الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 376-415

وأما كونه لا يجهر في ذلك؛ فلأنه لم ينقل أنه عليه السلام كان يجهر في الأخيرتين.
وأما كونه لا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة فيها؛ فلما روى أبو قتادة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين.
وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» 1 متفق عليه.
قال: (ثم يجلس في التشهد الثاني متوركاً يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجها عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض).
أما كون المصلي يجلس متوركاً في التشهد الثاني؛ فلأن في حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي عليه السلام: «حتى إذا كانت الركعة التي يقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً» 2. وفي رواية البخاري: «أخر رجله اليسرى وجلس متوركاً على شقه الأيسر» 3. وأما كونه يفرش رجله إلى آخره؛ فلأن ذلك صفة التورك.
وفي حديث أبي حميد في بعض رواياته: «فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة» 4 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «جلس على إليتيه ونصب قدمه اليمنى».

قال: (والمرأة كالرجل في ذلك كله إلا أنها تجمع نفسها في الركوع والسجود وتجلس متربعة أو تسدل رجليها فتجعلهما في جانب يمينها.
وهل يسن لها رفع اليدين؟ على روايتين).
أما كون المرأة كالرجل فيما عدا المستثنى؛ فلأنها تدخل تحت الخطاب.
وأما كونها تجمع نفسها في حالتي الركوع والسجود؛ فلأن ذلك 1 أستر لها.
وهو المطلوب في المرأة لأنها عورة.
وأما كونها تجلس متربعة أو سادلة رجليها في جانب يمينها؛ فلما تقدم من أن المرأة مطلوب سترها.
وفي الحديث «أن ابن عمر رضي الله عنه كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة» 2. وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: «إذا صلت المرأة فَلْتَحْفِز ولتضم فخذيها» 3. وأما كونها يسن لها رفع اليدين على روايةٍ؛ فـ «لأن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين كانتا ترفعان أيديهما» 4 رواه الخلال.
ولأن من شرع له التكبير شرع له الرفع لأنه هيئة له.
ولأن الأصل مساواة المرأة الرجل.
وذلك مشروع له فلتكن مثله.
وأما كونها لا يسن لها ذلك على روايةٍ؛ فلما في تركه من المبالغة في الستر المطلوب.
ولأن المرأة يستحب لها أن تجمع نفسها وتترك التجافي.
فكذا لا ترفع.

فصل [في مكروهات الصلاة] قال المصنف رحمه الله: (ويكره الالتفات في الصلاة، ورفع بصره إلى السماء، وافتراش الذراعين في السجود، والإقعاء في الجلوس.
وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه.
وعنه أنه سنة).
أما كون المصلي يكره له الالتفات في الصلاة؛ فلما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل» 1 متفق عليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزالُ الله مقبلاً على العبدِ وهو في صلاته ما لم يلتفت.
فإذا التفت انصرفَ عنه» 2 رواه أبو داود.
ولا بد أن يلحظ في هذا الالتفات المكروه أن يكون لغير حاجة.
فإن كان لحاجة وكان بطرفه دون لَيّ عنقه لم يكره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه «أنه كان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب يحرس» 3 رواه أبو داود.
وروى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يَلْوِي عنقه» 4 رواه النسائي.

وأما كونه يكره له رفع بصره إلى السماء؛ فلقوله عليه السلام: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم.
فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن أو لتخطفن أبصارهم» 1 رواه البخاري.
ولأنه يمنع الخشوع.
وأما كونه يكره له افتراش الذراعين في السجود؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» 2 متفق عليه.
وأما كونه يكره له الإقعاء في الجلوس في الصلاة على المذهب؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قال لعلي: يا علي! أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنفسي، وأكرهُ لك ما أكره لنفسي.
لا تُقْعِ بين السجدتين» 3 رواه الترمذي.
وعن أنس قال: «قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقْعِ كما يُقْعِي الكلب» 4 رواه أحمد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَنهى عن عُقْبَةِ الشيطان» 5 متفق عليه.
وأما كونه سنة على روايةٍ؛ فلأن العبادلة كانوا يفعلونه ابن عمر وابن عباس وابن الزبير.

وعن طاووس قال: «قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال: هي سنة نبيك» 1 رواه مسلم.
والأول أصح؛ لما تقدم من الأحاديث.
وهي أولى بالتقديم؛ لأنها أصح وأكثر رواة.
ولأنها مستندة إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه؛ فبيان لمعنى الإقعاء.
قال أبو عبيد: هذا عند الفقهاء وأهل الحديث.
وعند العرب أن ينصب قدميه معاً على الأرض ويجلس على إليتيه.
مثل إقعاء السبع والكلب ولا يعلم أحداً استحب هذه الصفة.
قال: (ويكره أن يصلي وهو حاقن، أو بحضرة طعام تتوق نفسه إليه).
أما كون المصلي يكره له أن يصلي وهو حاقن؛ فلقوله عليه السلام: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» 2 رواه مسلم.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو زناء» 3 أي حاقن.
قاله أبو عبيد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن يصلي الرجل وبه طوف» 4. قال قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول.
وأما كونه يكره له أن يصلي بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام» 5.

وفي آخر: «إذا حضر العَشاء والمغرب فابدأوا بالعَشاء قبل أن تصلوا المغرب» 1 رواه مسلم.
فإن قيل: ليس في الحديث توقان نفس المصلي إلى الطعام فلم اشترطه المصنف رحمه الله؟ قيل: لأن النهي عن ذلك لُحِظَ فيه منع الطعام الخشوع واقتضاؤه السرعة من أجله وذلك يستدعي توقان النفس إليه.
قال: (ويكره العبث، والتخصر، والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها).
أما كون المصلي يكره له العبث؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث في صلاته.
فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» 2. وأما كونه يكره له التخصر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصراً» 3 رواه مسلم.
ولأنه يمنع الخضوع والخشوع.
ويمنع من وضع اليمين على الشمال.
وأما كونه يكره له التروح؛ فلأنه من العبث.
وأما كونه يكره له فرقعة الأصابع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «لا تُفَقِّعْ أصابعكَ وأنت في الصلاة» 4 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يكره له تشبيك الأصابع؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد شَبَّكَ أصابعه في الصلاة فَفَرَّجَ بين أصابعه» 5 رواه ابن ماجة.

قال: (وله رد المار بين يديه.
وعد الآي.
والتسبيح.
وقتل الحية والعقرب والقملة.
ولبس الثوب والعمامة.
ما لم يُطل.
فإن طال الفعل في الصلاة أبطلها عمداً كان أو سهواً إلا أن يفعله متفرقاً).
أما كون المصلي له رد المار بين يديه؛ فلما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه.
فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» 1 متفق عليه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن له رد المار سواء كان بين يديه سترة فمر دونها أو لم يكن بين يديه سترة فمر قريباً منه بحيث لو مشى إليه ودفعه لم تفسد صلاته.
وصرح به في الكافي لأنه موضع سجوده أشبه من نَصَبَ سترة.
ولأن المراد بنصب السترة الإعلام بأنه في الصلاة وفي الدفع إعلام صريح.
وقيل: رد المار مختص بمن بين 2 يديه سترة؛ لأن من لم ينصب سترة مقصر.
وظاهر الحديث يدل على ذلك لأنه شرط في الرد السترة.
وهذا الرد إنما يكون إذا كان للمار سبيل غير ذلك فإن لم 3 يجد سبيلاً لازدحام الناس ونحوه لم يشرع الرد ولا يكره المرور.
وأما كونه له عد الآي والتسبيح في الصلاة؛ فلما روى أنس قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الآي بأصابعه عد الأعراب في الصلاة» 4. ولأنه عدد مشروع في الصلاة فجاز كعدد الركعات في حق من ينسى ويسهو.
وأما كونه له قتل الحية والعقرب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» 5 رواه أبو داود.

وأما كونه له قتل القملة في الصلاة؛ فـ «لأن عمر وأنساً وابن مسعود كانوا يقتلون القمل في الصلاة».
قال القاضي: التغافل عنه أولى.
وأما كونه له 1 لبس الثوب والعمامة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم التحف إزاره وهو في الصلاة» 2. ولأنه عمل يسير أشبه حمل أُمامة 3، وفتح الباب لعائشة 4. وأما كون الفعل إذا طال ولم يكن متفرقاً يُبطل الصلاة؛ فلأنه يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأذكار ويذهب الخشوع في الصلاة.
وإذا رآه الناظر من بعيد يغلب على ظنه أن فاعله ليس في صلاة وكل ذلك ينافي الصلاة فأبطلها كما لو قطعها.
وأما كونه إذا طال وكان متفرقاً لا يبطلها؛ فلأنه بالنظر إلى كل مرة فعل غير طويل أشبه ما لو اقتصر عليه.
وأما كون السهو كالعمد في ذلك كله؛ فلأن المبطل قطع الموالاة وإذهاب الخشوع وغلبة ظن من رآه أنه ليس في صلاة وذلك كله موجود في السهو كالعمد.
فإن قيل: لو تكلم ساهياً ففي بطلان الصلاة روايتان ولو فعل ساهياً بطل قولاً واحداً.
قيل: الأقوال أخف من الأفعال ولهذا بطلت الصلاة بتكرار السجود قولاً واحداً دون تكرار الفاتحة.

قال: (ويكره تكرار الفاتحة.
والجمع بين سور في الفرض.
ولا يكره في النفل).
أما كون تكرار الفاتحة يكره؛ فلأنه اختلف في كون ذلك مبطلاً فأدنى أحواله أن يكون مكروهاً.
وأما كون الجمع بين سورٍ في الفرض يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.
وعن أحمد لا يكره جمع ذلك في الفرض.
وهي الصحيحة؛ لما روى الخلال بإسناده عن عبدالله بن سفيان قال: «قلت لعائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع السور في ركعة.
قالت: المفصل» 1. وبإسناده عن ابن عمر «أنه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في ركعة» 2. وروي «أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم فكان يقرأ قبل كل سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها.
قال: حبك إياها أدخلك الجنة» 3 رواه البخاري.
وأما كون الجمع بين سور في النفل لا يكره؛ فلما تقدم من الأحاديث.
ولأن عثمان رضي الله عنه «كان يختم القرآن في ركعة» 4.

و«فعل الجمع ابن عمر» 5.

قال: (ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها.
وعنه يكره).
أما كون ما ذكر لا يكره على روايةٍ؛ فلأن أبا سعيد قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» 1 رواه أبو داود.
وعن عبدالله بن مسعود «أنه كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران وآخر الفرقان» رواه الخلال.
قال الحسن: «غزوت مع ثلاثمائة من الصحابة فكان أحدهم يقرأ إذا أم أصحابه بخاتم البقرة وبخاتم الفرقان وبخاتم الحشر وكان لا ينكر بعضهم عن بعض».
وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فلأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقرأ السورة كاملةً» 2 والعدول عن فعله مكروه.
قال عليه السلام: «أعط لكل سورة حظها» 3 ومن حظها تمامها.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم.
قال: (وله أن يَفتح على الإمام إذا أُرْتج عليه.
وإذا نابه شيء مثل سهو إمامه أو استئذان إنسان عليه سبح إن كان رجلاً.
وإن كانت امرأة صفحت ببطن كفها على ظهر الأخرى).
أما كون المصلي له أن يفتح على إمامه إذا أرتج عليه.
ومعناه: أن يرد عليه إذا غلط؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة.
فقرأ فيها.
فلُبس عليه.
فلما انصرف قال لأبي: صليت معنا؟ قال: نعم.
قال: فما منعك» 4 رواه أبو داود.
قال الخطابي: إسناد جيد.
و«ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية.
فقيل له: يا رسول الله! آية كذا وكذا تركتها.
قال: فهلا أَذْكَرْتَنيِها» 5 رواه أبو داود.
وقال ابن عقيل: إن كان الغلط في غير الفاتحة لا يرد؛ لأن ما زاد على الفاتحة قرائته غير واجبة.
والأول أولى؛ لعموم ما تقدم من الآثار.

وأما كون الرجل يسبح والمرأة تصفح إذا ناب المصلي شيء مما 1 تقدم ذكره؛ فلقوله عليه السلام: «من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال ولتصفق النساء» 2 متفق عليه.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» 3 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال: (وإن بدره البصاق بصق في ثوبه.
وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه).
أما كون من بدره البصاق يبصق في ثوبه؛ فلما فيه من صيانة المسجد عن البصاق فيه.
وقد روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد.
فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم فيستقبل ربه فَيَتَنَخَّعُ أمامه؟ أيحب أن يُستقبلَ فَيُتّنَخَّعَ في وجهه» 4. وفي حديث آخر: «إذا تنخع أحدكم فليتنخعْ عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا.
ووصف القاسم: فتفل في ثوبه ومسح بعضه على بعض» 5 رواه مسلم.
وأما كونه يبصق عن يساره أو تحت قدمه إذا كان في غير المسجد؛ فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه».

قال: (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل أَخِرَة الرحل.
فإن لم يجد خَطَّ خطاً.
فإذا مر من ورائها شيء لم يكره.
وإن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم بطلت صلاته.
وفي المرأة والحمار روايتان).
أما كون المصلي يستحب له أن يصلي إلى سترة مع القدرة عليها؛ فلقوله عليه السلام: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» 1 رواه الأثرم.
قال سهل: «كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة ممر الشاة» 2 متفق عليه.
وأما كون السترة مثل أَخِرَة الرحل؛ فلقوله عليه السلام: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل أَخِرَة الرحل فليصل ولا يبالي ما مر وراء ذلك» 3 رواه مسلم.
فإن قيل: ما قدر أَخِرَة الرحل؟ قيل: ذراع.
وقيل: عظم الذراع.
فإن قيل: لو كان المصلي بمكة؟ قيل: لا يكره الصلاة فيها إلى غير سترة ولا يضر ما مر بين يديه؛ لأن المطلب قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه» 4. و«كان ابن الزبير يصلي والطواف بينه وبين القبلة.
تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر.
ثم يضع جبهته في موضع قدمها» 5. وأما كون من لم يجد سترة يخط خطاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً.
فإن لم يجد فلينصب

عصاً.
فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً.
ثم لا يضره ما مر أمامه» 1 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما صفة الخط؟ قيل: عند الإمام أحمد مثل الهلال.
ولو جعله طولاً جاز؛ لأن الغرض إشعار المار بأنه مصل وذلك حاصل في الطول.
وأما كونه لا يضر ما مر وراء السترة والخط؛ فلما تقدم من الحديثين قبل.
وأما كون صلاته تبطل إذا لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقطع صلاة المرء الكلب والمرأة والحمار» 2 رواه مسلم.
والكلب البهيم 3: الذي لا يخالط لونه آخر.
وإنما خص بذلك؛ لأنه شيطان.
وقد قال عليه السلام: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها.
فاقتلوا منها كل أسود بهيم.
وإنه شيطان» 4. وأما كونها تبطل إذا مر بين يديه المرأة والحمار في روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها لا تبطل في روايةٍ؛ فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة» 5.

ولأن ابن عباس رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي.
فنزلت عن الحمار وتركته أمام الصف فما بالى» 1 متفق عليهما.
وقد قيل: ليس في حديث عائشة حجة لأن المار غير اللابث.
وكذلك حديث ابن عباس لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
قال: (ويجوز له النظر في المصحف.
وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها وآية عذاب أن يستعيذ منها.
وعنه يكره ذلك في الفرض).
أما كون المصلي يجوز له النظر في المصحف؛ فلأنه ليس بعمل كثير.
وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف.
فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.
قال ابن حامد: الفرض والنفل في ذلك سواء.
وقال القاضي: يكره في الفرض وفي النفل إذا كان حافظاً لأنه يَذْهب بالخشوع وإنما سومح به في النفل مع عدم الحفظ لأنه موضع حاجة.
وأما كونه إذا مرت به آية رحمة يجوز أن يسألها وإذا مرت به آية عذاب يجوز أن يستعيذ منها من غير كراهة نفلاً كانت الصلاة أو فرضاً على المذهب؛ فلما روى حذيفة قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة.
فقلت: يركع عند المائة.
ثم مضى.
فقلت: يصلي بها في ركعة.
فمضى.
ثم افتتح آل عمران.
ثم النساء.
يقرأ مترسلاً.
إذا مر بآية فيها تسبيح سبح.
وإذا مر بسؤال سأل.
وإذا مر بتعوذ تعوذ... مختصر» 2 رواه مسلم.
وأما كونه يكره ذلك في الفرض على روايةٍ؛ فلأن ذلك دعاء ليس بمشروع أشبه الأفعال التي لم تشرع.
وفارق ذلك النافلة من حيث إنها سومح فيها بأشياء بخلاف الفريضة.

وظاهر قول المصنف رحمه الله: وعنه يكره ذلك في الفرض؛ شمول هذه الرواية النظر في المصحف.
ولم أجد بذلك رواية عن الإمام أحمد.
ولكن ذلك قول القاضي.
إلا أنه ضم إليه أنه يكره أيضاً في النفل مع الحفظ.
وقد تقدم أيضاً بيانه.

فصل [في أركان الصلاة] قال المصنف رحمه الله: (أركان الصلاة اثنا عشر: القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال، والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسمية الأولى، والترتيب.
من ترك شيئاً منها عمداً بطلت صلاته).
أما كون القيام من أركان الصلاة؛ فلقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238]. و«قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: صل قائماً» 1. والقيام المعتبر أن يستوي قائماً على حَدٍّ.
أو لا ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه.
فإن انحنى بحيث يمكنه مس ركبتيه بيده أو اعتمد على شيء لم يجزئه.
وأما كون تكبيرة الإحرام من أركانها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحريمها التكبير» 2. رواه أبو داود.
ولما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه.
ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» 3. ولقوله عليه السلام للمسيء: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» 4 متفق عليه.

ويجب أن يأتي بجميع تكبيرة الإحرام وهو قائم لقوله عليه السلام للمسيء: «إذا قمت فكبر» 1. أمر بالتكبير حال القيام.
وأما كون قراءة الفاتحة من أركانها؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 2 متفق عليه.
وفي لفظٍ للدارقطني: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 3. وقال: إسناده صحيح.
وعن أحمد أنها تجب في الأوليين دون الأخيرتين؛ لما روي عن علي أنه قال: «اقرأ في الأوليين وسبح في الأخيرتين» 4. ولأنها لو وجبت في الأخيرتين لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالأوليين.
وعنه: لا تتعين بل الواجب قراءة شيء 5 من القرآن.
وقد تقدم ذلك.
والصحيح أن الفاتحة ركن في كل ركعة؛ لما روى عبادة قبل 6. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 7. وعنه وعن عبادة قالا: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة» 8.

ويجب أن يقرأها وهو قائم فلو أتى بحرف منها وهو في حد الراكع لم يجزئه لأنه لم يأت به وهو قائم.
وأما كون الركوع من أركانها؛ فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا﴾ [الحج: 77].
و«لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: ثم اركع حتى تطمئن راكعاً» 1. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع 2. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 3. وأما كون الاعتدال من أركانها؛ فلما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها ظهره في الركوع والسجود» 4 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
و«لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً» 5. وأما كون الجلوس بين السجدتين من أركانها؛ فلما روت عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعداً» 6 رواه مسلم.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 7. و«لقوله عليه السلام للمسيء: ثم ارفع حتى تطمئن جالساً» 8.

وأما كون الطمأنينة في هذه الأفعال من أركانها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها المسيء في جميع الأفعال المذكورة.
وأما كون التشهد الأخير والجلوس له من أركانها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ودام على فعله في الصلاة.
ولم يُنقل تركه.
وأمر بالتشهد وكان يعلمه كما يعلم السورة من القرآن.
وقال ابن مسعود: «كنا قبل أن يفرض علينا التشهد نقول: السلام على الله قبل عباده.
السلام على جبريل.
السلام على ميكائيل.
السلام على فلان.
فسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: إن الله هو السلام.
فلا تقولوا: السلام على الله.
ولكن قولوا: التحيات... » 1 وذكر التشهد الذي لابن مسعود.
وفي بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» 2 رواه أبو داود.
وأما كون التسليمة الأولى من أركانها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «تحليلها التسليم» 3. ولأنه أحد طرفي الصلاة فكان فيه نطق واجب كالأولى.
وأما كون الترتيب من أركانها؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ثم اركع ثم ارفع... الحديث» 4. ذكره بحرف ثم وهي الترتيب فيكون الترتيب مأموراً به.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرتباً.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 5. وأما كون صلاة من ترك من الأركان شيئاً تبطل؛ فلأن المسيء في صلاته لما ترك الطمأنينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل فإنك لم تصل» 6. أمره بالإعادة

ولو كانت صحيحة لما وجبت عليه الإعادة، ونفى كونه مصلياً وسأله أن يعلمه فعلمه هذه الأفعال.
فدل على أنه لا يكون مصلياً بدونها.
فإن قيل: لم قيد المصنف رحمه الله ترك الركن بالعمد؟ قيل: لأن تركه سهواً له موضع يأتي ذكره فيه مبيناً إن شاء الله تعالى 1. قال: (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسميع، والتحميد في الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع، والسجود مرة مرة، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في موضعها، والتسليمة الثانية في روايةٍ.
من ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته.
ومن تركه سهواً سجد للسهو.
وعنه أن هذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها).
أما كون التكبير غير تكبيرة الإحرام من واجبات الصلاة على المذهب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا» 2 حديث حسن.
أمر بالتكبير وأمره للوجوب.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم.
ثم يكبر حين يركع.
ثم يكبر حين يسجد.
ثم يكبر حين حين يرفع رأسه.
ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها.
ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» 3.

وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 1 متفق عليه.
وأما كون التسميع من واجباتها فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: سمع الله لمن حمده» 2. وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» 3. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 4. وهذا الوجوب مختص بالإمام والمنفرد؛ لأن قوله عليه السلام: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا» 5 يدل على أنه لا يجب التسميع على المأموم لأنه لو وجب لذكره ولما خص التحميد بالذكر.
وأما كون التحميد من واجباتها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله» 6 وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 7. وقال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» 8 متفق عليه.
وعن الإمام أحمد أن المنفرد لا يحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالتحميد للمأموم.

والصحيح الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وأمر بالاقتداء به.
ولا يلزم من أمره للمأموم أن لا يكون المنفرد مأموراً من جهة أخرى.
وأما كون التسبيح في الركوع والسجود مرة مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث عقبة بن عامر 1. وأما كون سؤال المغفرة بين السجدتين مرة من واجباتها؛ فلما تقدم من حديث حذيفة 2. وأما كون التشهد الأول والجلوس له من واجباتها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به في حديث ابن عباس فقال قولوا: «التحيات لله» 3 و «سجد السهو حين نسيه» 4. وإنما سقط بالسهو إلى بدل كواجبات الحج تجبر بالدم بخلاف السنن.
وأما كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من واجباتها؛ فلأن الله تعالى أمر بالصلاة عليه بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ [الأحزاب: 56] والأمر للوجوب ولا موضع تجب فيه الصلاة عليه أولى من الصلاة المفروضة.
ولأنا أجمعنا على أنه لا تجب خارج الصلاة فيتعين أن تجب في الصلاة.
وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليّ» 5. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «قولوا: اللهم! صل على محمد... الحديث» 6. أمر والأمر للوجوب.
فإن قيل: ما الواجب من ذلك؟

قيل: أقل ما وردت به الأخبار كما قلنا في التحيات؛ لأنها وردت مفسرة للأمر.
وقال القاضي: ظاهر كلام الإمام أحمد أن الصلاة الواجبة على النبي صلى الله عليه وسلم 1 فحسبُ تمسكاً بظاهر الآية.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن في الصلاة على الآل وجهان: المذهب أنها لا تجب.
ونص صاحب النهاية فيها أن الأولى وجوب ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كيفية الصلاة المأمور بها وفيها الصلاة على آله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» 2 رواه الدارقطني.
وآل النبي صلى الله عليه وسلم أهل دينه ومن اتبعه؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن آل محمد.
فقال: كل تقي» 3 أخرجه تمام في فوائده.
وقيل: آله أهل بيته.
وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
وأنها منقلبة عن همزة.
ولو أبدل آل محمد بأهل محمد.
فقال ابن حامد: لا يجزئ؛ لما فيه من مخالفة الأثر وتغير المعنى.
وقال القاضي: معناهما واحد ويجزئ.
وكذلك لو صغر آل فقال: أهيل.
وقول المصنف رحمه الله: في موضعها؛ معناه في التشهد الأخير بعد الشهادتين؛ لأن ذلك هو موضع التشهد عادة.
وأما كون التسليمة الثانية في روايةٍ من واجباتها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله» 4. وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 5.

ولأنها عبادة شرع لها تحلّلان فكانا واجبين كالحج.
ولأنها إحدى التسليمتين فكانت واجبة كالأخرى.
وأما كون ما ذكر من التكبير إلى التسليمة الثانية سنناً على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعلم شيئاً من ذلك للمسيء في صلاته.
ولأنه لو كان واجباً لما سقط بالسهو كالركن.
وأما كون من ترك شيئاً مما تقدم ذكره عمداً بطلت صلاته على الأول؛ فلأن الواجب متوسط بين الركن والسنة فيجب أن يعطى كل واحد منهما شبهاً.
وقد أعطي من السنة شبهاً في أن الصلاة لا تبطل بتركه سهواً فوجب أن يعطى من الركن شبهاً في أن الصلاة تبطل بتركه عمداً.
وأما كون من تركه سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو لما ترك التشهد الأول 1. وقد تقدم ما يدل على وجوبه وسائر الواجبات في معناه.
ولأنه لا يمتنع أن تكون للعبادة واجباتٌ تنجبر إذا تركها وأركانٌ لا تصح العبادة بدونها كالحج في واجباته وأركانه.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بعدم بطلان الصلاة بترك الواجب سهواً.
وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك الجلوس للتشهد الأول سهواً بنى على صلاته.
ولأن السجود وقع جبراناً لما وقع من الخلل فوجب أن تصير الصلاة كما لو لم يترك فيها واجباً 2. وأما كون من ترك شيئاً من ذلك عمداً لم تبطل صلاته على الرواية الثانية؛ فلأن ترك السنة لا تبطل عبادة من حج عنده 3 فكذا الصلاة.
والصحيح في المذهب أن جميع ما تقدم غير التسليمة الثانية واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به.
وأمره للوجوب.
وفَعَلَه.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 4.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ -وذكر الحديث إلى قوله-: ثم يكبر ثم يركع حتى تطمئن مفاصله.
ثم يقول: الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً.
ثم يقول: الله أكبر.
ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله.
ثم يرفع رأسه فيكبر.
فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» 1 رواه أبو داود.
وأما حديث المسيء فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه كل الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام فيحتمل أنه اقتصر في تعليمه على ما رآه أساء فيه.
وأما التسليمة الثانية فقال القاضي: هي أصح.
أي الرواية بوجوبها لحديث جابر بن سمرة، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الصحيح أنها سنة؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة» 2 وكذلك المهاجرون.
وذلك دليل عدم الوجوب.
وما روي أنه كان يسلم تسليمتين يحمل على المسنون ليحصل الجمع بين فعليه.
قال: (وسنن الأقوال اثنا عشر: الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والإخفات، وقول ملء السماء بعد التحميد، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر.
فهذه لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لها.
وهل يشرع؟ على روايتين.
وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركه، ولا يشرع السجود له).
أما كون سنن الأفعال الأشياء المذكورة؛ فلما تقدم في مواضعها.

وأما كون الصلاة لا تبطل بتركها؛ فلأنها غير واجبة فلا تبطل الصلاة بتركها كمسنونات الإحرام والصيام.
وأما كون السجود لها لا يجب؛ فلأن ذلك غير واجب فجبره أولى أن لا يكون واجباً.
وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلأن السجود جبران فيشرع ليجبر ما فات.
وأما كونه لا يشرع على روايةٍ؛ فلأن المتروك غير واجب فلم يشرع له سجود كسنن الأفعال.
وأما كون الصلاة لا تبطل بترك ما سوى هذا من سوى هذا من سنن الأفعال فلما ذكر في سنن الأقوال.
وأما كونه لا يشرع السجود له فلكونه غير واجب مع كثرته.
فإن قيل: لِمَ لمْ يجر الخلاف هنا في المشروعية كما تقدم في سنن الأقوال؟ قيل: لأن سنن الأفعال كثيرة فلو شرع السجود لها لما خلت صلاة من سجود سهو.
وقيل: الخلاف جار في سن الأفعال كالأقوال.
فعلى هذا لا فرق.
فإن قيل: ما سنن الأفعال؟ قيل: رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، وجعلها تحت السرة أو الصدر، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر، والتسوية بين رأسه وظهره، والتجافي فيه، والبداءة بوضع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه في السجود وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة مستقبلاً بها القبلة، والتورك في التشهد الأخير، والافتراش في الأول وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة بحلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، وجلسة الاستراحة في روايةٍ.

باب سجود السهو

قال المصنف رحمه الله: (ولا يشرع في العمد.
ويشرع للسهو في زيادة ونقص وشك.
للنافلة والفرض).
أما كون السجود لا يشرع في العمد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم علق السجود على السهو حيث قال: «إذا سها أحدكم فليسجد» 1. وقول الراوي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 2. [وأما مواضع مشروعية ذلك ففي الزيادة، والنقص، والشك لما يأتي ذكره بعد في مواضعه إن شاء الله تعالى] 3. وأما كون ذلك للنافلة والفرض فلعموم الأخبار الواردة في سجود السهو.
ولأنهما في معنى واحد في الاحتياج إلى سد الخلل الحاصل بالسهو.
قال: (فأما الزيادة فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت الصلاة.
وإن كان سهواً سجد له).
أما كون من زاد فعلاً من جنس الصلاة كما مثّل المصنف رحمه الله عمداً تبطل صلاته؛ فلأن الزيادة على المنصوص كالنقص.
ولو تعمد النقص بطلت صلاته فكذلك إذا تعمد الزيادة.
ولأن زيادة ركن يخل بنظم الصلاة ويغير هيئتها فلم تكن صلاة ولا فاعلها مصلياً.
ولأنه متى فعل ذلك أخر السلام عن موضعه فيكون قد ترك الواجب عمداً وذلك مبطل لما تقدم.
وأما كون من زاد ذلك سهواً يسجد لسهوه؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 4 رواه مسلم.

ولأن الزيادة سهو فيدخل في قوله عليه السلام: «إذا سها أحدكم فليسجد» 1. وقول الصحابي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 2. ولأن الزيادة نقص في المعنى فشرع السجود له لينجبر النقص.
قال: (وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها.
وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم).
أما كون من أدرك ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها يسجد لها؛ فلما روى ابن مسعود قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً.
فلما انفتل من الصلاة توشْوش القوم بينهم.
فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله! زيد في الصلاة شيء؟ فقال: لا.
قالوا: إنك صليت خمساً.
فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم.
[ثم] 3 قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.
فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» 4 رواه مسلم.
وأما كون من علم بالزيادة في الركعة يجلس في حال علمه؛ فلأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً وذلك مبطل لما تقدم.
وأما كونه يتشهد إن لم يكن 5 تشهد؛ فلأنه ركن لم يأت به.
وأما كونه يسجد؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 6 رواه مسلم.
وأما كونه يسلم فلتكمل صلاته.

قال: (وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع.
فإن لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالماً.
وإن فارقه أو كان جاهلاً لم تبطل).
أما كون من سبح به اثنان وهو قد سها يلزمه الرجوع؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى خبر أبي بكر وعمر في خبر ذي اليدين 1. ولأنه عليه السلام قال: «إذا نسيت فذكروني» 2 يعني بالتسبيح.
ولولا أن الإمام يتبع المأموم لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المأموم بالتسبيح.
وأما كونه تبطل صلاته إذا لم يرجع؛ فلأنه زاد في الصلاة عمداً.
ولأنه ترك الواجب عمداً.
وأما كون من اتبعه عالماً بتحريم متابعته تبطل صلاته؛ فلأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته.
أشبه ما لو اقتدى بمن يعلم حدثه.
وأما كون من فارقه لا تبطل صلاته؛ فلأن المأموم يجوز له مفارقة إمامه مع العذر.
وهو معذور هنا.
وأما كون من اتبعه جاهلاً بتحريم المتابعة لا تبطل صلاته؛ فلأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة جاهلين ذلك.
ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة 3. قال: (والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة يُبطلها عمده وسهوه.
ولا تبطل باليسير.
ولا يشرع له سجود).
أما كون العمل المستكثر الموصوف بما ذُكر عمداً كان أو سهواً يُبطل الصلاة؛ فلما تقدم من أن الفاعل لذلك عمداً أو سهواً لا يعد في نظر الناظر إليه أنه مصل 4.

ولما فيه من قطع الموالاة وذهاب الخشوع.
وأما كونها لا تبطل باليسير؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى 1 وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع.
إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» 2 متفق عليه.
وروي «أنه فتح الباب لعائشة وهو في الصلاة» 3. فإن قيل: ما اليسير؟ قيل: ما شابَهَ فعل النبي صلى الله عليه وسلم مما روي، والكثير ما زاد على ذلك وعُدَّ كثيراً في العرف.
وأما كونه لا يشرع له سجود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد لحمل أمامة ولا لفتح الباب لعائشة.
قال: (وإن أكل أو شرب عمداً بطلت صلاته.
قَلّ أو كثر.
وإن كان سهواً لم تبطل إذا كان يسيراً).
أما كون من أكل أو شرب عمداً تبطل صلاته؛ فلأن ذلك ينافي الصلاة.
ولأن ذلك يبطل الصوم الذي لا يبطل بالأفعال؛ فلأن تبطل الصلاة التي تبطل بالأفعال بطريق الأولى.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة لأنه لم يقيد بطلان الصلاة بأحدهما.
وفي ذلك روايتان: أحدهما: أنه لا فرق بينهما في ذلك؛ لأن صوم النافلة يبطل بذلك كالفريضة.
والثانية: أن النافلة لا تبطل بذلك «لأنه روي عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في صلاة التطوع».
ولأنه عمل يسير والنافلة مما سومح بها.
أشبه الخطوة والخطوتين.

وأما كون من أكل أو شرب سهواً لا تبطل صلاته إذا كان ذلك يسيراً؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» 1. ولأنه معفو عنه في الصوم فيعفى عنه في الصلاة بالقياس عليه.
قال: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كالقراءة في السجود، والقعود والتشهد في القيام، وقراءة السورة في الأخريين لم تبطل الصلاة به 2. ولا يجب السجود لسهوه.
وهل يشرع؟ على روايتين).
أما كون من أتى بقول مشروع في غير موضعه كما مثّل المصنف رحمه الله لا تبطل صلاته؛ فلأنه ذكر مشروع في الصلاة في الجملة وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ذلك منافياً لها فلم تبطل به لانتفاء المقتضي له.
وأما كونه لا يجب السجود لسهوه؛ فلأنه جبر لما ليس بواجب فأولى أن لا يكون واجباً.
وأما كونه لا يشرع السجود له على روايةٍ؛ فلأن الصلاة لا تبطل بعمده أشبه الخطوة والخطوتين.
وأما كونه يشرع على روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» 3 رواه مسلم.
قال: (فإن سلم قبل إتمام صلاته عمداً أبطلها.
وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد.
فإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحة الصلاة بطلت.
وإن تكلم لمصلحتها ففيها ثلاث روايات؛ إحداهن: لا تبطل.
والثانية: تبطل.
والثالثة: تبطل صلاة المأموم دون الإمام.
اختارها الخرقي).
أما كون من سلم قبل إتمام صلاته عمداً يُبطلها؛ فلأن الباقي من صلاته إما ركن وإما واجب وكلاهما يبطل الصلاة تركه عمداً.
وأما كونه يتمها إذا كان ذلك سهواً ثم ذكر قريباً ويسجد لذلك؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين سلم قبل إتمام صلاته.
ثم أتمها وسجد» 4.

وأما كونه تبطل صلاته إذا طال الفصل؛ فلتعذر بناء الباقي عليها.
وأما كون من تكلم في ذلك لغير مصلحة الصلاة نحو قوله: اسقني ماء تبطل صلاته؛ فلأنه في حكم الصلاة بدليل أن له البناء على ذلك لو لم يتكلم.
والكلام في الصلاة يبطلها لقوله عليه السلام: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
إنما هي التسبيح والقراءة والتكبير» 1 رواه مسلم.
فكذا فيما هو حكمها.
وأما كون من تكلم في ذلك لمصلحة الصلاة لا تبطل صلاته إماماً كان أو مأموماً في رواية؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا مع التعمد» 2. وأما كونها تبطل في روايةٍ؛ فلشمول ما تقدم من الأدلة المقتضية للبطلان لهما.
قال الإمام أحمد رحمه الله: لو أن لنا إماماً اليوم تكلم وأجاب المأموم أعاد الصلاة.
هذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
واختار هذه الرواية الخلال وقال: عليه استقر المذهب.
وأجاب أحمد عن قصة ذي اليدين بأن أبا بكر وعمر تكلما مجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم.
وكان يلزمهما أن يجيباه.
وذو اليدين تكلم في زمن يمكن أن تكون الصلاة فيه قد قصرت وتغيرت.
وأما كون صلاة المأموم تبطل دون الإمام في روايةٍ؛ فلأن الإمام قد تعتريه حال يحتاج فيها إلى الكلام.
مثل أن ينسى القراءة في ركعة فيذكرها في الثانية.
فقد فسدت عليه ركعة.
فيحتاج إلى بدلها.
وهي في ظن المأمومين خامسة.
وليس لهم موافقته.
ولا سبيل إلى إعلامهم بغير الكلام.
بخلاف المأموم.
قال: (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت.
وعنه: لا تبطل إذا كان ساهياً أو جاهلاً.
ويسجد له).
أما كون من تكلم في صلب الصلاة عمداً عالماً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته؛ فلأن الكلام في الصلاة منهي عنه لما تقدم.

ولقول زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة.
يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت» 3 متفق عليه.

ولمسلم: «ونهينا عن الكلام» 1. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما شاء.
وأنه قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» 2 رواه أبو داود.
وإذا كان الكلام منهياً عنه في الصلاة وجب أن يبطل كالصلاة في مكان نُهي عن الصلاة فيه من مقبرة ونحوها.
وأما كون من تكلم في ذلك ساهياً أو جاهلاً بكون الكلام مبطلاً تبطل صلاته على روايةٍ فلعموم ما تقدم.
وأما كونها لا تبطل على روايةٍ؛ فلما روى معاوية بن الحكم قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم.
فقلت: يرحمك الله.
فرماني القوم بأبصارهم... الحديث» 3. ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادةٍ لجهله بكون الكلام مبطلاً.
والناسي في معناه.
وأما كونه يسجد له فليجبر الخلل الذي حصل في صلاته بالكلام.
فإن قيل: لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بالسجود؟ قيل: إنما لم يأمره بذلك لأنه كان مأموماً والإمام يتحمل عن المأموم سهوه لما يأتي إن شاء الله تعالى 4. فإن قيل: الكلام المعفو عنه بالنسيان والجهل ما هو؟ قيل: اليسير؛ لأن الكثير يُخرج الصلاة عن هيئتها.

وقيل: الكثير كاليسير لأن ما عفي عن 1 يسيره لنسيان أو جهل عفي عن كثيره.
دليله: الأكل في الصوم.
قال: (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من 2 خشية الله تعالى.
وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك.
وقد روي عن أبي عبدالله رحمه الله: أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة).
أما كون القهقهة التي يأت منها حرفان كالكلام في بطلان الصلاة؛ فلقوله عليه السلام: «القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء» 3 رواه الدارقطني.
ولأنه تعمد في الصلاة ما ينافيها أشبه خطاب الآدمي.
وأما كون النفخ كالكلام فيما ذكر؛ فلأن ابن عباس قال: «من نفخ في الصلاة فقد تكلم» 4. وروي ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير 5. وروي أيضاً عن أبي هريرة.
إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عنه.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال في موضع آخر 6: أكره ولا أقول تقطع الصلاة.
ليس هو كلاماً؛ لما روى عبدالله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلم 7 يكد يركع ثم ركع 8 فلم يكد

يرفع -وذكر الحديث إلى أن قال-: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف» 1. ولأن ما لا يبطل 2 الصلاة إسراره فلم يبطلها إظهاره كالحرف الواحد.
[وأما كون] 3 النحيب الذي من غير خشية الله كالكلام؛ فلأنه من جنس كلام الآدميين.
ولم يفرق المصنف رحمه الله هنا بين ما غلب صاحبه وما لم يغلبه.
وقال في المغني وصاحب النهاية فيها: أن النحيب إن غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه.
ولم يحكيا فيه خلافاً.
وأما كون الذي من خشية الله تعالى ليس كالكلام؛ فلما روى عبدالله بن شداد قال: «سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف» 4. وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء» 5. وقد مدح الله تعالى بذلك فقال: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً﴾ [مريم: 58].
قال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل [أن ذلك -يعني البكاء لخوف الله تعالى- متى كان عن غير غلبة فسدت -يعني صلاته- ويحملُ] 6 ما ذُكر من النصوص وما نُقل عن الإمام على ما إذا غلبه أو إذا لم ينتظم منه حرفان بدليل تقييد الإمام أحمد في روايةِ مهنا البكاء

الذي لا يُفسد بكونه عن غلبة.
ولا يلزم من كون البكاء ممدوحاً عليه أن لا يكون مفسداً بدليل أنا أُمرنا بتشميت العاطس ورد السلام وذلك مفسد للصلاة.
وأما كون النحنحة على قول أصحابنا مثل القهقهة.
أي إن بان منها حرفان فسدت الصلاة؛ فلأن ذلك إذا بان منه حرفان كان كلاماً ويدخل في عموم ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: روي عن أبي عبدالله أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة، قال المروزي: أتيت أبا عبدالله فتنحنح يعلمني أنه في الصلاة.
ويعضده ما روى علي عليه السلام قال: «كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر.
فإن كان في الصلاة تنحنح فكان ذلك إذني.
وإن لم يكن في صلاة أذن لي» 1. قال القاضي: هذا محمول على أنه حرف واحد.
وهذا الذي ذكره القاضي مع فتح الفم بعيد فأما مع طبق الفم فصحيح.
ويمكن أن يقال المأتي به من الحروف في النحنحة حروف غير محققة فهي كصوت عُقْلٍ.
والأصواتُ العُقْل لا تختلف في السمع.

فصل [النقص في الصلاة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النقص.
فمتى ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها.
وإن ذكره قبل ذلك عاد فأتى به وبما بعده.
فإن لم 1 يعد بطلت صلاته.
وإن علم بعد السلام فهو كترك ركعة كاملة).
وأما كون النقص سهواً يسجد له؛ فلأن في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» 2 رواه مسلم.
ولأن النقص سهو فيدخل في قوله عليه السلام: «إذا سها أحدكم فليسجد» 3. وقول الصحابي: «سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد» 4. ولأنه إذا سجد للزيادة لأنها نقص في المعنى؛ فلأن يسجد في النقص صورة ومعنى بطريق الأولى.
وأما كون من ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى تبطل الركعة التي تركه منها؛ فلأنه لم يمكنه أن يأتي بالركن إلى وقت تلبسه 5 بالثانية لنسيانه أشبه المزحوم إذا لم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذلك هاهنا.
فعلى هذا إن كان الترك من الأولى صارت الثانية أولته والثالثة ثانيته والرابعة ثالثته ويأتي برابعة.
وإن كان من الثانية أو الثالثة أو الرابعة فعلى نحو ما تقدم.

وأما كونه يعود إلى ما ذكره فيأتي به إذا ذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى؛ فلأنه أمكنه الإتيان بالركن فلزمه العود إليه والإتيان به كالمزحوم إذا أمكنه الإتيان بالركعة قبل ركوع الإمام في الثانية.
وأما كونه يأتي بما بعد ذلك؛ فلأن الترتيب واجب ولا يحصل إلا بذلك.
وأما كونه إذا لم يعد تبطل صلاته؛ فلأنه ترك الواجب عمداً.
وأما كون ترك ركن كترك ركعة كاملة إذا علم بعد السلام؛ فلأن ذكر ذلك بعد السلام كذكره بعد شروعه في قراءة ركعة تلي تلك الركعة وذلك مبطل للركعة التي قبلها فكذا هاهنا.
قال: (وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات وذكر في التشهد سجد سجدة فصحت له ركعة ويأتي بثلاث.
وعنه تبطل صلاته).
أما كون من نسي ما ذكر يسجد سجدة؛ فلأن الرابعة نقص منها ذلك.
وأما كونه يصح له ذلك ركعة؛ فلأن جبرانها حصل قبل الشروع في غيرها.
وأما كونه يأتي بثلاث ركعات؛ فلأن كل ركعة من الثلاث التي فعلها تبطل بالشروع في التي تليها فلم يبق له سوى ركعة فيلزمه أن يأتي بكمال الصلاة الرباعية.
وفي الحكم بسجوده وصحة ركعته وإتيانه بثلاث ركعات حكم بأن صلاته لم تبطل بالنسيان وإن كثر وهو صحيح على المذهب؛ لأن 1 عدم البطلان فيما إذا ترك ركناً من ركعة لمكان النسيان وذلك موجود فيما كَثُر.
وأما كونه تبطل صلاته على روايةٍ؛ فلأن من نسي ذلك كله يكون متلاعباً بالصلاة ذاهلاً عنها.
ويحتاج إلى 2 إلغاء عمل كثير بين تكبيرة الإحرام والركعة المعتد بها أشبه العمل من غير جنس الصلاة.

قال: (وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً.
فإن استتم قائماً لم يرجع.
وإن رجع جاز.
وإن شرع في القراءة لم يجز له الرجوع.
وعليه السجود لذلك كله).
أما كون من نسي التشهد الأول ونهض يلزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً؛ فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس... مختصر» 1 رواه أبو داود وابن ماجة.
ولأنه أخل بواجب وذكر قبل الشروع في ركن مقصود.
فلزم الإتيان به، كما لو لم تفارق إليتاه الأرض.
وأما كونه لا يرجع إذا استتم قائماً؛ فلأن تتمة حديث المغيرة: «فإذا استتم قائماً فلا 2 يجلس ويسجد سجدتي السهو».
وأما كونه إذا رجع يجوز؛ فلأن القيام ركن ليس بمقصود في نفسه بل لغيره وهو القراءة فوجب أن يجوز له الرجوع كما لو لم يستتم 3 قائماً.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ويقوى عندي أنه لا يجوز له الرجوع وهو الصحيح؛ لما تقدم من حديث المغيرة.
ولأن القيام ركن.
فلم يجز الرجوع بعد الشروع فيه، كالقراءة.
وما ذكر من أنه ركن ليس بمقصود فممنوع.
وأما كونه لا يجوز له الرجوع إذا شرع في القراءة؛ فلحديث المغيرة المتقدم.
ولما روي عن معاوية: «أنه صلى بالناس فقام في الركعتين وعليه جلوس

فسبح به الناس فأبى أن يجلس.
فلما جلس ليسلم سجد سجدتين وهو جالس.
ثم قال: رأيت 4 رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا» 5 رواه الآجري 6.

ولأنه شرع في ركن مقصود فلم يجز له الرجوع منه إلى ما ليس بركن كما لو ركع.
وأما كونه عليه السجود لذلك كله؛ فلما تقدم من حديث معاوية.
ولما روى ابن بحينة «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس.
وقام الناس معه.
فلما قضى صلاته وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس.
فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم» 1 متفق عليه.

جارٍ التحميل