باب الموصى إليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: (تصح وصية المسلم إلى كل مسلمٍ عاقلٍ عدلٍ، وإن كان عبداً أو مراهقاً أو امرأة أو أم ولد.
ولا تصح إلى غيرهم.
وعنه: تصح إلى الفاسق، ويضم الحاكم إليه أميناً.
وإن كانوا على غير هذه الصفات ثم وجدت عند الموت فهل تصح؟ على وجهين).
أما كون وصية المسلم تصح إلى كل مسلمٍ عاقلٍ عدلٍ؛ فلأنه لا مانع فيمن ذكر يمنع الصحة؛ لحصول الإسلام والعقل والعدالة فيه.
وفيه إشعارٌ بأن من شرط صحة الوصية على كل مسلم: أن يكون مسلماً فلا تصح إلى كافر؛ لأنه ليس له من أهل الولاية على مسلم.
وأن يكون عاقلاً فلا تصح إلى من لا عقل له كالطفل والمجنون؛ لأنهما ليسا أهلاً للولاية على مالهما فلئلا يكونا أهلاً للولاية على غيرهما بطريق الأولى.
وأن يكون عدلاً على الأول 1. فلا تصح الوصية إلى فاسقٍ؛ لأنه غير مأمون.
وأما كونها تصح إلى الفاسق على روايةٍ ويضم الحاكم إليه أميناً؛ فلأن في ذلك جمعاً بين حفظ المال، وتحصيل نظر الموصي.
وأما كونها تصح إلى من ذكر وإن كان عبداً؛ فلأن العبد من أهل الأمانة.
أشبه الحر.
وأما كونها تصح وإن كان مراهقاً؛ فلأن المراهق كالبالغ في إمكان التصرف.
فإذا كان موصوفاً بهذه الأوصاف وجب أن تصح الوصية إليه؛ كالبالغ.
وأما كونها تصح وإن كان امرأة؛ فـ «لأن عمرَ أوصى إلى حَفصَة» 2.
ولأن المرأة من أهل الشهادة.
أشبهت الرجل.
وأما كونها تصح وإن كان أم ولدٍ؛ فلأن أم الولد حرة عند نفوذ الوصية.
ولأن العبد القن تصح الوصية إليه؛ لما تقدم.
فلأن تصح إلى أم الولد المنعقد سبب حريتها بطريق الأولى.
وأما كونها تصح إلى من لم يكن على هذه الصفات ثم يوجد عند الموت على وجهٍ؛ فلأن الوصي إنما يتمكن من التصرف في الوصية عند الموت.
فاعتبر شرط التصرف حينئذٍ لا قبله.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأن الصفات المذكورة معتبرةٌ حال الموت.
فوجب أن تعتبر حالة العقد؛ كسائر العقود.
قال: (وإذا وصّى إلى واحدٍ وبعده إلى آخر فهما وصيتان.
إلا أن يقول: قد أخرجت الأول.
وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه.
وإن مات أحدهما أقام الحاكم مقامه أميناً، وكذا إذا فسق.
وعنه: يضم إليه أمين).
أما كون من ذكرا وصيين إذا لم يقل الموصي: قد أخرجت الأول؛ فلأنه أوصى إليهما، وأمكن الجمع بينهما.
وأما كون الثاني الوصي إذا قال الموصي: قد أخرجت الأول؛ فلأنه أوصى إليه، وصرح بعزل الأول وهو يملك ذلك.
وأما كون أحد الوصيين ليس له الانفراد بالتصرف إذا لم يجعل ذلك إليه؛ فلأن الموصي لم يرض إلا بأمانتهما.
فلم يجز لأحدهما الانفراد؛ كالوكيلين.
وأما كونه له ذلك إذا جعل إليه ذلك؛ فلأن تصرفه مستفاد منه فإذا جعل ذلك إليه كان كما لو وصى إليه وحده.
وأما كون الحاكم إذا مات أحد الوصيين اللذين ليس لأحدهما الانفراد يقيم مقامه أميناً؛ فلأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما.
وأما كون من فسق كذلك على الأول 1؛ فلأن الفسق ينافي الوصية.
فوجب أن يقيم الحاكم مقامه أميناً؛ كما لو مات.
وأما كونه يضم إليه أمين على روايةٍ؛ فلما تقدم.
قال: (ويصح قبول الوصية في حياة الموصي وبعد موته.
وله عزل نفسه متى
شاء.
وعنه: ليس له ذلك بعد موته.
وللموصي عزله متى شاء).
أما كون قبول الوصية في حياة الموصي وبعد موته يصح؛ فلأن الوصية إذن في التصرف فجاز قبولها عقيب الإذن كالوكالة وبعد الموت كالوصية بالمال.
وأما كون الوصي له عزل نفسه متى شاء؛ فلأنه متصرفٌ بالإذن.
أشبه الوكيل.
وأما كونه ليس له ذلك بعد موت الموصي على روايةٍ؛ فلأنه غرّه بالتزام وصيته، ومنعه بذلك الإيصاء إلى غيره.
وأما كون الموصي له عزل الوصي متى شاء؛ فلأنه نائبٌ عنه.
فملك عزله؛ كالوكيل.
قال: (وليس للوصي أن يوصي إلا أن يجعل إليه ذلك.
وعنه: له ذلك).
أما كون الوصي ليس له أن يوصي إذا لم يجعل إليه ذلك على المذهب؛ فلأنه متصرفٌ بالإذن.
أشبه الوكيل.
وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه متصرفٌ.
فكان له ذلك؛ كالأب.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين الوصي والأب: أن الأب متصرفٌ بغير تولية أحد.
قال: (ولا تصح الوصية إلا في معلومٍ يملك الموصي فعله؛ كقضاء الدين، وتفريق الوصية، والنظر في أمر الأطفال).
أما كون الوصية لا تصح إلا في معلومٍ؛ فليعلم الموصى إليه ما وصي به إليه ليحفظه ويتصرف فيه.
وأما كونها لا تصح إلا فيما يملك الموصي فعله كما مثل المصنف؛ فلأن الوصي نائبه فإذا لم يكن الموصي يملك ذلك.
فلئلا يملك ذلك نائبه بطريق الأولى.
قال: (وإذا أوصى إليه في شيء لم يصر وصياً في غيره.
فإذا أوصى إليه بتفريق ثلثه فأبى الورثة إخراج ثلث ما في أيديهم أخرجه كله مما في يده.
وعنه: يخرج ثلث ما في يده ويحبس باقيه حتى يخرجوا).
أما 1 كون من وصي إليه بشيء لا يصير وصياً في غيره؛ فلأنه متصرفٌ بالإذن، ولا إذن في غير ما وصي إليه فيه.
فلم يكن وصياً فيه؛ كالأجنبي.
وأما كون من أوصى إليه بتفريق الثلث يخرجه كله مما في يده إذا أبى الورثة إخراج ثلث ما في أيديهم على المذهب؛ فلأن حق الموصي متعلقٌ بأجزاء التركة كلها.
فجاز أن يخرج وصيته ذلك مما في يده تحصيلاً لمقصود الموصي.
وأما كونه يخرج ثلث ما في يده ويحبس باقيه حتى يخرجوا على روايةٍ: أما الأول؛ فلأنه موصى به، ولا حق للورثة فيه، وثلثاه ليسا كذلك.
وأما الثاني؛ فلأن إخراج بقية الثلث واجب، وذلك وسيلةٌ إليه.
قال المصنف في المغني: يمكن حمل الروايتين على اختلاف حالين: فالرواية الأولى: محمولة على أن المال كان جنساً واحداً؛ لأنه لا فائدة في انتظار إخراجهم مما في أيديهم.
والرواية الثانية: محمولة على أن المال كان أجناساً؛ لأن الوصية تتعلق بثلث كل جنسٍ.
فليس له أن يخرج عوضاً عن ثلث ما في أيديهم مما في يده؛ لأنه معاوضة.
فلا يجوز بغير رضاهم.
قال: (وإن أوصى بقضاء دينٍ معينٍ فأبى ذلك الورثة قضاه بغير علمهم.
وعنه: فيمن عليه دين لميت وعلى الميت دين أنه يقضي دين الميت إن لم يخف تبعة).
أما كون الموصى إليه يقضي الدين الموصى به بغير علم الورثة إذا أبوا ذلك على المذهب؛ فلأن الورثة لا حق لهم إلا بعد وفاء الدين.
وأما كونه يقضيه إذا لم يخف تبعة؛ فلأن ما تقدم ذكره قائمٌ فيه ولا معارض له.
ومفهوم ذلك أنه له أن لا يقضيه إذا خاف التبعة.
وهو صحيح؛ لأنه يتضرر بسببه، وهو منفي شرعاً.
ولأن من كان عليه دين لغيره أو اعترف صاحب المال أنه وكيله لم يلزمه الدفع إليه خوفاً من تبعة الرجوع عليه بتقدير إنكار الموكل.
فهاهنا أولى.
قال: (وتصح وصية الكافر إلى مسلم، وإلى من كان عدلاً في دينه).
أما كون وصية الكافر إلى مسلمٍ تصح؛ فلأن المسلم يصح أن يكون وصياً لمسلم.
فلأن يصح أن يكون وصياً لكافرٍ بطريق الأولى.
ولأن المسلم مقبول الشهادة على الكافر وعلى غيره.
وأما كونها تصح إلى من كان عدلاً في دينه؛ فلأنه يجوز أن يكون ولياً له.
فجاز أن يكون وصياً له؛ كالمسلم.
وحكى المصنف رحمه الله تعالى في الكافر وجهاً: أنها لا تصح؛ لأن الكافر أسوأ حالاً من الفاسق.
قال: (وإذا قال: ضع ثلث مالي حيث شئت، أو أعطه من شئت لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى ولده.
ويحتمل جواز ذلك لتناول اللفظ له).
أما كون الموصى إليه بما ذكر لا يجوز له أخذ الموصى به على المذهب؛ فلأنه تمليك ملكه بالإذن.
فلا يجوز أن يكون قابلاً له؛ كما لو وكله في بيع سلعة لم يجز له بيعها من نفسه.
وأما كونه لا يجوز له دفعه إلى ولده على المذهب؛ فلأنه يتّهم في حقه.
أشبه أخذه له.
وأما كونه يحتمل جواز ذلك؛ فلما علل المصنف رحمه الله تعالى، وذلك: أن تناول اللفظ يقتضي جواز ذلك؛ لأن 1 تناول اللفظ مشتركٌ بين ذلك وبين الأجنبي، والأجنبي يجوز الدفع إليه.
فكذلك ما ذكر هنا.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: يحتمل أن ينظر إلى القرائن.
فإن دلت على جواز ذلك جاز، وإلا فلا.
قال: (وإن دعت الحاجة إلى بيعٍ لبعض العقار لقضاء دين الميت أو حاجة الصغار، وفي بيع بعضه نقص: فله البيع على الكبار والصغار).
أما كون الوصي 1 له البيع على الكبار والصغار لقضاء دين الميت؛ فلأن الدين متعلقٌ بكل جزءٍ من التركة.
بدليل: ما لو هلك بعضها فإن الدين يوفّى من الباقي.
ولأن التركة باقية على حكم ملك الميت.
ملك الوصي 2 أن يتصرف فيها بالحظ والمصلحة.
وأما كونه له البيع على الكل مع حاجة الصغار وفي بيع البعض نقص؛ فلأن الوصي 3 مأمور بالإصلاح والتصرف على وجه الحظ والمصلحة.
فإذا لم يمكن ذلك مع دعوى الحاجة إلا بنقصٍ: جاز له ذلك دفعاً للحاجة، وتحصيلاً للمصلحة المشترطة عليه.
ولأنه متى تعارض حقّ كبير وصغير فإنه يقدم حق الصغير؛ لكون التصرف في ماله مشروطاً بالغبطة.
بخلاف الكبير 4.