ما يلزم من عدمه عدمه؛ كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.
وسمي الشرط شرطاً لأنه علامة على المشروط.
ومنه: أشراط الساعة أي علاماتها.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ما يجب لها قبلها.
وهي ست:
أولها: دخول الوقت.
والثاني: الطهارة من الحدث).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي ما تجب لها قبلها؛ فبيان لمعنى شروط الصلاة.
وسميت شروط الصلاة شروطاً لأنها متقدمة على الصلاة وسابقة لها وأعلام عليها.
وأما كون الشروط ستة؛ فلأنها دخول الوقت، والطهارة، وستر العورة، واجتناب النجاسات، واستقبال القبلة، والنية.
وأما كون ذلك كله شروطاً للصلاة:
أما دخول الوقت؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «والصلاة لها وقت شرطه الله 1 لا تصلح إلا به» 2.
[وأما الوقت فيأتي بيانه إن شاء الله] 3.
وأما [اشتراط] 1 الطهارة من الحدث؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 2 متفق عليه.
قال: (والصلوات المفروضات خمس: الظهر وهي الأولى.
ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله 3 بعد الذي زالت عليه الشمس).
أما كون الصلوات المفروضات خمساً؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة» 4.
وفي حديث الأعرابي «أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بذلك: هل عليّ غيرها؟ قال: لا [إلا أن تطوع] (5») 6.
وأما كون الظهر الأولى؛ فلأن جبريل بدأ بها حين بيّن للنبي صلى الله عليه وسلم الوقت 7.
ولأن أبا برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس -يعني حين تزول-» 8 متفق عليه.
وأما كون وقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمّني جبريل عند البيت مرتين.
فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك.
ثم صلى بي في المرة الآخرة حين صار ظل كل شيء مثله.
وقال: الوقت ما بين هذين» 9 في حديث طويل.
قال الترمذي: هو حديث حسن.5
ويعرف الزوال بطول الظل بعد تناهي قصره.
وأما كون الظل المذكور بعد الذي زالت عليه الشمس؛ فلأن الشمس تزول في بعض الأوقات وبعض الأمكنة وللشيء ظل فلم يكن بد من اعتباره.
قال: (والأفضل تعجيلها إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلي جماعة).
أما كون الأفضل تعجيل الظهر في غير الحالتين المذكورتين؛ فلحديث أبي برزة المتقدم.
ولقول عائشة: «ما رأيت أحداً أشد تعجيلاً للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر رضي الله عنهما» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأما كون الأفضل في شدة الحر تأخيرها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة.
فإن شدة الحر من فيح جهنم» 2 متفق عليه.
فإن قيل: الأمر بالإبراد رخصة أم سنة.
قيل: الأرجح أنه سنة؛ لأنه أمر به، وأدنى مراتب الأمر الاستحباب؛ فلأن شدة الحر تمنع الخشوع.
فجرى مجرى حضور الطعام [والشراب] 3 وبه حاجة إليه.
ذكر ذلك صاحب النهاية فيها.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني والكافي أنه مستحب لما تقدم.
فإن قيل: الإبراد يستحب في الجمعة كالظهر.
قيل: لا؛ لما روى سلمة بن الأكوع «كنا نُجَمِّع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس» 4.
ولأنه لم ينقل تأخيرها بل تعجيلها.
فروى سهل بن سعد: «ما كنا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة» 1 رواه البخاري.
ولأن السنة المباكرة 2 إليها واجتماع الناس لها قبل الزوال فلو شرع [تأخيرها] 3 لتأذى الناس بحر المسجد.
وأما كون الأفضل في الغيم تأخيرها؛ فلأنه لا يؤمن مع التعجيل عدم مصادفة الوقت حقيقة؛ لأن الدخول في الصلاة يجوز إذا غلب على الظن دخول الوقت فإذا كان غيم وصلى بناء على غلبة الظن ربما صادف في الباطن عدم الوقت.
وقول المصنف رحمه الله: لمن يصلي جماعة؛ يحتمل أن يعود إلى شدة الحر والغيم جميعاً.
فعلى هذا يكون عدم أفضلية التعجيل في شدة الحر والغيم مشروطاً بكون المصلي يصلي جماعة.
ولم أر ذلك لغيره ولا له في غير مقنعه.
إلا أنه نقل في المغني عن القاضي أنه قال: يستحب تأخير الظهر والمغرب في الغيم.
وأنه علل ذلك بأنه وقت يخاف منه العوارض والموانع من المطر والريح والبرد فتلحق المشقة في الخروج لكل صلاة.
وفي تأخير الأولى من صلاتي الجمع وتقديم الثانية دفع لهذه المشقة.
فعلى هذا يكون التأخير للغيم مشروطاً بحضور الجماعة؛ لأن المعنى لا يحصل إلا بذلك.
ولا تكون علة التأخير في الغيم إلا من عدم إصابة الوقت في الحقيقة.
ويحتمل أن يعود يعني قوله: لمن يصلي جماعة إلى شدة الحر فقط ويكون الغيم لا حظ له في ذلك.
وفيه بُعْد لتوسط أجنبي بين الحكم وشرطه إلا أن ذلك موافق لنقل الأصحاب ونقل المصنف رحمه الله في سائر مصنفاته.
وإنما اشترطت الصلاة جماعة في عدم أفضلية التعجيل؛ لأن في التعجيل السعي في الشمس وشدة الحر وذلك مشقة في حق من يصلي جماعة لا في حق غيره.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أنه لا يشرط غير ما ذكر.
وضم القاضي إلى شدة الحر وصلاة الجماعة في المسجد: أن يكون في البلاد الحارة كبغداد ونحوها؛ لأن التأخير إنما استحب لينكسر الحر ويتسع فيء الحيطان فيكثر السعي إلى الجماعات وذلك مفقود في من فقد منه شرط من هذه الثلاثة.
فعلى هذا من يصلي في بيته جماعة، أو فرادى، أو في مسجدٍ بفنائه، أو يكون ببلد ليس بحار كالشام ونحوه فالأفضل تعجيلها له بكل حال لزوال المقتضي للتأخير.
وقد روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه كان يؤخرها في مسجده.
ولم تكن هذه الصفة.
فعلى هذا لا فرق بين البلد الحار وغيره ولا بين مَنِ المسجد بفنائه ومن يصلي في بيته ومن غير ذلك وهو الصحيح لأنه داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا» 1.
قال: (ثم العصر وهي الوسطى.
ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس.
وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه.
ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس.
وتعجيلها أفضل بكل حال).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم العصر؛ فمعناه أنها تلي الظهر بمهلة.
ويلزم أن تكون الثانية؛ لأنه قد ثبت أن الظهر هي الأولى فلزم أن تكون العصر هي الثانية.
وأما كونها الوسطى؛ فلما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً» 2 متفق عليه.
وأما كون أول وقتها من خروج وقت الظهر؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله» 3.
وأما كون آخره إلى اصفرار الشمس على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» 4 رواه مسلم.
وأما كونه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه على روايةٍ؛ فلأن في حديث جبريل المتقدم «ثم صلى بي العصر في المرة الأخرى حين صار ظل كل شيء مثليه» 1.
وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن مقتضى حديثي عمرو وجبريل المتقدم ذكرهما ذهاب الوقت بعد ما ذكر فيهما.
تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشمس لما يأتي 2 فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى غروب الشمس؛ فلما يأتي من حديث أبي هريرة.
فإن قيل: ما المعنيّ بوقت الاختيار ووقت الضرورة؟
قيل: وقت الاختيار هو الذي تقع الصلاة فيه أداء.
فلا إثم على فاعلها فيه.
ووقت الضرورة هو الذي تقع الصلاة فيه أداء ويأثم فاعلها بالتأخير إليه لغير عذر.
أما كون الصلاة في وقت الاختيار تقع أداء؛ فلأنها تقع في وقت الضرورة أداء لما يأتي؛ فلأن تقع أداء في وقت الاختيار بطريق الأولى.
وأما كون فاعلها فيه لا إثم عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يفعلونها فيه.
وأما كون الصلاة في وقت الضرورة تقع أداء؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» 3 متفق عليه.
وفي لفظ للنسائي «فقد أدركها» 4.
وأما كون فاعلها فيه يأثم؛ فلما روى أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين.
يجلس
أحدكم حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني شيطان أو على قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر اسم الله فيها إلا قليلاً» 1 متفق عليه.
ولو لم يأثم بتأخيرها لما ذُمّ عليه، ولما جعله علامة النفاق.
وأما كون تعجيلها أفضل بكل حال؛ فلما روى أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر فيذهب أحدنا إلى العوالي والشمس مرتفعة.
قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة.
وأحسبه قال: وأربعة» 2 متفق عليه.
وروى رافع بن خديج «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ثم ينحر الجزور فَيُقَسّم عشرة أقسام ثم يطبخ فيأكل لحماً نضيجاً قبل أن تغيب الشمس» 3 متفق عليه.
قال: (ثم المغرب.
وهي الوتر.
ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
والأفضل تعجيلها إلا ليلة جَمْع لمن قصدها).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم المغرب؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر.
وأما كونها الوتر؛ فلأنها ثلاث ركعات.
وليس مراده الوتر المشهور بل أنها وتر لما ذُكر من العدد.
وأما كون وقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق؛ فلما روى بريدة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً فأقام المغرب حين غابت الشمس.
ثم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق (1») 2 [رواه مسلم.
وأما كون الشفق الحمرة] 3؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق الحمرة.
فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» 4 رواه الدارقطني.
وروى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق» 5.
وبالإجماع لا يجوز قبل غيبوبة الأحمر فثبت أنه صلاها قبل الأبيض وبعد الأحمر.
وأما كون الأفضل تعجيلها في غير ليلة جَمْع لمن قصدها فـ «لأن جبريل أمّ النبي صلى الله عليه وسلم في اليومين في أول الوقت» 6. وأقل أحوال ذلك تأكد الاستحباب.
وأما كون الأفضل تأخيرها ليلة جَمْع 7 لمن قصدها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها إلى مزدلفة» 8. وكذلك أصحابه.
ولأن ليلة جُمَع يكون المحرم مشتغلاً بالنفير والمسير إلى مزدلفة فلو كان التعجيل أفضل لاستحب النزول والصلاة في طريقه وذلك مشقة تناسب إسقاط الوجوب فضلاً عن الفضيلة.1
وقول المصنف رحمه الله: لمن قصدها معناه أن التأخير أفضل للحاج؛ لأنه هو الذي 1 يقصدها لا لغيره؛ لأن غير الحاج لا يحتاج إلى نزول، ولا هو مشتغل بسير إلى مكان يخاف فيه فواته أو زحمة فيه أو نحو ذلك، وذلك يقتضي اختصاص الحاج به.
ولأن الحجة في ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكانوا حجاجاً فلا يتعدى إلى غير حاج؛ لعدم وجود المعنى فيه.
قال: (ثم العشاء.
ووقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل 2. وعنه نصفه.
ثم يذهب وقت الاختيار.
ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني.
وهو: البياض المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده.
وتأخيرها أفضل ما لم يشق).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم العشاء؛ فعلى نحو ما تقدم في العصر والمغرب.
وأما كون وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل على روايةٍ؛ فلما روى بريدة
«أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق.
وصلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» 3.
وحديث ابن عباس في صلاة جبريل مثله 4.
وأما كون آخره إلى نصفه على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» 5 رواه مسلم.
وأما كون وقت الاختيار يذهب؛ فلأن ما تقدم من الحديث يدل على ذهاب الوقت بالكلية.
تُرك العمل به في وقت الضرورة لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون وقت الضرورة يبقى إلى طلوع الفجر الثاني؛ فلأن ما بعد الثلث أو النصف وقت للوتر وهي من توابع العشاء فاقتضى أن يكون وقتاً للعشاء لأن التابع إنما يصلى في وقت المتبوع كركعتي الفجر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تفوت صلاة حتى يدخل وقت أخرى».
ولأن الحديث الصحيح ورد في الفجر والعصر فليكن هذا مثله لعدم الفرق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو البياض المعترض [في المشرق] 1 ولا ظلمة بعده؛ فبيان لمعنى الفجر الثاني؛ لأن الفجر فجران: كاذب وهو بياض مستدق مستطيل كذنب السَّرْحان، وصادق وهو ما ذكر.
وسيأتي نحو ذلك.
وأما كون تأخيرها أفضل إذا لم يشق على المأمومين ذلك؛ فلما روى بريدة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي 2 تدعونها العتمة» 3.
وفي حديث جابر: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروها إلى ثلث الليل أو نصفه» 4 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون تعجيلها أفضل إذا شق ذلك عليهم فلأجل المشقة اللاحقة بالتأخير ولهذا «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخّر» 5.
قال: (ثم الفجر.
ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
والأفضل تعجيلها.
وعنه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار).
أما قول المصنف رحمه الله: ثم الفجر؛ فعلى نحو ما تقدم.
وأما كون أول وقتها من طلوع الفجر؛ فلما روى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أمر بلالاً فأقام الفجر حين طلع 1 الفجر» 2.
وفي حديث ابن عباس في حديث جبريل 3 مثله.
وأما كون الفجر هو الفجر الثاني؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغُرَّنكم الفجر المستطيل كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير» 4.
والصلاة لا تجوز في وقتٍ يجوز فيه الأكل؛ لأن زيد بن ثابت قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قمنا إلى الصلاة.
قال: قلت كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية» 5. ولو جاز الأكل بعد ذلك لأخره؛ لأن السحور تأخيره أفضل.
وأما كون آخره طلوع الشمس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» 6.
وأما كون تعجيلها أفضل على المذهب فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر ويشهد معه نساء من المؤمنات مُتلفعات بمروطهن ثم ينصرفن [إلى بيوتهن] 7 ما يُعرفن من الغلس» 8 متفق عليه.
وأما كونه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال: إذا كان الشتاء فصل الصبح في أول الوقت.
ثم أطل
القراءة [قدر ما يطيق الناس ولا تملهم] 1. وإذا كان في الصيف فأسفر بالصبح.
فإن الليل طويل.
والناس ينامون» 2.
ولأنه نوع تأخير فكان مشروعاً لأجل المأموم كانتظار الداخل في الركوع.
ولأن التأخير يفضل لوجود الفضيلة؛ فلأن يفضل لأجل الجماعة -وهي واجبة- بطريق الأولى.
قال: (ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاةٍ في وقتها فقد أدركها.
ومن شك في دخول الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله.
فإن أخبره بذلك مخبر عن يقين قُبل قوله.
وإن كان عن ظن لم يقبله).
أما كون من أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته» 3 متفق عليه.
وفي روايةٍ النسائي: «فقد أدركها» 4.
ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها؛ كإدراك المسافر صلاة المقيم، والمأموم صلاة الإمام.
وأما كون من شك في دخول الوقت لم يصل؛ فلأن دخوله شرط لصحتها ولم يوجد.
وأما قول المصنف رحمه الله: حتى يغلب على ظنه دخوله؛ فتنبيه على أن ذلك يحصل بغلبة الظن كما يحصل باليقين؛ لأن الشرع أقام الظن مقام اليقين في مواضع فكذلك هاهنا.
ولذلك كانت الصحابة رضوان عليهم يبنون أمر الفطر في الصيام على الظن.
ويحصل اليقين للعالم بالمواقيت ودقائق الساعات وتسيير الكواكب إذا لم يكن في السماء علة ولا مانع.
ويحصل غلبة الظن للعالم بما ذكر مع وجود المانع، وللجاهل بالمواقيت، والأعمى، والمحبوس في مطمورة إذا كان أحدهم صاحب صنعة وقدر الوقت بعمل معلوم أو قراءة معلومة أو ما أشبه ذلك.
وأما كون المصلي يقبل قول من أخبره بالوقت عن يقين؛ فلأن خبره مع الثقة يفيد غلبة الظن والعمل بغلبة الظن واجب.
وأما كونه لا يقبل قول من أخبره بذلك عن ظن؛ فلأنه قادر على الاجتهاد بنفسه وتحصيل مثل ظنه فلم يجز له قبول قول غيره كالمجتهد إذا أخبره مجتهد آخر عن حكم شرعي.
وبهذا فارق اليقين لأنه لا يمكنه تحصيل اليقين وإن اجتهد.
قال: (ومتى اجتهد وصلى فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه.
وإن وافق قبله لم يجزئه).
أما كون من اجتهد وصلى تجزئه صلاته إذا وافق الوقت؛ فلأن الصلاة وقعت الموقع؛ لأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه.
وأما كونه يجزئه إذا وافق ما بعده؛ فلأن الصلاة تقع بعد الوقت قضاء وهو مسقط للفرض ومجزئ عنه.
وأما كونه لا يجزئه إذا وافق قبله؛ فلأن المخاطبة بالصلاة وجدت بعد ذلك.
وإن قيل: إذا اجتهد في القبلة فأخطأ قلتم لا إعادة ولو اجتهد في الوقت فأخطأ قلتم عليه الإعادة فما الفرق؟
قبل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن المجتهد في القبلة أدى الصلاة بعد أن وجبت وفي الوقت أداها قبل وجوبها ثم تجدد سبب الوجوب.
الثاني: أن تحصيل اليقين في الوقت ممكن، وتحصيل اليقين في القبلة غير ممكن.
قال: (ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جُن أو حاضت المرأة لزمه القضاء.
وإن بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح.
وإن كان ذلك قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر.
وإن كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء).
أما كون من أدرك من الوقت قدر تكبيرة الإحرام ثم جن أو حاضت المرأة يلزمه القضاء؛ فلأن الصلاة تجب بأول الوقت لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: 78] أَمَر بالصلاة في أول الوقت.
والأمر للوجوب.
ووجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء.
فعلى هذا لا يشترط مضي زمان يمكن فعلها.
وقال ابن بطة: يشترط ذلك لوجوب القضاء كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنها صلاة واجبة فوجب قضاؤها كما لو أمكن أداؤها.
والفرق بين ذلك وبين طريان العذر قبل الوقت أن الصلاة لم تجب ثَمّ بخلاف هاهنا.
وأما كون الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة يلزمهم الصبح؛ فلأنهم أدركوا جزءاً من وقتها أشبه ما لو أدركوا أول وقتها.
وأما كونهم يلزمهم العصر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والعشاء إذا كان قبل طلوع الفجر؛ فلما ذكر في الصبح.
وأما كونهم يلزمهم الظهر إذا كان ذلك قبل غروب الشمس، والمغرب إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر؛ فلأن وقت العصر والعشاء وقت للظهر والمغرب حال العذر وهي حالة الجمع للمسافر والمريض والممطور فيكون مدركا جزءاً من وقت الظهر والمغرب في حال فلزمته.
أشبه ما لو أدرك جزءاً من وقتها في كل حال.
قال: (ومن فاتته صلاة لزمه قضاؤها على الفور مرتباً.
قلّتْ أو كثُرت.
فإن خشي فوات الحاضرة أو نسي الترتيب سقط وجوبه).
أما كون من فاتته صلاة يلزمه 1 قضاؤها على الفور؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو أنسيها فليصليها إذا ذكرها» 2 متفق عليه.
ولمسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» 3.
أمر بالصلاة عند الذكر والأمر للوجوب.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم الخندق فصلاها عقب ذكره» 4.
وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 5.
ولأن فعله صلى الله عليه وسلم بياناً لقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [الأنعام: 72].
وأما كونه يلزمه قضاؤها مرتباً؛ فلأن القضاء يحكي الأداء، والأداء مرتب فكذا ما يحكيه.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب لما قضى» 6 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 7.
وأما قول المصنف رحمه الله: قلّت أو كثرت؛ فإشارة إلى أن كثرة الفوائت لا تُسقط الترتيب؛ لأن الترتيب واجب فلم يسقط بالكثرة، [وكما لو نسي صلاة يوم.
ولأنه ترتيب في صلوات فلم يسقط بالكثرة] 8 كترتيب الركوع على السجود.
وأما كون من خشي فوات الحاضرة يسقط وجوب الترتيب عنه؛ فلأن الحاضرة آكد بدليل أنه يُقتل بتركها بخلاف الفائتة.
ولئلا تصير الحاضرة فائتة.
وفيه رواية: أنه لا يسقط الترتيب قياساً على ما إذا لم يخش فوات الحاضرة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون من نسي الترتيب يسقط وجوبه عنه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» 1 رواه النسائي.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: أو نسي الترتيب؛ أنه نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة، لا إن نسي الترتيب في الفوائت؛ لأن ذلك لا يسقط الترتيب على الصحيح.
فإن قيل: المراد بقولك: حتى صلى 2 الحاضرة الشروع فيها أو الفراغ منها.
قيل: الفراغ منها.
فإن قيل: فإذا ذكر في الحاضرة فما الحكم؟
قيل: يتمها ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة.
نص عليه الإمام أحمد في المأموم.
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام.
فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام» 3. وروي موقوفاً على ابن عمر 4.
وألحق بالمأموم الإمام والمنفرد لأنهما في معناه.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: أن المنفرد يقطع صلاته ويقضي الفائتة.
ونقل عنه في الإمام ينصرف ويستأنف المأمومون.
قال أبو بكر: لم ينقلها غير حرب.
ونقل عنه في المأموم أنه يقطع.
وجه القطع في الثلاثة أنه ترتيب واجب فوجب اشتراطه لصحة الصلاة كترتيب المجموعتين.
والأول هو ظاهر المذهب؛ لما ذكر من الحديث.
ومساواةِ غير المأمومِ المأمومَ 1.
وينبغي أن يكون مضي الإمام مبنياً على 2 اقتداء المفترض بالمتنفل.
فإنا حيث قلنا يمضي يكون متنفلاً لأن المضي ليس بواجب.
باب ستر العورة
قال المصنف رحمه الله: (وهو الشرط الثالث.
وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب).
أما كون ستر العورة الشرط الثالث؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كونه شرطاً لصحة الصلاة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» 1 رواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة] 2.
وأما كون سترها عن النظر واجباً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: 31].
وقد اتفقت 3 الأمة على أن غير اللباس لا يجب زينة.
فثبت وجوب الستر باللباس.
وروى سلمة بن الأكوع قال: «قلت: يا رسول الله! إني أكون في الصيف وليس عليّ إلا قميص واحد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رده عليك أو اربطه بشوكة» 4.
فإن قيل: الآية المذكورة نزلت بسبب شيء خاص.
قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.