الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 132-171

قال: (فإن توضأ قبله فهل يصح وضوؤه؟ على روايتين).
أما كون من توضأ قبل الاستنجاء لا يصح وضوؤه على روايةٍ؛ فلأنه طهارة عن حدث [فلم يصح قبل الاستنجاء كالتيمم، وأما الصحة على روايةٍ؛ فلأنها نجاسة] 1 فلم يشترط تقدم إزالة النجاسة المذكورة عليه كالتي على ساقه.
قال القاضي: هذه الرواية هي الصحيحة.
قال: (فإن تيمم قبله خُرّج على الروايتين، وقيل: لا يصح وجهًا واحدًا).
أما كون من تيمم يخرج على روايتي الوضوء؛ فلأن التيمم فرعه والفرع يبنى على الأصل.
وأما كونه لا يصح فيه وجهًا واحدًا ذكره القاضي؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فإذا لم تحصل به الإباحة لا يصح كالتيمم قبل الوقت.
فإن قيل: ما حكم النجاسة على البدن؟ قيل: حكم نجاسة الفرج لاشتراكهما في النجاسة.
وقيل: بينهما فرق وهو الأشبه لأن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعًا منه بخلاف غيرها من النجاسات.

باب السواك وسنة الوضوء

قال المصنف رحمه الله: (السواك مسنون في جميع الأوقات إلا للصائم بعد الزوال فلا يستحب).
أما كون السواك مسنونًا في جميع الأوقات غير المستثنى فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» 1 رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو للبخاري تعليقًا.
وقوله عليه السلام: «عشر من الفطرة.
وعد من ذلك: السواك» 2 رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي.
وأما كونه لا يستحب للصائم بعد الزوال؛ فلأن السواك إنما يستحب لإزالة ما على الأسنان، وذلك مطلوب العدم في حق الصائم الذي زالت شمس يومه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» 3 متفق عليه.
ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

فإن قيل: الحديث لا تقييد فيه.
فلم قُيد ببعد الزوال؟ قيل: لأن الرائحة إنما تصير غالبًا في مثل ذلك الوقت فوجب اختصاص الحكم به.
فإن قيل: إذا لم يستحب ذلك فهل يكره؟ قيل: فيه روايتان: إحداهما: يكره؛ لما روى حباب بن المنذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة» 1 رواه الخطيب، وضعفه ابن معين.
ولما تقدم من قوله: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» 2. والثانية: لا يكره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من خير خصال الصائم السواك» 3 رواه ابن ماجة.
وقال عامر بن ربيعة: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» 4 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
والأولى أصح.
وتحمل الأحاديث في سواك الصائم على أنه قبل الزوال جمعًا بينها.
قال: (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع: عند الصلاة، والانتباه من النوم، وتغير رائحة الفم).
أما كون السواك يتأكد استحبابه عند الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» 5 متفق عليه.

وأما كونه يتأكد عند الانتباه من النوم فلما روى حذيفة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» 1 متفق عليه.
ولقول عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ» 2 رواه أحمد وأبو داود.
وأما كونه يتأكد إذا تغيرت رائحة فمه؛ فلأن السواك شُرع في الأصل لتنظيف الفم.
قال: (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه).
أما كون المتسوك يستاك بعود لين ينقي الفم كالأراك ونحوه فـ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك بالأراك» 3. وأما كون العود لينًا؛ فلأن اليابس يؤدي إلى جرحه.
وأما كونه لا يجرحه؛ فلأنه إذا كان مما يجرحه أدى لما ينجس فمه فيعود على مقصود السواك بالنقض لأنه شُرع للتنظيف والتنجيس يناقضه.
وأما كونه لا يضره؛ فلأن الضرر منتف شرعًا.
فإن قيل: ما الذي يضره؟ قيل: عود الريحان لأنه قيل يحرك عرق الجذام.
والرمان لأنه قيل يضر بلحم الفم.
وأما كونه لا يتفتت باقيه؛ فلأنه إذا تفتت لم يحصل لما على الأسنان ما يزيله 4 فلا يحصل مقصوده.

قال: (فإن استاك بأصبعه أو بخرقة فهل يصيب السنة؟ على وجهين).
أما كون المتسوك بما ذكر يصيب السنة على وجه؛ فلأنه يحصل به الإنقاء بحسب الإمكان.
وأما كونه لا يصيبها على الآخر؛ فلأنه لم يرد الشرع بذلك.
قال: (ويستاك عرضًا، ويدهن غبًا، ويكتحل وترًا).
أما كون من ذكر يستاك كما ذكر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «استاكوا عرضًا واكتحلوا وترًا وادهنوا غبًا» 1. وأما معنى كونه يستاك عرضًا أن 2 يستاك من ثناياه إلى أضراسه.
فإن استاك من أطراف أسنانه إلى عمودها كره لأنه ربما أدمى اللثة.
وأما معنى كونه يدهن غبًا فأن يدهن يومًا بعد يوم.
وأما معنى كونه يكتحل وترًا.
فقيل: أن يكتحل في كل عين ثلاثة.
وقيل: ثلاثة في اليمنى واثنين في اليسرى.
قال: (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه).
أما كون الختان يجب ما لم يخفه على نفسه فـ «لأن إبراهيم صلوات الله عليه اختتن بعد أن أتت عليه ثمانون سنة» 3 متفق عليه إلا العدد فإنه للبخاري فقط.
وقال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: 123].

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلاً أتاه فقال: أسلمت.
فقال: ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» 1 رواه الإمام أحمد وأبو داود.
فإن قيل: الوجوب هنا عام في الرجال والنساء، أو مختص بالرجال؟ قيل: كلام المصنف هنا يحتمل التعميم لأن النساء يدخلن في مثل ما تقدم.
ويحتمل التخصيص.
وفي المذهب في ذلك روايتان: إحداهما: التعميم لأن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء ما لم يقم دليل على تخصيصه.
والرواية الثانية: أنه يختص بالرجال لأن المعنى الذي شُرع من أجله الختان في الرجل أشد من المرأة لأن الرجل إذا لم يختتن تبقى الجلدة مدلاة على الكَمَرة.
فلا يطهر ما تحتها من النجاسة.
بخلاف المرأة.
فإن قيل: ما معنى الختان؟ قيل: هو في حق الرجل قطع جلدة غاشية للحشفة.
وفي حق المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفرج تشبه عرف الديك.
وأما كونه لا يجب إذا خافه على نفسه؛ فلأن المحافظة على النفس أولى من المحافظة على الختان.
ولأنه متى تعارض حق النفس وواجب كان العمل بما يحفظ النفس متعينًا.
دليله من معه ما يحتاج إلى شربه، ومن جُبّر بعظم نجس يخاف من قلعه الموت، وغير ذلك من المسائل.

قال: (ويكره القزع.
ويتيامن في سواكه، وطهوره، وانتعاله، ودخوله المسجد).
أما كون القزع -وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه- يكره فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القَزَعِ» 1. وقال: «ليحلقه كله أو ليدعه كله» 2 رواه أبو داود.
وأما كون المتسوك والمتطهر والمتنعل وداخل المسجد يتيامن في ذلك كله فلقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في طهوره، وسواكه، وتنعله، وترجله، وفي شأنه كله» 3 متفق عليه.
قال: (وسنن الوضوء عشر: السواك، والتسمية، وعنه أنها واجبة مع الذكر، وغسل الكفين إلا أن يكون قائمًا من نوم الليل ففي وجوبه روايتان.
والبداءة بالمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما إلا أن يكون صائمًا، وتخليل اللحية، وتخليل الأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأذنين، والغسلة الثانية والثالثة).
أما كون السواك من سنن الوضوء فلقول عائشة: «كنا نُعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آنية مخمرة من الليل: إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه» 4 رواه ابن ماجة.
وأما كون التسمية من سننه؛ فلأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 5 رواه أبو داود.
أدنى 6 أحواله دلالته على ذلك.

وإنما لم يجب لأن الله تعالى قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6] ولم يذكر التسمية.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: توضأ كما أمرك الله» 1 ووصفه ولم يذكر التسمية.
وأما كونها واجبة مع الذكر على روايةٍ فلظاهر ما تقدم من الحديث.
وإنما لم تجب مع عدم الذكر لأن السهو عذر فلا تجب معه للمشقة والحرج.
وروي عن الإمام أحمد أنها واجبة مطلقًا.
وصححها بعض الأصحاب لظاهر ما تقدم من الحديث.
وأما كون غسل الكفين ثلاثًا إذا لم يقم من نوم الليل من سننه؛ «فلأن عثمان رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات» 2. وأما كون غسلهما إذا كان قائمًا من نوم الليل في وجوبه روايتان؛ فلأن ظاهر الأمر في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده» 3 متفق عليه إلا قوله: «ثلاثًا» فإنه لمسلم فقط.
يدل على الوجوب.
وظاهر 4 قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... الآية﴾ [المائدة: 6] يدل على عدمه لأنه لم يذكر غسل الكفين.

والأمر في الحديث للاستحباب لأنه علّل فيه بوهم النجاسة وذلك لا يوجب الغسل.
وأما كون البداءة بالمضمضة والاستنشاق من سننه؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنه بدأ المضمضة والاستنشاق» 1. وأما كون المبالغة فيهما إذا لم يكن صائمًا من سننه: أما في الاستنشاق «فلقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» 2 رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
وأما في المضمضة؛ فلأنها في معنى الاستنشاق.
ومعنى المبالغة في المضمضة: إدارة الماء في أقاصي الفم.
ولا يجعله وجورًا.
وفي الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف.
ولا يجعله سعوطًا.
وأما كون تخليل اللحية من سننه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلل لحيته» 3 رواه الترمذي وصححه.
وروى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته.
وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل» 4 رواه أبو داود.
وأدنى أحوال الأمر الاستحباب.

وأما كون تخليل الأصابع من سننه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
فإن قيل: بأي إصبع يخلل أصابع الرجلين؟ قيل: بخنصره؛ لما روى المستورد بن شداد قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» 2 رواه أبو داود.
ولأن الخنصر ألطف الأصابع وأصابع الرجلين تَلْتَفّ بعضها على بعض.
ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها وفي اليسرى من إبهامها لأن ذلك عين كل واحدة منهما.
وأما كون التيامن من سننه فلما تقدم من حديث عائشة 3. وأما كون أخذ ماء جديد للأذنين من سننه؛ فلأنهما كالعضو المنفرد.
وإنما هما من الرأس على وجه التبع.
وأما كون الغسلة الثانية والثالثة من سننه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرتين.
وقال: هذا وضوءٌ من توضأه كان له كفلان من الأجر.
وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» 4 رواه ابن ماجة.

باب فرض الوضوء وصفته

: الوضوء: بالضم اسم للفعل وبالفتح اسم للماء.
قاله ابن الأنباري.
وقيل بالفتح اسم للفعل أيضًا.
قال المصنف رحمه الله: (وفروضه ستة: غسل الوجه، والفم، والأنف منه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وترتيبه على ما ذكر الله تعالى، والموالاة على إحدى الروايتين.
وهو 1 أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله).
أما كون فروض الوضوء ستة؛ فلأنها غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين وترتيب ذلك وموالاته.
وسيأتي دليل ذلك كله في مواضعه.
وأما كون غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين من فروضه فلقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: 6].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه.
وقال: هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة» 2. فإن قيل ﴿وأرجلِكم﴾ معطوف على ﴿برءوسِكم﴾ وذلك دليل جواز المسح لا وجوب الغسل.
قيل: قد قرئ ﴿وأرْجُلَكم﴾ بالفتح عطفًا على ﴿وجوهَكُم وأيديَكُم﴾.
ويؤيد ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: «ويل للأعقاب من النار» 3.

وقول عائشة رضي الله عنها: «لأن يُقطعا أحب إليّ من أن أمسح القدمين» 1. و«قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل ترك موضع ظفر من قدمه: ارجع فأحسن وضوءك» 2. وإنما عطف الأرجل على الممسوح على القراءة المشهورة لأنها في مظنة الإسراف في الماء فنبه بعطفها على الممسوح على تقليل الماء.
وأما كون الفم والأنف من الوجه؛ فلأنهما في حكم الظاهر بدليل أحكام يأتي ذكرها في المضمضة والاستنشاق في صفة الوضوء.
وأما كون ترتيب الوضوء على ما ذكر الله تعالى من فروضه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات وقَطَع النظير عن النظير.
والفصحاء لا يفعلون ذلك إلا لفائدة.
ولا نعلم فائدة سوى الترتيب.
وأما كونه من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما فيه من الكمال والخروج من الخلاف.
وأما الثاني؛ فلأن الله تعالى ذكر الأعضاء المنصوص عليها بالواو التي للجمع المطلق.
والأول أصح لما ذكرنا.
و«لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ.
وقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» 3. فنقول ذلك للوضوء إن كان مرتبًا فهو المطلوب وإن كان منكسًا كان التنكيس شرطًا وهو خلاف الإجماع فوجب أن يكون مرتبًا.

وقول المصنف رحمه الله: على ما ذكر الله معناه أن يغسل الوجه ثم اليدين ثم يمسح برأسه ثم يغسل الرجلين لأن الله تعالى هكذا ذَكَر.
وأما كون الموالاة من فروضه على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي وفي رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الوضوء والصلاة» 1 رواه أحمد وأبو داود.
ولو كانت الموالاة ليست فرضًا لأجزأه غسل اللمعة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والى بين غسل أعضائه وأمر بالتأسّي به.
وأما كونها من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما ذكر في الترتيب.
وأما الثاني؛ فلأن الفرض الغسل للآية وقد أتى به.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه توضأ فترك مسح خفيه حتى دخل المسجد فدعي لجنازة فمسح عليهما وصلى» 2. وقول المصنف رحمه الله: وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله فبيان لمعنى الموالاة.
والعبرة في نشاف العضو بالزمان المعتدل لا بالزمان البارد لأن نشاف العضو لا يحصل إلا بعد مدة، ولا بالزمان الحار لأن نشاف العضو يحصل بسرعة.
قال: (والنية شرط لطهارة الحدث كلها، وهي: أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها).
أما كون النية شرطًا لطهارة الحدث كلها فلقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 3 متفق عليه.
فإن قيل: ما وجه الحجة من ذلك؟

قيل: وجهها أنه نفى العمل وهو موجود فيكون ظاهرًا في نفي المشروعية لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة.
ويمكن أن يقال النفي داخل على الحقيقة الشرعية لأنه داخل على عمل شرعي وبدون النية لا وجود للعمل الشرعي.
وقول المصنف رحمه الله: وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها بيان لمعنى النية.
فإن قيل: ما محلها؟ قيل: القلب.
فإن قيل: إذا قصد رفع الحدث لا شبهة فيه فَلِمَ يكون كذلك إذا قصد الطهارة لما لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف وشبههما؟ قيل: لأن ذلك يستلزم رفع الحدث ضرورة أن صحة ذلك لا يجتمع معه.
قال: (فإن نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين).
أما كون ما يسن له الطهارة كقراءة القرآن واللبث في المسجد يرتفع حدثه على روايةٍ؛ فلأنه نوى المسنون فيجب أن يحصل ولا يحصل إلا بارتفاع الحدث.
وأما كونه لا يرتفع على روايةٍ؛ فلأن القراءة وشبهها يصح مع الحدث فلا يستدعي ذلك رفع الحدث.
وأما كون من نوى تجديد وضوءه يرتفع حدثه ففيه روايتان أيضًا وجههما ما ذكر فيمن نوى ما يسن.
قال: (وإن نوى غسلاً مسنونًا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين).
أما كون نية الغسل المسنون كغسل الجمعة أو العيدين أو ما أشبههما يجزئ عن الغسل الواجب كغسل الجنابة أو الحيض أو ما أشبههما ففيه وجهان مُخَرجان على الروايتين في رفع حدث من نوى التجديد.
وقد تقدم ذكرهما وتعليلهما قبل.
وأما مراد المصنف رحمه الله بقوله: فهل يجزئ؟ على وجهين.
فهو أنه هل يرتفع عنه الغسل الواجب؟ على وجهين.

قال: (وإن اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين).
أما كون سائر الأحداث يرتفع بما ذكر على وجه؛ فلأن الحدث غير متعدد بل هو عبارة عن المنع من الصلاة وقد قصد رفع سبب من أسبابه فيجب أن يرتفع الحدث.
وأما كونه لا يرتفع به على وجه؛ فلأن ذلك غير منوي فلم يرتفع لقوله: «إنما الأعمال بالنيات» 1. فإن قيل: السائر هنا بمعنى الكل أو الباقي.
قيل: بمعنى الباقي؛ لأن المنوي لا خلاف في ارتفاعه لأنه منوي.
فإن قيل: ما فائدة ارتفاعه؟ قيل: فائدته أنه لو نوى بعد ذلك رفع الحدث من باقي الأسباب ارتفع حدثه على الوجهين معًا.
قال: (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، ويستحب تقديمها على مسنوناتها، واستصحاب ذكرها في جميعها، وإن استصحب حكمها أجزأه).
أما كون تقديم النية على أول واجبات الطهارة يجب فلئلا يخلو واجب عن نية.
وأما كون تقديمها على مسنوناتها يستحب فلتشمل مسنون الطهارة ومفروضها.
وأما كون استصحاب حكمها ومعناه أن ينوي المتطهر في أول الطهارة ولا ينوي قطع النية بجزئ؛ فلأن النية في أول الطهارة تشمل جميع أجزائها فأجزأ استصحاب حكمها كالصوم.

فصل [في صفة الوضوء]

قال المصنف رحمه الله: (وصفة الوضوء: أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ويستنشق ثلاثًا من غرفة وإن شاء من ثلاث وإن شاء من ست وهما واجبان في الطهارتين، وعنه أن الاستنشاق وحده واجب، وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى).
أما كون صفة الوضوء أن ينوي إلى آخره فلما تقدم وما يأتي من الأدلة الدالة على وجوب ذلك ومسنونيته.
أما النية فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» 1. وقوله: «لا عمل إلا بنية» 2. وأما التسمية فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 3. وأما غسل اليدين ثلاثًا والمضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسل يديه ومضمض واستنشق ثلاثًا» 4.

وأما كون المضمضة والاستنشاق من غرفةٍ، وإن شاء من ثلاث، وإن شاء من ست؛ فلأن الكل مروي: أما الغرفة؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد «أنه - صلى الله عليه وسلم - مضمض واستنشق من كف واحدة ثلاثًا» 1. وأما الثلاث؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث المتفق عليه: «أدخل يده الإناء فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات» 2. وأما الست ففي حديث جد طلحة بن مصرف قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين المضمضة والاستنشاق» 3 رواه أبو داود.
ووضوءه كان ثلاثًا ثلاثًا فلزم كونهما من ست.
وأما كونهما واجبين في طهارتي الحدث والجنابة على المذهب: أما في الطهارة من الحدث فلقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6] وهما داخلان في حكم الوجه؛ لأن لهما حكم الظاهر لأن الصائم يفطر بوصول القيء إليهما.
ولا يفطر بوضع الماء فيهما، ولا يحد بوضع الخمر فيهما، ولا يحصل الرضاع المحرم بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة فيدخلان في عموم الآية.
وأما في طهارة 4 الجنابة فبطريق الأولى لأنهما يجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة بخلاف طهارة الحدث.
وأما كون الاستنشاق وحده واجبًا على روايةٍ: أما في طهارة الحدث فلما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» 5 متفق عليه.
وأما في طهارة الجنابة فلما تقدم.

وأما كونهما واجبين في الكبرى دون الصغرى على روايةٍ: أما وجوبهما في الكبرى وهي الطهارة من الجنابة؛ فلأن الطهارة من ذلك يعم جميع البدن ويجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة وما تحت الخفين.
وأما عدم وجوبهما في الصغرى وهي طهارة الوضوء؛ فلأن الله تعالى لم يذكرهما في الأعضاء المنصوص عليهما.
قال: (ثم يغسل وجهه ثلاثًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَيْن والذقن طولاً مع ما استرسل من اللحية ومن الأذن إلى الأذن عرضًا).
أما كون من تقدم ذكره يغسل وجهه فلما تقدم أول الباب.
وأما كونه يغسله ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسل وجهه ثلاثًا» 1. وأما كون الغسل من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللّحْيَيْن والذقن لهؤلاء؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به.
والمعتبر في منابت الشعر المعتاد.
ولا عبرة بالأذرع.
وهو: الذي شعره نابت في أعلا جبهته.
ولا بالأصلع.
وهو: الذي انحسر شعر رأسه عن مقدمه.
وأما قول المصنف رحمه الله: مع ما استرسل من اللحية فمعناه أنه يجب غسل المسترسل من اللحية.
وفي ذلك روايتان: إحداهما: أنه يجب كما ذكره المصنف رحمه الله لأنه شعر نابت في محل الفرض أشبه الحاجب.
ولأن الشعر المذكور يحصل به المواجهة.
فوجب غسله كالبشرة.
والرواية الثانية: لا يجب؛ لأنه نازل عن محل الفرض أشبه الذؤابة.
وأما كون الغسل من الأذن إلى الأذن عرضًا؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به.

قال: (فإن كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره.
ويستحب تخليله).
أما كون غسل الشعر الذي يصف البشرة يجب مع غسل البشرة؛ فلأن المواجهة تحصل بهما.
ولأن الشعر الذي يصف البشرة غير ساتر لما تحته فوجب أن لا يسقط فرض المحل قياسًا على الخف المخرق.
وأما كون غسل ظاهر الشعر الساتر للبشرة يجزئ؛ فلأن الله تعالى أمر بغسل الوجه والشعر المذكور تحصل المواجهة به لا بما تحته فوجب تعلق الحكم به لا بما تحته.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كثيف اللحية عظيم الهامة» 1 وثبت أنه توضأ مرة 2 والمرة لا يصل فيها الماء إلى ما تحت الشعر من البشرة.
ولأن الشعر المذكور شعر يستتر ما تحته فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس.
وأما كون تخليل الشعر المذكور يستحب فلما تقدم في سنن الوضوء 3. قال: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا ويدخل المرفقين في الغسل).
أما كون من تقدم ذكره يغسل يديه إلى المرفقين فلقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: 6].

وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه غسل يديه ثلاثًا 1. وأما كونه يدخل المرفقين في الغسل؛ فلأن جابرًا قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أمَرَّ الماء على مرفقيه» 2 رواه الدارقطني.
وفعله - صلى الله عليه وسلم - مبين لكلام الله.
وإلى تَرِدُ وما بعدها داخل كقوله: كقرأت القرآن من أوله إلى آخره، وترد وما بعدها غير داخل؛ كقولك: سرت من بغداد إلى الكوفة.
وإذا كان كذلك وجب أن تكون المرافق هنا داخلة لبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأن الحدث 3 متيقن.
وقد شك في زواله بدون غسل المرفقين فوجب أن يجب غسلهما لأن التيقن لا يزول إلا بمثله.
قال: (ثم يمسح رأسه: فيبدأ بيديه من مقدم رأسه.
ثم يمرهما إلى قفاه.
ثم يردهما إلى مقدمه.
ويجب مسح جميعه مع الأذنين.
وعنه يجزئ مسح أكثره.
ولا يستحب تكراره، وعنه يستحب).
أما كون من تقدم ذكره يمسح رأسه فلقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6].
وأما كونه يبدأ بيديه من مقدم رأسه ويمرهما إلى قفاه ويردهما إلى مقدمه؛ فلأن عبدالله بن زيد قال في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ثم مسح رأسه بيديه.
فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة.
وفي روايةٍ: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه» 4 متفق عليه.

وأما كونه يجب عليه مسح جميعه على المذهب؛ فلأن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6] ليست للتبعيض.
قال ابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهلَ العربية بما لا يعرفونه.
وإذا لم تكن للتبعيض تعين كونها للإلصاق وذلك يوجب مسح الجميع.
وأما كونه يجزئه مسح الأكثر على روايةٍ؛ فلأن الكل قد يطلق ويراد به الأكثر كما يقال: جاء العسكر.
إذا جاء أكثره.
وعن الإمام أحمد يجزئ المرأة مسح مقدمة رأسها بخلاف الرجل؛ «لأن عائشة رضي الله عنها كانت تمسح مقدم رأسها».
وعنه: يجزئهما مسح البعض؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بناصيته وعمامته» 1 رواه مسلم.
والأول أصح لما تقدم.
ولأن الإجماع منعقد على الاستيعاب في التيمم في قوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ [المائدة: 6] فليكن الباقي قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6] كذلك.
وإما إطلاق الكل وإرادة الأكثر فمجاز.
والأصل الحقيقة.
وأما مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - بناصيته وعمامته فلا حجة فيه لأن مسح العمامة جائز عندنا.
وإذا ظهرت ناصيته مسح عليها وعلى باقي العمامة فلا يكون ذلك مسحًا لبعض الرأس لأن مسح العمامة ناب عن مسح باقي الرأس فيكون الرأس جميعه ممسوحًا.
وأما كونه يمسح جميعه مع الأذنين؛ فلأنهما منه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» 2 رواه أبو داود.

وروت الرُّبَيِّع «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مسحة واحدة» 1 رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
وأما كون المسح لا يستحب تكراره على المذهب؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه مسح مرة واحدة» 2. ولأنه ممسوح في طهارة أشبه التيمم.
وأما كونه يستحب على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا» 3 رواه الإمام أحمد.
وروى أبو داود عن عثمان «أنه غسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا.
ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل مثل هذا» 4. ولأنه أصل في الطهارة أشبه الغسل.
قال: (ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، ويدخلهما في الغسل.
ويخلل أصابعه).
أما كون من تقدم ذكره يغسل رجليه فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأرجلَكم﴾.
وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسلهما ثلاثًا» 5. وأما كونه يُدخل الكعبين في الغسل فلما تقدم في المرفقين وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للأعقاب من النار» 6. وأما كونه يخلل أصابعه فلما تقدم في سنن الوضوء 7.

قال: (وإن كان أقطع غَسَلَ ما بقي من محل الفرض فإن لم يبق شيء سقط).
أما كون من تقدم ذكره يغسل ما بقي بعد القطع من محل الفرض فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1. وأما كون الغسل يسقط إذا لم يبق من محل الفرض شيء فلفوات المحل.
قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وتباح معونته وتنشيف أعضائه ولا يستحب).
أما كون من فرغ مِن وضوءه يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فلما روى عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» 2 رواه مسلم.
وروى أبو داود: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وقال... الحديث إلى آخره» 3. وأما كون معونة المتطهر؛ مثل أن يغرف ماء الغسل أو الوضوء إليه، أو يحمله شخص له، أو يصب عليه: يباح؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُحمل له الماء ويصب

عليه.
قال أنس: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينطلق في حاجته فآتيه أنا وغلام نحوي بإداوة ماء يستنجي به» 1 متفق على معناه.
وفي روايةٍ المغيرة: «أنه جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ» 2. [متفق عليه.
وعن صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء في السفر والحضر في الوضوء» 3. رواه ابن ماجة] 4. وأما كون تنشيف أعضائه يباح فلما روى قيس بن سعد قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منزلنا.
فأمر له سعد بغسل فاغتسل به.
ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها» 5 رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وعن الإمام أحمد يكره ذلك لما روت ميمونة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل فأتته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده» 6 متفق عليه.
وأما كون ذلك لا يستحب؛ فلأنه إزالة لأثر العبادة فلم يستحب كإزالة دم الشهيد.
ولأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المداومة عليه ولو كان أفضل لداوم عليه.

باب مسح الخفين

قال المصنف رحمه الله: (يجوز المسح على الخفين، والجرموقين، والجوربين، والعمامة، والجبائر.
وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان).
أما كون المسح على الخفين يجوز فلما روى جرير قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ومسح على خفيه» 1 متفق عليه.
قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الخف وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
وأما كونه على الجرموقين يجوز فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على موق» 2. والجرموق: خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو بالفارسية موق فعرب.
وأما كونه على الجوربين يجوز فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجوربين والنعلين» 3 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين.
كما لا يقال: مسحت الخف ونعله.
ولأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم مسحوا عليهما ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
ولا بد أن يلحظ أن لجواز المسح على ذلك شرطين: أحدهما: أن يكون صفيقًا لا يبدو منه شيء من القدم.
والثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه.
وأما كونه على العمامة يجوز فلما روى المغيرة قال: «توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسح على الخفين والعمامة» 1 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى بلال رضي الله عنه «مسح رسول [الله]- صلى الله عليه وسلم - على الخفين» 2 رواه مسلم.
وروي أيضًا عنه أنه قال: «امسحوا على الخفين والخمار» 3 رواه أحمد.
وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث جيشًا وأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ» 4. قال أبو عبيد: المشاوذ العمائم.
وأما كونه على الجبائر يجوز فلما روى جابر قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه.
ثم احتلم.
فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فمات.
فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
فقال: قتلوه قتلهم الله.
ألا سألوا إذا لم يعلموا.
إنما شفاء العي السؤال.
إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه.
ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» 5 رواه أبو داود.

فهذا في الكبرى ففي الصغرى بطريق الأولى.
وروي «أن عليًا رضي الله لما انكسرت زنده يوم أحد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسح عليه» 1. ولأنه قول ابن عمر رضي الله عنهما ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا.
وأما كونه على القلانس يجوز في روايةٍ فلما روي عن عمر أنه قال: «إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته» 2 رواه الأثرم.
وعن أبي موسى الأشعري «أنه خرج من الخلاء فمسح على قَلنسوته» 3 رواه حرب.
ولأنه ملبوس معتاد.
أشبه العمامة.
وأما كونه لا يجوز عليها في روايةٍ؛ فلأنه لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة.
وأما كونه على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن يجوز في روايةٍ فلما روي «أن أم سلمة رضي الله عنها كانت تمسح على الخمار» 4 رواه ابن المنذر.
ولأنه ساتر للرأس معتاد للمرأة أشبه العمامة.

وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنه لا يشق المسح من تحته ولا تدعو الحاجة إليه أشبه الوقاية.
قال: (ومن شرطه أن يُلبس الجميع بعد كمال الطهارة، إلا الجبيرة على إحدى الروايتين).
أما كون المسح من شرطه أن يلبس الجميع غير الجبيرة بعد كمال الطهارة [على] 1 المذهب؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه.
فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» 2 متفق عليه.
وروي في بعض ألفاظ الحديث: «دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتين» 3 علل جواز الترك بإدخالهما في حال كون كل واحدة طاهرة.
وفي روايةٍ: «أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهران» 4 رواه الحميدي في مسنده.
وفي روايةٍ: «رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه يمسح عليهما» 5 رواه الأثرم.
ولأن ما ذكر يشترط له أصل الطهارة لما يأتي فاشترط له كمالها كالصلاة ومس المصحف.
والمراد بكمال الطهارة الفراغ منها فلو توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه ثم لبس إحدى الخفين ثم غسل الأخرى ولبس الآخر لم يكن محصلاً كمال الطهارة.

وأما كون ذلك ليس من شرطه على روايةٍ لأن حدثه حصل بعد كمال الطهارة واللبس فجاز المسح كما لو نزع الخف الأول ثم لبسه.
وفي اشتراط كمال الطهارة إشعار باشتراط أصلها.
ولا خلاف فيه عند الإمام أحمد فيما عدا الجبيرة لما تقدم من حديث المغيرة 1. وأما كون المسح على الجبيرة لا يشترط له ذلك؛ فلأن اشتراط ذلك يؤدي إلى عدم استعمال رخصة المسح عليها غالبًا لأن الجرح وشبهه يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه.
وعن الإمام أحمد يشترط له الطهارة كالخف.
والأول أصح لما تقدم.
وقياسه على الخف لا يصح لما ذكر من الفرق.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله على إحدى الروايتين إلى ماذا يعود.
قيل: إلى ما عدا الجبيرة من الممسوح كما تقدم شرحه، ويحتمل أن يعود إلى الجبيرة.
وفيه وإن قرب منها بُعْدٌ من وجهين: أحدهما: أن الخلاف فيها ليس مختصًا بالكمال.
وثانيهما: أن الخلاف فيما عداها أشهر من الخلاف فيها.
قال: (ويمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن إلا الجبيرة فإنه يمسح عليها إلى حَلِّها).
أما كون المقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في غير الجبيرة فلما روى شريح بن هانئ قال: «سألت عليًا رضي الله عنه عن المسح فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة» 2 رواه مسلم.

وأما كونه يمسح على الجبيرة إلى حَلها؛ فلأنه مسحٌ جاز للضرورة فيقدر بقدرها.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 1. وأما المسح على الجبيرة فغير مؤقت.
ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة؛ لأن ذلك للضرورة فتقيد بموضعها.
قال: (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وعنه من المسح بعده).
أما ابتداء مدة المسح من الحدث بعد اللبس على المذهب؛ فلأنه وقت يجوز له المسح فيه فكان أول مدة المسح منه.
ولأن المسح عبادة فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها كالصلاة.
فعلى هذه لو تطهر وقت الظهر ولبس الخف ثم أحدث وقت العصر ثم توضأ ومسح وقت المغرب يمسح إلى وقت العصر الذي أحدث في مثله.
وأما كونه من المسح بعد اللُّبس على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم يومًا وليلة» 2. فقدره بالمسح فيجب أن يكون ابتداؤه من ابتداء المسح.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «امسح إلى مثل ساعتك التي مسحت» 3 رواه الخلال.
فعلى هذه يمسح في الصورة المتقدمة إلى وقت المغرب.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم.
ولأن في حديث صفوان بن عسال: «من الحدث إلى الحدث» 4. ولبس الخف جعل مانعًا من سريان الحدث إلى الرجل نفيًا للحرج وإنما يصير مانعًا بعد الحدث لا بعد المسح.

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم» وقول عمر: «امسح إلى مثل ساعتك» فالمراد استباحة المسح دون فعله.
قال: (ومن مسح مسافرًا ثم أقام أتم مسح مقيم، وإن مسح مقيمًا ثم سافر أو شك في ابتدائه أتم مسح مقيم.
وعنه يتم مسح مسافر.
ومن أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر).
أما كون من مسح مسافرًا ثم أقام يتم مسح مقيم؛ فلأن المسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر فكان الاعتبار لحكم الحضر كالصلاة.
وأما كون من مسح مقيمًا ثم سافر يتم مسح مقيم على روايةٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يتم مسح مسافر على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» 1 وهذا مسافر.
ولأنه سافر قبل استكمال مدة المسح أشبه ما إذا سافر بعد الحدث.
والأولى أولى لما تقدم.
وأما كون من شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر؟ فيه ما ذكر؛ فلأنه يجري فيه ذلك.
فعلى الرواية الأولى يمسح مسح مقيم لأنه لا يجوز له المسح مع الشك في إباحته لتكون طهارته صحيحة بيقين لأن الأصل وجوب الغسل فلا يعدل إلى المسح إلا بتحقق.
وعلى الرواية الثانية: يتم مسح مسافر لأنه لو تيقن أنه ابتدأ المسح في الحضر يمسح مسح مسافر؛ فلأن يمسح مسح مسافر مع الشك بطريق الأولى.
وأما كون من أحدث ثم سافر قبل المسح يتم مسح مسافر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» 2. وهذا مسافر.
ولأنه ما شَرع في طرف العبادة في الحضر فلم يُغَلّب الحضر لعدم ذلك.

قال: (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض، ويثبت بنفسه.
فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم، أو كان واسعًا يُرى منه الكعب، أو الجورب خفيفًا يصف القدم أو يسقط منه 1، أو شد لفائف لم يجز المسح) 2. أما كون المسح لا يجوز على ما لا يستر محل الفرض؛ فلأن حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو خلع أحد خفيه.
فعلى هذا لا فرق في الساتر بين أن يكون جلودًا أو لبودًا 3 أو خشبًا أو زجاجًا أو حديدًا؛ لاشتراك الكل في المعنى المبيح للمسح.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز في الحديد والزجاج وشبههما لأنه غير معتاد ولا يشق نزعه بخلاف الجلود وشبهها.
وأما كونه لا يجوز على ما لا يثبت بنفسه وهو ما إذا لبسه ولم يربطه لا يقف في رجله ولا ينعطف إذا مشى في حوائجه وعند الحط والترحال؛ فلأن الرخصة وردت في الخف وما ذكر ليس في معناه ولا يتعدى إليه.
وأما كونه يجوز على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه؛ فلأنه في معنى الخف فيجب إلحاقه به.
وأما كون ما فيه خرق يبدو منه بعض القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأن ستر جميع محل الفرض شرط لجواز المسح لما تقدم ولم يوجد.
وأما كون الخف الواسع الذي يرى منه الكعب لا يجوز المسح عليه؛ فلأن الستر يجب من أعلا الخف كما يجب من باقي جهاته لاشتراك الكل في المعنى الذي لأجله وجب الستر.
وأما كون الجورب الخفيف الذي يصف القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأنه ليس ساترًا لمحل الفرض.
وقد تقدم أنه شرط لجواز المسح.

وأما كون الذي يسقط من الرجل أو اللفائف المشدودة لا يجوز المسح عليه؛ فلأن كون الممسوح عليه مما يثبت بنفسه شرط ولم يوجد.
قال: (وإن لبس خفًا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه).
أما كون المسح على ما ذكر يجوز؛ فلأنه خف ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه المتفرد.
وأما قول المصنف رحمه الله: فلم يحدث ففيه إشعار بأنه لو أحدث ثم لبس آخر لا يجوز المسح عليه وهو صحيح صرح به في المغني وغيره من الأصحاب في كتبهم.
ووجهه أنه إذا أحدث ثم لبس آخر لم يكن بد من المسح على الذي قبله ليكون الثاني ملبوسًا على طهارة وإذا كان كذلك لم يجز المسح عليه لأن حكم المسح قد تعلق بالتحتاني فلم يجز على غيره.
قال: (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه.
فيضع يده على الأصابع ثم يمسح إلى ساقه).
أما كون الماسح يمسح أعلا الخف دون أسفله وعقبه فلقول علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين على ظاهرهما» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عمر رضي الله عنه قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهران» 2 رواه الخلال بإسناده.
وأما كون المسح كما ذكر المصنف رحمه الله فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بال في الماء.
ثم توضأ ومسح على الخفين.
فوضع يده اليمنى على خفه

الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر.
ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة.
حتى كأني أنظر إلى آثار أصابعه على الخفين» 1 رواه الخلال أيضًا.
وهذه الصفة مستحبة وكيف مسح أعلا الخف جاز.
قال: (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه).
أما كون المسح على العمامة يجوز فلما تقدم أول الباب 2. وأما ما يشترط لجواز المسح عليها فشرطان: أحدهما: أن تكون محنكة «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط».
قال أبو عبيد: الاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء.
وإذا كانت منهيًا عنها لم يستبح بها المسح؛ لأنه من الرخص.
والثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كالأذنين ومقدم الرأس وما أشبه ذلك.
أما اشتراط الستر في غير المستثنى فلما تقدم في الخف.
وأما عدم اشتراطه في المستثنى؛ فلأن اعتبار الستر فيه يشق ويؤدي إلى عدم استعمال الرخصة بخلاف الخف.
قال: (ولا يجوز على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين).
أما كون المسح على عمامة غير محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز فلما تقدم.
وأما كونه على العمامة التي لها ذؤابة وهي غير محنكة لا يجوز في وجه فلعموم ما تقدم من النهي.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأنها إذا صار لها ذؤابة لا تشبه عمائم أهل الذمة.
وإنما نهي عن الاقتعاط لذلك.
فلا يكون منهيًا عنها فيجوز المسح.

قال: (ويجزئه مسح أكثرها.
وقيل: لا يجوز إلا مسح جميعها).
أما كون مسح أكثر العمامة يجزئ؛ فلأن حكم الأكثر يعطى حكم الكل.
وأما كونه لا يجوز إلا مسح جميعها؛ فلأن المسح على العمامة بدل عن المسح على الرأس فوجب أن ينتقل حكم المبدل إليه.
فإن قيل: الخف مسحه بدل عن غسل الرجل ولا يجب مسح جميعه.
قيل: الفرق بينهما أن البدل في العمامة من جنس المبدل بخلاف البدل في الخف.
وقال القاضي: يجزئ البعض قياسًا على الخف.
ويختص ذلك بأكوارها وهو دوائرها.
فإن مسح وسطها ففيه وجهان: أحدهما: يجزئه لأنه بدل موضع يجزئ مسحه.
والثاني: لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف.
والصحيح وجوب استيعاب العمامة كما أن الصحيح وجوب استيعاب الرأس لأن مقتضى الدليل مشابهة البدل المبدل.
تُرك العمل به في الخف لمعنى هو مفقود في العمامة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
ولأن المشابهة بين البدل والمبدل في العمامة يمكن تحققها بخلاف الخف؛ لأن العمامة الواجب فيها المسح بدلاً ومبدلاً والخف الواجب فيه المسح بدلاً والغسل مبدلاً.
قال: (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة).
أما كون الجبيرة يمسح على جميعها؛ فلأنه مسح ضرورة ولا ضرر في مسح جميع الجبيرة فوجب الاستيعاب قياسًا على التيمم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم تتجاوز قدر الحاجة فشرط في جواز المسح لأنه موضع حاجة فيقيد بقدرها.
قال: (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة.
وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه).
أما كون الماسح إذا ظهر قدمه أو رأسه يستأنف الطهارة على المذهب؛ فلأن فرض ما انكشف الغسل.
وإنما الخف أو العمامة منع من سريان الحدث فإذا زال سرى الحدث إلى الرجل أو الرأس.
والحدث لا يتبعض فبطلت الطهارة من أصلها.

وأما كونه يجزئه مسح رأسه إن كان الممسوح عمامة، وغسل قدميه إن كان خفًا على روايةٍ؛ فلأن مسح الممسوح ناب عما تحته فإذا ظهر بطل فيما ناب عنه فقط كالتيمم.
وأما كونه إذا انقضت مدة المسح يستأنف.
ففيه أيضًا روايتان وجههما ما مر.
فإن قيل: ما أصل ذلك؟ قيل: هذا الاختلاف يلتفت إلى أن المسح هل يرفع الحدث عن الرجل؟ فإن قلنا: لا يرتفع فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس فبقي الرجلان فيكفيه غسلهما، وإن قلنا لا يرتفع فبالخلع عاد.
والحدث لا يتبعض فيجب استئناف الوضوء.
وقيل: منشأ الخلاف جواز التفريق؛ فإن جاز أجزأه غسل رجليه ومسح رأسه، وإلا أعاد الوضوء لفوات شرطه وهي الموالاة.
والصحيح الأول عند المحققين لأن الخلاف واقع في المسألتين مطلقًا سواء كان عقيب الوضوء أو بعد مضي زمان يحصل به التفريق.
قال: (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة).
أما كونه لا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى غير الجبيرة فلما روى صفوان «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفًرا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة» 1 الحديث مختصر أخرجه الترمذي.
وأما كون الجبيرة لها مدخل في الطهارة الكبرى فلحديث جابر في صاحب الشجة 2. ولأنه مسح للضرورة فيقدر بقدرها.

باب نواقض الوضوء

قال المصنف رحمه الله: (وهي ثمانية: الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيرًا نادرًا أو معتادًا).
أما كون نواقض الوضوء ثمانية؛ فلأن الناقض يكون تارة خارجًا من السبيلين، وتارة خروج النجاسات من سائر البدن، وتارة زوال العقل، وتارة مس الذكر، وتارة مس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وتارة غسل ميت، وتارة أكل لحم جزور، وتارة الردة عن الإسلام.
وأما كون الخارج من السبيلين المعتاد كالبول والغائط والوذي والمذي والريح من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6].
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط وبول ونوم» 1. و«قوله - صلى الله عليه وسلم - في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ» 2. [وقوله - صلى الله عليه وسلم -] 3: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» 4. وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فلعموم ما تقدم.
وأما كون الخارج من السبيلين النادر كالدم والدود والشعر والحصا من

نواقض الوضوء؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة» 1 رواه أبو داود.
ودمها غير معتاد.
وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فكالخارج المعتاد.
قال: (الثاني: خروج النجاسات من سائر البدن.
فإن كانت غائطًا أو بولاً نقض قليلها، وإن كانت غيرهما لم ينقض إلا كثيرها.
وهو ما فحش في النفس، وحكي عنه أن قليلها ينقض).
أما كون خروج قليل الغائط والبول من غير السبيلين ينقض الوضوء فلما تقدم من عموم قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6]، وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط أو بول أو نوم» 2. ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج.
وأما كون خروج قليل النجاسات من سائر البدن غير الغائط والبول كالدم والصديد والقيح لا ينقض الوضوء على المذهب؛ فلأن مفهوم «قول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة» 3 يدل عليه.
قال أحمد رضي الله عنه: عِدّة من الصحابة تكلموا فيه.
ابن عمر عصر بيده فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ 4. وابن أبي أوفى عصر دملاً.
وذكر غيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا.
وأما كونه ينقض على روايةٍ فقياس على الغائط.

والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون خروج كثير ذلك ينقض؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: «أنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة» 1 رواه الترمذي.
ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبه الخارج من السبيل.
وأما كون الكثير الناقض للوضوء هو ما فحش في النفس دون غيره؛ فلأن ابن عباس قال: هو ما فحش في نفسك.
وعن الإمام أحمد: هو شبر في شبر.
وعنه: ما يرفعه الأصابع العشر.
والأول هو ظاهر المذهب.
قال الخلال: الذي استقر عليه مذهبه - يعني الإمام أحمد رضي الله عنه - أنه - أي أن الكثير - قدر ما يستقبحه كل إنسان في نفسه.
وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المبتذلين ولا الموسوسين كما يعتبر في اللقطة فيما لا تتبعه همة 2 نفوس أوساط الناس غير ذي الشرف وأهل الدناءة.
قال: (الثالث: زوال العقل إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا.
وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره).
أما كون زوال العقل بغير النوم من نواقض الوضوء؛ فلأن زائل العقل لا يشعر بخروج الخارج.
ولأن زوال العقل بالنوم ينقض لما يأتي؛ فلأن ينقض بغيره بطريق الأولى لأن زواله بغير النوم أشد من زواله بالنوم لأن زائل العقل بغير النوم لا ينتبه إذا نُبّه بخلاف زائل العقل بالنوم فإنه إذا نُبه انتبه.
وأما كون زواله بالنوم الكثير من نواقض الوضوء؛ فلأن مقتضى الدليل نقض الوضوء بزوال العقل مطلقًا لما تقدم.
تُرك العمل به في النوم اليسير لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» 1 رواه أبو داود.
ولأن النوم مظنة للحدث فقام مقامه كسائر المظان.
وأما كون 2 نوم المضطجع من نواقض الوضوء فلعموم ما تقدم.
ولأن المحل يكون منفتحًا حال اضطجاعه.
وأما كون يسير نوم الجالس لا ينقض فـ «لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينتظرون العشاء، فينامون قعودًا ثم يصلون ولا يتوضؤون» 3 رواه مسلم.
ولأن النوم إنما نقض لأنه مظنة لخروج الريح من غير أن يعلم به ولا يحصل ذلك هنا لأن محل الحدث مُنضمٌ.
وأما كون يسير نوم القائم لا ينقض؛ فلأنه في معنى الجالس لاشتراكهما في انضمام محل الحدث.
وأما كون يسير نوم الراكع والساجد ينقض على المذهب فلعموم الحديث المتقدم.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن حالهما حال من أحوال الصلاة أشبه الجالس.
والأول أولى لما تقدم.
وقياسهما على الجالس لا يصح لأن محل الحدث فيهما منفتح بخلاف الجالس.
فإن قيل: ما اليسير غير الناقض؟ قيل: المرجع فيه إلى العرف لأنه لا حد له في الشرع فرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرز.

جارٍ التحميل