الأصل في الشهادة الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدَيْن من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: 282]. وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: 2].
وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: 282].
وأما السنة؛ فما روى وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الحضرمي: يا رسول الله! إن هذا غلبني على أرضي.
فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا.
قال: فلك يمينه... مختصر» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على المدعَى عليه» 2. قال الترمذي: في إسناده مقال، والعملُ عليه عند أصحاب العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
وأما الإجماع؛ فأجمع أهل العلم على مشروعيتها وإن اختلفوا في مسائل منها.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى الشهادة؛ لحصول التجاحد بين الناس.
قال المصنف رحمه الله: (تحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين.
وإن لم يقم بها من يكفي تعينت على من وجد.
قال الخرقي: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعُه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك).
أما كون تحمّل الشهادة فرضاً؛ فلأنه لو لم يكن فرضاً لامتنع الناس من التحمّل فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس.
وأما كونه فرضاً على الكفاية؛ فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية.
وأما كونه إذا قام بها من يكفي يسقط عن الباقين وإذا لم يقم بها من يكفي يتعين على من وجد؛ فلأن هذا شأن فرض الكفاية.
وأما كون الأداء فرضاً على الكفاية؛ فلما ذكر في التحمل.
فعلى هذا حكمه حكمُه.
وأما كونه فرض عين على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا﴾ [البقرة: 282]، وقال تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: 283].
ولأن الشهادة أمانة.
فلزم أداؤها عند طلبها؛ كالوديعة، ولقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58].
وقول المصنف رحمه الله: قال الخرقي... إلى آخره؛ تنبيه على هذه الرواية.
وقال صاحب المستوعب فيه: ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله أنه فرض عين؛ لعموم القرآن.
يعني ما تقدم من الآيات.
قال: (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها، ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين).
أما كون أخذ الأجرة لا يجوز لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين؛ فلأنه أخذ أجرة عن فرض؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضاً.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن النفقة على عياله فرض عين.
فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: من له كفاية ليس له أخذ الجُعل -يعني الأجرة -، ومن ليس له كفاية ولا تعينت عليه احتمل ذلك -يعني الجواز-، واحتمل أن لا يجوز.
قال: (ومن كانت عنده شهادة في حدٍّ لله أُبيح إقامتها ولم تستحب، وللحاكم أن يُعَرِّض لهم بالوقوف عنها في أحد الوجهين.
ومن كانت عنده شهادة لآدمي
يعلمها لم يُقمها حتى يسأله، فإن لم يعلمها استحب له إعلامه بها، وله إقامتها قبل ذلك).
أما كون من كانت عنده شهادة في حدٍّ من حدود الله تعالى يباح له إقامتها؛ فـ «لأن أبا بكرة وأصحابه والجارود وأبا هريرة أقاموا الشهادة على قدامة بن مظعون بشُرب الخمر» 1.
وفي تخصيص الشهادة المذكورة بالإباحة تنبيه على أن أداءها غير واجب؛ لأنها شهادة لا يستحب إقامتها؛ لما يأتي.
فلأن لا يجب بطريق الأولى.
وأما كون إقامتها لا تستحب؛ فلأن الستر مندوب إليه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سترَ مسلماً سترهُ اللهُ في الدنيا والآخرة» 2.
وأما كون الحاكم له أن يُعَرِّض للشهود بالوقوف عن الشهادة المذكورة في وجه؛ فلأن التعريض للشهود بالرجوع كالتعريض للفاعل بالرجوع عن إقراره وذلك جائز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرّض في قضية ماعز» 3. وقال لسارق: «ما إخالُكَ سرقت» 4 وفي رواية: «قل: لا» 5. فليكن التعريض للشهود جائزاً؛ لأنه في معناه.
ولأن عمر قال في قضية المغيرة لما شهد عليه ثلاثة وجاء الرابع: «ما تقول يا شيخ؟ »، وفي لفظ آخر: «يا شيخ العقاب».
وأما كونه ليس له ذلك في وجه؛ فلأن ذلك حق من الحقوق.
فلم يجز للحاكم التعريض فيه للشهود بالرجوع؛ كحق الآدمي.
وأما كون من كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يُقمها حتى يسأله؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيرُ الناس قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
ثم يأتي قومٌ يَنذرونَ ولا يُوفون، ويَشهدونَ ولا يُستشهدون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون» 1. رواه البخاري.
ولأن أداءها حق لآدمي.
فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.
وأما كونه يستحب له إعلام صاحب الحق بالشهادة التي له؛ فلأن ذلك تنبيهاً على حقه.
وأما كونه له إقامتها قبل إعلامه بها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكمْ بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبلَ أن يُسألها» 2. رواه أبو داود.
فإن قيل: الحديث مطلق فيمن معه شهادة علم بها صاحبها أو لم يعلم.
قيل: الحديث الأول دل على المنع من الشهادة قبل أن يُستشهد بها.
فيجب حمل الحديث هنا على شهادة لا يعلم بها صاحبها؛ لأن فيه جمعاً بين الحديثين.
قال: (ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع.
والرؤية تختص بالأفعال؛ كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة وغيرهما.
والسماع على ضربين: سماع من المشهود عليه نحو: الإقرار والعقود والطلاق والعتاق، وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك؛ كالنسب والموت والملك والنكاح والخلع والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزْل وما أشبه ذلك).
أما كون الشاهد لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: 36]، وفي الحديث عن ابن عباس قال: «سُئلَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة.
فقال: هل ترى الشمس؟ قال: نعم.
قال: على مثلها فاشهدْ أو دَعْ» 1. رواه الخلال في الجامع بإسناده.
ولأن الشهادة بغير علم رجم بالغيب وذلك حرام.
وأما كون ما يُعلم تارة برؤية، وتارة بسماع؛ فلأنهما من الحواس الخمس الموجبة للعلم.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «هل ترى الشمس» 2 إشارة إلى الرؤية، والسماع كالرؤية.
وإنما لم يذكر بقية الحواس كالشم والذوق واللمس؛ لأنها ليست طريقاً في الشهادة.
ولأنها لا حاجة إلى شيء منها في الأغلب.
وأما كون الرؤية تختص بالأفعال كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن المسموع لا يُرى.
وأما كون السماع على ضربين؛ فلأنه تارة يكون من المشهود عليه؛ مثل: أن يقرّ أن لفلان عليه دَيناً أو قصاصاً، أو استأجر منه داره، أو اشترى منه ثوبه أو ما أشبه ذلك، وتارة من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك.
والكلام فيه في موضعين:
أحدهما: في كون الاستفاضة طريقاً إلى الشهادة في الجملة.
والأصل في ذلك أن المنع من الشهادة بذلك يؤدي إلى عدم ثبوت ما ذكر غالباً وفي بعضها قطعاً، وذلك ضررٌ عظيم، والضررُ منفيٌ شرعاً لا سيما العظيم منه.
وثانيهما: في عدد الذي يثبت بذلك، وذلك على ضربين:
أحدهما: مجمع عليه بين العلماء وهو النسب والولادة.
وثانيهما: مختلف فيه وهو باقي الصور، وذلك كله يثبت بالاستفاضة في مذهب الإمام أحمد؛ لأن العلم في ذلك كله يتعذر غالباً.
أشبه النسب.
فإن قيل: بعض الأشياء المذكورة يمكن العلم به بمشاهدة سببه.
قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن الإمكان لا ينافي التعذر غالباً.
وثانيهما: أن وجود السبب لا يعلم به المسبب قطعاً، وذلك أن الشاهد إذا رأى شخصاً يبيع شيئاً فقد شاهد السبب، والسبب غير مقطوع به يجوز أن يكون غير مملوك للبائع.
قال: (ولا تُقبل الاستفاضة إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي، وقال القاضي: تُسمع من عدلين فصاعداً).
أما كون الاستفاضة لا تُقبل في ظاهر كلام الإمام أحمد إلا من عددٍ يقع العلم بخبرهم؛ فلأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء؛ لكثرته، وذلك يستدعي كثرة القائل بذلك.
وأما كونها تُسمع من عدلين فصاعداً في قول القاضي؛ فلأن الثابت بها حق من الحقوق.
فوجب أن تسمع من عدلين؛ كسائر الحقوق.
قال: (وإن سمع إنساناً يقرّ بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له جاز إن شهد له به.
وإن كذبه لم يشهد.
وإن سكت جاز أن يشهد.
ويحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر).
أما كون من سمع إنساناً يقر بنسب أبٍ أو ابن فصدقه المقر له يجوز أن يشهد له به؛ فلِتوافُق المقر والمقر له على ذلك.
وأما كونه لا يجوز أن يشهد له إذا كذبه المقر له؛ فلأنه لو أقر شخصٌ لشخصٍ بمال فكذبه المقر له لم يثبت ولم يجز لمن سمعه أن يشهد له.
فلأن لا تجوز الشهادة بذلك في النسب بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز أن يشهد إذا سكت المقر له على المذهب؛ فلأن سكوته دليل على تصديقه.
أشبه ما لو صدقه.
وأما كونه يحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر؛ فلأنه لو أكذبه لم تجز الشهادة، وسكوته يحتمل التصديق والتكذيب.
واعلم أن هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله وعندي فيه نظر وذلك: أن الاختلاف المذكور في الصورة المذكورة ينبغي أن يكون في دعوى الأبوّة؛ مثل: أن يدعي شخص أنه ابن فلان وفلان يسمع فسكت فإن السكوت إذا نزل هنا منزلة الإقرار صار كما لو أقر الأب أن فلاناً ابنه، ويقوي ما ذُكر أن المصنف رحمه الله ذكر في المغني إذا سُمع رجلاً يقول لصبي: هذا ابني جاز أن يشهد، وإذا سُمع الصبي يقول: هذا أبي والرجل يسمعه فسكت جاز أن يشهد؛ لأن سكوت الأب إقرار، والإقرار يثبت النسب فجازت الشهادة به.
ثم قال: وإنما أقيم السكوت مقام النطق؛ لأن الإقرار على الأنساب الفاسدة لا تجوز.
بخلاف سائر الدعاوي.
ولأن النسب يغلب فيه الإثبات.
ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح.
ثم قال: وذكر أبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد به مع السكوت حتى يتكرر.
والعجب من المصنف حيث نقل في المغني الاحتمال المذكور في هذه الصورة عن أبي الخطاب، وإنما ذكر أبو الخطاب الاحتمال المذكور في الصورة التي ذكرها المصنف رحمه الله هنا، وفي خروج الخلاف فيما إذا ادعى شخص أنه ابن آخر بحضور الآخر فسكت ظاهر، وفي الصورة التي ذكرها المصنف رحمه الله هنا الخلاف فيها بعيد.
قال: (وإن رأى شيئاً في يد إنسان يتصرّف فيه تصرّف المُلاّك من النقض والبناء والإجارة والإعارة ونحوها جاز أن يشهد بالمُلك له.
ويحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف).
أما كون من رأى ما ذكر يجوز أن يشهد له بالملك على الأول؛ فلأن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها.
فجرى مجرى الاستفاضة.
وأما كونه يحتمل أن لا يشهد إلا باليد والتصرف؛ فلأن يده تحتمل أن تكون غير مالكة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما قيام الاحتمال فلا يمنع جواز الشهادة بدليل: جواز الشهادة بالملك بناء على ما عاينه من التسبب؛ كالبيع والإرث ونحو 1 ذلك مع أنه يحتمل أن البائع ليس بمالك والموروث غير مالك.
فصل [في صفة الشهادة]
قال المصنف رحمه الله: (ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها).
أما كون من شهد بالنكاح لا بد من ذكر شروطه؛ فلأنه مما يحتاط له لما فيه من إباحة الفروج.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه تزوجها بولي مرشد وشاهدَي عدل ورضاها؛ فلأن النكاح الصحيح يتوقف على ذلك كله.
أشبه الشروط.
قال: (وإن شهد بالرضاع فلا بد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه).
أما كون من شهد بالرضاع لا بد من ذكر الرضعات؛ فلأن الحل والحرمة في المرتضعة يختلف بذلك.
فلم يكن بد من ذكر ذلك؛ لتتميز المحرمة بالرضاع من غيرها.
وأما كونه لا بد من ذكر أنه شرب من ثديها أو من لبن حُلب منه؛ فلأن ذلك من الشروط في التحريم.
فلم يكن بد من ذكره في الشهادة بذلك؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.
قال: (وإن شهد بالقتل احتاج أن يقول: ضربه بالسيف أو جرحه فقتله ومات من ذلك.
وإن قال: جرحه فمات لم يحكم به).
أما كون من شهد بالقتل يحتاج إلى قول أحد الأمور المذكورة من الضرب بالسيف وما بعده؛ فلأن منه ما يوجب القتل ومنه ما لا يوجبه.
فاحتيج إلى القول المذكور؛ ليترتب على الشهادة موجبها.
ولأن أحد ما ذكر شرط في إيجاب القتل.
فاحتيج إلى قوله في الشهادة به؛ كذكر شروط النكاح في الشهادة به.
وأما كون من قال في شهادته: جرحه فمات لا يحكم به؛ فلأنه لم يسند الموت إلى الجرح.
فلم يثبت كون الموت بسبب جرحه.
قال: (وإن شهد بالزنا فلا بد أن يذكر بمن زنا، وأين زنا، وكيف زنا، وأنه رأى ذكره في فرجها.
ومن أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان).
أما كون من شهد بالزنا لا بد أن يذكر بمن زنا على المذهب؛ فليُعلم هل هي ممن يجب بوطئها حدٌ أم لا؟.
وأما كونه لا بد أن يذكر أين زنا على المذهب؛ فلأن الشهود قد يختلفون فيه.
فيصير ذلك شبهة دارئة للحد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ماعزاً عن ذلك» وكان مقراً.
فلأن يسأل الحاكم الشهود عنه بطريق الأولى.
وأما كونه لا بد أن يذكر كيف زنا وأنه رأى ذكره في فرجها؛ فلأن في قصة ماعز: «قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنكتَها؟ قال: نعم.
قال: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كما يغيبُ المرودُ في المكحلةِ والرشاء في البئر.
قال: نعم» 1.
وإذا اعتبر ذلك في الإقرار ففي الشهادة أولى.
وروى أبو داود قصة اليهود وفيها: «أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا شهدَ أربعةٌ أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثلَ الميلِ في المُكْحُلة.
فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فشهدوا أنهم رأوْا ذكرهُ في فرجها مثل الميلِ في المكحُلة.
فأمرَ النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما» 2.
ولأن الشهود إذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد.
فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتحقق.
وأما كون ذكر المزني بها وذكر المكان لا يحتاج إليه على قول بعض أصحابنا؛ فلأنهما لم يذكرا في الحديثين المتقدم ذكرهما.
فلم يحتج إلى ذكرهما في الشهادة.
قال: (ومن شهد بالسرقة فلا بد من ذكر المسروق منه والنصاب والحرز وصفة السرقة).
أما كون من شهد بالسرقة لا بد من ذكر المسروق منه؛ فلأنه قد يكون ممن يباح أخذ ماله.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتميز حال من يجب القطع بسرقة ماله من حال من لا يجب القطع به.
وأما كونه لا بد من ذكر النصاب؛ فلأن القطع لا يجب بدونه؛ لما ذكر في باب السرقة.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر الحرز؛ فلأن السرقة من غير حرزٍ لا يجب بها القطع.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليتحقق شرط وجوب القطع.
وأما كونه لا بد من ذكر صفة السرقة؛ فلأن الأخذ تارة يكون على وجه السرقة، وتارة على وجه الخُلْسة، وتارة على وجه النُهْبة.
فلم يكن بد من ذكر صفة الأخذ؛ لتتميز السرقة الموجبة للقطع من غيرها.
قال: (وإن شهد بالقذف ذكر المقذوف وصفة القذف).
أما كون من شهد بالقذف يذكر المقذوف؛ فلأن موجبه يختلف باختلافه.
وأما كونه يذكر صفة القذف؛ فليُعلم أنه صريح لا يفتقر إلى شيء، أو كناية تفتقر إلى نية، أو ما يقوم مقامها.
قال: (وإن شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لم يُحكم له حتى يقولا: ولدتْه في ملكه.
وإن شهدا أنه اشتراها من فلان أو وقفها أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه.
وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو الطير من بيضته، أو الدقيق من حنطته حُكم له بها).
أما كون من شهدا أن هذا العبد ابن أمة فلان لا يحكم له حتى يقولا: ولدته في ملكه؛ فلأنه لا يتحقق كون الولد مملوكاً بدون ذلك؛ لجواز أن يكون ابن أمته وهو مملوك لغيره؛ مثل: أن تلده قبل أن يشتريها ثم يشتريها.
فإن قيل: وقول الشاهدين: ولدته في ملكه لا يوجب كونه مملوكاً؛ لجواز أن يكون قد قيل له عن الأمة المذكورة أنها حرة فتزوجها ثم ولدت له ولداً ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حراً، ويصح أن يقال: ابن أمة؛ فلأنها 1 ولدته في ملكه.
قيل: الغرور نادر، والنادر لا يعتدّ به.
بخلاف ما تقدم ذكره.
وأما كون من شهد أنه اشترى الأمة من فلان أو وقفها أو أعتقها لا يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه؛ فلأنه لا بد من كون البائع والواقف والمعتق مالكاً؛ لأنه قد يبيع الإنسان ما لا يملك وقد يقفه وقد يعتقه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهي في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع شيئاً من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضرة شاهدين، ثم ينتزعه المشتري من يد صاحبه، ثم يقتسماه، وفي ذلك ضررٌ عظيم لا يرد الشرع بمثله.
وأما كون من شهدا أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضته والدقيق من حنطته يحكم له بها؛ فلأن الغزل والدقيق عين ماله، والطير حادث من عين ماله.
قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا.
وإن قالا: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها).
أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه.
فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله عليه السلام: «أنا أقضي بالظاهر» 2.
وأما كون ذلك كذلك سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا؛ فلأن قول البينة يعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم وارث غير من شهد له.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن لا يقبل من غير أهل الخبرة الباطنة؛ لأن عدم علمهم بوارث ليس بدليل على عدمه.
بخلاف أهل الخبرة.
وأما كونه يحتمل أن يسلم المال إليه إذا قال الشاهدان: لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد؛ فبالقياس على ما ذكر قبل.
وأما كونه يحتمل أن لا يسلم المال إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها؛ فلأنه قبل الكشف عن ذلك لا يحصل الظن بنفي غير المشهود له؛ لأنه لا يلزم من عدم علمهما بوارث في البلد المذكور عدم علمهما بوارث، فلا يحصل الظهور الحاصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه.
وهذا أولى؛ لما ذكر من أنه لا يحصل بقولهما: لا نعلم له وارثاً سواه في هذا البلد كحصوله في قولها: لا نعلم له وارثاً سواه، وذلك يوجب قيام الفرق بينهما فلا يصح القياس معه.
قال: (وتجوز شهادة المستخفي.
ومن سمع رجلاً يُقر بحقٍ أو يشهد شاهداً بحقٍ، أو سمع الحاكم يحكم أو يشهد على حكمه وإنفاذه في إحدى الروايتين، ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك).
أما كون شهادة المستخفي وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره يجوز في إحدى الروايتين والمراد قبول شهادته؛ فلأنه شهد بما سمع، وذلك هو المعتبر في صحة التحمل.
ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك؛ مثل: أن يكون خصمه يقر سراً ويجحد جهراً.
فلو لم تقبل شهادة المستخفي؛ لأدّى الحال إلى بطلان حق صاحبه في هذه الصورة المذكورة.
وأما كونها لا تجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تجسّسوا﴾ [الحجرات: 12]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حَدَّثَ بحديثٍ ثم التَفَتَ فهي أمانَة» 1. يعني أنه لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه؛ لالتفاته وحذره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والآية والخبر يحملان على غير ما ذكر؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة.
وأما كون شهادة من سمع رجلاً يُقرُ بحق، أو يشهد شاهداً بحق، أو سمع الحاكم يحكم، أو يشهد على حكمه وإنفاذه يجوز في أحد الروايتين؛ فلأن المعتمد عليه السماع وهو موجود.
ولأن قول المقر للشاهد: اشهد عليّ لو اعتبر لكان عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: إنه لم يشهدكما، ولسأل الذين شهدوا على قدامة بشرب الخمر: هل أشهدكما، ولسأل عثمان الذين شهدوا على الوليد بن عقبة عن ذلك، ولسأل الذين شهدوا على السارق عن ذلك.
ولم ينقل شيء من ذلك.
وأما كونها لا تجوز في صورة من الصور المتقدمة حتى يقول المشهود عليه للشاهد: اشهد عليّ في الأخرى؛ فلأنها شهادة عليه.
فلم تجز قبل ذلك؛ كشهادة الشاهد على شهادة آخر.
فصل [في اختلاف الشاهدين]
قال المصنف رحمه الله: (وإذا شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر، وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة.
وكذلك كل شهادة على الفعل إذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة).
أما كون البينة لا تكمل إذا اختلف الشاهدان في صفة المشهود له؛ فلأن أحد الثوبين غير الآخر؛ لأن الموصوف بكونه أحمر غير الموصوف بكونه أبيض فإذا كان كذلك لم يكن على العين الواحدة شاهدان.
فلم تكمل البينة على واحدٍ منهما.
وأما كونها لا تكمل إذا اختلفا في الوقت في مسألة الغصب وفي كل شهادة على الفعل؛ فلأن أحد الفعلين غير الآخر؛ لأن الفعل الواقع في يوم غير الفعل الواقع في يومٍ آخر، وإذا كان كذلك لم يتوارد قول الشاهدين على فعل واحد، وذلك يوجب عدم كمال البينة؛ لما تقدم.
قال: (وإن شهد أحدهما أنه أقرّ له بألفٍ أمس وشهد آخر أنه أقرّ له بألفٍ اليوم، أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس وشهد آخر أنه باعه إياها اليوم: كملت البينة، وثبت البيع والإقرار).
أما كون البينة في مسألة الإقرار تكمل؛ فلأنه وإن كانا إقرارين فهما إقرار بشيء واحد.
ولهذا لو شهدت بينة على إقرار زيد بمائة ثم شهدت بينة أخرى على إقراره بمائة حملت الثانية على الأولى ولم يلزمه سوى مائة.
ولأن المشهود عليه قد لا يمكنه أن يجمع الشهود ليقر عندهم دفعة واحدة.
فاشتراط ذلك فيه مشقة عظيمة وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كونها تكمل به في مسألة البيع؛ فلأن المشهود به شيء واحد يجوز أن يعاد مرة بعد أخرى ويكون واحداً، واختلاف الشهود في الوقت ليس اختلافاً فيه.
فلم يؤثر اختلافهما؛ كما لو شهد أحدهم بالعربية والآخر بالفارسية.
وأما كون كل واحدٍ من الإقرار والبيع يثبت؛ فلأن البينة كملت بكل واحدٍ منهما، وكمال البينة بالشيء يوجب ثبوته.
قال: (وكذلك كل شهادة على القول؛ إلا النكاح إذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة، وكذلك القذف.
وقال أبو بكر: يثبت القذف).
أما كون كل شهادة على القول غير النكاح والقذف؛ كمسألتي الإقرار والبيع المتقدم ذكرهما في أن اختلاف الشاهدين في الوقت لا يؤثر؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الإقرار والبيع.
وقد تقدم أن الاختلاف في الوقت لا يؤثر فكذلك يجب أن لا يؤثر فيما هو في معناه.
وأما كون النكاح ليس ككل شهادة على القول؛ فلأن اختلاف الشهود في الوقت يمنع من كمال البينة عليه ومن ثبوته: أما كونه يمنع من كمالها؛ فلأن البينة الكاملة تثبت موجبها كما تقدم، والبينة المذكورة لا تثبت موجبها؛ لما يأتي ذكره.
وأما كونه يمنع من ثبوته؛ فلأن من شرط صحته حضور الشاهدين له فإذا اختلفا في الوقت لم يتحقق حصول الشرط.
فلم يثبت المشروط مع عدم تحقق شرطه.
وأما كون القذف كالنكاح على قول غير أبي بكر؛ فلأن موجب القذف حد، والحد يدرأ بالشبهة، وفي اختلاف الشهود شبهة.
وأما كون القذف يثبت بذلك على قول أبي بكر؛ فلأن الشهادة على ذلك على قول ليس بنكاح.
أشبه الإقرار والبيع وسائر الأقوال.
قال: (وإن شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين ثبت ألف، ويحلف على الآخر مع شاهده إن أحب).
أما كون ألف تثبت؛ فلأنه شهد به شاهدان.
وأما كون الألف الآخر يحلف على المشهود له مع شاهده إن أحب؛ فلأن المال يثبت بالشاهد واليمين.
وما ذكر مشعر بأمرين:
أحدهما: أن الألف الآخر لا يثبت بما تقدم من الشهادة.
وهو صحيح؛ لأنه لم يشهد به شاهدان.
وثانيهما: أنه يثبت إذا حلف المشهود له.
وهو صحيح؛ لما ذكر من أن المال يثبت بالشاهد واليمين.
قال: (وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً وشهد آخر أن له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف؟ على وجهين.
وإن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً من قرض وشهد آخر أن له عليه ألفاً من ثمن مبيع لم تكمل البينة).
أما كون البينة تكمل إذا كانت الشهادة مطلقة غير مُسْنِدة للمشهود به إلى سبب على وجه؛ فبالقياس على ما إذا كانت البينة على الإقرار.
وأما كونها لا تكمل على وجه؛ فلأن البينة على الإقرار يحمل فيها الإقرار الثاني على الأول.
بخلاف البينة على غيره.
فعلى الأول تثبت الألف ويحلف على الألف الآخر إن أحب.
وعلى الثاني لا يثبت شيء من ذلك.
وأما كون البينة لا تكمل إذا كانت الشهادة مُسنِدة للمشهود به إلى سبب كالقرض والبيع؛ فلأن أحد الألفين لا يمكن أن يكون الألف الآخر.
قال: (وإن شهد شاهدان أن له عليه ألفاً وقال أحدهما: قضاه نصفه بطلت شهادته نص عليه.
وإن شهدا أنه أقرضه ألفاً ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادته).
أما كون الشهادة في المسألة الأولى تبطل؛ فلأنه لا يجوز أن يشهد الشاهد بألف ويعلم أنه قد قبض منه بعضه.
فإذا قال ذلك علم أنه قد كذب في شهادته، وذلك يوجب بطلانها.
وأما كونها في المسألة الثانية تصح؛ فلأن الوفاء لا ينافي القرض.
قال: (وإذا كانت له بينة بألف فقال: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز، وعند أبي الخطاب يجوز).
أما كون الشهادة بما ذكر لا يجوز على المذهب؛ فلأن في ذلك تلبيساً، وذلك غير لائقٍ بحال الشاهد.
وأما كونها تجوز عند أبي الخطاب؛ فلأنه لو أبرأه من خمسمائة جاز أن يشهد له بالباقي فكذلك هاهنا.
ولأن المطلوب من الشاهد بعض حق المشهود له؛ لأن خمسمائة بعض الألف، ومالك الشيء مالك لبعضه.
باب شروط من تقبل شهادته
قال المصنف رحمه الله: (وهي ستة:
أحدها: البلوغ.
فلا تقبل شهادة الصبيان.
وعنه: تُقبل ممن هو في حال أهل العدالة.
وعنه: لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها).
أما كون شروط من تُقبل شهادته ستة؛ فلأنها البلوغ، والعقل، والكلام، والإسلام، والضبط، والعدالة.
وسيأتي ذكرها وذكر دلائلها بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحدها: البلوغ؛ فلأن غير البالغ كالصبي لا تُقبل شهادته؛ لما يأتي.
وأما كون شهادة الصبيان لا تُقبل على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: 2]،، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: 282]، والصبي ممن لا يُرضى به.
وقال: ﴿ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه﴾ [البقرة: 283]. والصبي لا يأثم.
ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه.
فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى.
وأما كونها تُقبل ممن هو في حال العدالة على روايةٍ؛ فلأنه يمكنه ضبط ما يشهد به.
فقبلت شهادته؛ كالبالغ.
قال ابن حامد على هذه الرواية: تُقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص؛ كالعبيد.
وأما كونها لا تُقبل إلا في الجراح خاصة؛ فلأنه يروى عن مسروق قال: «كنا عند علي فجاءه خمس غلمة.
فقالوا: كنا ست غلمةٍ نتغاط فغرق منا غلام،
فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرَّقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرَّقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وعلى الثلاثة خمسيها» 1. وقضى بنحو هذا مسروق.
قال: (الثاني: العقل.
فلا تُقبل شهادة معتوهٍ ولا مجنونٍ إلا من يخنق في الأحيان إذا شهد في إفاقته).
أما كون الثاني من شروط من تقبل شهادته: العقل؛ فلأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها؛ لأنه لا يعقل ذلك إلا بضبط الشهادة.
وأما كون شهادة المعتوه لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له.
وأما كون شهادة مجنون مطبق لا تقبل؛ فلأنه لا عقل له.
وأما كون من يخنق في الأحيان تقبل شهادته إذا شهد في إفاقته؛ فلأن المصحح لشهادة من لم يجن أصلاً موجود فيمن ذكر.
فوجب إلحاقه به.
واشترط المصنف رحمه الله في ذلك: أن يشهد في إفاقته؛ ليخرج من شهد في جنونه.
ولا بد فيه أيضا أن يكون تحمل في وقت إفاقته؛ لأنه تحمله في جنونه لا يصح؛ لأنه لا يمكنه الضبط.
قال: (الثالث: الكلام.
فلا تُقبل شهادة الأخرس.
ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته).
أما كون الثالث من شروط من تقبل شهادته: الكلام؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الكلام من شروط ذلك؛ فلأن الشهادة يُعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام.
وأما كون شهادة الأخرس لا تقبل؛ فلأن شرط القبول الكلام ولم يوجد.
ولأن الإشارة لو اكتفي بها معه الخرس لوجب أن يكتفى بها مع النطق؛ لأنها إن كانت محصّلة للمطلوب شرعاً فهي موجودة فيهما، وإشارة الناطق لا يحكم بها وفاقاً فكذلك إشارة الأخرس.
فإن قيل: قد اكتفي بإشارته في وصيته وطلاقه وإقراره وسائر أحكامه فكذلك يجب أن يكون هاهنا.
قيل: إنما اكتفي بذلك للضرورة، ولا ضرر بذلك في قبول شهادته.
فإن قيل: في الحديث «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالساً فصلى من خلفهُ قياماً فأشارَ إليهم أن اجْلِسُوا» 1، ولو لم تكن الإشارة كافيةً لما كان الأمر كذلك؟.
قيل: الشهادة تفارق ما ذكر بدليل: أن الإشارة اكتُفي بها من النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه ناطقاً، ولو تعدى ذلك إلى الشهادة لاكتفى بالإشارة من الناطق وذلك منتفٍ إجماعاً.
وأما كونها يحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته؛ فلأن اليقين حاصل في التحمل، وإشارة المؤدي العاجز عن النطق؛ كنطقه.
دليله: الأحكام المتقدم ذكرها.
وفارق ما طريقه السماع من حيث إن الأخرس غالباً يكون أصم فيقع الخلل في التحمل.
والأول أولى؛ لأن الكلام شرط في القبول ولم يوجد.
قال: (الرابع: الإسلام.
فلا تُقبل شهادة كافر إلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم، ويحلفهم الحاكم بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، وأنها لوصية الرجل، فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتُنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم.
وعنه: أن شهادة بعض أهل الذمّة تقبل على البعض.
والأوّل المذهب).
أما كون الرابع من شروط من تقبل شهادته: الإسلام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282]، وقال: {وأشهدوا ذوي عدل
منكم} [الطلاق: 2]، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: 282]. ومن فقد الإسلام فليس من رجالنا، ولا منّا، ولا ممن نرضاه.
وأما كون شهادة الكافر بغير الوصية في السفر لا تُقبل؛ فلأن شرطها الإسلام ولم يوجد.
وأما كون شهادته بالوصية في السفر بالشروط التي ذكرها المصنف تقبل ويحلفه الحاكم على الوجه المتقدم ذكره؛ فلأن الله عز وجل قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبةُ الموت﴾ [المائدة: 106].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قضوا بذلك.
فروى ابن عباس قال: «خرجَ رجلٌ من بني سهمٍ مع تميمٍ الداري وعدي بن زيد، فماتَ السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٍ، فلما قدما بتركته فقدوا جامَ فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهب.
فأحلفهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
ثم وجدوا الجامَ بمكة.
فقالوا: اشتريناهُ من تميم وعدي.
فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتُنا أحق من شهادتهما وإن الجامَ لصاحبهم.
فنزلت فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموت... الآية﴾ [المائدة: 106]» 1.
وعن الشعبي «أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقُوقاء 2 ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته.
فأشهد رجلين من أهل الكتاب.
فقدما الكوفة.
فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته.
فقال الأشعري: هذا أمرٌ 3 لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأحلفهما بعد العصر ما
خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيّرا، وأنها لوصية الرجل وتركته.
وأمضى شهادتهما» 1. رواهم أبو داود.
وأما كون شهادة بعض أهل الذمة تُقبل على البعض على روايةٍ؛ فلما روى جابر «أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أجازَ شهادةَ [أهلِ الكتابِ]، بعضِهم على بعض» 2. رواه ابن ماجة.
فجازت شهادة بعضهم على بعض؛ كالمسلمين.
والأول المذهب؛ لما تقدم من النصوص.
ولأن من لا تقبل شهادته على غير أهل دينه لا تقبل على أهل دينه؛ كالحربي.
وأما الخبر المذكور فيرويه مجالد وهو ضعيف.
وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين؛ لأنها تسمى شهادة، قال الله تعالى في اللعان: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله﴾ [النور: 6].
وأما الولاية فهي متعلقة بالقرابة وقرابتهم ثابتة، وجازت لموضع الحاجة فإن غيرهم من المسلمين لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك؛ لكثرته، والشهادة ممكنة من المسلمين، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تُقبلُ شهادةُ أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدولٌ على أنفسهم وعلى غيرهم» 3.
قال: (الخامس: أن يكون ممن يحفظ.
فلا تُقبل شهادة مغفل، ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان).
أما كون الخامس من شروط من تقبل شهادة: أن يكون ممن يحفظ؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون ذلك من شروط ذلك؛ فلأن من لا يحفظ لا يدري ما يشهد حين الأداء، وذلك يخل بمقصود الشهادة.
ولأن من لا يحفظ لا تحصل الثقة بقوله، ولا يغلب على الظن صدقه.
وأما كون شهادة المغفل لا تُقبل؛ فلأنه لا يحفظ.
وأما كون شهادة معروفٍ بكثرة الغلط والنسيان لا تُقبل؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيه ونسي.
ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه، أو بغير ما شهد به، أو لغير من أشهده.
فصل [في العدالة]
قال المصنف رحمه الله: (السادس: العدالة.
وهي: استواءُ أحواله في دينه واعتدالُ أقواله وأفعاله.
وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبةٌ.
ويعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين.
وهو: أداء الفرائض، واجتنابُ المحارم.
وهو: أن لا يرتكبَ كبيرة، ولا يُدمن على صغيرة.
وقيل: أن لا يظهر منه إلا الخير).
أما كون السادس من شروط من تقبل شهادته: العدالة؛ فلأنه يلي الخامس.
وأما كون العدالة من شروط ذلك؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
فتثبتوا.
ولأن غير العدل لا يُؤمن منه أن يتحامل على غيره فيشهد عليه بغير حق.
وأما كون العدالة كما ذكر؛ فلما تقدم من تفسيرها.
والخلاف فيها في قول المصنف رحمه الله: ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في الفصل الثاني من باب طريق الحكم وصفته 1. فلا حاجة إلى إعادة ذلك فيها.
وأما كونها يعتبر لها شيئان: الصلاحُ في الدين والمروءة؛ فلأن من لا صلاح له في الدين ولا مروءة له لا يُؤمن أن يشهد على غيره بالزور.
وأما كون أحد الشيئين الصلاحُ في الدين؛ فظاهر.
وأما كون الصلاحُ في الدين أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ فلأن 2 لأنه يؤدي أن لا تقبل شهادة أحد؛ لأنه لا يخلو أحد من ذنب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم﴾ [النجم: 32].
مدحهم لاجتنابهم ما ذكر، وإن كان قد وجد منهم صغيرة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن تَغْفِرِ اللهم تغْفِرْ جَمّا، وأيُّ عبدٍ لكَ ما ألَمّا» 1.
وإنما اعتبر فيمن تقبل شهادته أن لا يرتكب كبيرة؛ لأن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف وهي كبيرة.
فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة.
وإنما اعتبر فيه أن لا يُدمن على صغيرة؛ لأن من لم يرتكب الكبيرة وأدمن على الصغيرة لا يُعدّ مجتنباً للمحارم لا عُرفاً ولا شرعاً.
ولأن الإدمان على الصغيرة كالكبيرة.
فإن قيل: ما الكبيرة؟
قيل: هي كل معصية فيها حدٌ، والإشراكُ بالله، وقتلُ النفس الحرام، وشهادةُ الزور، وعقوقُ الوالدين.
ونُقل عن الإمام أحمد رحمه الله: لا تقبل شهادة آكل الربا، وقاطعُ الطريق، ومن لا يؤدي زكاة ماله، ومن أخرج في طريق المسلمين الاسطوانة 2 والكنيف، والكاذب الكذب الشديد.
وأما كون اجتناب المحارم.
وهو: أن لا يظهر من الشخص إلا الخير على قول؛ فلأن اعتبار ما تقدم ذكره 3 مشقة وحرج، وذلك منتفٍ شرعاً.
قال: (ولا تُقبل شهادة فاسق سواء كان فسقُه من جهة الأفعال أو الاعتقاد.
ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه).
أما كون شهادة الفاسق من جهة الفعل؛ كالزاني والقاتل والسارق وما أشبه ذلك لا تُقبل شهادته رواية واحدة؛ فلما تقدم.
وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد غير المتدين لا تُقبل أيضاً؛ فلأنه فاسق غير متدين.
أشبه الفاسق بالفعل.
وأما كون شهادة الفاسق المتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه كالخطابية لا تُقبل أيضاً؛ فلأن الثقة لا تحصل بقوله لتدينه بكذبه.
وأما كون شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد المتدين به إذا لم يتدين بما تقدم ذكره لا تُقبل على المذهب؛ فلعموم النصوص الدالة على عدم قبول قول الفاسق، وقياسه على الصور المذكورة قبل.
وأما كونه يتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادته؛ فلأن الفاسق من جهة الاعتقاد أحسن حالاً من الكافر.
فإذا قبلت شهادته كان قبول قول الفاسق من جهة اعتقاد المتدين به أولى.
قال: (وأما من فعل شيئاً من الفروع المختلف فيها فتزوج بغير ولي، أو شرب من النبيذ ما لا يسكره، أو أخّر الحج الواجب مع إمكانه أو نحوه متأولاً فلا تُرد شهادته.
وإن فعله معتقداً تحريمه رُدت شهادته.
ويحتمل أن لا تُرد).
أما كون من فعل شيئاً متأولاً لا تُرد شهادته؛ فلأن الاختلاف في الفروع رحمة.
فلو رُدت الشهادة بذلك لما كان الأمر كذلك.
ولأن التأويل فيما ذكر شائع جائز.
بدليل اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل الفروعية ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان.
وذلك لا يناسب رد الفاعل لذلك على وجه التأويل؛ لأنه فعل ما له فعله.
أشبه فعل المتفق عليه.
وأما كون من فعل شيئاً من ذلك مع اعتقاد تحريمه تُرد شهادته إذا تكرر ذلك منه على المذهب؛ فلأنه فعل ما يعتقد تحريمه.
أشبه فعل المحرم إجماعاً.
وأما كونه يحتمل أن لا تُرد؛ فلأن لفعله في الجملة مساغاً.
والأول أولى؛ لما تقدم.
ولأن الفاعل لشيء من الفروع المختلف فيها معتقداً التحريم بذلك: آثم لفعله، مستديم له، وذلك ينافي قبول شهادته.
قال: (الثاني: استعمال المروءة.
وهو: فعلُ ما يجمّله ويزيّنه وترك ما يُدنّسه ويشينُه.
فلا تُقبل شهادة المصافع والمتمسخِر والمغنّي والرقّاص واللاعب بالشطرنج والنرْد والحمام، والذي يتغدى في السوق ويمدُّ رجليه في مجمع الناس، ويحدّث بمباضَعة أهله وأمته، ويدخل الحمّام بغير مئزر ونحو ذلك).
أما كون الثاني من شيء ما يعتبر في العدالة: استعمال المروءة؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون ذلك مما يعتبر في العدالة؛ فلأن من فقد المروءة اتصف بالدناءة والسقاطة، وكلاهما يذهب الثقة بقول المتصف بهما.
وأما كون استعمال المروءة وهو ما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن من لم يفعل ما ذُكر فعله ولم يترك ما ذُكر تركه لا مروءة له عُرفاً.
فكذا شرعاً.
وأما كون شهادة المصافع... إلى آخره لا تُقبل؛ فلأن الفاعل لشيء من ذلك لا مروءة له، وقد تقدم أنها معتبرة في العدالة.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأن شهادة من ذُكر لا تُقبل؛ لعدم المروءة لأنه ذكر استعمال المروءة ثم قال: فلا تُقبل شهادة المصافع... إلى آخره.
وعندي في ذلك نظر وهو: أن المتصف بخصلة مما تقدم ذكره ينبغي أن ينظر فيما اتصف به فإن كان محرماً كان المانع من قبول شهادته كونه فاعلاً للمحرم، لا يقال فعلُ المحرم مرةً لا يمنع من قبول الشهادة؛ لأن الكلام مفروض فيمن هو متصفٌ بذلك مستمرٌ عليه، مشهورٌ به، وذلك يقتضي المداومة عليه، والمداومة على الصغيرة كالكبيرة في رد الشهادة، وإن كان ما اتصف به غير محرم كان المانع من قبول شهادته كون فعله دناءةً وسفهاً ويكون ذلك من باب فقد المروءة.
فعلى هذا لا بد من بيان من فعله دناءة وسفه من غير تحريم ممن فعله محرم فنقول: أما المصافع والمتمسخِر، ومن يأكل في السوق، ويمدّ رجليه في مجمع من الناس، ويحدّث بمباضَعته أهله: ففعل كل واحدٍ منهم دناءة وسفه من غير حرمة:
أما كونه دناءةً وسفهاً؛ فظاهر.
وأما كونه من غير حرمة؛ فلأن التحريم من الشرع ولم يرد به.
قال المصنف في المغني بعد أن ذكر الآكل في السوق ومادّ رجليه في مجمع الناس والمتمسخر والمحدث بمباضعته أهله: فإن فعل شيئاً من هذا مختفياً لم يمنع قبول الشهادة؛ لأن مروءته لا تسقط بذلك، ولو كان ذلك محرماً لكان الاختفاء به مانعاً كالإظهار؛ لاستوائهما في الحرمة.
وأما المغنّي ففعله حرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: 30].
قال ابن الحنفية: هو الغناء.
وعن ابن عباس وابن مسعود: «في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ [لقمان: 6] هو الغناء» 1.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلب» 2.
وعن أبي أمامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات، وبيعهن، والتجارة فيهن، وأكل أثمانهن حرام» 3. رواه الترمذي.
فعلى هذا ترد شهادته؛ لفعله المحرم.
وقال بعض أصحابنا: الغناء غير حرام؛ لأن عائشة قالت: «كان عندي جاريتان تُغنِّيان فدخل أبو بكر فقال: مزمور الشيطان في بيتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإنها أيامُ عيد» 4.
وعن عمر رضي الله عنه قال: «الغناءُ زادُ الراكب».
فعلى هذا لا تقبل شهادة المغنِّي وهو من يجمعُ الناس عليه يأتيهم مرة ويأتونه أخرى؛ لأن في فعله دناءةً وسفهاً، ولا ترد شهادة من يغني لنفسه على وجه الترنم؛ لأن ذلك لا تحريم فيه ولا دناءة.
وأما الرقّاص ففعله دناءة؛ لما يتضمن من قلة العقل.
ولم أجد عن أصحابنا ما يقتضي تحريمه، والأصل الإباحة.
وأما اللاعب بالنرْد والشطرنج ففعلهما حرام: أما كون اللعب بالنرْد حراماً؛ فلما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لعبَ بالنرْدَشِير فقد عصى الله ورسوله» 5.
وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لعبَ بالنرْدَشِيرِ فكأنما غَمسَ يدَه في لحمِ الخنزيرِ ودمه» 1. رواهما أبو داود.
وأما كون اللعب بالشطرنج حراماً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾ [المائدة: 90] قال عليٌ: «الشطرنجُ من الميسر» 2.
وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للهِ في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاة فيها نصيب».
رواه أبو بكر بإسناده.
و«مرَّ على قوم يلعبون بالشطرنج.
فقال: ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؟ » 3.
ولأنه لعب يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
أشبه النرد.
وأما اللاعب بالحمام فيُنظر فيه فإن كان ذلك ليأخذ حمام الناس، أو ليقامر بها فذلك حرام.
وإن كان ليأكل فراخها، أو لتحملَ له الكتب، أو للأُنس فلا بأس.
وفي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: «جاءَ رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكى الوحشة فقال له: اتخذ زوجاً من حمام»، وإن فعل ذلك فُرجة على طيرانها ونظراً كان ذلك سفهاً ودناءة.
وأما داخل الحمّام بغير مئزر ففعله حرام؛ لأن فيه كشف عورته المأمور بسترها.
وقد تقدم ذكر ذلك في باب ستر العورة 4.
قال: (فأما الشَين في الصناعة؛ كالحجام والحائك والنخّال والنفّاط والقمّام والزبّال والمشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش فهل تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر تُقبل شهادتهم إذا حسنت طرائقهم على وجه؛ فلأن بالناس حاجة إلى من يقوم بما ذكر، ورد شهادة فاعله يمنع من تعاطيه.
فيؤدي إلى ضرر عام بالخلق، وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كونهم لا تُقبل شهادتهم على وجه؛ فلأن تعاطي ما ذكر يتجنَّبهُ أهل المروءات.
فكان فعله مانعاً من الشهادة كالقِسْم الذي قبله.
هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله.
وعندي فيه نظر كما تقدم.
وينبغي أن ينظر في الصناعة فإن كانت محرمة منعت قبول الشهادة؛ لفعله المحرم على وجه التكرار؛ لأن من كان الشيء المحرم صنعته كان فعله له مكرراً، وإن كانت مباحة فمنها ما يترجح فيه قبول الشهادة؛ كالحائك لا سيما في بلاد ظهرَ الدينُ فيهم كحرّان، ومنها ما يترجح فيه رد الشهادة؛ كالزبال؛ لأن في فعله دناءة وسفهاً.
فعلى هذا: الحجام ينبني على جواز الإجارة: فإن قيل بعدم جواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لأنه فعل محرم متكرر، ويعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كسبُ الحجّام خبيث» 1، وإن قيل بجواز الإجارة عليه منع فعله الشهادة؛ لما فيه من الدناءة والسقاطة، والحائك تقدم ذكره.
والنخّال والنفّاط فعلهما فيه دناءة، ويترجح عدم رد شهادتهما؛ لأن الظاهر من حالهما الاستقامة.
وأما القمّام والزبّال فالظاهر منهما أنهما لا يتوقيان النجاسة، وإن توقياها كان فيها دناءة، ويترجح رد شهادتهما؛ لأجل ذلك الظاهر.
وأما المشعوذ والدبّاغ والحارس والقرّاد والكبّاش ففعلهم فيه دناءة، ويترجح رد شهادتهم؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا مروءة لهم، وهي شرط في قبول الشهادة.
فصل [إذا زالت موانع الشهادة]
قال المصنف رحمه الله: (ومتى زالت الموانع منهم فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قُبلت شهادتهم بمجرد ذلك، ولا يعتبر إصلاح العمل.
وعنه: يعتبر في التائب إصلاح العمل سَنَة).
أما كون من زالت الموانع المذكورة منهم تُقبل شهادتهم؛ فلأن عدم القبول معلل بذلك فإذا زال عُدم القبول ضرورة أن المعلل يزول لزوال علته.
وأما كون الفاسق إذا تاب تُقبل شهادته بمجرد توبته من غير اعتبار صلاح العمل على المذهب؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يعتبر فيه إصلاح العمل سنة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ [آل عمران: 89].
نهى عن قبول الشهادة ثم استثنى التائب المصلح.
و«لأن عمر رضي الله عنه لما ضربَ صَبيغاً وأمر بهجرانه حتى بلغه توبته.
فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلا بعدَ سنة» 1.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» 2.
ولأن شهادة الكافر تُقبل بمجرد الإسلام.
فلأن تقبل شهادة الفاسق بمجرد التوبة بطريق الأولى.
ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة بدليل قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصِروا
على ما فعلوا وهم يعلمون? أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم... الآية} [آل عمران: 135 - 136]، وقوله تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: 110]، وقول عمر رضي الله عنه: «بقيةُ عمر المرء لا قيمة له يدركُ فيه ما فات، ويحيي فيه ما أمات، ويبدّلُ الله سيئاته حسنات» فينبغي أن يحصل بمجردها قبول التوبة، وقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾ 1 [المائدة: 39] يحتمل أنه أراد بالإصلاح التوبة وعطف ﴿وأصلح﴾ على ﴿تاب﴾؛ لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك قول عمر: «تُبْ أقبل شهادَتك» 2.
قال: (ولا تُقبل شهادة القاذف حتى يتوب.
وتوبته: أن يكذب نفسه.
وقيل: إن علمَ صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمتُ على ما قلتُ ولا أعودُ إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه).
أما كون شهادة القاذف لا تُقبل قبل توبته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: 4].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» 3. رواه ابن ماجة.
والمراد بالقاذفِ المردودِ الشهادة: القاذفُ الذي لم يأت بما يحقق قذفه فإن أتى بما يحقق قذفه؛ كالزوج يقذف زوجته، ويحقق قذفه بالبينة أو باللعان.
والأجنبي يقذف أجنبية، ويحقق قذفه بالبينة: لم ترد شهادته؛ لأن الله تعالى إنما رتب الأحكام المذكورة على مجموع الأمرين: من رمي المحصنات، وعدم الإتيان بأربعة شهداء.
فإذا لم يوجد ذلك لم تترتب الأحكام المذكورة؛ لانتفاء شرطها.
وأما قول المصنف رحمه الله: حتى يتوب؛ فمشعر بقبول شهادته بعد توبته.
وهو صحيح صرح به المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
والأصل في ذلك قوله
تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5]، وقول عمر لأبي بكرة: «تُب أقبل شهادَتك» 1.
ولأن القاذف المذكور إذا تاب تائب من ذنبه.
فوجب أن تقبل شهادته؛ كالتائب من الزنا بل أولى؛ لأن الزنا أعظم من القذف.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ [النور: 4]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا محدودٍ في الإسلام» 2 يدلان على عدم قبول شهادة القاذف وإن تاب.
قيل: أما الآية فقد استثنى الله تعالى فيها التائب بقوله بعد قوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ [النور: 4] ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5].
وأما الحديث؛ فمحمول على من لم يتب بدليل الاستثناء في الآية.
وأما كون توبة القاذف أن يكذب نفسه على المذهب؛ فلأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: 5]: «توبتهُ إكذابُ نفسه».
وأما كونها إذا علم صدق نفسه أن يقول: قد ندمت عما قلت ولا أعود إلى مثله، وأنا تائبٌ إلى الله تعالى منه على قول؛ فلأن المقصود يحصل بذلك.
فوجب أن تحصل التوبة به؛ كغيره.
ولأن الندم توبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الندمُ توبة» 3. فوجب أن تحصل التوبة لمن يقول: قد ندمت... إلى آخره بحصول الندم.
وإنما اعتبر القول؛ لأن ما في الباطن لا يُطلع عليه.
فلم يكن بد من القول الدال عليه؛ ليعلم تحقق الندم الموجب للتوبة.
فصل [في شهادة العبد]
قال المصنف رحمه الله: (ولا يُعتبر في الشهادة الحرية، بل تجوز شهادة العبد في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين.
وتُقبل شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء).
أما كون الشهادة لا يعتبر فيها الحرية؛ لأن الله تعالى أمر بإشهاد ذَوي عدل منا، ومن فقد الحرية عدلٌ منا.
بدليل قبول روايته وفتياه وأخباره الدينيّة.
ولأن العبد عدل غير متهم.
فقبلت شهادته؛ كالحر.
وأما كون شهادة العبد في كل شيء غير الحدود والقصاص يجوز؛ فلأن الحرية ليست معتبرة في الشهادة.
وأما كونها تُقبل في الحدود والقصاص على إحدى الروايتين؛ فلما تقدم.
ولأنه حق.
أشبه الأموال.
وأما كونها لا تُقبل على إحداهما؛ فلأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة؛ لاختلاف العلماء في قبولها.
وأما كون شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء تُقبل؛ فلأن الموجود فيها الرق، وذلك لا يمنع في العبد فلا يمنع في الأمة بالقياس عليه، وفي الأثر أن عقبة بن الحارث 1 قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب.
فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتكُما.
فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» 2 متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: «فقلتُ: يا رسول الله! إنها لكاذبة.
قال: وما يُدريكَ وقد قالت ما قالت؟ دعْهَا عنك» 1.
قال: (وتجوز شهادة الأصم على ما يراه، وعلى المسموعات التي كانت قبل صممه).
أما كون شهادة الأصم على ما يراه تجوز؛ فلأنه ما يراه كغيره.
وأما كون شهادته على المسموعات التي كانت قبل صممه تجوز؛ فلأنه في ذلك كمن لم يصبه صمم.
قال: (وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرفَ الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به، فإن لم يعرفه إلا بعينه فقال القاضي: تُقبل شهادته أيضاً، ويصفه للحاكم بما يتميز به.
ويحتمل أن لا تجوز؛ لأن هذا مما لا ينضبط غالباً.
وإن شهد عند الحاكم ثم عمي قُبلت شهادته وجهاً واحداً).
أما كون شهادة الأعمى في المسموعات إذا تيقن صوت المشهود عليه تجوز.
والمراد به قبولها؛ فلأن شهادته على مسموع.
فوجب قبولها؛ كروايته.
ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين فإذا حصل ذلك للأعمى وجب قبول شهادته؛ كالبصير.
وعن قتادة أنه قال: إن للسمع قيافةً كقيافة البصر.
ولأن الأعمى من رجالنا وهو متيقن لصوت المشهود عليه.
فوجب أن يدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282].
ولأنه يروى عن علي وابن عباس أنهما أجازا شهادة الأعمى، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة.
وأما كون شهادته بالاستفاضة تجوز؛ فلأنها تعتمد على القول وشهادته عليه جائزة؛ كما تقدم.
وأما كون شهادته في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عَرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به تجوز؛ فلما تقدم.
ولأن العمى فقدُ حاسة لا تُخِلّ بالتكليف.
فلا تمنع قبول الشهادة؛ كالصمم.
وأما كونها تُقبل إذا لم يعرف المشهود عليه إلا بعينه على قول القاضي ويصفه للحاكم بما يتميز به؛ فلما تقدم من عموم الأدلة.
وأما كونها يحتمل أن لا تجوز؛ فلما علل المصنف رحمه الله من أن هذا لا ينضبط غالباً.
وأما كون الأعمى إذا شهد عند الحاكم ثم عمي تُقبل شهادته.
والمراد به الحكم بها؛ فلأن العمى طرأ بعد أداء الشهادة لا يورث تهمة في حال الشهادة.
فلم يمنع الحكم بها؛ كما لو شهد ثم مات.
قال: (وشهادةُ ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره).
أما كون شهادة ولد الزنا في الزنا جائزة؛ فلأنه عدلٌ مقبول الرواية.
فوجب أن يكون مقبول الشهادة؛ كغيره من العدول.
ولأن ولد الزنا من رجالنا.
فوجب أن يدخل في عموم النص المتقدم ذكرها.
فإن قيل: لا ينبغي أن تقبل شهادته بذلك؛ لأن العادة أن من فعل فعلاً قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
ولأنه يروى عن عثمان أنه قال: «ودّت الزانيةُ أن النساءَ كلَّهن زنَين».
قيل: أما الأول: فغلط؛ لأن ولد الزنا لم يفعل قبيحاً يحب أن يكون له نظير.
وأما الثاني: فليس يثبت عن عثمان.
والأشبه أن لا يكون ثابتاً عنه؛ لأن الأليق بحاله ودينه أن لا يذكر امرأة في ظهر الغيب بمثل ذلك.
وأما كونه في غير الزنا جائزة؛ فلما تقدم ذكره.
ولأنه مقبول الشهادة في الزنا.
فوجب أن يكون مقبول الشهادة في غيره بالقياس عليه.
قال: (وتقبلُ شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضعة على الرضاع، والقاسم على القسمة، والحاكم على حكمه بعد العزل).
أما كون شهادة المرضعة على فعل نفسها تُقبل؛ فلأن عقبة بن الحارث قال: «تزوجتُ أم يحيى بنت أبي إهاب.
فجاءت أمةٌ سوداء فقالت: قد أرضعتُكُما.
فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: وكيفَ وقد زعمتْ ذلك» 1 متفق عليه.
وأما كون شهادة القاسم على القسمة تقبل؛ فلأن شهادته على فعل النفس.
أشبه شهادة المرضع على الرضاع.
وأما كون شهادة الحاكم بعد حكمه بعد عزله تقبل؛ فلأنه شاهد على فعل نفسه.
أشبه المرضعة والقاسم.
قال: (وتُقبل شهادة البدوي على القروي، والقروي على البدوي.
وعنه: في شهادة البدوي على القروي أخشى أن لا تُقبل فيحتمل وجهين).
أما كون شهادة البدوي على القروي تُقبل على وجه؛ فكشهادة القروي على البدوي.
ولأن من قُبلت شهادته على أهل البلد قُبلت شهادته على أهل القرى.
دليله: شهادة القروي على البدوي.
وأما كونها لا تُقبل على وجه؛ فلأنه يروى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجوزُ شهادةُ بدوي على صاحبِ القرية» 2. رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والحديث محمول على أن شهادة البدوي لا تُقبل؛ للجهل بعدالته الباطنة.
وخص بما ذكر؛ لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم عنه.
وأما كون شهادة القروي على البدوي [تقبل] 3؛ فلأن تخصيص شهادة البدوي على القروي بعدم جواز القبول مشعر بجواز العكس.
ولأن القروي في مظنة العلم وانتفاء التهمة.
فوجب قبول شهادته عملاً بالنصوص الدالة على القبول السالمة عن معارضة ما ذكر.
باب موانع الشهادة
قال المصنف رحمه الله: (ويمنع قبول الشهادة خمسة أشياء:
أحدها: قرابةُ الولادة.
فلا تُقبل شهادة والدٍ لولده وإن سفل، ولا ولدٍ لوالده وإن علا في أصح الروايات.
وعنه: تُقبل فيما لا يجر به نفعاً غالباً؛ نحو: أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح أو قذف.
وعنه: تُقبل شهادة الولد لوالده، ولا تُقبل شهادة الوالد للولد).
أما كون قبول الشهادة يمنعه خمسة أشياء؛ فلما يأتي فيها.
وأما كون أحدها: قرابة الولادة؛ فلما يأتي في كون شهادة والدٍ لولده، وشهادة ولدٍ لوالده لا تُقبل.
وأما كون شهادة والدٍ أباً كان أو أماً أو جداً أو جدة لولده وإن نزل، وشهادة ولدٍ لوالده وإن علا لا تُقبل في أصح الروايات؛ فلأن الزهري روى عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا ظِنّين في قرابة ولا ولاء» 1. وكل واحدٍ من الولد والوالد متهم بالنسبة إلى الآخر؛ لأن بينهما تعصيباً وكأنه يشهد لنفسه، ولهذا قال عليه السلام: «فاطمةُ بَضعَةٌ مني» 2.
وأما كون شهادة كل واحدٍ منهما تُقبل لآخر فيما لا يجر لنفسه نفعاً مثل ما مثله المصنف رحمه الله على روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا ينتفع بما يحصل للآخر فتنتفي التهمة عنه في شهادته.
فوجب أن ينتفى عدم القبول؛ لعدم مقتضيه.