الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 5-44

الجنايات جمع جناية.
والجناية في اللغة: كل فعل عدوان على بدن أو مال.
وفي الشرع: هي كل فعل عدوان على بدن.
وتسمى فيه الجناية على المال غصباً ونهباً وسرقة وإتلافاً وخيانة.
والجناية على البدن حرام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: 151]، وقوله: ﴿ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً﴾ [الإسراء: 33]، وقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنم... الآية﴾ [النساء: 93]، وقوله تعالى: ﴿والجروحَ قصاص﴾ [المائدة: 45].
وأما السنة؛ فما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينهِ المفارقُ للجماعة» 1. متفق عليه.
وروي عن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله 2. وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم الجناية على البدن.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [(القتل على أربعة أضرب: عمد وشبه عمد وخطأ وما أجري مجرى الخطأ.
فالعمد: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً).
أما كون] 1 القتل على أربعة أضرب؛ فلأن منه ما يوجب القصاص وهو العمد، ومنه ما يوجب الدية مغلظة وهو شبه العمد، ومنه ما يوجبها غير مغلظة، وذلك تارة يكون الخطأ فيه محضاً وهو الخطأ، وتارة يكون غير محض وهو ما أجري مجرى الخطأ.
وسيأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الخرقي: هو على ثلاثة أوجه: عمد وشبهه وخطأ لأن ما أجري مجرى الخطأ خطأ؛ لأن فاعله لم يقصده، أو هو من فعل من لا يصح قصده.
فوجب كونه خطأ.
وأما قول المصنف: فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به 2 عالماً بكونه آدمياً؛ فبيان لمعنى العمد الموجب للقصاص شرعاً.
وفي قولنا: "أن يقتله بما يغلب على الظن موته" احتراز من شبه العمد؛ مثل: أن يضربه بما لا يغلب على ظنه موته كالعصا والسوط 3 وأشباه ذلك.
وفي قوله: "عالماً بكونه آدمياً" احتراز عن الخطأ؛ مثل: أن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
وفي قوله: "معصوماً" احتراز عن الحربي وما أشبهه؛ لأنه غير معصوم.

قال: (وهو تسعة أقسام: أحدها: أن يجرحه بما له مَوْر في البدن من حديد أو غيره؛ مثل: أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلة فيموت؛ إلا أن يغرزه بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل فيموت في الحال ففي كونه عمداً وجهان.
وإن بقي من ذلك ضَمِنًا حتى مات، أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين: فهو عمد محض).
أما كون القتل العمد تسعة أقسام؛ فلأنه ينقسم إلى الأقسام الآتي ذكرها وهي تسعة.
وأما كون أحدها أن يجرحه بما له مَوْر في البدن.
أي بما له نفوذ في البدن؛ كالمحدد من الحديد أو الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الزجاج أو الحجر أو القصب؛ فلأنه قتل بما يغلب على الظن موته به فيدخل تحت 1 ما تقدم ذكره.
وأما قول المصنف رحمه الله: مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة فيموت؛ فتمثيل للقتل بما له مَوْر في البدن.
وأما كون الغرز بإبرة أو شوكة ونحوهما في غير مقتل عمداً إذا مات في الحال في وجهٍ؛ فلأن الموت حصل بعد فعله.
أشبه ما لو بقي ضمناً حتى مات.
وأما كونه غير عمد 2 في وجهٍ؛ فلأن الظاهر أنه لم يمت منه؛ لأنه لا يقتل في الغالب.
أشبه العصا.
وأما كون الغرز بذلك في غير مقتل عمداً 3 محضاً [إذا بقي ضَمِناً حتى مات؛ فلأن الظاهر أنه مات منه.
ومعنى قوله: بقي ضَمِناً] 4 أنه بقي متألماً بما أصابه.
ومنه قول الشاعر: ما خلتني زلت بعدكم ضَمِناً... أشكو إليكم حموة الألم

وأما كون الغرز بذلك في مقتل كما مثل المصنف رحمه الله عمداً محضاً؛ فلأن الإصابة بذلك في مقتل كالإصابة بالسكين في غير 1 مقتل.
قال: (وإن قطع سَلَعة من أجنبي بغير إذنه فمات 2 فعليه القود.
وإن قطعها حاكمٌ من صغير أو وليه فلا قود).
أما كون من قطع سَلَعة من 3 أجنبي بغير إذنه فمات فعليه القود؛ فلأنه متعد بفعله.
أشبه ما لو قتله.
ولا بد أن يلحظ في الأجنبي هنا أن يكون لا ولاية له على من قطع السلعة منه؛ لا أن يكون بينه وبينه قرابة؛ لأن المسقط للقود عدم التعدي، وذلك يعتمد الولاية لا القرابة.
وأما كون الحاكم أو الولي إذا قطع سَلَعة من صغير لا قود؛ فلأنه فعل ذلك لمصلحة الصغير المرصد لمثلها.
فلم يجب القود؛ كما لو سقاه دواء فمات.
ولا بد أن يلحظ في الحاكم أن يكون ولياً للصبي لما تقدم.
وكان الأجود أن يقول: وإن قطعها من صغير وليُّه؛ لأنه يشمل الحاكم وغيره إذا كان كذلك.
قال: (الثاني: أن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط، أو بما 4 يغلب على الظن أن يموت به كاللت والكوذين والسندان، أو حجر كبير، أو يلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يلقيه من شاهق أو يُعيدالضرب بصغير، أو يضربه به في مقتل، أو في حال ضعف قوة من مرض أو صغر أو كبر أو في حر أو برد ونحوه).
أما كون الثاني من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كونه عمداً؛ فلأن القتل بالمحدد إنما كان عمداً لكونه يغلب على الظن موته به.
وهذا موجود في ذلك كله.

وفي كون القتل بذلك عمداً إشعار بوجوب القصاص.
وهو صحيح؛ لأن من قتل بذلك مقتول ظلماً فيجب القصاص به على قاتله؛ لقوله تعالى: ﴿ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً﴾ [الإسراء: 33].
وعن أنس رضي الله عنه «أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاحٍ لها بحجرٍ.
فقتله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين حَجرين» 1 متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قُتلَ له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما يُودَى، أو يُقاد» 2. رواه البخاري ومسلم.
ولأن المثقل يقتل غالبًا.
فوجب القصاص به؛ كالمحدد.
وأما كون المصنف رحمه الله قيد الضرب بمثقل بكونه فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الضرب لو كان بشيء كبير مثل عمود الفسطاط فما دون 3 لم يجب القصاص به؛ لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المرأةِ التي ضَربت جارتها بعمودِ فسطاطٍ فقتلتهاوجنينها: قضى في الجنين بغُرّةٍ، وقضى بديةِ المرأة على عاقِلَتِها» 4. والعاقلة لا تحمل ما يوجب القصاص.
فإن قيل: ما عمود الفسطاط؟ قيل: عمود الخيمة.
قال القاضي: المراد بالعمود المذكور ما فيه رقة ورشاقة.
فأما العمود الذي يتخذه الترك وغيرهم لخيمهم فالقتل به عمد؛ لأنه يقتل غالباً.

وأما كونه مَثّل القتل بمثقل تارة باللت وتارة بالحجر فتنبيه على أنه لا فرق بين كون المثقل من حديد كاللت والكوذين والسندان وبين كونه من غير حديد كالحجر؛ لاشتراك الكل في كونه يقتل غالباً.
ولأن القصاص هنا لكونه مثقلاً فلا أثر لكونه من حديد.
وأما كون من يُلقي على شخص حائطاً أو سقفاً أو يلقيه من شاهق كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن القتل بذلك في معنى القتل بالخشبة الكبيرة التي فوق العمود المذكور.
وأما كون من يعيد الضرب بصغير كالعصا والحجر الصغير فيموت كمن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفسطاط؛ فلأن الإعادة تقوم مقام المثقل.
[فلو مات من غير إعادة لم يجب القصاص لانتفاء الإعادة القائمة مقام المثقل] 1. وأما كون من يضربه بما ذكر في مقتل، أو ضعف من مرض أو صغر أو كبر أو حر أو برد ونحو ذلك: كذلك؛ فلأن ذلك إذا تعقبه الموت غلب على الظن أن القتل حصل به.
فوجب القصاص؛ كالمثقل الكبير.
قال: (الثالث: ألقاه في زُبْيَة أسد أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية أو ألسعه عقرباً 2 من القواتل ونحو ذلك فقتله).
أما كونه الثالث من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الإلقاء في زُبْية أسد عمداً؛ فلأن الغالب أن الأسد يقتله فإذا تعمد الإلقاء عليه فقد تعمد قتله بما يقتل غالباً.
وأما كون إنهاش الكلب أو السبع أو الحية وإلساع العقرب عمداً؛ فلأن كل واحد مما ذكر يغلب على الظن حصول القتل به.
أشبه ما لو ضربه بمحدد فمات.
قال: (الرابع: ألقاه في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها فمات).
أما كون الرابع من الأقسام التسعة ما ذكر؛ فلأنه يلي الثالث.

وأما كون الإلقاء في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها عمداً؛ فلأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسناد القتل إليه.
فوجب كونه عمداً؛ لما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: في ماء يغرقه أو نار لا يمكنه التخلص منها؛ فتنبيه على أن الماء إذا كان لا يغرق مثله والنار يمكن التخلص منها لا يكون عمداً لأن ذلك لا يقتل غالباً.
أشبه ما لو ضربه بمثقل صغير في موضع لا يقتله مثله غالباً.
قال: (الخامس: خنقه بحبلٍ أو غيره، أو سد فمه وأنفه، أو عصر خصيتيه حتى مات).
أما كون الخامس مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون كل واحد من الخنق وسد الفم مع الأنف وعصر الخصيتين عمداً؛ فلأن ذلك يقتل مثله غالباً.
أشبه ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: أو سد فمه وأنفه فظاهره أنه يعتبر سد الفم والأنف جميعاً.
وهو صحيح لأن الحياة في الغالب لا تفوت إلا بسدهما.
وأنه لا فرق في السد والعصر بين طول المدة وقصرها.
وقال في المغني: إن فعل ذلك في مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو عمد فيه القصاص.
ولا بد من ذلك؛ لأن المدة متى كانت يسيرة لا يغلب على الظن أن الموت حصل به.
قال: (السادس: حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات جوعاً وعطشاً في مدة يموت في مثلها غالباً).
أما كون السادس مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كون الحبس والمنع من الطعام والشراب حتى يموت جوعاً وعطشاً في المدة المذكورة عمداً؛ فلأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عنده فإذا تعمده الإنسان فقد تعمد القتل.
وأما كون ذلك في مدة يموت في مثلها غالباً؛ فلأن الناس يختلفون في ذلك لأن الزمان إذا كان شديد الحر وكان الإنسان جائعاً مات في الزمن القليل، وإذا كان شبعاناً والزمان معتدل أو بارد لم يمت إلا في الزمان الطويل.

قال: (السابع: سقاه سماً لا يعلم به، أو خلط سماً بطعام فأطعمه، أو خلطه بطعامه فأكله ولا يعلم به: فمات فإن علم آكله به وهو بالغ عاقل أو خلطه بطعام نفسه فأكله إنسان بغير إذنه فلا ضمان عليه).
أما كون السابع مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي السادس.
وأما كون سقي السم لمن لا يعلم به عمداً؛ فلأنه فعل فعلاً يقتل مثله غالباً.
فكان عمداً؛ كما لو ضربه بمحدد.
وأما كون خلط السم بطعام وإطعامه إياه عمداً؛ فلأن ذلك في معنى سقيه السم لاشتراكهما في حصول الموت بكل واحد منهما.
فإن قيل: روى أنس «أن يهوديةً أتتِ النبي صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ فأكلَ منها ولم يَقتُلْها» 1. قيل: لا حجة في ذلك؛ لأن أنساً لم يذكر أنه مات من ذلك أحد.
والقصاص إنما يجب بشرط الموت ولذلك جاء في رواية أبي سلمة «أن بشرَ بن البراء 2 ماتَ فأرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فاعترفتْ فأمرَ بها فقُتِلَت» 3. أخرجه أبو داود.
وأما كون خلط السم بطعام شخص إذا أكله غير عالمٍ بكونه مسموماً فمات عمداً؛ فلأن الشخص يغلب على الظن أكله لطعامه فإذا سمّه شخص فقد قصد قتله به غالباً.
فكان ذلك عمداً؛ كما لو خلط طعام نفسه به ثم أطعمه إياه.
وأما كونه لا ضمان عليه إذا علم الآكل بكون الطعام مسموماً؛ فلأنه أكله مع علمه بكونه قاتلاً.
فلم يكن فيه ضمان؛ كما لو قدم له سكيناً فقتل نفسه بها.

وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بالغ عاقل؛ فمعناه أن يشترط لنفي الضمان أمران 1: البلوغ والعقل؛ فلأن فعل الصبي والمجنون لا عبرة به.
ويشترط له أمر آخر لم يذكره المصنف رحمه الله وهو: العلم بكون السم قاتلاً؛ لأن من جهل ذلك لا يصح أن يقال علم بكونه قاتلاً.
وأما كونه لا ضمان عليه إذا خلط شخصٌ طعام نفسه فأكله غيره بغير إذنه؛ فلأن صاحب الطعام لم يقتله وإنما الآكل قتل نفسه.
ونظيره شخص حفر في داره بئراً فدخل غيره بغير إذنه فوقع 2 فيه.
قال: (فإن ادعى القاتل بالسم أني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل في أحد الوجهين، ويقبل في الآخر ويكون شبه عمد).
أما كون من ادعى ما ذكر لا يقبل قوله في أحد الوجهين؛ فلأنه ادعى ما يسقط الواجب عليه.
فلم يقبل قوله؛ كغيره من الإسقاطات.
ولأن السم يقتل غالباً.
فلم يقبل قوله في أنه لم يعلم أنه سُمٌّ قاتل؛ كما لو جرحه وقال: لم أعلم أنه يموت به.
وأما كونه يقبل قوله في الوجه الآخر؛ فلأنه يجوز أن يخفى عليه أن السم قاتل.
فيكون ذلك شبهة.
فيسقط به القصاص.
وأما كونه على هذا يكون شبه عمد؛ فلأنه من حيث إنه قصد فعل الشيء الداعي إلى القتل يشبه العمد فيكون شبه عمد لشبهه به.
قال: (الثامن: أن يقتله بسحر يقتل غالباً).
أما كون الثامن مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي السابع.
وأما كون القتل بالسحر المذكور عمداً؛ فلأنه قتل بشيء يقتل مثله غالباً.
أشبه ما لو ضربه بسكين.

وأما كون السحر يقتل غالباً؛ فلأنه متى كان لا يقتل غالباً لا يصح قياسه على السكين لقيام الفرق بينهما من حيث إن السكين تقتل غالباً، وذلك مفقود فيه.
قال: (التاسع: أن يشهدا على رجل بقتل عمداً أو ردة أو زنا فيقتل بذلك ثم يرجعا ويقولا: عمدنا قتله أو يقول الحاكم: علمت كذبهما وعمدت قتله، أو يقول الولي ذلك: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص إذا كملت شروطه).
أما كون التاسع مما ذكر ما ذكر؛ فلأنه يلي الثامن.
وأما كون شهادة الشاهدين بما ذكر ورجوعهما وقولهما: عمدنا قتله عمداً؛ فلما روي «أن رجلين شهدَا عند علي رضي الله عنه على رجلٍ أنه سرق فقطَعَه.
ثم رجعا عن شهادتهما.
فقال علي: لو أعلمُ أنكما تعمّدتما لقطعتُ أيديكما» 1. ولأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالبًا.
فكان عمداً؛ كالذي تقدم.
وأما كون الحاكم أو الولي إذا قال: علمت كذب الشاهدين وعمدت قتله عمداً؛ فلأن الحاكم والولي في معنى الشاهدين.
فكان القتل الحاصل بسببهما عمداً؛ كالقتل الحاصل بسبب الشاهدين.
وأما قول المصنف رحمه الله: فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص؛ فإشارة إلى الأقسام التسعة المتقدم ذكرها.
[وفيه تنبيه على أشياء: أحدها: أن العمد على ضربين: محض.
وهو: ما لا شبهة فيه البتة وهو الأقسام التسعة المتقدم ذكرها] 2، وغير محض كعمد الخطأ.
وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.
وثانيها: أن العمد ليس مختصاً بما تقدم ذكره بل كل ما أشبهه كان ملحقاً به لشبهه به.
وثالثها: أن العمد المحض موجب للقصاص لا غير.

أما كونه موجباً للقصاص فلا خلاف فيه بين أهل العلم وقد دلت الآيات والأخبار على ذلك: أما الآيات؛ فقوله تعالى: ﴿ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سُلطاناً﴾ [الإسراء: 33]، وقوله تعالى: ﴿كُتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: 178]، وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45].
وأما الأخبار؛ فقوله عليه السلام: «من قُتل له قتيلٌ فهو بخيرِ النظرين: إما أن يُقتل وإما أن يُفدى» 1 متفق عليه.
وقوله عليه السلام: «من أصيبَ بدمٍ أو خَبَلٍ فهوَ 2 بالخيار بين إحدى ثلاث.
فإن أرادَ الرابعةَ فخذوا على يديه: أن يقتُل، أو يعفُو، أو يأخذ الدية» 3. رواه أبو داود.
وقوله عليه السلام: «فمنْ قُتِلَ له قتيلٌ بعد مَقالَتي هذه فأهلُهُ بين خِيَرَتَيْنِ: أن يَأخذُوا العَقْلَ، أو يَقتُلُوا» 4. وقوله عليه السلام: «العمدُ قودٌ إلا أن يعفوَ وليُّ المقتُول» 5. وقوله عليه السلام: «منْ قَتَلَ عامداً فهو قَوَد».
رواه أبو داود وابن ماجة ولفظه: «منْ قُتِلَ عمداً فهوَ قَوَد» 6. وأما كون غير العمد لا يوجب للقصاص؛ فلأن غير ذلك: إما شبه عمد، وإما خطأ، وإما ما أجري مجرى الخطأ.
والكل لا قصاص فيه.
وسيأتي دليل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كملت شروطه فصحيح؛ لأنه لا شبهة أن للقصاص شروطاً؛ مثل كون المقتول حراً مسلماً ونحو ذلك.
ولا يمكن استيفاء الشيء قبل شرطه 1.

فصل [في شبه العمد] قال المصنف رحمه الله: (وشبه العمد: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل؛ نحو: أن يضربه بسوط أو عصا أو حجر صغير أو يلكزه أو يلقيه في ماء قليل أو يسحره بما لا يقتل غالباً أو يصيح بصبي أو معتوه وهما على سطح فيسقطا أو يغتفل عاقلاً فيصيح به فيسقط ونحو ذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً؛ فهو بيان لمعنى شبه العمد.
وسمي بذلك؛ لأنه قصد الفعل وأخطأ في القتل.
ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد لاجتماع الخطأ والعمد فيه.
فعلى هذا قصد المصنف رحمه الله بقوله: أن يقصد الجناية الاحتراز عن الخطأ، وبما لا يقتل غالباً الاحتراز عن العمد المحض.
وأما قوله: نحو أن يضربه بسوط... إلى آخره فتمثيل لصور شبه العمد وتعداد لها.
ولا بد من بيان قصد الجناية في كل واحد منها وكون المجني به مما لا يقتل غالباً: أما قصد الجناية في كل واحد منها فظاهر.
وأما كون المجني به مما لا يقتل غالباً: أما في السَّوط والعصا والحجر الصغير والكبير والإلقاء في الماء القليل؛ فلأن كل واحد من ذلك لم تجر العادة بقتله لأحد.
وأما في السحر فقد جعل المصنف رحمه الله ذلك وصفاً فيه، والمرجع في ذلك إلى أهل العلم به فما كان لا يقتل غالباً فذلك شبهعمد وما كان يقتل غالباً فهو عمد محض.
وقد تقدم الكلام فيه في أقسام العمد المحض.
وأما فيما إذا صاح بصبي أو معتوه وهما على سطح فسقطا؛ فلأن الصياح في العادة لا يقتل غالباً.
فإذا تعقبه الموت كان شبه عمد.

وأما فيما إذا اغتفل عاقلاً فصاح به فسقط؛ فلأن غفلته كحال الصبي والمعتوه.
فوجب أن يثبت حكمهما فيه.
فإن قيل: شبه العمد ما حكمه؟ قيل: لا قصاص فيه وتجب به الدية؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلتِ امرأتانِ من هذيل.
فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها.
فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن ديةَ جنينها عبد أو وليدَة.
وقضى بدية المرأةِ على عاقِلتها» 1. متفق عليه.
وفي الحديث: «ألا! إن في قتلِ خطإِ العمدِ قتيل السوطِ والعصا مائةٌ من الإبل» 2. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
سماه خطأ العمد وأوجب فيه الدية لا القصاص.

فصل [في قتل الخطأ] قال المصنف رحمه الله: (والخطأ على ضربين: أحدهما: أن يرمي الصيد، أو يفعل ما له فعله فيقتل إنساناً: فعليه الكفارة، والدية على عاقلته).
أما كون الخطأ على ضربين؛ فلأنه تارة يكون على فاعله الكفارة وعلى عاقلته الدية، وتارة يكون فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان.
وأما كون أحد ضربي الخطأ: أن يرمي الصيد... إلى قوله: إنساناً 1؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ: أن يرمي الرامي شيئاً فيصيب غيره.
لا أعلمهم يختلفون فيه.
وأما كون القاتل بذلك عليه الكفارة؛ فلقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما كون الدية على عاقلته؛ فلأنها إذا وجبت الدية عليها في شبه العمد.
فلأن تجب في الخطأ بطريق الأولى.
ولأن الخطأ يكثر فلو وجبت الدية على القاتل لأجحف به.
فناسب تعليقها بالعاقلة ليحصل مجموع الأمرين من إيفاء المجني عليه حقه مع عدم الإجحاف بالجاني.

قال: (الثاني: أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً ويكون مسلماً, أو يرمى إلى صف الكفار فيصيب مسلماً,أويتترس من الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إن لم يرمهم فيرميهم فيقتل المسلم: فهذا فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان).
أما كون الثاني من ضربي الخطأ: أن يقتل في دار الحرب... إلى قوله: فيقتل المسلم فلا خلاف فيه.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
وأما كون قتل من يظنه حربياً ويكون مسلماً فيه الكفارة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبةٍ مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما كون وجوب الدية على العاقلة فيه روايتان؛ فلأن النظر إلى أن الله تعالى صرح في أول الآية بالكفارة والدية وذكر هنا الكفارة دون الدية يقتضي عدم وجوب الدية، والنظر إلى عموم قوله: ﴿وديةٌ مسلّمةٌ إلى أهله﴾ [النساء: 92]، وعموم قوله: «ألا! إن في قتلِ خطأِ العمد مائةٌ من الإبل» 1 يقتضي وجوبها.
والأولى أصح 2؛ لما ذكر.
والخطأ المذكور لم يدخل فيما تقدم؛ لأنه صرح بذكره 3 وجعله قسماً مفرداً، والخبر مخصوص بقوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ [النساء: 92].
وأما كون قتل المسلم في بقية ما ذكر فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان؛ فلأنه يساوي ما تقدم معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.

قال: (والذي أجري مجرى الخطأ كالنائم ينقلب على إنسان فيقتله، أو يقتل بالسبب؛ مثل: أن يحفر بئراً أو ينصب سكيناً أو حجراً فيؤول إلى إتلاف إنسان.
وعمد الصبي والمجنون، فهذا كله لا قصاص فيه، والدية على العاقلة، وعليه الكفارة في ماله).
أما كون الذي أجري مجرى الخطأ كالنائم إلى المجنون؛ فلأنه يشارك الخطأ في الإتلاف.
وإنما لم يجعل خطأ لعدم 1 القصد في الجملة.
وقد تقدم أن بعض الأصحاب جعل الأقسام ثلاثة 2. فعلى هذا كل ما ذكر خطأ.
وأما كونه لا قصاص فيه؛ فلأنه إذا لم يجب بالخطأ فلأن لا يجب بالذي يجري مجرى الخطأ بطريق الأولى.
وأما كون الدية على العاقلة؛ فلأنه يجري مجرى الخطأ، والخطأ تجب ديته على العاقلة.
فكذلك الذي يجري مجراه.
وأما كون القاتل عليه الكفارة في ماله؛ فلأن الأمر كذلك في الخطأ.
فكذا في الذي يجري مجراه.

فصل [في قتل الجماعة بالواحد] قال المصنف رحمه الله: (وتقتل الجماعة بالواحد.
وعنه: لا يقتلون.
والمذهب الأول).
أما كون الجماعة تقتل بالواحد على المذهب؛ فـ «لأن عمر بن الخطاب قتلَ سبعة من أهلِ صنعاء قتلوا رجلاً.
وقال: لو تمالأَ عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم جميعًا» 1. وأما كونهم لا يقتلون على روايةٍ؛ فلأن مفهوم قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45] يدل على أنه لا تؤخذ أكثر من نفس واحدة بنفس واحدة.
ولأن كل واحد من الجماعة مكان للمقتول.
فلا يؤخذ أبدال بمبدل واحد؛ كما لا تؤخذ ديات بمقتول واحد.
ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع.
فإن الحر لا يقتل بالعبد.
فالتفاوت في العدد أولى.
وأما كون المذهب الأول؛ فلأن إجماع الصحابة عليه منهم عمر وقد تقدم.
ويروى عن علي رضي الله عنه «أنه قتلَ ثلاثة قتلُوا رجلاً» 2، وعن ابن عباس رضي الله عنه: «أنه قتلَ جماعةً بواحدٍ» 3. ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف.
ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد.
فوجبت على الجماعة؛ كحد القذف.

ولأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى التسارع إلى القتل به.
وفيه إسقاط لحكمة الردع والزجر.
والفرق بين قتل الجماعة والدية أن الدم لا يتبعض.
بخلاف الدية.
قال: (وإن جرحه أحدهما جرحاً، والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية).
أما كون أحد الجارحين إذا جرح جرحاً والآخر مائة هما سواء في القصاص والدية؛ فلأن كل واحد من الجرح والجراحات صالح لزهوق النفس، وذلك يوجب كونهما سواء في الزهوق.
ويلزم من كونهما سواء [في الزهوق سواء] 1 في القصاص؛ لأن التساوي في موجب الشيء يلزم منه 2 التساوي في موجبه.
وأما كونهما سواء في الدية؛ فلأنها بدل القصاص.
قال: (وإن قطع أحدهما من الكوع ثم قطع الآخر من المرفق فهما قاتلان.
وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى الحياة معه كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ويعزر الثاني).
أما كون أحد القاطعين إذا قطع من الكوع والآخر من المرفق هما قاتلان؛ فلأن كل واحد من القطعين يوجب القتل، وذلك يوجب كونهما قاتلين؛ لاشتراكهما في موجبه.
وأما كون القاتل هو الأول إذا فعل فعلاً لا تبقى الحياة معه كما مثل المصنف رحمه الله ثم ضرب عنقه آخر؛ فلأن الحياة لا تبقى مع جنايته، وذلك يوجب كونه القاتل لا غير.
وأما كون الثاني يعزر؛ فلأنه بمنزلة الجاني على الميت، والجناية على الميت توجب التعزير.
فهاهنا مثله بل أولى لأنه أحسن حالاً من الميت.

قال: (وإن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه: فالثاني هو القاتل، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية).
أما كون الثاني فيما ذكر هو القاتل؛ فلأن المجني عليه لم يخرج بفعل الأول من حكم الحياة، وإذا كان كذلك فالمفوت للنفس هو الثاني.
فيجب كونه هو القاتل.
ضرورة تفويته النفس المحرم تفويتها.
وأما كون الأول عليه ضمان ما أتلف؛ فلأنه حصل بجنايته.
وأما كون ذلك بالقصاص تارة وبالدية أخرى؛ فلأن الجناية تارة تكون موجبة للقصاص كقطع اليد عمداً، وتارة لا تكون موجبة له كقطع اليد خطأ.
قال: (وإن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقَدّه: فالقاتل هو الثاني.
وإن رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه فالقود على الرامي في أحد الوجهين).
أما كون القاتل هو الثاني إذا رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف 1 فقدّه؛ فلأنه فوّت حياته قبل المصير إلى حال يئس فيها من حياته.
أشبه ما لو رماه رجل بسهم فبادره رجل فقطع عنقه قبل وصول السهم إليه.
وأما كون القود على الرامي إذا رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه في وجهٍ؛ فلأنه تسبب إلى قتله ولم يوجد مباشر.
فصح إسناد القتل إليه.
فوجب أن يعمل السبب عمله.
وبه فارق ما تقدم من حيث إن الذي تلقى المقتول مباشر صالحٌ لإسناد القتل إليه.
وأما كونه لا قود عليه في وجهٍ؛ فلأنه متسبب والإتلاف حصل بالمباشرة، وذلك يوجب قطع التسبب.
والأول أصح؛ لأن السبب لا ينقطع إلا بشرط صلاحية إسناد التلف إلى المباشر، وهو مفقود هاهنا.
قال: (وإن أكره إنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما).
أما كون القصاص فيما ذكر على المكره؛ فلأنه تسبب إلى قتله بشيء يفضي إليه غالباً.
فوجب عليه القصاص؛ كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زُبْية.

وأما كونه على المكره؛ فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه.
أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
فإن قيل: المكرَه ملجأ.
قيل: ذلك غير صحيح؛ لأنه متمكن من الامتناع، ولهذا يأثم بالقتل.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 1. قيل: يحمل ذلك على غير القتل؛ لأن القتل عظيم، ولذلك يأثم به وفاقاً.
قال: (وإن أمر من لا يميز أو مجنوناً أو عبده الذي لا يعلم أن القتل محرم بالقتل فقتل: فالقصاص على الآمر.
وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل [به فقتل] 2: فالقصاص على القاتل).
أما كون القصاص في المسألة الأولى على الآمر؛ فلأن القاتل هنا كالآلة.
فوجب القصاص على الآمر؛ كما لو أنهشه حية، أو ألقاه في زُبْية أسد فقتلته أو قتله.
وأما كونه على الثاني؛ فلأنه مباشر مكلف عالم بتحريم ما فعله.
فكان القصاص عليه دون غيره.
ولأن مقتضى الدليل وجوب القصاص على المباشر لأنه أقبح جناية من المتسبب.
تُرك العمل به فيما تقدم للعذر من عدم العقل وبجهله بتحريم القتل.
فبقي فيما عداه على مقتضى الدليل.
فإن قيل: لم قال المصنف رحمه الله في صدر المسألة الأولى: من لا يميز وفي صدر المسألة الثانية: كبيراً؟ قيل: لأن 3 من يميز وليس كبيراً لا قصاص عليه ولا على الآمر، أما الأول؛ فلأنه غير مكلف، وأما الثاني؛ فلأن تمييزه يمنع أن يكون كالآلة.

قال: (وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر).
أما كون القصاص على القاتل إذا علم كون الآمر بغير حق؛ فلأنه مباشر لا عذر له في فعله، وقد نبّه الشرع على ذلك.
قال: «لا طاعةَ لمخلوقٍ 1 في معصيةِ الخالِق» 2. وعنه عليه السلام: «من أمركمْ من الولاةِ بغيرِ طاعةِ الله فلا تُطيعُوه» 3. ولأن غير السطان لو أمره بقتل من ذكر فقتله كان القصاص على القاتل.
فكذلك لو أمره السلطان بذلك.
وأما كونه على الآمر إن لم يعلم القاتل ذلك؛ فلأن القاتل معذور لوجوب طاعة الإمام فيما ليس بمعصية، والظاهر من حاله أنه لا يأمر إلا بالحق.
وإذا تعين عدم كون القصاص عليه تعين كونه على الآمر لأن قوله مع ظاهر حاله أوجب قتله.
أشبه ما لو ألسعه حية.
فإن قيل: لو أمر غير السلطان بالقتل فقتل كان القصاص على القاتل بكل حال.
فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أن غير السلطان لا تجب طاعته وليس له القتل.
بخلاف السلطان.

قال: (وإن أمسكَ إنساناً لآخر ليقتله فقتله: قُتل القاتل وحُبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين، والأخرى يقتل أيضاً.
وإن كتَّفَ إنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته فحكمه حكم الممسك).
أما كون القاتل فيما ذكر يُقتل؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمسكَ الرجل وقتلَ الآخر يُقتل الذي قتلَ ويُحبس الذي أَمسك» 1. رواه الدارقطني.
ولأنه مباشر للقتل الموجب للقود.
وأما كون الممسك يحبس في روايةٍ؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كون حبسه حتى يموت؛ فلأنه حَبَسه حتى مات.
فيحبس حابسه حتى يموت؛ ليكون مماثلاً لما أتى به.
ونظيره ما لو حبس رجلاً عن الطعام حتى مات فإنه يحبس عن الطعام حتى يموت.
وأما كونه يقتل في روايةٍ؛ فلأن ذلك حصل من إمساكه ومباشرة رفيقه، وذلك يوجب الاشتراك في القتل، والاشتراك في القتل يوجب قتل جميع الشركة؛ لما تقدم 2. وأما كون حكم من كتَّفَ إنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته حكم الممسك؛ فلأنه يساويه معنى.
فوجب أن يساويه حكماً.
بيان المساواة المعنوية: أن تكتيفَهُ وطرحَهُ في أرضٍ موصوفة بما ذكر إمساك له ليقتل، وحكم الممسك قد تقدم ذكر الخلاف فيه وتعليله فلا حاجة إلى إعادته.

فصل [حكم مشارك من لا يجب عليه القصاص] قال المصنف رحمه الله: (وإن اشترك في القتل اثنان لا يجب القصاص على أحدهما كالأب وأجنبي في قتل الولد، والحر والعبد في قتل العبد، والخاطئ والعامد: ففي وجوب القصاص على الشريك روايتان أظهرهما وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ).
أما كون القصاص يجب على الشريك على روايةٍ؛ فلأن سقوطه عن شريكه لمعنى يختص به.
فلم يتعد إلى غيره.
بيانه: أن سقوطه عن الأب لأُبوَّتِهِ، وعن الحر لعدم مكافأة العبد له، وعن الخاطئ لخطئه.
وكل ذلك مفقود في الشريك.
فوجب عليه القصاص؛ للآيات والأخبار الدالة عليه السالمة عن معارضة ما ذكر.
وأما كونه لا يجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه تناول من لا قصاص عليه.
فلم يجب عليه قصاص؛ لكون القتل لم يتمحض موجباً للقصاص.
وأما كون أظهر الروايتين وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ؛ فلأن قتلهما عمد محض عدوان، وإنما سقط القصاص لمعنى مختص بما تقدم ذكره.
أشبه ما لو سقط القصاص على أحد الأجنبيين بالعفو عنه.
بخلاف شريك الخاطئ من حيث إن قتله لم يتمحض عمداً لوجود الخطأ في الفعل الذي حصل به خروج الروح.
قال: (وفي شريك السبع وشريك نفسه وجهان).
أما كون القصاص يجب على شريك السبع وشريك نفسه في وجهٍ؛ فلأنه قتل عمد متمحض.
أشبه شريك الأب.
وأما كونه لا يجب في وجهٍ؛ فلأنه شارك من لا يجب عليه قصاص.
فلم يلزمه شيء؛ كشريك الخاطئ.

قال: (ولو جرحه إنسان عمداً فداوى جرحه بسم، أو خاطه في اللحم، أو فعل ذلك وليه أو الإمام: ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان).
أما كون وجوب القصاص فيما ذكر يجب على الجارح في وجهٍ؛ فلأنه شريك في القتل.
فوجب عليه القصاص؛ لما تقدم.
وأما كونه لا يجب عليه في وجهٍ؛ فلأن المداوي قصد مداواة النفس.
فكان فعله عمد خطأ.
فلم يجب القصاص على شريكه؛ لكونه شريك خاطئ.
وقد تقدم أن شريكه لا يقتل على الصحيح.
ضرورة أن فعله غير متمحض.

باب شروط القصاص

قال المصنف رحمه الله: (وهي أربعة: أحدها: أن يكون الجاني مكلفاً.
فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما.
وفي السكران وشبهه روايتان أصحهما وجوبه عليه).
أما كون شروط القصاص أربعة؛ فلأنه يشترط فيه كون الجاني مكلفاً، وكون المجني عليه مكافئاً للجاني، وكون المقتول معصوماً، [وكون الجاني غير أبي المجني عليه.
وتلك أربعة شروط.
وأما كون أحد شروط القصاص: أن يكون] 1 الجاني مكلفاً؛ فلأن القصاص عقوبة وغير المكلف ليس محلاً لها 2. وأما كون الصبي والمجنون لا قصاص عليهما؛ فلأن التكليف من شروطه وهو مفقود فيهما.
وقد نبّه الشرع على عدم مؤاخذتهما حيث قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي حتي يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق... » 3. وأما كون السكران فيه روايتان؛ فلأن النظر إلى التغليظ عليه يقتضي كون القصاص عليه، والنظر إلى أنه زائل العقل يقتضي أن لا يكون ذلك عليه؛ لأنه كالصبي والمجنون في ذلك.
وأما كون أصح 4 الروايتين وجوبه عليه؛ فلأن فعله معصية فلا يناسب سقوط القصاص.

وأما كون شبه السكران كمن زال عقله بسبب غير معذور فيه كمن يشرب الأدوية المخيفة فيزول عقله فيه روايتان كالسكران؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني.
وهو أن يساويه في الدين والحرية أو الرق.
فيقتل كل واحد من المسلم الحر أو العبد والذمي الحر أو العبد بمثله، ويُقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر في الصحيح عنه.
وعنه: يعطى الذكر نصف الدية إذا قُتل بالأنثى.
وعنه: لا يُقتل العبد بالعبد إلا أن تستوي قيمتهما.
ولا عمل عليه).
أما كون الثاني من شروط القصاص: أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني؛ فلأن المجني عليه إذا لم يكن مكافئاً للجاني يكون أخذه به أخذاً 1 لأكثر من الحق.
وأما كون مكافأة المجني عليه الجاني أن يساويه في الدين والحرية أو الرق 2: أما في الدين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمنونَ تتكافَأُ دماؤُهم ويسعى بذمَّتِهمْ أدناهُم.
لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافر» 3. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي.
وروى البخاري وأبو داود: «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافر» 4. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: «من السنةِ أن لا يُقتل مؤمن بكافر» 5. رواه الإمام أحمد.
ولأن الكافر منقوص بالكفر.
فلا يقتل به المسلم؛ كالمستأمن.

فإن قيل: عموم الآيات والأخبار الدالة على قتل المسلم بالمسلم شاملة لقتل المسلم بالكافر.
قيل: يجب تخصيصها بما ذكر.
فإن قيل: فقد روى ابن البيلماني «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقادَ مسلماً بذمي.
وقال: أنا أحقُ من وفَى بذمَّتِه» 1. قيل: قال الإمام أحمد: ليس له إسناد.
وقال أيضاً: هو مرسل.
وقال الدارقطني: ابن البيلماني ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل.
وأما في الحرية أو الرق؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «من السنةِ أن لا يُقتل حرٌ بعبد» 2. وعن ابن عباس 3 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقتلُ حرٌ بعبد» 4. رواه الدارقطني.
ولأنهما شخصان لا يجري القصاص بينهما في الأطراف السليمة.
فلم يجر في النفس؛ كالأب مع ابنه.
ولأنه منقوص بالرق.
فلم يقتل به الحر؛ لرجحانه عليه بوصف الحرية.
وأما كون كل واحد من المسلم الحر أو العبد والذمي الحر أو العبد يقتل بمثله؛ فلحصول المكافأة بينهما.
وأما كون الذكر يقتل بالأنثى؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتلَ يهودياً رضخَ رأسَ جاريةٍ من الأنصارِ.
وأمرَ أن يُرضخَ رأسُه بين حجرين» 5. وفي كتابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: «وأنّ الرجلَ يُقتلُ بالمرأة» 6.

ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف الآخر فقتل به 1؛ كالرجل بالرجل 2. وأما كون الأنثى تقتل بالذكر فبطريق الأولى؛ لأنها دونه.
وفي قول المصنف رحمه الله: في الصحيح عنه: نظر؛ لأنه مشعر بالخلاف فيما تقدم ولا خلاف في قتل الأنثى بالذكر بحال ولا في قتل الذكر بالأنثى في نفسه وإنما الخلاف في إعطاء ورثة الذكر إذا قتل بالأنثى نصف الدية.
وإنما لم يعط ذلك في روايةٍ لأن ما تقدم ذكره دل على ذكر القصاص من غير تعرض إلى إعطاء شيء.
وإنما يعطاه في روايةٍ لأن عقلها نصف عقله.
فوجب أن يُعطى ما ذكر؛ ليحصل التساوي.
والأول أصح لما تقدم واختلاف العقل لا أثر له.
بدليل قتل الجماعة بالواحد، وقتل العبد بالعبد المختلفي القيمة.
وأما كون العبد لا يقتل بالعبد إذا لم تستو قيمتهما في روايةٍ؛ فلأن العبد يرجح فيه جانب المال.
فوجب أن لا يقتل إلا بمثله.
والمذهب الأول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: 178]. ولأن تفاوت القيمة بمنزلة التفاوت في الفضائل.
فوجب أن لا يمنع من القصاص؛ كالعلم والشَّرف ونحوهما.
قال: (ويقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر، والمرتد بالذمي وإن عاد إلى الإسلام.
نص عليه).
أما كون الكافر يقتل بالمسلم؛ فلما تقدم من قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي لقتله الجارية المسلمة الأنصارية 3. ولأن المسلم أكمل منه.

ولأن الكافر إذا قتل بمثله.
فلأن يقتل بالمسلم بطريق الأولى.
وأما كون العبد يقتل بالحر؛ فلأن الحر أكمل منه.
أشبه قتل الكافر بالمسلم.
وأما كون المرتد يقتل بالذمي؛ فلأن المرتد كافر يقتل بالذمي كالأصلي.
ولأن المرتد أسوأ حالاً من الذمي؛ لأنه مهدر الدم.
بخلاف الذمي.
فعلى هذا لا فرق بين أن يبقى على ردته أو يعود إلى الإسلام لأن الاعتبار بالقصاص بحال الجناية.
وحالة المرتد والذمي فيها 1 سواء بالنسبة إلى نفس الكفر.
قال: (ولا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد؛ إلا أن يقتله وهو مثله أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح أو يعتق ويموت المجروح: فإنه يقتل به).
أما كون المسلم لا يقتل بالكافر والحر لا يقتل بالعبد إذا لم يقتله وهو مثله... إلى آخره؛ فلما تقدم من عدم مكافأة أحدهما صاحبه.
وأما كونه يقتل به إذا قتله وهو مثله، أو جرحه ثم أسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق العبد ويموت 2 المجروح؛ فلأن المكافأة تعتبر عند القتل والجرح، وهو في تلك الحال مكافئ.
فإن قيل: لم اعتبرت المكافأة عند ذلك؟ قيل: لأن القصاص عقوبة.
فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب دون حالة الاستيفاء؛ كالحدود.
ولأن القصاص حق وجب عليه قبل إسلامه وعتقه.
فلم يُسقطه الإسلام؛ كسائر الحقوق.
فإن قيل: قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافر» 3. وهذا مُسْلم.
قيل: يحمل ذلك على المسلم إذا قتل الكافر ابتداء.

قال: (ولو جرح مسلم ذمياً أو حر عبداً ثم أسلم المجروح وعتق ومات: فلا قود وعليه دية حر مسلم في قول ابن حامد، وفي قول أبي بكر عليه في الذمي دية ذمي وفي العبد قيمته لسيده).
أما كون الجارح فيما ذكر لا قود عليه؛ فلأن المكافأة معدومة حالة الجناية.
وأما كونه عليه الدية؛ فلأن القود إذا تعذر تعينت الدية.
وأما كونها دية حر مسلم في قول ابن حامد؛ فلأن الاعتبار في الدية بحال استقرار الجناية.
بدليل ما لو قطع يدَي رجل ورجلَيه فتسري إلى نفسه: ففيه دية واحدة اعتباراً لحال استقرار الجناية لأنه لو لم يعتبر ذلك وجب ديتان.
وأما كونها في الذمي دية ذمي، وفي العبد قيمته لسيده في قول أبي بكر؛ فلأن كل واحد من الذمي والعبد يجب بقتله ذلك وهو ذمي أو عبد حال الجناية.
فكذلك إذا أسلم أو أعتق.
قال: (وإن رمى مسلم ذمياً عبداً فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فلا قود وعليه دية حر مسلم إذا مات من الرمية.
ذكره الخرقي.
وقال أبو بكر: عليه القصاص).
أما كون الرامي المذكور لا قود عليه على ما ذكره الخرقي؛ فلأن القاتل لم يقصد إلى نفس مكافئة له حال الرمي.
فلم يجب عليه قود؛ كما لو رمى حربياً أو مرتداً فأسلم.
فعلى هذا يجب بذلك دية حر مسلم إذا مات من الرمية؛ لأن القود إذا تعذر تعينت الدية.
وأما كونه عليه القصاص على قول أبي بكر؛ فلأنه قتل مكافئاً له ظلماً عمداً.
أشبه ما لو كان حال الرمي كذلك.
يحققه أن الاعتبار بحال الإصابة.
بدليل ما لو رمى مسلماً فلم يصبه حتى ارتد أو مات فإنه لا يلزمه شيء.
ولو اعتبر حال الرمي لوجب القود؛ لأنه مكلف حينئذ.
والأول أصح؛ لما تقدم.

وأما كونه مكافئاً فغير مُسَلَّم؛ لأنه 1 لا يكافئه حال الرمي.
قال: (ولو قتل من يعرفه ذمياً عبداً فبان أنه قد أسلم وعتق فعليه القصاص.
وإن كان يعرفه مرتداً فكذلك.
قاله أبو بكر.
قال:.
ويحتمل أن لا يلزمه إلا الدية).
أما كون من قتل من يعرفه ذمياً عبداً عليه القصاص إذا بان المقتول مسلماً حراً؛ فلأنه قتلٌ عمدٌ عدوانٌ لمكافئ له.
فلزم فاعله القصاص؛ كما لو كان معروفاً بالإسلام والحرية.
وأما كون من قتل من يعرفه مرتداً كذلك على قول أبي بكر؛ فلما تقدم.
وأما كونه يحتمل أن لا يلزمه إلا الدية على ما قاله أيضاً؛ فلأن الارتداد سلطه عليه.
فلم يُناسب وجوب القصاص، ووجبت الدية؛ لئلا يفوت القصاص لا إلى بدل.
وهذا الاحتمال وجه لبعض الأصحاب.
فإن قيل: لم ذكر المصنف رحمه الله ذلك احتمالاً؟ قيل: لعله لم يحضره وقت كتابة ذلك الوجه المذكور.

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يكون المقتول معصوماً.
فلا يجب القصاص بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن وإن كان القاتل ذمياً).
أما كون الثالث 1 من شروط القصاص أن يكون المقتول معصوم الدم؛ فلأن القصاص إنما شرع حفظاً للدماء المعصومة وزجراً عن إتلاف البنية المطلوب بقاؤها، وذلك كله مفقود في غير المعصوم.
وأما كون القصاص لا يجب بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن؛ فلأن من شروطه عصمة الدم، وذلك منتف في كل واحد منهم: أما في الحربي فظاهر.
وأما في المرتد؛ فلأن قتله واجب إلا أن يرجع.
وأما في الزاني المحصن؛ فلأنه استحق الرجم بزناه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن كان القاتل ذمياً؛ فتنبيه على مساواة الذمي المسلم في ذلك؛ لأن القتل منهما صادف محلاً غير معصوم.
قال: (ولو قطع مسلم أو ذمي يد مرتد أو حربي فأسلم ثم مات أو رمى حربياً فأسلم قبل أن يقع به السهم: فلا شيء عليه).
أما كون من ذكر لا شيء عليه؛ فلأن الاعتبار في التضمين بحال ابتداء الجناية؛ لأنها الموجبة.
وحالها لم يكن كل واحد من الحربي والمرتد المجني عليهما أهلاً لأن يُضمن.
فلم يكن على الجاني شيء؛ لفوات الأهلية المشروطة لوجوب الضمان.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا قصاص على الجاني ولا دية.
وهو صحيح؛ لأن المحل ليس أهلاً لواحد منهما لما تقدم.

وأما قول المصنف رحمه الله: مسلم أو ذمي؛ فبيان لمساواة الذمي المسلم فيما ذكر.
وقد تقدم دليله.
قال: (وإن رمى مرتداً فأسلم قبل وقوع السهم به فلا قصاص، وفي الدية وجهان).
أما كون ما ذكر لا قصاص أي فيه؛ فلما ذكر من أن الاعتبار بحال الجناية.
وأما كونه 1 لا دية فيه في وجهٍ؛ فلما ذكر في القصاص.
وأما كونه فيه الدية في وجهٍ؛ فلأن الرامي 2 مفرط حيث رمى المرتد وليس له رميه.
بخلاف الحربي.
قال: (وإن قطع يد مسلم فارتد ومات فلا شيء على القاطع في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب القصاص في الطرف أو نصف الدية.
وإن عاد إلى الإسلام ثم مات وجب القصاص في النفس في ظاهر كلامه.
وقال القاضي: إن كان زمن الردة مما تسري فيه الجناية فلا قصاص فيه).
أما كون القاطع المذكور لا قصاص عليه في النفس إذا ارتد المقطوع ومات مرتداً؛ فلأن الارتداد قطع 3 حكمَ السراية.
وأما كونه لا قصاص عليه في الطرف في وجهٍ إن كان القطع عمداً؛ فلأن قطع اليد تبين أنه موجب للقصاص.
فلم يكن موجباً للقطع، والقتل قد 4 سقط بالارتداد.
وأما كونه يجب عليه القصاص في الطرف في وجهٍ؛ فلأن المجني عليه حال القطع كان مكافئاً والقتل بسبب القطع غير موجب للقصاص هنا.
فوجب القطع؛ لانتفاء إفضائه إلى القصاص في النفس.
وأما كونه لا دية عليه في وجهٍ إن كان القطع خطأ، وكونه يجب عليه نصف الدية في وجهٍ؛ فلما ذُكر في القصاص.

وأما كون القصاص في النفس يجب على القاطع إذا عاد المرتد المقطوع إلى الإسلام ثم مات في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن الجاني والمجني عليه متكافئان في حال الجناية 1 والموت.
فوجب القصاص؛ كما لو لم يرتد.
وأما كونه لا قصاص فيه في قول القاضي إذا كان زمن الردة مما تسري فيه الجناية؛ فلأن القصاص يجب بالجناية من كل السراية.
فإذا لم يوجد جميعها في حال الإسلام امتنع وجوبها في حال القصاص؛ كما لو عفى بعض المستحقين.
ولهذا لو وجدت الردة في أحد الطرفين لم يجب القصاص.

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله: (الرابع: أن لا يكون أباً للمقتول.
فلا يقتل الوالد بولده وإن سفل.
والأب والأم في ذلك سواء.
ويقتل الولد بكل واحد منهما في أظهر الروايتين).
أما كون الرابع من شروط القصاص أن لا يكون أباً للمقتول فإنه لو لم يكن من شروطه لقتل به لما تقدم ذكره، واللازم منتف لما يأتي.
وأما كون الوالد لا يقتل بولده؛ فلما روى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقتلُ والدٌ بولدِه» 1. رواه ابن ماجة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» 2. فحقيقته كونه ملكاً له فإذا لم تثبت حقيقة الملكية بقيت الإضافة شبهة في درء القصاص؛ لأنه يُدرأ بالشبهات.
ولأن الوالد سبب إيجاده فلا ينبغي أن يتسلط الولد على إعدام من تسبب في إيجاده.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن سفل؛ فمعناه وإن نزل.
أي لا يقتل الوالد بولده وإن نزل لأن الجد وإن علا والد.
فيدخل في الحديث.
ولأن ذلك حكم يتعلق بالولادة.
فاستوى فيه القريب والبعيد؛ كالمحرمية والعتق عليه إذا ملكه.
ولأن المعنى الذي امتنع قتل الوالد القريب بولده موجود بعينه في البعيد.
فوجب تساويهما في الحكم.

وأما كون الأب والأم في ذلك سواء؛ فلأن الأم أحد الوالدين.
فتدخل في عموم قوله عليه السلام: «لا يُقتلُ والدٌ بولده» 1. ولأنها أولى بالبر.
فتكون أولى بنفي القتل عنها.
وعن الإمام أحمد: لا يسقط القتل عن الأم لأن الأب يختص بأشياء.
فليكن نفي القتل منها قياساً له عليها.
والمذهب الأول؛ لما تقدم.
فعلى هذا الجدة وإن علت من قبل الأم أو الأب كالأم؛ لما ذكر في الجد.
وأما كون الولد يقتل بكل واحد من أبيه وأمه في أظهر الروايتين فلظواهر الآي والأخبار وموافقة القياس.
وأما كونه لا يقتل بواحد منهما في روايةٍ؛ فلأنه ممن لا تقبل شهادته لهما لحق النسب.
فلم يقتل بمن لا تقبل شهادته له؛ كالوالد مع ولده.
وأما كون الأول أظهر الروايتين؛ فلما تقدم.
ولأن كل واحدٍ من الأب والأم أعظم حرمة من الأجنبي وأوجب حظاً.
فإذا قتل الشخص بالأجنبي.
فلأن يقتل بأبيه وأمه بطريق الأولى.
فإن قيل: فقد روي عن سراقة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُقادُ الأبُ من ابنه، ولا الابنُ من أبيه» 2. وروي عنه «أنه كان يقيدُ الابنَ من أبيه» 3. قيل: هما حديثان لا يعرفان ولا يوجدان في الكتب المشهورة وإن كان لهما أصل فهما متعارضان فيجب تساقطهما والعمل بالنصوص الواضحة غيرهما.

قال: (ومتى ورث ولده القصاص أو شيئاً منه أو ورث القاتل شيئاً من دمه: سقط القصاص.
فلو قتل امرأته وله منها ولد أو قتل أخاها فورثته ثم ماتت فورثها أو ولده: سقط عنه القصاص).
أما كون من ورث ولده القصاص أو شيئاً منه يسقط القصاص؛ فلأنه لو لم يسقط لوجب للولد على الوالد، والولد لا يجب له قصاص على الوالد لأنه إذا لم يجب له بالجناية عليه.
فلأن لا يجب له بالجناية على غيره بطريق الأولى.
وأما كون القاتل إذا ورث شيئاً من دمه يسقط القصاص؛ فلأنه لو لم يسقط لوجب القصاص له على نفسه، والقصاص لا يجب على من يجب له.
وأما كون من قتل امرأته وله منها ولد يسقط عنه القصاص؛ فلأن ولده ورثه لأنه وارثها ولا حق فيه للزوج لأنه قاتل والقاتل لا يرث.
وأما كون من قتل أخا امرأته 1 فورثته ثم ماتت فورثها أو ولده يسقط عنه القصاص؛ فلأن امرأته ترث النصف إن كان الأخ لأبيها أو لأبويها والسدس إن كان لأمها إذا كان معها من يرث بقية المال والجميع إذا لم يكن معها أحد وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا؛ لأنه قال: فورثته، وذلك يقتضي استغراقها الإرث فلما ماتت ورث هو شيئاً من الدم أو ورث ولده ذلك أو جميع إرثها وكل ذلك يسقط القصاص.
وفي قول المصنف رحمه الله: فلو قتل امرأته بالفاء عقيب ما تقدم ذكره؛ تنبيه على أن الصور المذكورة من صور إرث الولد القصاص أو شيئاً منه، وقد تقدم تعليله.
فإن قيل: ورثته مشعر بأن امرأته ورثت جميع القصاص.
وقوله بعد: فورثها ولده مشعر بأن الولد ورث الجميع فيكون كما تقدم في الصورة الأولى ولم يبق لإرث الولد شيئاً منه صورة.
قيل: إن حمل ذلك على ظاهره كان الأمر كذلك.
وتصور إرث الولد شيئاً من القصاص بأن يكون لامرأته ولدان أحدهما منه والآخر من غيره، وإن حمل

على أن الأخت في الأغلب إنما ترث النصف كان ذلك من صور إرث الولد شيئاً من القصاص.
قال: (ولو قتل أباه أو أخاه فورثه أخواه ثم قتل أحدهما صاحبه سقط: القصاص عن الأول؛ لأنه ورث بعض دم نفسه).
أما كون القصاص سقط عن القاتل الأول؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من التعليل.
وأما كونه ورث بعض دم نفسه؛ فلأن أخويه يستحقان دم أبيهما فإذا قتل أحدهما صاحبه ورث القاتل الأول ما كان يستحقه المقتول؛ لأنه أخوه.
فعلى هذا يستحق نصف دمه لأن دم الأب كان بين الأخوين نصفين.
ضرورة أن القاتل لا يرث فإذا قتل أحد الأخوين أخاه انتقل إلى القاتل الأول جميع حقه.
ضرورة أن أخاه القاتل لا يرث شيئاً، وذلك نصف دم الأب.
قال: (ولو قتل أحد الابنين أباه والآخر أمه وهي زوجة الأب: سقط القصاص عن الأول لذلك، وله أن يقتص من أخيه ويرثه).
أما كون القصاص يسقط عن الأول وهو قاتل الأب؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من التعليل المتقدم ذكره.
وذلك أنه لما قتل أباه ورثه أخوه لأنه ابنه وأمه؛ لأنها زوجته فلما قتل الأخ أمه ورثهاأخوه قاتل الأب.
فيجب أن يسقط عنه القصاص؛ لأنه ورث بعض دم نفسه وذلك ثمن دم الأب.
وأما كون قاتل الأب له أن يقتص من أخيه قاتل الأم؛ فلأن دم أمه لقاتل الأب خاصة.
ضرورة أن قاتلها لا يرث منها شيئاً.
وأما كونه يرثه؛ فلأن القتل قصاص 1 لا يمنع الإرث وقد تقدم في باب ميراث القاتل.
قال: (وإن قتل من لا يُعرف وادعى كفره أو رقه، أو ضرب ملفوفاً فقدَّه وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه، أو قتل رجلاً في داره وادعى أنه دخل يكابره

جارٍ التحميل