فصل [المودَع أمين]
قال المصنف رحمه الله: (والمودع أمين.
والقول قوله فيما يدعيه من رَدٍّ، وتلفٍ، وإذنٍ في دفعها إلى إنسان، وما يدعى عليه من جنايةٍ وتفريط).
أما كون المودع أميناً؛ فلأن الله تعالى سمى الوديعة أمانة بقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58]، وقوله: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: 283].
وقال عليه السلام: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك» 1.
ولأنه لا منفعة له في قبضها.
وأما كون القول قوله فيما ذكر؛ فلأن ذلك شأن الأمين.
قال: (فإن قال: لم تودعني، ثم أقر بها، أو ثبتت ببينة فادعى الرد أو التلف: لم يُقبل وإن أقام به بينة.
ويحتمل أن تقبل بينته.
وإن قال: ما لك عندي شيء قبل قوله في الرد والتلف).
أما كون المودَع المذكور لا يقبل قوله إذا ادعى الرد والتلف بعد قوله: لم تودعني؛ فلأنه خرج بالإنكار عن الأمانة.
وأما كونه لا تقبل بينته بذلك على المذهب؛ فلأنه مكذبٌ لها.
وأما كونه يحتمل أن تقبل فلعدم 2 التهمة.
والكذبُ الصادر منه لا يمنع من إظهار الحق، كالمرأة إذا ادعت القذف على زوجها فأنكر.
فأقامت البينة بقذفه.
فأراد الزوج إقامة البينة على زناها.
وأما كونه يقبل قوله في الرد والتلف إذا قال: ما لك عندي شيء؛ فلأن قوله أولاً لا يناقض قوله ثانياً؛ لأن من أخذ وديعة فتلفت أو ردّها يصح أن يقول: ما لك عندي شيء، لأنه صادق.
قال: (وإن مات المودَع فادعى وارثُه الردَّ: لم يُقبل إلا ببينة.
وإن تلفت عنده قبل إمكان ردّها لم يضمنها، وبعده يضمنها في أحد الوجهين).
أما كون وارث المودَع لا تُقبل دعواه في الرد إذا لم تكن بينة؛ فلأن دعوى الرد من المودَع إنما تقبل لكونه أمين المودِع، وهذا مفقود في وارثه؛ لأن المالك لم يأتمنه 1.
وأما كونه تقبل دعواه إذا كان له بينة؛ فلأن البينة تُظهر صدق دعواه.
وأما كونه لا يضمنها إذا تلفت عنده قبل إمكان ردها؛ فلأنه معذورٌ.
قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: 286].
وأما كونه يضمنها بعد الإمكان في وجهٍ، فلأن مال الغير صار في يده من غير أن يودعه إياه.
فوجب ضمانه إذا لم يردّه مع إمكانه، كما لو أطارت الريح ثوب رجلٍ إلى سطحٍ آخر، وأمكنه ردّه.
فلم يفعل.
وأما كونه لا يضمنها في وجهٍ؛ فكما لو تلفت قبل 2 الإمكان.
ولأن يده نائبةٌ عن موروثه، ولو تلفت عند موروثه مع إمكان الرد لم يضمن.
فكذلك هذا.
قال: (وإن ادعى الوديعة اثنان.
فأقرّ بها لأحدهما: فهي له مع يمينه.
ويحلف المودَع أيضاً.
وإن أقر بها لهما فهي لهما، ويحلف لكل واحدٍ منهما.
فإن قال: لا أعرف صاحبها حلف أنه لا يعلم، ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها).
أما كون الوديعة للمُقَرِّ له وحده؛ فلأن إقراره له بيّن أن يده نائبة عن يد المدعي.
واليدُ دليل الملك.
وأما كون ذلك مع يمينه؛ فلاحتمال أن لا تكون له.
ولهذا لو ادعى شخص داراً في يد آخر وطلب يمينه لزمته.
فكذلك هاهنا.
وأما كون المودَع يحلف أيضاً؛ فلأن من لزمه الدفع إذا أقرّ، لزمه اليمين إذا أنكر.
وأما كونها لهما إذا أقرّ بها لهما، وكونه يحلف لكل واحدٍ منهما؛ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يحلف أنه لا يعلم إذا قال: لا أعرف صاحبها؛ فلأنه يحتمل كذبه.
ولأن كل موضعٍ يُقضى فيه مع الإقرار تجب اليمين فيه مع الإنكار، وهاهنا لو أقرّ بها لهما أو لأحدهما قضي عليه.
وفي قول المصنف رحمه الله: حلف أنه لا يعلم؛ إشعارٌ بأن اليمين واحدة لا ثنتان نظراً إلى تعدد المدعي.
وصرح به في المغني.
ووجهه أن المدعى أمر واحد وهو العلم بعين المالك وبهذا فارق ما إذا أنكرهما من حيث إن كل واحدٍ منهما يدعي أنها له فهما دعوتان.
وأما كونه يقرع بينهما؛ فلأنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما.
فوجب أن يقرع بينهما، كالعبدين إذا أعتقهما المريض فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما، وكما لو أراد السفر بإحدى نسائه.
وأما كون من قرع يحلف؛ فلأنه يحتمل أنها ليست له.
وأما كونه يأخذ الوديعة إذا قرع 1 وحلف؛ فلأن ذلك فائدةَ القرعة.
قال: (وإن أودعه اثنان مكيلاً أو موزوناً 2. فطلب أحدهما نصيبه: سلمه إليه).
أما كون المودَع يُسَلم نصيب الطالب إليه؛ فلأنه حق مشترك.
يمكن تمييز أحدهما من الآخر من غير حيف محقق ولا موهوم فغيبة أحد الشريكين لا يمنع تمييز نصيب الحاضر.
دليله الدين المشترك.
فإن قيل: في الدين يدفع مال نفسه، وهاهنا يأخذ عين مال غيره.
قيل: بل هنا يأخذ عين ماله؛ لأن القسمة في المثلي إقرار لا بيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: مكيلاً أو موزوناً؛ فإشعارٌ بأن ذلك إنما يجوز في المثلي.
وصرح به صاحب النهاية فيها؛ لأن قسمة غير ذلك بيعٌ، وليس للمودَع أن يبيع على المودِع.
ولأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الحيف؛ لأنه يفتقر إلى التقويم وذلك ظنٌ وتخمين.
قال: (وإن غصبت الوديعة فهل للمودَع المطالبة بها؟ على وجهين).
أما كون المودَع ليس له مطالبة الغاصب بالوديعة على وجهٍ؛ فلأنه ليس وكيلاً للمالك.
وأما كونه له مطالبته بها على وجهٍ؛ فلأن له حق اليد والحفظ.
أشبه المستأجر والمرتهن.
وهذا قول أبي الخطاب.
باب إحياء المَوَات
والأصل في ذلك ما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ أحيَا أرضاً ميتةً فهيَ لهُ.
وليسَ لعرقِ ظالمٍ حَق» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وعن عائشة مثله 2. رواه أبو داود.
قال ابن عبدالبر 3: هو مسند صحيح مُتلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأرض الداثِرة، التي لا يُعلم أنها ملكت.
فإن كان فيها آثار الملك 4، ولا يُعلم لها مالك: فعلى روايتين).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت؛ فبيانٌ لمعنى الموات شرعاً.
ويسمى مَواتاً ومِيتَةً ومَوَتاناً بفتح الميم والواو.
والمُوْتان بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع.
ولا بد أن يُلحظ في قوله: التي لا يعلم أنها ملكت: أن يكون الملك لمسلمٍ أو مقرٍّ بالجزية، ولهذا روى كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده قال 5: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحيَا أرضاً مَواتاً في غيرِ حقِّ مسلمٍ فهيَ له» 6. رواه ابن عبدالبر.
وأما كون الأرض الداثرة التي كان فيها آثار المُلك، ولا يعلم لها مالك على روايتين؛ فلأن النظر إلى كونها داثرة يقتضي أن تكون مَواتاً.
والنظر إلى كونها فيها آثار المُلك يقتضي أن لا تكون مَواتاً.
فإن قيل: ما فائدة الخلاف في ذلك؟
قيل: جواز الإحياء وعدمه.
ويعضد الجواز عموم قوله: «من أحيا أرضاً ميتةً فهيَ له» 1. ويعضد العدم أنها أرض لها مالك، فلم يجز إحياؤها، كما لو كان معلوماً.
وعموم الحديث مخصوص بذلك.
قال: (ومن أحيا أرضاً ميتة فهي له، مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها.
إلا ما أحياه مسلم من أرض الكفار التي صولحوا عليها.
وما قَرُب من العامر وتعلق بمصالحه لم تملك بالإحياء.
وإن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين).
أما كون من أحيا أرضاً ميتة هي للمحيي؛ فلما تقدم من الأحاديث.
وأما كونها له بذلك مسلماً كان أو كافراً، بإذن الإمام أو غير إذنه، في دار الإسلام وغيرها غير ما استثني؛ فلأن العموم المتقدم يشمل ذلك كله.
ولأن الموجب للملك الإحياء، وهو موجود في كل الصور.
ولأن التمليك لا يختلف فيه المسلم والذمي.
دليله: البيع وسائر العقود.
وقال ابن حامد: لا يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مُوتان الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم» 2.
وجوابه: أن هذا لا يعرف صحته.
وإنما روى أبو عبيد: «عادِي الأرض لله ورسوله ثم هي لكم» 3 وهو مرسل رواه طاووس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم لا يمتنع أن أن يريد بقوله: «هي لكم» أي لأهل دار الإسلام، والذمي من أهل الدار.
وأما كون المسلم لا يملك بالإحياء ما أحياه من أرض الكفار التي صولحوا عليها؛ فلأنهم صولحوا على بلادهم فلم يُتَعَرّض لمواتهم؛ لأن الموات تابع للبلد.
وأما كونه لا يُملك بالإحياء ما قرب من العامر، وتعلق بمصالحه من طريقٍ، ومسيلِ ماءٍ، ومطرحِ عمارةٍ، وملقى ترابٍ؛ فلقوله عليه السلام: «من أحيا أرضاً ميتةً في غيرِ حق مسلمٍ فهيَ له» 1.
ولأنه تعلق به حق الأرض.
أشبه ما حصل فيه الإحياء.
وأما كونه يملك بالإحياء ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه على روايةٍ فلعموم الأدلة المقتضية لذلك.
وأما كونه لا يملك ذلك بالإحياء على روايةٍ؛ فلأنه قريبٌ من العامر، وقد يحتاج إليه في المآل.
أشبه ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه.
والأولى أولى، لما ذكر.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيَّة» 2. وهو يعلم أنها بين عمارة المدينة.
ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر.
فجاز إحياؤه، كالبعيد.
قال: (ولا تملك المعادن الظاهرة، كالملح، والقار، والنفط، والكحل، والجص بالإحياء.
وليس للإمام إقطاعه.
فإن كان بقرب الساحل موضعٌ إذا حصل فيه الماء صار ملحاً مُلك بالإحياء، وللإمام إقطاعه).
أما كون المعادن الظاهرة 3 لا تملك بالإحياء؛ فلأن في ذلك ضرراً على المسلمين لكونه من المصالح العامة.
وأما كون الإمام ليس له إقطاع ذلك؛ فلما ذكر قبل.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع رجلاً معدن الملح.
فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العدّ: ردّه» 4. كذا قال الإمام أحمد، ورواه أبو عبيد في الأموال.
ولأنه لا يجوز إقطاع مشارع الماءِ وطرق المسلمين.
فكذلك هذا.
وأما كون الموضع الذي إذا حصل فيه الماء صار ملحاً يملك بالإحياء، وكونه يجوز إقطاعه؛ فلأنه لم يضيق على أحدٍ.
فملك بالإحياء وجاز إقطاعه، كبقية الموات.
قال: (وإذا مَلك المحيا ملكه بما فيه من المعادن الباطنة، كمعادن الذهب والفضة.
وإن ظهر فيه عين ماء أو معدن جارٍ أو كلأ أو شجر فهو أحق به.
وهل يملكه؟ على روايتين).
أما كون المعادن الباطنة تملك بملك المحيا؛ فلأنها من جملة أجزائه.
فملكت بملكه، كغيره.
وأما كون المحيي أحق بما ظهر في المحيا من عين ماءٍ 1 أو معدِنٍ جارٍ أو كلأٍ أو شجر؛ فلأنه لو سبق إلى شيء من المباح الذي لا يَملك أرضه كان أحقَّ به، لقوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» 2. رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فهو أحق به» 3؛ فلأن يكون أحق بالمباح الذي في ملكه بطريق الأولى.
وأما كونه يملكه على روايةٍ؛ فلأنه متصلٌ بأرضه.
فَمَلَكه، كالمعادن الباطنة.
ولأنه نماء ملكه.
فملكه، كشعر غنمه.
وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: الماء والكَلأ والنار» 4 رواه ابن ماجة والخلال.
وقال عليه السلام 5: «لا حمى إلا في الأراك» 6.
قال: (وما فضل من مائه لزمه بذله لبهائم غيره.
وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين).
أما كون ما فضل من ماء الشخص 1 يلزمه بذله لبهائم غيره؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منْ منعَ فضلَ الماءِ وفضلَ الكلأِ منعهُ اللهُ فضلَ رحمتهِ [يومَ القيامة] (2») 3.
وأما كونه لا يلزمه بذل ذلك لزرع غيره على المذهب؛ فلأن الزرع لا حرمة له.
وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلما روى إياس بن عبد 4 «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى عن بيعِ فضلِ الماء» 5. رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقال: حديث صحيح.2
فصل [فيما يحصل به الإحياء]
قال المصنف رحمه الله: (وإحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماء.
وإن حفر بئراً عادِيَة ملك حريمها خمسين ذراعاً.
وإن لم تكن عادية فحريمها خمسة وعشرون ذراعاً.
وعند القاضي: حريمها قدر مد رشائها من كل جانب.
وقيل: قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها.
وقيل: إحياء الأرض ما عُدَّ إحياء.
وهو: عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرع أو بناء.
وقيل: ما يتكرر كل عام، كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء).
أما كون إحياء الأرض أن يحوزها بحائطٍ، أو يجري لها ماءً على المذهب: أما الأول، فلما روى سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ حَاطَ حَائِطاً على أرضٍ فهيَ له» 1. رواه أبو داود.
ولأن الحائط حاجز منيع.
فكان إحياء، كبناء الأرض داراً.
وأما الثاني؛ فلأن نفع الأرض بالماء أكثر من إحيائها بحائط.
وأما كون حافر البئر العادِيَة يملك حريمها خمسين ذراعاً، وكون حريمها إذا لم تكن عادِيَة خمسة وعشرين ذراعاً على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب أنه قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ 2 خمسة وعشرون ذراعاً» 3. رواه أبو عبيد في الأموال.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه رواه الخلال والدارقطني 1.
وأما كون حريم البئر قدر مد رشائها من كل جانب عند القاضي؛ فلأن ذلك ثبت لدفع الضرر.
فَقُدِّر بمد الرِّشاء من كل جانب؛ لأن الحاجة تندفع به دون غيره.
وأما كون إحياء الأرض ما عد إحياء على قولٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين صفته.
فوجب أن يحمل على العرف، كالحِرْز والقبض.
وأما قول المصنف: وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد منها من زرعٍ أو بناءٍ؛ فبيان لما يُعد إحياء في العرف.
فعلى هذا إذا أرادها للزرع كفاه تحويطُها بترابٍ أو غيره مما تتميز به عن غيرها، وبسوق الماء إليها من نهرٍ أو بئر.
وإن أرادها لحظيرةٍ كفاه تحويطها بحائط جرت به عادة مثلها.
وإن أرادها داراً كفاه التحويط مع التسقيف بما جرت به العادة.
وأما كون ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث ليس بإحياء، وكون ما لا يتكرر إحياءً على قولٍ؛ فلأن ما يتكرر لا إشعار فيه بالإحياء.
بخلاف ما لا يتكرر.
قال: (ومن تحجّر مَوَاتاً لم يملكه.
وهو أحق به ووارثه بعده ومن ينقله إليه.
وليس له بيعه.
وقيل: له ذلك.
فإن لم يُتم إحياءه قيل له: إما أن تحييه أو تتركه.
فإن طلب الإمهال أُمْهِل الشهرين والثلاثة.
فإن أحياه غيره فهل يملكه؟ على وجهين).
أما كون من تحجر مَوَاتاً لا يملكه؛ فلأن سبب الملك الإحياء، ولم يوجد.
وأما كونه أحق به؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سبقَ إلى ما لا يَسْبقْ إليه مسلمٌ فهوَ له» 2 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «فهوَ أحقُّ به» 3.
وأما كون وارثه أحق به بعده؛ فلقوله عليه السلام: «منْ تَرَكَ حقاً فلِوَرثتِه» 1.
وأما كون من ينقله إليه أحق به؛ فلأنه بمنزلته.
وأما كونه ليس له بيعه على المذهب؛ فلأنه لم يملكه.
فلم يكن له بيعه، كحق الشفعة.
وأما كونه له ذلك على قولٍ؛ فلأنه صار أحق به.
وأما كونه يقال لمن لم يُتم الإحياء: إما أن تحييه أو تتركه؛ فلأن في تركه على حاله تضييقاً على المسلمين في حقٍّ مشترك،.
فلم يمكن 2 منه، كالوقوف في طريق ضيق.
وأما كون طالب الإمهال يمهل الشهرين والثلاثة؛ فلأنه ربما أخّره لعذرٍ والظاهر زواله في مثل تلك المدة.
وأما كون غيره يملكه إذا أحياه على وجهٍ؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضاً ميتةً ملكَها» 3.
ولأن الإحياء يُملك به وفاقاً.
فقدم على التحجر المختلف في ثبوت الملك به.
وأما كونه لا يملكه على وجهٍ؛ فلأن مفهوم قوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يَسبقْ إليه مسلم» 4 يدل عليه.
ولأن المتحجر أسبق.
فكان أولى، كحق الشفيع مع المشتري.
فصل [في الإقطاع]
قال المصنف رحمه الله: (وللإمام إقطاع مَوَات لمن يحييه.
ولا يملكه بالإقطاع بل يصير كالمتحجر الشارع في الإحياء).
أما كون الإمام له إقطاع مَوَات لمن يحييه؛ فلما روى وائل بن حجر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً فأرسل إلى معاوية أن أعطه إياه أو أعلمها إياه» 1. حديث صحيح.
و«أقطع بلالَ بن الحارث المزني» 2، و «أبيضَ بنَ حمّال المازني» 3، و «الزبيرَ حُضْرَ فَرَسِه» 4 رواه أبو داود.
وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 5.
وأما كون من أقطع له ذلك لا يملكه بالإقطاع؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعَ بلال بن الحارثِ العقيق.
فاسترجعَ منه عمرُ ما عجزَ عن إحيائِه» 6. ولو ملكه لم يجز استرجاعه.
وأما كونه يصير كالمتحجّر الشارعِ في الإحياء؛ فلأنه ترجح بالإقطاع على غيره.
فوجب أن يصير كمن ذكر؛ لاشتراكهما في الترجح على الغير.
قال: (وله إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة، ورحاب المساجد ما لم يضيّق على الناس.
ولا يُملك ذلك بالإحياء.
ويكون المُقْطَعٌ أحق بالجلوس فيها.
فإن لم يقطعها فلمن سبق الجلوس فيها.
ويكون أحق بها ما لم ينقل قُماشه 1 عنها.
فإن أطال الجلوس فيها فهل يزال؟ على وجهين).
أما كون الإمام له إقطاع ما ذُكر ما لم يضيّق على الناس؛ فلأن ذلك يباح الجلوس فيه، والانتفاع به.
فجاز للإمام إقطاعه، كالأرض الميتة.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضيق على الناس؛ مشعرٌ بأنه ليس له ذلك إذا ضيّق على الناس.
وهو صحيح؛ لأن فيه مضرةٌ على الناس.
وليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه.
فضلاً عمّا فيه مضرة.
وأما كون المقطع لا يملك ذلك بالإحياء؛ فلما ذُكر في إقطاع الأرض.
وأما كون من سبق له 2 الجلوس إذا لم يقطعها الإمام؛ فلاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار 3 على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار.
ولأنه ارتفاق بمباحٍ من غير إضرارٍ فلم يمنع منه كالإحياء.
وأما كونه أحق بها من غيره ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ فلأنه سبق إلى شيء مباح.
أشبه من سبق إلى ماءٍ أو كلأٍ.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنَى مُناخُ منْ سَبَق» 4.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم ينقل قُماشَه عنها؛ مشعرٌ بأنه إذا نقل قُماشه عنها كان للغير الجلوس فيها.
وصرح به في المغني؛ لأن صاحب القُماش زالت يده برفع قُماشه.
بخلاف ما لو أقام ولم يرفع قُماشه فإنه لا يكون للغير الجلوس فيها؛ لأن الأول لم تزل يده.
وأما كون قُماشه يُزال إذا أطال الجلوس فيها على وجهٍ؛ فلأنه يصير كالمتملك، وتملكه لا يجوز.
وأما كونه لا يزال على وجهٍ؛ فلأنه قد سبقت يده.
فلم يمنع من الاستدامة، كالابتداء.
قال: (فإن سبق اثنان أُقرع بينهما.
وقيل: يقدم الإمامُ من يرى منهما).
أما كون من ذكر يقرع بينهما على الأول؛ فلأنهما استويا في السبق، والقرعة مميزة في كثيرٍ من المواضع.
فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونه يقدم الإمام من يرى منهما على الثاني؛ فلأنه أعلم بالمصلحة في ذلك.
قال: (ومن سبق إلى معدِنٍ فهو أحق بما ينال منه، وهل يمنع إذا طال 1 مقامه؟ على وجهين).
أما كون من سبق إلى معدنٍ أحق بما ينال منه؛ فلقوله عليه السلام: «منْ سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحق به» 2.
[وأما كونه يمنع إذا طال مقامه ففيه وجهان وجههما ما تقدم في الجلوس في الطريق.
قال: (ومن سبق إلى مباح، كصيدٍ، وعنبرٍ، وحطبٍ، وثمرٍ، وما ينبذه الناس رغبة عنه: فهو أحق به.
وإن سبق إليه اثنان قسم بينهما).
أما كون من سبق إلى شيء مما ذكر أحق به من غيره؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «من سبقَ إلى ما لم يسبقْ إليه أحد فهو أحقُ به] (3») 4.
وأما كون المسبوق إليه يقسم بين الاثنين إذا سبقا 5 إليه؛ فلأنهما استويا في السبب، والقسمة ممكنة.
بخلاف ما إذا سبقا إلى مكان ضيّق يقصدان الجلوس فيه.3
قال: (وإذا كان الماء في نهر غير مملوك، كمياه الأمطار: فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه.
ثم يرسل إلى من يليه.
فإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه).
أما كون الأعلى له السقي وحبس 1 الماء حتى يبلغ الكعب، فلما روى عبادة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى من شربَ من نهرٍ من مسيلٍ أن الأعلى يسقي قبل الأسفل» 2. رواه ابن ماجة بمعناه.
وعن عبدالله بن بكر بن حزم أنه بلغه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مَهْزُورٍ ومُذَيْنِبٍ: يُمْسكُ حتى الكعبينِ ثم يُرسلُ الأعلى على الأسْفل» 3. رواه مالك في موطئه.
قال ابن عبد البر: هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة معمولٌ به عندهم.
قال عبدالملك بن حبيب: مهزورٍ ومذينبٍ واديان من أودية المدينة يسيلان من المطر، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما.
وأما كون من أراد إحياء أرض بسقيها من ذلك يجوز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه؛ فلأنه مباحٌ لا ضرر على غيره.
فجاز له ذلك، كما لو سبق.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضر... إلى آخره؛ مشعرٌ بأنه إذا كان ذلك يضر بأهل الأرض المذكورة لا يجوز وهو صحيح؛ لقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار (4») 5. [رواه ابن ماجة والدارقطني] 6.4
قال: (وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ما لم يضيّق على الناس وليس ذلك لغيره).
أما كون الإمام له أن يحمي ما ذكر؛ فلما روي أن عمر قال: «حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين» 1. رواه أبو عبيد.
والإمام قائم مقامه.
ولأن عمر وعثمان فعلا الحمى، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان كالإجماع.
ولأن في ذلك مصلحة فجاز للإمام فعلها كسائر المصالح، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أَطعمَ الله لنبي طُعمةً إلا جَعلهَا لمن بَعدَه» 2.
وقول المصنف رحمه الله: ما لم يضيّق على الناس؛ مشعرٌ بأنه إذا كان يضيق على الناس ليس للإمام ذلك.
وهو صحيح؛ لأن الجاهلية كانوا يحمون لأنفسهم، ويرعون مع العامة فيما سواه.
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لما فيه من التضييق على الناس فقال: «لا حِمَى إلاّ للهِ ولِرَسُولِه» 3 رواه أبو داود.
وأما كون غير الإمام ليس له ذلك؛ فلأن الإمام إنما جاز له ذلك لما تقدم ذكره وذلك مفقود في غيره.
قال: (وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحدٍ نقضه.
وما حماه غيره من الأئمةِ فهل يجوز نقضه؟ على وجهين).
أما كون ما حماه النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحدٍ نقضه؛ فلأن حماه حكمٌ منه، وحكمه نص.
فلم يجز نقضه بالاجتهاد، كسائر أحكامه صلى الله عليه وسلم 4.
وأما كون ما حماه غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة هل يجوز نقضه؟ فيه وجهان؛ فلأن المعنى المذكور قبل يقتضي النقض، ولأن لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد يقتضي عدمه.
قال المصنف في الكافي: والأول أولى، لأن الاجتهاد كان في تلك المدة دون غيرها، ولهذا ملك الحامي لها تغييرها.
باب الجُعالة
والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زَعِيم﴾ [يوسف: 72].
وروى أبو سعيد الخدري «أنّ ناساً من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حَياًّ من أحياءِ العربِ فلم يَقرُوهم.
فبينما هم كذلك إذْ لُدغَ سيدُ أولئك.
فقال: هل فيكمْ من رَاقٍ؟ فقالوا: لم تَقرُونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جُعلاً.
فجعلوا لهم قطيع شياهٍ.
فجعل رجلٌ يقرأ بأمِ الكتابِ ويجمعُ بُزاقَهُ ويتفُل فبَرأَ الرجل فأتوا بالشاءِ، فقالوا: لا نأخذها حتى نسألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فسألوا عنها النبي 1 صلى الله عليه وسلم.
فقال: وما أدراكَ أنها رقيةٌ.
خذوها واضربوا لي معكمْ بِسهَم» 2 متفق عليه.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجازت كالإجارة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي أن يقول: من ردّ عبدي 3 أو لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط فله كذا: فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه.
وإن فعله جماعة فهو بينهم.
ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه سواء ردّه قبل بلوغ الجعل أو بعده).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يقول: من رد عبدي أو لقطتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا؛ فبيان لمعنى الجُعالة.
وأما كون من فعل ذلك بعد بلوغه الجعل يستحقه؛ فلأن العقد استقر بتمام العمل.
فاستحق الجعل، كالربح في المضاربة.
وأما كون الجعل بين الجماعة الفاعلين لذلك؛ فلأن ذلك مستحق بالعمل، وهو مشترك بين الجماعة.
فكذلك ما يستحق به.
وأما كون من فعل ذلك قبل بلوغه الجعل لا يستحقه؛ فلأن فعله وقع غير مأذون فيه.
فلم يستحق الجعل، كما لو لم يبلغه.
ولأن الجعل عوض عن مجموع فعله وردّه، وقد وجد الفعل قبل الجعل.
ولأنه بذل منافعه بغير عوضٍ جُعِلَ له.
فيكون عاملاً في مال غيره بغير إذنه.
فلم يستحق شيئاً؛ لما يذكر في موضعه.
وأما كونه لا يستحقه سواء رده قبل بلوغ الجعل أو بعده؛ فلما تقدم من أن الجعل بدل عن الفعل والرد، والفعل فائت في الرد قبل البلوغ كما هو فائت في الرد بعده.
قال: (وتصح على مدةٍ مجهولةٍ وعملٍ مجهولٍ إذا كان العوضُ معلوماً).
أما كون الجُعالة تصح على مدة مجهولة، وعملٍ مجهول إذا كان العوض معلوماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير﴾ [يوسف: 72]، ولم يذكر المدة ولا العمل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فجاز مع الجهالة، كالمضاربة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كان العوض معلوماً؛ فمشعرٌ بأنه لا تصح الجُعالة إذا كان العوض مجهولاً وهو صحيح؛ لأنه يجب تسليم العوض، وذلك متعذرٌ في المجهول.
قال: (وهي عقد جائز لكل واحدٍ منهما فسخها.
فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئاً.
وإن فسخها الجاعل بعد الشروع فعليه للعامل أجرة عمله.
وإن اختلفا في أصل الجعل أو قدره فالقول قول الجاعل).
أما كون الجعالة عقداً جائزاً؛ فلأنها عقدٌ يجوز على مجهولٍ.
فكانت جائزةً، كالمضاربة.
وأما كون كل واحدٍ من الجاعل، والمجعول له: له فسخها؛ فلأن ذلك شأن كل عقدٍ جائز.
وأما كون العامل لا يستحق شيئاً إذا فسخ الجعالة؛ فلأنه إنما يستحق الجعل بعد الفراغ من عمله، ولم يحصل.
وأما كون الجاعل عليه أجرة عمل العامل إذا فسخها بعد الشروع؛ فلأنه إنما عمل بعوضٍ، ولم يسلم له بسببٍ من جهة غيره.
فوجب على الجاعل أجرة عمله، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
وأما كون القول قول الجاعل إذا اختلفا في أصل الجعل أو قدره؛ فلأنه منكرٌ والأصل يعضده.
قال: (ومن عمل لغيره عملاً بغير جُعْل فلا شيء له.
إلا في ردّ الآبق فإن له في الشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً.
وعنه: إن ردّه من خارج المصرِ فله أربعون درهماً).
أما كون من عمل لغيره عملاً بغير جُعْل في غير ردّ الآبق لا شيء له؛ فلأنه بذل نفعه من غير جُعل.
أشبه ما لو نوى التبرع به.
وأما كونه له في ردّ الآبق شيء بالشرع، فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الآبقِ إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً» 1.
ولأنه قول علي وعمر وابن عمر وابن مسعود، ولم يعرف لهم مخالفٌ.
فكان إجماعاً.
وعن أحمد: لا شيء لمن ردّه؛ لأنه عمل في ملك غيره عملاً بغير إذنه.
فلم يستحق شيئاً، كما لو ردّ جمله.
والأول أصح، لما تقدم ذكره.
ولأن في استحقاق الجعل في ردّ الآبق من غير شرط حثاً على ردّه، وصيانة له عن الرجوع إلى دار الحرب، وارتداده عن دينه.
فيجب أن يكون مشروعاً لهذه المصلحة.
وبهذا فارق الجمل الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك.
فعلى هذه إن ردّه من داخل المصرِ فله دينار أو اثني عشر درهماً: أما الأول؛ فلأنه يروى عن ابن مسعود.
وأما الثاني؛ فلأن الدينار مقدر في الشرع بذلك في كثير من المواضع.
فليكن كذلك هاهنا.
وإن ردّه من خارج المصر ففيه روايتان:
إحداهما: أنه له ديناراً أو اثني عشر درهماً: أما الأول، فلما تقدم من الحديث.
وأما الثاني 1؛ فلأنها بدل عنه لما تقدم.
وثانيهما: أن له أربعين درهماً؛ لما روى أبو عمرو الشيباني قال: «قلت لعبدالله بن مسعود: إني أصبتُ عبيداً أباقاً فقال: لكَ أجرٌ وغنيمة.
فقلتُ: هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال: من كل رأسٍ أربعينَ درهماً» 2.
وقال أبو إسحاق: «أُعْطيتُ الجعل في زمن عمر أربعين درهماً».
وهذا يدل على أنه مستفيض بين أهل العصر الأول.
واختار هذه الرواية الخلال، وقال: حديث عبدالله بن مسعود أصح إسناداً.
قال: (ويأخذ منه 3 ما أنفق عليه في قوته وإن هرب منه في طريقه، فإن مات السيد استحق ذلك في تركته).
أما كون الرّاد يأخذ ما أنفقه على الآبق في قوته؛ فلأنه مأذون له في الإنفاق من جهة الشرع لحرمة النفس.
وبهذا فارق من قضى دين غيره بغير إذنه حيث وقع فيه خلاف.
بخلاف الآبق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن هرب منه 4 في طريقه؛ ففيه تنبيهٌ على أن الهرب لا يسقط النفقة؛ لأنها وقعت مأذوناً فيها شرعاً وقد وُجدت فاستحق الرجوع بها، كما لو أذن مالكه في الإنفاق عليه ثم هرب.
وفيه إشعارٌ بأن الجعل لا يُستحق إلا 5 بالرد سواء كان ذلك متاعاً وجده ثم ضاع، أو عبداً وجده ثم هرب لكونه ذكر ذلك في النفقة دون الجعل.
وصرح بذلك في المغني.
وعلل عدم الاستحقاق في العبد: بأن الجعل مرتبٌ على الرد؛ لأن القائل يقول: من ردّ عبدي.
ثم قال: فإن قيل: أليس الجعل في اللقطة معلقاً على مجرد الوجدان، كقوله: من وجد لقطتي فله دينار؟
[قيل: قرينة الحال تدل على اشتراط الرّد، إذ المقصود الرّد لا نفس الوجدان] 1. وإنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرّد.
وأما كون الرّاد يستحق ما تقدم ذكره في تركة السيد إذا مات؛ فلأن ذلك وجب له.
فكان له في تركة السيد، كسائر الحقوق الثابتة عليه.
باب اللقطة
قال الخليل: اللُّقطة بفتح القاف: اسم للملتقِط، كالضُّحَكةِ، والهُزَأَةِ، والهُمَزةِ، واللمزةِ، وبالسكون: اسم للمال الملقوط كالضُّحْكةِ الذي يُضحك منه، والهُزْأة الذي يُهزَأ به.
وقال 1 الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هي بفتح القاف اسم للمال أيضاً.
والأصل فيها ما روى زيد بن خالد الجهني قال: «سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق.
فقال: اعرف وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا ثم عَرِّفْهَا سنة.
فإن لم تعرف فاسْتَنْفِقْهَا.
ولتكن وَدِيعةً عندك.
فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه.
وسُئل عن ضالة الإبل فقال: مالكَ ولها دعها فإن معها حِذاءَهَا وسِقَاءَهَا تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يجدها ربُّها.
وسُئل عن الشاة فقال: خذها.
فإنما هيَ لكَ أو لأخيكَ أو للذئب» 2. متفق عليه.
الوكاء: الخيط الذي يشد به المال.
والعفاص: الوعاء الذي فيه المال.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: المال الضائع من ربه.
وتنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا تتبعه الهمّة، كالسَّوط، والشِّسْع، والرغيف: فيملك بأخذه بلا تعريف).
أما قوله رحمه الله: وهي المال الضائع من ربه؛ فبيان لمعنى اللقطة شرعاً.
وأما كونها تنقسم ثلاثة أقسام؛ فلأن منها: ما يملك بلا تعريف، ومنها: ما لا يملك البتة، ومنها: ما يملك بالتعريف.
وسيأتي بيان ذلك مفصلاً في مواضعه 3.
وأما كون ما لا تتبعه الهمة كالذي مثله المصنف رحمه الله يُملك بأخذه بلا تعريف، فلما روى جابر قال: «رخصَ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في العصا، والسوطِ، والحبلِ، وأشباههِ يلتقطُه الرجلَ ينتفعُ به» 1. رواه أبو داود.
وروي عنه عليه السلام: «أنهُ أصابَ تمرةٍ.
فقال: لولا أني أخشَى أن تكونَ صدقةً لأكلتُها» 2 متفق عليه 3.
و«أصاب رجل تمرة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو لمْ تأتِها لأتتْك».
ولم ينكر عليه أكلها.
وأما قوله رحمه الله: كالسَّوْط والشِّسْع والرغيف؛ فبيان لصور من صور ما لا تتبعه الهمّة، وتُملك بغير تعريف.
قال: (الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والظباء، والطير، والفهود، ونحوها: فلا يجوز التقاطها.
ومن أخذها ضمنها.
فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان).
أما كون الإبل لا يجوز التقاطها؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «دعها فإن معها حذاءها وسقاءها» 4.
وعن عمر رضي الله عنه: «من أخذَ ضالةً فهوَ ضالّ» 5.
وأما كون البقر لا يجوز التقاطها، فـ «لأن جرير بن عبدالله طردَ بقرةً لحقتْ بالبقرِ حتى توارتْ.
وقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يُؤْوِي الضالّةَ إلا ضَالّ» 6. والحجة فيه: أنه فَهِم من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم شموله للبقر.
ولأن البقر لها قوة تمتنع بها عن صغار السباع.
فهي كالإبل.
وأما كون باقي الصور لا يجوز التقاطها؛ فلأن فيها قوة تمتنع بها عن صغار السباع.
أشبهت الإبل.
ولم يذكر المصنف رحمه الله الحمير وهي ملحقة بذلك عند الأصحاب؛ لأن لها قوة.
أشبهت البقر.
وصرح في المغني بأنها ملحقة عنده بالشاة.
وعلل ذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «معها حذاءها وسقاءها» 1. وعلل في الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها، والحمير مساوية للغنم في علتها مفارقة للإبل في علتها؛ لأنها لا صبر لها عن الماء، وبِقِلَّةِ صبرها يضرب المثل فيقال: ما بقي من مدته إلا ظِمء حمار.
وأما كون من أخذها يضمنها؛ فلأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشرع له.
فضمنه، كالغاصب.
وأما كونه يزول الضمان عنه إذا دفعها إلى نائب الإمام؛ فلأن للإمام نظراً في ضوال الناس.
بدليل أن له أخذها.
قال: (الثالث: سائر الأموال، كالأثمان، والمتاع، والغنم، والفصلان، والعجاجيل، والأفلاء: فمن لا يأمن نفسه عليها ليس له أخذها.
فإن فعل ضمنها ولم يملكها وإن عرّفها.
ومن أمن نفسه عليها وقوي على تعريفها فله أخذها.
والأفضل تركها.
وعند أبي الخطاب: إن وجدها بمَضْيَعَة فالأفضل أخذها).
أما كون من لا يأمن نفسه على الأشياء المذكورة ليس له أخذها؛ فلأن في أخذه لها تضييعاً لمال الغير.
فحرم، كإتلافه.
وأما كونه يضمنها إذا فعل ذلك؛ فلأنه متعدٍّ بأخذها 2. فضمنها، كالغاصب.
وأما كونه لا يملكها وإن عرّفها؛ فلأن السبب المحرم لا يفيد الملك.
دليله: السرقة.
والتقاط هذه محرم؛ لما تقدم.
فلا يستفاد به الملك.
وأما كون من يأمن نفسه عليها ويقوى على تعريفها له أخذها؛ فلأن الشرع أذن له في ذلك؛ لأنه قال عليه السلام مرة: «اعرف عفاصها ووكاءها» 1 وقال في الشاة: «خذها» 2.
ولأن في ذلك حفظاً لمال غيره، فإن لم يكن واجباً فلا أقل من أن يكون جائزاً.
وأما كون الأفضل ترك الالتقاط على المذهب؛ فلأن ذلك قول ابن عباس وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف.
فكان إجماعاً.
ولأنه يعرض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من التعريف، وأداء الأمانة فيها.
فكان تركه أولى، كولاية مال اليتيم.
وأما كون الأفضل أخذها عند أبي الخطاب إذا وجدها بمَضْيَعَة؛ فلما فيه من الحفظ المطلوب شرعاً.
قال: (ومتى أخذها.
ثم ردّها إلى موضعها، أو فرّط فيها: ضمنها).
أما كون الآخذ يضمن إذا ردّ بعد الأخذ؛ فلأنها أمانة حصلت في يده.
فلزمه حفظها، كالوديعة، وإذا ردّها فقد ضيّعها.
وأما كونه يضمن إذا فرّط فيها؛ فلأن كل أمانةٍ تُضمن بالتفريط.
فكذلك هذه.
قال: (وهي على ثلاثة أضرب:
حيوان، فيتخيّر بين أكله وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله.
وهل يرجع بذلك؟ على وجهين).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي على؛ فراجع إلى ما تقدم من قوله: الثالث سائر الأموال.
وأما كونها على ثلاثة أضرب؛ فلأن منها: حيواناً، كالشاة، ومنها: ما يخشى فساده، كالطبيخ، ومنها: ما سوى ذلك.
وأما كون الملتقط يتخيّر في الحيوان بين أكله في الحال وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين حفظه والإنفاق عليه من ماله: أما الأكل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» 1. جعلها له في الحال ثم سوّى بينه وبين الذئب، والذئب يأكلها، فإذا أكله كان عليه قيمته؛ لأنه إذا كان عليه قيمة ما يضطر إليه إذا أكله.
فلأن يكون عليه قيمة 2 ما ذُكر بطريق الأولى.
فعلى هذا يحفظ صفته ويعرّفه عاماً فإذا جاء صاحبه غرمه له.
وأما بيعه وحفظ ثمنه؛ فلأنه إذا كان له أكله فلأن يكون له بيعه بطريق الأولى.
وأما حفظه والإنفاق عليه من ماله؛ فلأن في ذلك حفظه على صاحبه عيناً ومالاً.
وأما كونه يرجع بما أنفقه على الحيوان ناوياً للرجوع بما أنفقه على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على اللقطة لحفظها.
فكان من مال صاحبها، كمؤونة تجفيف الرطب والعنب.
وقد روي عن عمر بن عبدالعزيز «أنه قضى فيمن وجدَ ضالةً فأنفقَ عليها وجاءَ ربُها بأنه يغرمُ له ما أنفق» 3.
وأما كونه لا يرجع على وجهٍ؛ فلأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه فلم يرجع، كما لو بنى داره.
وفارق ذلك التجفيف من حيث: إن ذلك أحفظ.
بخلاف إبقاء الحيوان.
ولأن نفقة التجفيف لا تتكرر، ونفقة الحيوان تتكرر حتى ربما استغرقت ثمنه.
قال: (الثاني: ما يُخشى فساده.
فيتخيّر بين بيعه وأكله.
إلا أن يمكن تجفيفه كالعنب فيفعل ما يرى الحظ فيه لمالكه، وغرامة التجفيف منه.
وعنه: يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم).
أما كون الملتقط يتخير فيما يُخشى فساده، كالطبيخ والبطيخ 1 والتمر الرطب 2 إذا كان لا يمكن تجفيفه.
بين بيعه وبين أكله على المذهب: أما البيع؛ فلأن فيه إبقاء لمالية ذلك.
وأما الأكل؛ فلأنه إذا كان له أكل ما لا يتلف بتقدير البقاء فلأن يكون له أكل ما لا يبقى بطريق الأولى.
فعلى هذا إن باعه حفظ ثمنه، وإن أكله غرم قيمته.
ولم يصرح المصنف رحمه الله بذلك؛ اكتفاء بما تقدم.
إذ هما سواء في المعنى.
وأما كونه يبيع اليسير، ويرفع الكثير إلى الحاكم على رواية؛ فلأن اليسير يتسامح به.
بخلاف الكثير.
والأول أولى، لأنه مالٌ أبيحَ له التصرف فيه بالأكل والصدقة.
فأبيح له أن يتولى بيع الكثير منه واليسير، كمال نفسه.
أو مال أبيح له بيعه عند عدم الحاكم.
فجاز عند وجوده، كمال مَوْلِيِّه.
وأما كونه يفعل ما يرى فيه الحظ لمالكه فيما يُخشى فساده ويمكن تجفيفه كالعنب والرطب ونحوهما؛ فلأن ذلك أمانة في يده، وفعل الحظ في الأمانة مُتعين.
فإن قيل: كيف جاز بيع الحيوان دون هذا؟
قيل: لأن في ترك الحيوان ضرراً وهو النفقة عليه، وخيفة موته.
بخلاف هذا.
وأما كون غرامة التجفيف منه؛ فلأنه من مصلحته.
فكان منه، كما لو كان ذلك ليتيم.
قال: (الثالث: سائر المال فيلزمه حفظه).
أما قول المصنف رحمه الله: سائر المال؛ فيشمل ما عدا ما تقدم ذكره، كالأثمان، والمتاع، وغيرهما.
وأما كون الملتقط يلزمه حفظ ذلك؛ فلأنه أمانةٌ في يده.
فلزمه حفظه، كالوديعة.
قال: (ويعرِّف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس، كالأسواق، وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولاً كاملاً: من ضاع منه شيء أو نفقة).
أما كون الملتقِط يُعَرِّف جميع ما تقدم ذكره بالنداء عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به زيد بن خالد 1 وأبي بن كعب 2.
ولأن إيصال اللقطة إلى صاحبها مع القدرة عليه واجبٌ، ولا يتم ذلك إلا بالتعريف، وما لا يتم الواجبُ إلا به واجب.
وأما كون التعريف كما ذكره المصنف 3؛ فلأنه طريقٌ إلى إيصال الحق إلى مستحقه.
وفيه تنبيهٌ على أنه يشتمل على أربعة أضرب: مكانه، وزمانه، ومدته، وكيفيته: أما مكانه فكما ذكر المصنف من الأسواق وأبواب المساجد؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها، وذلك طريق إليه.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه «أنهُ أمرَ واجدَ اللقطةِ بتعريفها على بابِ المسجد» 4.
وفي قوله رحمه الله: وأبواب المساجد إشعارٌ بأن التعريف لا يفعل في المسجد، وإن كان مجمَع الناس؛ لأن المسجد لم يُبْن 5 لذلك.
وقد روى أبو هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم: «من سمعَ رجلاً ينشدُ ضالةً في المسجد فليقل: لا أدّاها الله إليكَ.
فإن المساجدَ لم تُبْنَ لهذا» 1 [رواه مسلم] 2.
وأما زمانه فكما ذكره المصنف رحمه الله من أوقات الصلوات.
والمعتبر فيه النهار دون الليل؛ لأن النهار مَجْمع الناس وتيقظهم فيه.
دون الليل.
وأما مدته فحول كامل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن خالد الجهني: «عرفها سنة» 3.
ولأن السَّنَة لا تتأخر عنها القوافل غالباً، وتمضي فيها الأوقات المشتملة على الحر والبرد والاعتدال.
فصلحت مدةً، كمدة أجل العنِّين.
وأما كيفيته، فكما ذكره المصنف قبلُ.
وقال في المغني: يَذكر جنسها.
فيقول: من ضاع منه ذهب أو فضة أو دراهم أو دنانير.
ولا يذكر الوصف، فإنه لا يؤمن أن يسمعه أحد فيعرف.
ثم يذكره.
فيأخذها.
قال: (وأجرة المنادي عليه.
وقال أبو الخطاب: ما لا يُملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه: يرجع بالأجرة عليه).
أما كون أجرة المنادي على المعرّف على المذهب؛ فلأنه سببٌ لتملكها.
فكانت الأجرة عليه، كما لو اكترى شخصاً يقطع له مباحاً.
وأما كون أجرة ما لا يملك بالتعريف، وما يُقصد حفظه لمالكه يرجع بها على المالك على قول أبي الخطاب؛ فلأنه من مؤونة إيصالها إليه.
فكان على مالكها، كأجرة مخزنها ورعيها 4 وتجفيفها.
ونسب المصنف رحمه الله في المغني ما لا يُملك بالتعريف إلى ابن عقيل، وما يُقصد تعريفه إلى أبي الخطاب.
قال: (فإن لم يُعرف دخل في ملكه بعد الحول حكماً، كالميراث.
وعند أبي الخطاب: لا يملكه حتى يختار ذلك.
وعن أحمد: لا يَملك إلا 1 الأثمان.
وهي ظاهر المذهب.
وهل له الصدقة بغيرها؟ على روايتين.
وعنه: لا تملك لقطة الحرم بحال).
أما كون ما لم يُعرف يدخل في ملك الملتقط بعد الحول حكماً، كالميراث على الأول؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بكونها له فقال في حديث زيد بن خالد: «فإن لم تعرفْ فاستنفقْها» 2.
وفي لفظ: «فهي كسبيلِ مالِك» 3.
وفي لفظ: «فانتفِعْ بها».
وفي لفظ: «فشأنكَ بها» 4.
وأما كونه لا يملك ذلك عند أبي الخطاب حتى يختار ذلك 5؛ فلأنه يملك بعوض.
فلم يحصل إلا باختيار المتملك، كالبيع.
وأما كونه لا يَملك إلا الأثمان في ظاهر المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود.
ولأنها لقطة لا تُملك في الحرم.
فلا تملك في غيره، كالإبل.
ولأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها، لعدم الغرض المتعلق بعينها.
فمثلها يقوم مقامها من كل وجهٍ.
بخلاف غيرها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في قوله: فإن لم يعرف دخل في ملكه أن العروض تُملك كالأثمان؛ لأنه عمّم.
ثم ذكر عن أحمد رواية: أنها لا تملك.
وقد رجح الأول في المغني؛ لأنه ذكر نحواً مما تقدم.
ثم قال: ولنا عموم الأحاديث في
اللقطة جميعها «فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: عرِّفهَا سنةً -ثم قال في آخره: - فانتفعْ بها أو فشأنكَ بها» 1.
وفي حديث عياض: «منْ وَجَدَ لُقطَةً» 2. وهو عام 3.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! كيف ترى في متاعٍ يوجد في الطريق الميتاء، أو قرية مسكونة؟ فقال: عرّفه سنةً.
فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنكَ به» 4 رواه الأثرم والجوزجاني.
ورويا «أن سفيانَ بن عبدالله وجد عَيْبَةً فأتى بها عمر بن الخطاب.
فقال: عرِّفهَا سنة.
فإن عُرِفَتْ وإلا فهيَ لك.
زاد الجوزجاني: فلم تُعرفْ.
فلقيَهُ بها في العام 5 المقبل فذكرها له.
فقال عمر: هيَ لكَ.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنا بذلك» 6.
ولأن ما جاز التقاطه يمُلك 7 بالتعريف، كالأثمان.
وأما كون الملتقِط له الصدقة بالملتقَط الذي لا يُملك على روايةٍ؛ فلما روي عن ابن مسعود «أنه اشترى جاريةً.
فذهبَ صاحبها.
فجعلَ يتصدقُ بالثمنِ ويقولُ: لصاحبها.
فإن أبى قبلنَا، وعلينا الثمن.
ثم قال: هكذَا يُصنعُ باللقطة» 8.
ولأن الإنسان ينتفع بماله تارة لمعاشه، وتارة لمعاده.
فإذا تعذّر المعاشُ انصرف إلى المعاد.
ولا بد أن يُلحظ في هذه: الضمان إذا جاء طالبها، كالأموال التي في يده لا يعلم مالكها، وحديث ابن مسعود يدل عليه.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تصرّف في مال الغير بغير إذنه.
قال المصنف في المغني: هذا قولٌ قديمٌ رَجع عنه.
وأما كون لقطة الحرم لا تملك على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: لا تَحِلُ ساقطتُها إلا لمُنشد» 1 متفق عليه.
قال أبو عبيدة: المُنشِد: المعرّف، والناشد: الطالبُ.
فيكون معناه: لا تحل لقطة مكة إلا لمن يعرّفها؛ لأنها خُصّت بهذا من بين سائر البلدان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهَى عن لُقطةِ الحاجّ» 2 رواه مسلم.
قال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها.
والأول أصح، لما تقدم من عموم الأحاديث.
ولأنه أحد الحرمين.
أشبه حرم المدينة.
ولأنها أمانة.
فلا يختلف حكمها بالحل والحرم، كالوديعة.
وقوله عليه السلام: «إلا لمنشد» 3 يحتمل أنه يريد إلا لمن عرّفها عاماً.
وتخصيصها بذلك لتأكيدها لا لتخصيصها، كقوله عليه السلام: «ضالةُ المسلمِ حَرقُ النَارِ» 4، وضالة الذمي تُقاس عليها.
ولأن في ذكر ذلك فائدة هي مفقودة في غير مكة وذلك أنه ربما تُوُهّم أنه لا فائدة في تعريف لقطةِ مكة من حيث إن الناس يتفرّقون شرقاً وغرباً.
فنص على التعريف قطعاً لذلك.
والقول بأن التعريف مطلقاً مرجوحٌ بالنسبة إلى تعريف السنة، لأن اللفظ وإن كان مطلقاً هنا فهو مقيدٌ في بقية الأحاديث.
والقول بأن المنشد: الطالب إن 1 لم يُمنع فهو مرجوحٌ بالنسبة إلى استعماله بمعنى المعرف 2.
فصل [في التصرف باللقطة]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يجوز له التصرّف في اللقطة حتى يَعْرف وِعاءها، ووكاءها، وقَدْرها، وجنسها، وصفتها).
أما كون الملتقط لا يجوز له التصرف في اللقطة حتى يعرف وعاءها، ووكاءها، وقدرها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك كله فقال لزيد بن خالد: «اعرف وكاءَهَا وعِفَاصَهَا» 1، وفي حديث أبي بن كعب: «اعرف وعاءَهَا ووكاءَهَا وعدَدَهَا» 2.
وأما كونه لا يجوز له التصرف حتى يعرف جنسها وصفتها؛ فلأنه إذا تصرّف فيها انعدمت عينها.
فإذا لم يعرف جنسها وصفتها لم يبق سبيلٌ إلى معرفتها.
قال: (ويستحب ذلك عند وجدانها، والإشهاد عليها).
أما كونه يستحب معرفة ذلك عند وجدان اللقطة؛ فلأن فيه تحصيلاً للعلم بذلك.
فإذا جاء صاحبها فوصفها غلب على ظنه صدقه.
فيجوز دفعها إليه.
وأما كونه يستحب الإشهاد عليها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ وجدَ لقطةً فليشهدْ ذَوَيْ عَدل» 3 رواه أبو داود [والنسائي وابن ماجة] 4.
فإن قيل: هذا أمرٌ، وظاهر الأمرِ الوجوب.
قيل: مُسَلَّم.
إلا أنه يُحمل على الاستحباب إذا دلّ عليه الدليل، وقد وُجد
هنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن خالد 1 وأبي بن كعب 2 بالتعريف دون الإشهاد.
فلو وجب الإشهاد لذكره 3. لا سيما وقد سُئل عن حكم اللقطة.
ولأنه أخذ على وجهِ الأمانة.
فلا يفتقرُ إلى الإشهاد، كالوديعة.
قال: (فمتى جاء طالبها.
فوصفها: لزمه دفعها إليه بنمائها المتصل.
وزيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول، ولواجدها بعده في أصح الوجهين).
أما كون الملتقط يلزمه دفع اللقطة إلى صاحبها الواصف لها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن جاءكَ أحد يخبرك بعددها ووعاءها ووكاءها فادفعها إليه» 4.
قال ابن المنذر: هذا الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث زيد: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» 5 يعني إذا ذكر صفاتها؛ لأن ذلك هو المذكور في صدر الحديث.
وأما كونه يلزمه دفع نمائها المتصل؛ فلأنه نماء ملكه.
ولأنه لا يمكن انفصاله.
ولأن ذلك يتبع في الفسوخ والعقود.
وأما كون زيادتها المنفصلة لمالكها قبل الحول؛ فلأنها نماء ملكه.
وأما كونها لواجدها بعد الحول في وجهٍ، فلأنه ملكها بانقضاء الحول.
فيكون النماء المنفصل نماء ملكه.
وأما كونها لصاحب اللُّقطة في وجهٍ؛ فبالقياس على المفلس إذا استُرجعت منه العين بعد أن زادت زيادة متميزة، وعلى الابن إذا استرجَع أبوه ما وهبه له بعد زيادته.
وصحح المصنف رحمه الله الأول.
ثم قال: وكذا نقول: الصحيح في الموضعين المذكورين: أن الزيادة المذكورة لا تتبع الأصل.
ثم الفرق بينهما وبين اللقطة أن الملتقط يضمن النقص.
فتكون الزيادة له ثم ليس على من ذُكر ضمان النقص.
فأمكن أن لا تضمن 1 الزيادة.
قال: (وإن تلفت، أو نقصت قبل الحول: لم يضمنها.
وإن كان بعده ضمنها).
أما كون الملتقط لا يضمن اللقطة إذا تلفت أو نقصت قبل الحول؛ فلأنها أمانة في يده.
فلم يضمن إذا لم يفرط 2 فيها، كالوديعة.
وأما كونه يضمن ذلك بعده؛ فلأنها دخلت في ملكه بانفصاله وتلفت من ماله، ولا فرق حينئذٍ بين التفريط وعدم التفريط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فاستنفقها فإذا طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه» 3، وليس المراد العين؛ لأنه أمره بإنفاقها فعلم أن المراد الضمان، وقد أوجبه 4 عليه من غير تفصيل.
قال: (وإن وصفها اثنان قسمت بينهما في أحد الوجهين، وفي الآخر: يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها.
وإن أقام آخر بينة أنها له أخذها من الواصف.
فإن تلفت ضمنها من شاء من الواصف والدافع إليه.
إلا أن يدفعها بحكم حاكم فلا ضمان عليه.
ومتى ضمن الدافع رجع على الواصف).
أما كون اللقطة تقسم 5 بين الواصفين في وجهٍ، فلأنهما استويا في السبب الموجب للدفع.
أشبه ما لو استويا في السبب 6 الموجب للنَّقل.
وأما كونه يقرع بينهما في وجهٍ، فلأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
قال المصنف في المغني: والذي قلناه أصح -يعني القرعة-؛ لأنها أشبه بالأصول.
فيما إذا تداعيا شيئاً في يد غيرهما.
فعلى هذا 1 من قرع صاحبه أخذها؛ لأن ذلك فائدة القرعة، ويحلف لاحتمال أنها ليست له.
وأما كون من أقام بينة أنها له يأخذها من الواصف؛ فلأن البينة أقوى من الوصف.
وأما كونه يُضَمِّنها من شاء من الواصف والدافع إليه إذا تلفت وكان الدفع بغير حكم حاكم: أما تضمين الواصف؛ فلأنه أخذ مال غيره بغير إذنه.
فتلف عنده.
وأما تضمين الدافع؛ فلأنه دفع المال إلى غير صاحبه.
أشبه ما لو دفع الوديعة إلى غير مُودعها إذا غلب على ظنه أنه مالكها.
وأما كونه لا يضمن الدافع إذا كان بحكم الحاكم؛ فلأنها أُخذت منه كرهاً.
فلا ينسب إلى تفريط.
وأما كون الدافع إذا ضَمن يرجع على الواصف؛ فلأن التلف حصل في يده.
واشترط المصنف في المغني في الرجوع على الواصف: أن لا يكون الدافع أقر له 2 بالملك بلفظه؛ لأنه إذا اعترف بذلك فقد اعترف أن الواصف هو المحق وأن صاحب البينة ظلمه.
وفي كلام المصنف هنا إشعارٌ بأن صاحب البينة إذا ضَمَّن الواصف لا يرجع الواصف على الدافع.
وصرح به في المغني؛ لأن التلف حصل في يده.
ولأن الدافع لو ضَمِن لرجع على الواصف.
فكيف يرجع الواصف عليه؟.
فصل [في الملتقط]
قال المصنف رحمه الله: (ولا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها.
وقيل: يُضم إلى الفاسق أمينٌ في تعريفها وحفظها).
أما كونه لا فرق بين كون الملتقط غنياً أو فقيراً، مسلماً أو كافراً؛ فلعموم ما تقدم من الأدلة.
وأما كونه لا فرق بين كونه عدلاً أو فاسقاً يأمن نفسه عليها على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونه يُضم إلى الفاسق أمينٌ فيما ذُكر على قولٍ؛ فلأن الفاسق لا يؤمن على مال غيره، ولا يمكن انتزاعها من يده؛ لأن له فيها حق التملك 1. ونصّ المصنف رحمه الله على التعريف؛ لأن الفاسق قد ينقص شيئاً من صفاتها أو يغيّره.
فافتقر ذلك إلى مشاركة الأمين، كالحفظ.
قال: (وإن وجدها صبي أو سفيه قام وليه بتعريفها.
فإذا عرّفها فهي لواجدها).
أما كون ولي الصبي والسفيه يقوم بتعريف اللقطة؛ فلأن واجدها ليس من أهل التعريف، وهو يقوم في ماله.
فكذلك يقوم في لقطته.
وأما كونها لواجدها إذا عرّفها وليه؛ فلأن سبب الملك الوجدان.
فاختص بمن وجد منه.
وفي قيام الولي 2 بما ذكر إشعارٌ بأنه 3 يصح التقاط الصبي والسفيه، وهو صحيح؛ لدخولهما في عموم الأخبار.
ولأن ذلك نوع كسب.
فصح منهما، كالاصطياد.