قال المصنف رحمه الله: (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط:
الإسلام، والعقل.
فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
والبلوغ والحرية.
فلا يجب على صبي ولا عبد.
ويصح منهما.
ولا يجزئهما إن بلغ الصبي أو عتق العبد 1 إلا أن يبلغ أو يعتق في الحج قبل الخروج من عرفة، وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما).
أما وجوب الحج.
وهو في اللغة: القصد.
ويحكى عن الخليل أنه قال: الحج كثرة القصد إلى من يعظمه.
قال الشاعر:
وأشهد من عوف حؤولا كثيرة... يحجون سِبّ الزِّبرقان المزعفرا
أي يقصدون.
والسِّب: العمامة.
والحج والحجة تفتح حاؤهما وتكسر.
وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة.
وهو أحد أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران: 97].
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» 2 متفق عليه.
ذكر منها حج البيت.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة على وجوب الحج في الجملة.
وأما وجوب العمرة.
وهي في اللغة: الزيارة.
وفي الشرع: عبارة عن أفعال مخصوصة فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: 196] ومقتضى الأمر الوجوب.
ثم عطفها على الحج.
والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إنها لقرينة الحج في كتاب الله تعالى» 1.
وأما السنة فما روى الصُّبَيُّ بن معبد قال: «أتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين! إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأهللت بهما.
فقال عمر رضي الله عنه: هُديتَ لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم» 2. رواه النسائي وأبو داود.
ورويا أيضاً: «أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن.
قال: حج عن أبيك واعتمر» 3 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروي «أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني.
قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر».
وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن.
وكان في الكتاب: وأن العمرةَ الحجُّ الأصغر» 4.
ولأنها تشتمل على إحرام وطواف وسعي فكانت واجبة كالحج.
وأما كون الواجب من ذلك في العمر مرة واحدة فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج
فحجوا.
فقال رجل: أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم... » 1 مختصر.
رواه مسلم.
وأما ما يشترط لوجوبها فخمسة شروط: شرطان للوجوب والصحة وهما: الإسلام والعقل.
فلا يجب واحد منهما على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
أما عدم الوجوب فلأن الكافر والمجنون غير مخاطبين بفروع الإسلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن المعتوه حتى يعقل... » 2 مختصر.
رواه أبو داود.
وأما عدم الصحة فلأن كل واحد من الحج والعمرة عبادة من شرطها النية وهي لا تصح منهما.
وشرطان للوجوب والإجزاء وهما: البلوغ والحرية.
فلا يجب واحد منهما على صبي ولا عبد ويصح منهما ولا يجزئهما إلا أن يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره.
أما عدم الوجوب على الصبي فلأنه غير مكلف لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ... » 3 مختصر.
رواه أبو داود.
وأما على العبد فلأن مدتهما تطول فلم يجبا على العبد لما فيهما من إبطال حق سيده أشبه الجهاد.
وأما الصحة فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «رفعت امرأة صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» 4 رواه مسلم.
وأما في العبد فلأنه من أهل العبادات فصح حجه وعمرته كالحر.
والشرط الخامس: الاستطاعة.
وسيأتي ذكره.
وأما عدم الإجزاء إذا لم يبلغ الصبي ويعتق العبد في الزمن المتقدم ذكره فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى» 5 رواه الشافعي في مسنده.
ولأنهما فَعَلا العبادة وهما من غير أهل الوجوب فلم يجزئهما إذا صارا من أهل الوجوب كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت.
وأما الإجزاء إذا بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج والطواف في العمرة فلأنهما أتيا بالنسك حال الكمال فأجزأهما كما لو وجد ذلك قبل الإحرام.
قال رحمه الله: (ويحرم الصبي المميز بإذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله، ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه: في مال الصبي).
أما إحرام الصبي المميز بإذن وليه.
ومعناه: أن إحرامه لا يصح بغير إذنه فلأنه قد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع.
وأما إحرام الولي عن غير المميز فلأنه فعل لا يمكنه فعله بنفسه فناب عنه وليه كسائر ما ينوب عنه فيه.
ومعنى إحرامه عنه عقده الإحرام له فيصير الصبي بذلك محرماً دون الولي كما يعقد له النكاح.
والولي هنا: من يلي ماله، وأمُّه في ظاهر كلامه وظاهر الحديث المتقدم.
وقال القاضي: لا يصح لعدم ولايتها على ماله.
وفي سائر العصبات وجهان بناء على الأم.
وأما فعل الولي عن الصبي ما يعجز عن فعله فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «كنا إذا حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبَّيْنا عن الصبيان ورمينا عنهم» 1 رواه ابن ماجة.
وروي «أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة» 2 رواه الأثرم.
فعلى هذا ما يمكن الصبي فعله من وقوف وغيره لزمه فعله لأن النيابة إنما تجوز مع العجز وذلك منتف.
وأما نفقة الحج ففيها روايتان:
إحداهما: أنها في مال الولي لأنه أدخله وغرر بماله.
والثانية: أنها في مال الصبي لأن ذلك من مصلحته ليألف الحج ويتمرن عليه أشبه أجرة المعلم والطبيب وأجرة من يحمله ليشاهد الجمعة والجماعات.
والأول أصح لما ذكر.
والمراد بنفقة الحج ما يزيد على نفقة الحضر لأن نفقة الحضر في مال الصبي بغير خلاف.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني بأن الروايتين في الزائد على نفقة الحضر.
ولم يذكر في القدْر الذي يجب له في الحضر خلافا بل أوجبها في مال الصبي.
وأما الكفارة فما اختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب فلا فدية فيه على الصبي؛ لأن عمده خطأ، وما لا يختلف عمده وسهوه فالفدية فيه بفعل الصبي وفي محلها الروايتان المتقدمتان.
قال رحمه الله: (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيده، ولا للمرأة الإحرام نفلاً إلا بإذن زوجها.
فإن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر.
وإن أحرما بإذنٍ لم يجز تحليلهما.
وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به).
أما كون العبد ليس له الإحرام بغير إذن سيده وكون المرأة ليس لها الإحرام نفلاً بغير إذن زوجها فلأن إحرامهما يتضمن إسقاط حق السيد والزوج فلم يجز لهما ذلك لئلا يؤدي إلى إسقاط حق المستحق.
وأما إطلاق المصنف رحمه الله منع العبد من الإحرام وتقييده في المرأة بكونه نفلاً فلأن العبد لا يجب عليه بحال فصح الإطلاق والمرأة يكون الحج تارة واجباً عليها وتارة تحج متطوعة فاحتاج إلى التقييد بكونه نفلاً لأنه ليس له منعها إذا كان فرضاً وسيأتي ذكره.
وأما كون السيد والزوج لهما تحليلهما إذا فعلا ذلك بغير إذنهما فلأن حقهما ثابت لازم فكان لهما إخراجهما من الإحرام المفوت له كما لو اعتكفا.
وفي تحليلهما إشعار بانعقاد إحرامهما وإن وقع بغير إذن وهو صحيح لأن الإحرام عبادة بدنية فصحت بغير إذن كالصلاة.
وأما حكمهما بعد تحليلهما فكالمحصر.
وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى 1.
وأما كونهما ليس لهما تحليلهما إذا أحرما بإذن فلأن الحج عبادة تلزم بالشروع فلم يملكا تحليلهما من الإحرام إذا شرعا بإذن كقضاء رمضان.
وأما كون الزوج ليس له منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به فلأنه واجب بأصل الشرع أشبه صوم رمضان.
فصل [في الاستطاعة]
قال المصنف رحمه الله: (الشرط الخامس: الاستطاعة.
وهو: أن يملك زاداً وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤونته ومؤونة عياله على الدوام.
ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال.
فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور).
أما اشتراط الاستطاعة لوجوب الحج فلأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: 97] قيّد الوجوب بالاستطاعة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس.
ذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلا» 1.
ولأن الحج عبادة يتعلق بقطعها مسافة بعيدة فاعتبر لوجوبها الاستطاعة كالجهاد.
فإن قيل: هل الاستطاعة شرط في الصحة والإجزاء؟
قيل: لا؛ لأن خَلْقاً من الصحابة حجوا ولا شيء لهم ولم يؤمروا بإعادة ذلك.
ولأن الاستطاعة إنما اشترطت للوصول فإذا وصل وفعل الأفعال المعتبرة وجب أن تصح وتجزئ عنه كما لو تكلف المريض فصلى قائماً أو سعى إلى الجمعة فصلاها.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يملك إلى آخره فبيان ماهية الاستطاعة شرعاً.
وفي الحديث عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما اشتراط صلاحية ذلك لمثله 3 فلأن ذلك معنى يتعلق به أمر شرعي فاعتبر فيه الصلاحية كالنفقة والسكنى في حق الزوجة.
ولأن في تكليف الإنسان ما لا يصلح له ضرراً عليه.
فعلى هذا يعتبر في الزاد أن يكون من الخاص إن كان الحاج من أولاد الأمراء والتجار.
ومن الكاصة إن كان من أولاد السوقة.
وفي الراحلة وآلتها أن يكون جملاً جيداً بمحارة 1 إن كان كالأول.
وإن كان من أولاد السوقة وهو قادر على الركوب على القتب فلا تشترط له المحارة ولا كون الجمل جيداً، ولو كان ضعيفاً لا يمكنه الركوب على القتب اشترط في حقه ما يمكنه الركوب معه.
وأما اعتبار ملك ذلك أو القدرة على تحصيله بدراهم أو دنانير أو نحو ذلك فلأن المشترط الاستطاعة وهي حاصلة بكل واحد منهما.
وأما كون الزاد والراحلة المتقدم ذكرهما فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم فلأن المسكن والخادم من حوائجه الأصلية.
ولأن المفلس يقدم بذلك على غرمائه فلأن يقدم الإنسان بذلك على حجه بطريق الأولى.
وأما كونهما فاضلين عن قضاء دينه فلأن ذمته مشغولة به وبه حاجة إلى براءتها.
وأما كونهما فاضلين عن مؤونته ومؤونة عياله فلأن ذلك مقدم على الدين المقدم على الحج فلأن يقدم على الحج بطريق الأولى.
وفي الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يُضيّعَ من يقوت» 2 رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: على الدوام ففيه نظر وذلك أنه ذكر في المغني والكافي نفقة العيال.
وقال فيهما: إلى أن يعود.
وكذلك قال سائر الأصحاب.
وطريق التصحيح أن يحمل قوله هنا على ذلك، ويمكن أن يحمل ذلك على ظاهره ويكون قد قصد النفقة عليه وعلى عياله في ذهابه وعوده وما بعد ذلك.
فإن أبا الخطاب وغيره ذكر نفقة العيال إلى أن يعود.
ثم قال: وأن يكون له إذا عاد ما يكفيه من صناعة أو تجارة أو عقار.
إلا أن ظاهر كلامه في المغني يقتضي عدم اشتراط ذلك لأنه ذكر نفقة العيال والمسكن والخادم وعلل ذلك.
ثم قال: وذكر أبو الخطاب أن من شرط وجوب الحج عليه أن يكون له إذا رجع ما يكفيه من تجارة أو عقار أو نحو ذلك.
فإن قيل: المعتبر في المسكن والخادم ملكهما أو استئجارهما؟
قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله هنا ولا في بقية كتبه ما يؤذن بذلك لكن ينبغي -والله أعلم- أن ينظر إلى حاله: فإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك ملكاً له لم يجب إلا أن يفضل ماله عن ثمن ذلك، وإن كان ممن عادته اتخاذ ذلك استئجاراً لم يقف الوجوب على كونه فاضلاً عن الثمن بل يكون حكم الأجرة حكم نفقته.
وأما عدم صيرورة الإنسان مستطيعاً ببذل غيره بحال فلأن عليه فيه منة فلم يلزمه قبوله كما لو بذلت له الرقبة في الكفارة، وإذا لم يلزمه القبول بقي على ما كان عليه من عدم القدرة على الحج فلا يصير مستطيعاً.
وأما وجوب الحج على من كملت له هذه الشروط فلما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع أول الباب السالمة عن معارضة اشتراط الشروط المذكورة.
وأما وجوبه على الفور فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة» 1 رواه ابن ماجة.
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ملك زاداً وراحلة
توصله إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» 2 رواه الترمذي.
ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت كالصيام.
قال رحمه الله: (فإن عجز عن السعي إليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه، ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإن عوفي).
أما لزوم من عجز عن السعي إلى الحج لكِبَر أو مرض لا يرجى برؤه إقامة من يحج عنه ويعتمر فلما روى ابن رَزِين: «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن.
قال: حج عن أبيك واعتمر» 3 وهو حديث حسن.
وأما قول المصنف رحمه الله: من بلده فتنبيه على الموضع الذي يجب الحج منه وذلك بلده أو الموضع الذي أيْسَرَ فيه.
وذلك في حق الحي العاجز عن السعي والميت
الذي وجب عليه قبل موته لأن الحج يجب على المنوب مِنْ ذلك فكذلك النائب لأن القضاء على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام.
وأما إجزاء ذلك عنه وإن عوفي فلأنه أتى بما أُمر به فخرج عن عهدته كما لو لم يبرأ.
ولأنه أدى حجة الإسلام بأمر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه.
قال رحمه الله: (ومن أمكنه السعي إليه لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقاً آمنا لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد.
وعنه: أن إمكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها).
أما اشتراط إمكان المسير وتخلية الطريق للزوم الأداء لا للوجوب على الرواية الأولى فلأنهما عذران يمنعان الأداء فقط فلم يمنعا الوجوب كالمرض.
وأما اشتراطهما للوجوب على الرواية الثانية فلأنه لا يستطاع فعله بدونهما فكانا شرطين للوجوب كالزاد والراحلة.
فإن قيل: ما فائدة اختلاف الروايتين؟
قيل: فائدته أن الشروط الخمسة لو وجدت في شخص ثم مات، فإن قلنا أنهما شرطان للزوم الأداء حُجّ عنه لأنه مات بعد أن وجب عليه الحج، وإن قلنا أنهما شرطان للوجوب لم يجب أن يستناب عنه لأنه لم يجب عليه بعد.
وأما كونها موجوداً فيها الماء والعلف فلأنه لو كلف حمل الماء وعلف دوابه من بلده إلى مكة لكان فيه مشقة عظيمة.
وأما قول المصنف رحمه الله: على المعتاد فمعناه لا يعتبر ذلك في كل منزله لأنه لو اعتبر ذلك لم يجب الحج البتة بل المعتبر ما هو عادة مثل وجود الماء في المنازل المعروفة ووجود الكلأ في مظانه.
فعلى هذا يجب عليه حمل الماء من منهل إلى منهل وحمل الكلأ ونحوه من موضع إلى موضع.
فإن قيل: هلا وجب عليه حمل الماء والعلف من بلده كزاده؟
قيل: لأنه لم تجر العادة بذلك بخلاف الزاد فوجب أن يحمل كل واحد منهما على المعتاد فيه.
وأما معنى إمكان المسير فهو أن الشروط المشترطة في الحج إذا اجتمعت في زمن ينبغي أن يكون ذلك الزمن واسعاً للسفر من موضعه إلى مكة.
مثل أن تجتمع الشروط للدمشقي في أول شوال فإن لم يكن الزمن واسعاً لم يكن المسير في تلك السنة ممكنا.
وأما معنى تخلية الطريق فأن تكون آمنة موجوداً فيها الماء والعلف على المعتاد.
وأما كونها آمنة فلأنها إذا كانت خائفة يكون معذوراً في القعود لما في المسير من احتمال الضرر.
فإن كان الأمن يحصل ببذل شيء خفارة نظرت فيه فإن كانت كثيرة لم تلزمه لأن في بذل ذلك ضرراً فلم يلزمه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» 1.
وإن كانت يسيرة فالمذهب أنه لا يلزمه بذلها لأن فيه صغاراً.
وقال ابن حامد: إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها لأنها غرامة يقف إمكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع إمكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم.
قال رحمه الله: (ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أُخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة.
فإن ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ).
أما وجوب إخراج حجة وعمرة من مال من وجب عليه الحج ثم توفي قبل فعله فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عمن عليه حج.
قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم.
قال: فاقض فالله أحق بالوفاء» 2 رواه النسائي.
شبّه الحج بالدين وسوّاه به فوجب أن يخرج من ماله كالدين.
وأما كون ذلك من جميع المال فلأن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين والدين يجب من جميع المال فكذا المشبه.
وأما الأخذ بحصة الحج إذا ضاق مال الميت عن ذلك أو كان عليه دين فلأن الحج كالدَّين والدين مع الدين يقسم المال بينهما بالحصص فكذا الحج والدين.
وقال بعض أصحابنا: يقدم الدين على الحج لأنه حق آدمي مبني على الشح بخلاف الحج فإنه حق الله مبني على المسامحة.
وأما الحج بالحصة من حيث يبلغ فلأنه لا يمكن من أكثر من ذلك.
فإن قيل: ما مثال ذلك؟
قيل: أن يخلف مائة وعليه مائة والحج من بلده يجيء بمائة فيطلع للحج خمسون فأي موضع أمكنه فعل الحج منه بذلك المقدار وجب فعله لأنه أمكنه فعل بعض الواجب عليه فوجب لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1.
فصل [في اشتراط المَحرم]
قال المصنف رحمه الله: (ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها.
وهو: زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح إذا كان بالغاً عاقلاً.
وعنه: أن المحرم من شرائط لزوم الأداء فإن مات المحرم في الطريق مضت في حجتها ولم تصر محصرة).
أما اشتراط المَحْرَم لوجوب الحج أو للزوم الأداء على المرأة ففيه روايتان وجههما ما تقدم في المسير وتخلية الطريق 1.
وأما المُراد بالمحرم فما ذكره المصنف رحمه الله لأن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها» 2 رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
وأما قوله: أو سبب مباح فيدخل فيه من حَرُم عليه نكاحها بالرضاع وهو محرم؛ لأنه حرم عليه نكاحها بسبب شرعي أشبه النسب.
ويخرج منه من حَرُم نكاحها بالزنا أو وطء شبهة لأنه ليس مأموناً عليها أشبه الأجنبي.
ولأن تحريمها بسبب غير مشروع فلم يثبت به حكم إباحة النظر كالتحريم الثابت باللعان.
وأما ما يشترط في المَحْرَم فبلوغه وعقله لأن الصبي والمجنون لا يقومان بأنفسهما فكيف يَخرجان مع غيرهما.
وأما مضيها في حجتها وعدم صيرورتها محصرة إذا مات المحرم في الطريق فلأنها لا تستفيد بالتحليل شيئاً لأن رجوعها يكون بغير محرم.
ولأن المريض لما لم يستفد بالتحلل زوال الأذى لم يبح له التحلل كالمحصر فكذلك هاهنا.
قال رحمه الله: (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ولا نذره ولا نافلة.
فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام.
وعنه: يقع ما نواه).
أما عدم جواز حج من لم يحج عن نفسه إذا حج عن غيره فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شبرمة؟ قال: قريب لي.
قال: حججت قط؟ قال: لا.
قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» 1 رواه أبو داود وابن ماجة، وهذا لفظه.
ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يجز كما لو كان صبياً.
وأما عدم جواز حج من عليه حجة الإسلام عن نذره أو نافلة فلأن حجة الإسلام واجبة عليه فلم يجز أن يصرف فعله إلى غيرها كما لو أراد أن يحج عن غيره.
وأما انصراف ذلك إلى حجة الإسلام في الصور الثلاث على المذهب فلأنه أحرم بالحج وعليه فرضه فوجب أن يقع عن فرضه كما لو أطلق.
وأما وقوعه عما نواه من نذر أو نافلة على روايةٍ فلأنه نواه فيقع لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لامرئ ما نوى» 2.
قال رحمه الله: (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين).
أما الجواز على روايةٍ فلأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.
وأما عدمه على روايةٍ فلأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز له الاستنابة فيه كالفرض.
قال المصنف رحمه الله في المغني: حج التطوع ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: قادر لم يحج حجة الإسلام فهذا لا يصح أن يستنيب في حج التطوع؛ لأنه لا يصح أن يفعله بنفسه فنائبه أولى.
الثاني: من أدى حجة الإسلام ثم عجز فهذا يصح أن يستنيب في التطوع؛ لأنه إذا جاز في الفرض فالنفل أولى.
الثالث: من أدى حجة الإسلام وهو قادر وقت الاستنابة على الحج بنفسه فهذا هل يجوز له الاستنابة في التطوع؟ فيه روايتان.
وعلى هذا القسم يجب حمل كلام المصنف رحمه الله.
باب المواقيت
قال المصنف رحمه الله: (وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يَلَمْلَم، وأهل نجد قرَن، وأهل المشرق ذات عرق.
وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومَنْ منزله دون الميقات فميقاته من موضعه).
أما كون المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «وقّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم.
قال: فهن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة.
فمن كان دونهن مَهِلّه من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها» 1 متفق عليه.
وفي لفظ لعائشة: «ولأهل العراق ذات عرق... مختصر» 2 رواه أبو داود.
وروى البخاري «أن عمر رضي الله عنه حد -يعني لأهل العراق- ذات عرق» 3.
وأما كون ميقات مَنْ منزله دون الميقات من موضعه فلما تقدم من حديث ابن عباس من قوله: «فمن كان دونهن مهله من أهله» 4.
قال رحمه الله: (وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل.
وإن أرادوا الحج فمن مكة.
ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم).
أما كون ميقات المكي لعمرته من الحل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم» 1 متفق عليه.
ولأن أفعال العمرة كلها في مكة فلم يكن بد من الحل ليجمع بين الحل والحرم في إحرامه بخلاف ما إذا حج فإنه لا بد أن يخرج إلى عرفات فيحصل له الجمع بينهما.
وأما كون ميقاته بحجة من مكة فلأن في الحديث المتقدم: «وكذلك أهل مكة يهلون من مكة» 2.
فإن قيل: الحديث شامل للحج والعمرة فلم اختص بالحج؟
قيل: لما فيه من الجمع بينه وبين إعمار عائشة من التنعيم.
فإن قيل: الكلام في المكي، وعائشة رضي الله عنها لم تكن مكية؟
قيل: المراد بأهل مكة من كان قاطناً بها ومن هو فيها على كل حال لاستوائهما معنى.
وأما إحرام من لم يكن طريقه على ميقاتٍ إذا حاذى أقرب المواقيت إليه فـ «لأن عمر رضي الله عنه قال لأهل العراق لما سألوه الميقات: انظروا حذوها من طريقكم» 3 رواه البخاري.
ولأن هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة.
قال رحمه الله: (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إحرام إلا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطّاب ونحوه.
ثم إن بدا له النسك أحرم من موضعه.
ومن جاوزه مريداً للنسك رجع فأحرم منه.
فإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع إلى الميقات).
أما عدم جواز تجاوز الميقات غير مُحْرِم لمن أراد دخول مكة لغير قتال وحاجة متكررة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت المواقيت المتقدمة وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن» 4.
ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه تجاوز الميقات غير محرم إلا فيما يأتي ذكره ولو كان ذلك جائزاً لفعل ولو مرة تبييناً للجواز.
ولأنه لو جاز تجاوز غير محرم لما وجب على من نذر دخول مكة الإحرام وهو واجب لما يأتي في موضعه.
وأما جواز تجاوزه غير محرم لمن أراد دخول مكة لقتال مباح فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح 1 مكة وعلى رأسه المغفر» 2 ولم ينقل أنه أحرم هو ولا أحد من أصحابه.
وأما جوازه لمن له حاجة متكررة كالحطّاب والحشّاش فلأنه لو وجب ذلك عليه مع تكرره لأدى إلى ضرره وحصول المشقة وذلك منفي شرعاً.
وأما إحرام من بدا له النسك بعد تجاوزه الميقات غير محرم من موضعه فلأنه حينئذ بدا له النسك فيحرم من موضعه كمن منزله دون مكة.
وأما رجوع من جاوزه مريداً للنسك إلى الميقات وإحرامه منه فلأن الإحرام من الميقات واجب ومن قدر على الواجب لزمه فعله.
وأما وجوب الدم عليه إذا أحرم من موضعه فلأنه ترك الواجب.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن رجع إلى الميقات فتنبيه على أن الرجوع إلى الميقات بعد الإحرام من دونه لا يُسقط الدم لأنه استقر وجوبه بإحرامه من دون الميقات فلم يسقط كمن لم يرجع.
قال رحمه الله: (والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته، ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإن فعل فهو محرم.
وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة).
أما كون الاختيار أن لا يحرم قبل الميقات فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة» 3 ولم يكن يترك المختار.
وأما كونه لا يُحْرِم بالحج قبل أشهره فلأنه إحرام بالعبادة قبل وقتها فلم يكن مختاراً كميقات المكان.
وأما صيرورته محرماً إذا أحرم قبل الميقات المكاني أو الزماني فلما روي عن الصبي بن معبد «أنه أحرم قبل الميقات قارناً فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال: هديت لسنة نبيك» 1.
وأما كون أشهر الحج شوالاً وذا القعدة وعشراً من ذي الحجة فلأن ابن مسعود وجابراً وابن الزبير قالوا: «أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة» 2.
باب الإحرام
قال المصنف رحمه الله: (يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين إزاراً ورداء).
أما استحباب الاغتسال لمن أراد الإحرام فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن غريب.
و«لأنه صلى الله عليه وسلم أمر عائشة رضي الله عنها أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض» 2.
و«أمر أسماء أن تغتسل عند الإحرام وهي نفساء» 3 رواه مسلم.
وأما استحباب التنظف له.
وهو: إزالة الشعث، وقطع الرائحة، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك فلأنه عبادة يسن له الاغتسال والطيب فسن له التنظيف كالجمعة.
وأما استحباب الطيب له فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» 4.
وقالت: «كأني أنظرُ إلى وَبِيصِ الطيبِ في مفارقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم» 5 رواه البخاري.
وأما لبس الثوبين الإزار والرداء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء» 1.
وأما استحباب كونهما أبيضين فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير ثيابكم البياض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم» 2.
وأما استحباب كونهما نظيفين فلأنه يستحب له النظافة في بدنه فكذلك في لباسه.
ولبس الثوبين إن قصد مطلقه فهو واجب لأن المحرم يجب عليه التجرد من المخيط مع أنه يجب عليه ستر عورته، وإن قصد كونه إزاراً ورداء أو موصوفاً بالبياض والنظافة فهو مستحب.
وحمل كلام المصنف رحمه الله على الثاني أولى لوجهين:
أحدهما: أنه ذكر ذلك في سياق المستحب.
والثاني: أنه يَذكر بعدُ التجرد عن المخيط.
قال رحمه الله: (ويتجرد عن المخيط ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما).
أما تجرده عن المخيط فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله» 3 رواه الترمذي.
وأما صلاته ركعتين وإحرامه عقيبهما فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في دبر الصلاة» 4 رواه البخاري.
قال: (وينوي الإحرام بنسك معين، ولا ينعقد إلا بالنية.
ويشترط فيقول: اللهم! إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
أما نيته الإحرام بنسك معين فلأن أحكام ذلك تختلف.
فإذا نوى معيناً أمكن أن يرتب على ذلك ما يقتضيه.
وأما عدم انعقاد ذلك بغير النية فلأن النسك عمل فلم يكن بد فيه من النية لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» 1. و «لا عمل إلا بنية» 2.
ولأنه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة.
وأما اشتراطه «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير وهي شاكية: حجي واشترطي أن مَحِلّي حيث حبستني» 3 متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: فيقول إلى آخره فتفسير لقوله ويشترط.
فإن قيل: ما يفيد هذا الاشتراط؟
قيل: شيئين: أحدهما: أنه إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة له التحلل.
والثاني: إذا حل لعذر لا دم عليه ولا صوم.
قال رحمه الله: (وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران.
وأفضلها التمتع ثم الإفراد.
وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع).
أما تخيير مريد الإحرام بين التمتع والإفراد والقران فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج» 4 متفق عليه.
وأما كون التمتع أفضل من الإفراد والقران الخالي عن سوق الهدي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا أن يحلوا ويجعلوها عمرة» 5. أمرهم بنقل الإفراد والقران إلى العمرة ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل الأكمل.
ولأن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى بقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: 196] بخلاف الإفراد والقران.
ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج كاملين غير متداخلين على وجه السهولة مع زيادة نسك هو الدم فكان ذلك أفضل من نسك لا يجتمع فيه ذلك.
وأما القران مع سوق الهدي فهل التمتع أفضل منه؟ فيه روايتان:
أحدهما: التمتع أفضل لما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تأسف على فعله فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» 1.
والثانية: القران أفضل «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً» 2.
والأول أصح لما تقدم.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه كان متمتعاً مع أن ذلك فعله والأمر بالتمتع قوله والقول مقدم على الفعل لاحتمال اختصاصه به.
قال رحمه الله: (وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه.
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً.
والقران: أن يحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج.
ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها).
أما كون الإحرام بالعمرة في أشهر الحج فلأن ذلك قول جابر.
ولأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج فلم يكن متمتعاً كالمفرد.
ولأنه لو حل في أشهر الحج لم يكن متمتعاً فكذلك إذا أحرم فيها.
وأما اعتبار الفراغ منها.
ومعناه: أنه يَحِل من الإحرام بالعمرة قبل الإحرام بالحج فلأنه لو أحرم بالحج قبل الحل من العمرة لكان قارناً.
واجتماع النسكين ممتنع.
وأما اعتبار الإحرام بالحج من مكة أو من موضع قريب منها فلما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع.
وإن خرج ورجع فليس بمتمتع».
وعن ابن عمر نحوه 1.
وأما اعتبار الإحرام بالحج من عامه فلأن الله تعالى قال: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196] إذ ظاهر ذلك يقتضي الموالاة بينهما.
ولأن العلماء أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً فإذا لم يحج من عامه بطريق الأولى.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يشترط في المتمتع غير ذلك.
واشترط أبو الخطاب والقاضي أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو أثنائها لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين.
وقال المصنف رحمه الله في المغني والكافي: ظاهر الآية يدل على عدم الاشتراط.
ولأن التمتع التَّرَفّه بأحد السفرين وهو موجود بدون النية.
وأما كون الإفراد أن يحرم بالحج مفرداً فلأن من أفرد من الصحابة هكذا فعل.
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «ومنا من أهل بحج» 2.
ولأنه مفرد فوجب أن يكون فعله الإفراد.
وأما كون القران أحد الأمرين المذكورين من الإحرام بهما أو الإحرام بعمرة ثم إدخال الحج عليها: أما الأول فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرن هكذا فعل.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً».
والقران ظاهر في الجمع بينهما.
وأما الثاني فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «أهللت بالعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» 1.
وفي حديث آخر أن عائشة رضي الله عنها قالت: «أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج».
وفي آخر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعكِ طوافكِ لحجكِ وعمرتكِ» 2.
ويشترط في إدخال الحج على العمرة في حق من لم يسق الهدي أن يكون قبل الطواف فلو طاف للعمرة ثم أدخل عليها الحج لم يصح لأنه قد أتى بمقصود العمرة وشرع في التحلل منها فإن كان ساق الهدي لم يمتنع ذلك لعموم ما تقدم.
ولأن من ساق الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحر لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196] وإذا لم يجز له التحلل لم يكن شارعاً فيه.
وأما عدم صحة الإحرام بالعمرة إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة فلأنه لم يَرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر.
وإحرامه لا يزيد عملاً على ما لزمه بإحرام الحج ولا يغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة.
قال رحمه الله: (ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام.
وهم أهل مكة، ومن كان منها دون مسافة القصر).
أما وجوب الدم على المتمتع فلقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196].
وأما وجوبه على القارن فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً».
ولأنه تَرَفَّهَ بأحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع.
وأما اشتراط كون المتمتع والقارن من غير حاضري المسجد الحرام لوجوب الدم عليهما: أما في المتمتع فلأن تكملة الآية ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: 196].
وأما في القارن فلأنه في معنى المتمتع.
ولأن وجوب الدم عليه لترفهه بأحد السفرين فإذا كان من حاضري المسجد الحرام لم يوجد الترفه فيجب أن ينتفي الوجوب لانتفاء مقتضيه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهم أهل مكة... إلى آخره فتفسير لحاضري المسجد الحرام؛ لأن الحاضر القريب، وذلك المكي ومن هو منها دون مسافة القصر دون غيرهما.
قال رحمه الله: (ومن كان قارناً أو مفرداً أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، إلا أن يكون قد ساق هدياً فيكون على إحرامه).
أما استحباب فسخ القارن والمفرد نسكهما وجعله عمرة في الجملة فلأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أمر أصحابه الذين أفردوا بالحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي» 1 متفق عليه.
وروي عن سلمة بن شبيب أنه قال لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة.
فقال: وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحج.
قال: قد كنت أرى أن لك عقلاً.
عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك.
ولأنه قلب للحج إلى العمرة فجاز.
دليله من لحقه الفوات.
وأما ما يشترط للفسخ فأمران:
أحدهما: أن لا يكون معه هدي؛ للحديث المتقدم.
ولقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196].
وثانيهما: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن الواقف بها قد أتى بمعظم العبادة وأيِس من فواتها بخلاف غيره.
ولم يصرح المصنف رحمه الله بهذا الشرط اكتفاء بقوله: إذا طاف وسعى؛ لأن ذلك يكون قبل الوقوف.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: إذا طاف وسعى شرط في استحباب الفسخ أم لا؟
قيل: ظاهره ذلك.
وليس الأمر كذلك؛ لأن الأخبار الواردة في ذلك تقتضي الفسخ قبل الطواف والسعي.
ولأنه إذا طاف وسعى ثم فسخ يحتاج إلى طواف وسعي لأجل العمرة ولم يرد مثل ذلك فيما ذكر.
ويمكن تأويل كلام المصنف رحمه الله على أن إذا ظرف.
ويكون المراد: أحببنا له أن يفسخ وقت طوافه أي وقت جواز طوافه.
قال رحمه الله: (ولو ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل.
والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة).
أما عدم حل المتمتع إذا ساق الهدي فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: من كان منكم معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل» 1 متفق عليه.
وأما إحرام المتمتعة بالحج إذا حاضت فخشيت فوات الحج فـ «لأن عائشة رضي الله عنها كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أهلي بالحج... مختصر» 1 رواه مسلم.
ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فلأن يجوز مع الخشية أولى.
فإن قيل: ما وجه خشية فوات الحج بالحيض؟
قيل: لأن المتمتعة لا تحل من عمرتها ما لم تطف فإذا حاضت لم يمكنها الطواف لأنها ممنوعة من دخول المسجد.
وأما صيرورتها قارنة فلأن أحد نوعي القران إدخال الحج على العمرة وذلك موجود هاهنا.
قال رحمه الله: (ومن أحرم مطلقاً صح، وله صرفه إلى ما شاء.
وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد إحرامه بمثله).
أما صحة الإحرام مطلقاً فلأن الإحرام يصح مع الإبهام لما يأتي فلأن يصح مع الإطلاق بطريق الأولى.
وأما صرفه إلى أي الأنساك شاء فلأنه له أن يبتدئ بأيها شاء فكان له صرف المطلق إلى أيها شاء.
فعلى هذا يعينه قبل الطواف.
فإن طاف قبل التعيين لم يجزئه طوافه؛ لأنه طاف لا في حج ولا في عمرة.
وأما انعقاد إحرامه إذا أحرم بمثل ما أحرم به فلان فلما روى أبو موسى رضي الله عنه قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء.
فقال لي: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أحسنت.
وأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة.
ثم قال: أحل» 2 متفق عليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهم! إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن معي الهدي فلا تَحِل» 1 رواه مسلم.
فعلى هذا يفعل مثل ما يفعل من أحرم بمثل إحرامه لما تقدم في الحديث.
ولأنه جعل نفسه تبعاً له.
فإن لم يعلم بما أحرم به فلان كان كما لو نسي ما أحرم به فلان وسيذكر، وإن علم أن فلاناً لم يحرم أو شك هل أحرم أم لا؟ كان كما لو أطلق الإحرام.
وقد تقدم.
قال رحمه الله: (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بأحدهما 2، وإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة.
وقال القاضي: يصرفه إلى أيها 3 شاء).
أما انعقاد الإحرام بإحدى الحجتين أو العمرتين إذا أحرم بهما فلأن انعقاد الإحرام بهما لا يمكن لتعذر أداء العبادتين في حالة واحدة، وإبطالهما مفضٍ إلى إبطال العمل المنوي فلم يبق إلا انعقاد أحدهما.
وأما جعل النسك عمرة إذا أحرم بنسك ونسيه على المذهب فلأنها أفضل.
ولأنه له أن يصرف الإفراد والقران إليها مع العلم فلأن يكون له أن يصرفهما مع الإبهام بطريق الأولى.
وأما صرفه إلى أيها شاء على قول القاضي فلأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرة وكان إحرامه بغيرها جاز؛ لأن فسخه إليها جائز مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قران وكان إحرامه بعمرة فقد أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم، وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً ولا تبطل العمرة بترك نيتها لأنه ليس من شرط صحة العبادة استدامة النية فيها، وإن كان قارناً فهو على حاله كذلك.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: إن كان شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة خاصة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لا يجوز.
فعلى هذا يجب حمل كلام المصنف رحمه الله هنا على ما إذا نسي قبل الطواف.
قال رحمه الله: (وإن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه.
وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع عن نفسه.
وقال أبو الخطاب: له صرفه إلى أيهما شاء).
أما وقوع الإحرام عن نفسه إذا أحرم عن رجلين فلأنه لا سبيل إلى وقوع العبادة عن الرجلين؛ لأن العبادة الواحدة لا تجزئ عن اثنين دليله الصلاة وغير ذلك، ولا عن أحدهما لأنه ليس أولى من الآخر وإذا تعذر وقوعها عن غيره تعين وقوعها عن نفسه كما لو أحرم وأطلق.
وأما وقوعه عن نفسه إذا أحرم عن أحدهما لا بعينه على قول غير أبي الخطاب فلما تقدم.
وأما صرفه إلى أيهما شاء على قول أبي الخطاب فلأن الإحرام يصح مع الإبهام لما تقدم فكذلك يصح عن المجهول ويعينه بعد ذلك كما لو أحرم مطلقاً ثم عين النسك.
قال رحمه الله: (وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
أما تلبيته عند استوائه على راحلته فلما روى أنس وابن عمر رضي الله عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به أهَلَّ» 1 رواه البخاري.
ومعنى أهَلَّ: رفع صوته.
من قولهم استهل الصبي إذا صاح.
وأما صفة التلبية فكتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قال: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158].
وأما صفة تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما ذكره المصنف لأن ابن عمر رضي الله عنهما روى «أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك» 2 متفق عليه.
والتلبية مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه.
فكأنه قال: أنا مقيم على طاعتك.
وكرر لأنهم أرادوا إقامة بعد إقامة.
وقال جماعة من أهل العلم: معناها إجابة إبراهيم عليه السلام حين نادى للحج.
قال رحمه الله: (والتلبية سنة.
ويستحب رفع الصوت بها والإكثار منها والدعاء بعدها).
أما مسنونية التلبية «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها» 1.
وأما استحباب رفع الصوت بها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل عليه السلام فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما استحباب الإكثار منها فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يضحي يلبي حتى تغرب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» 3 رواه ابن ماجة.
وأما استحباب الدعاء بعدها فلما روى خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله عز وجل رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار» 4 رواه الشافعي.
ولأنه مظنة الإجابة أشبه الدعاء يوم الجمعة.
قال رحمه الله: (ويلبي إذا علا نشزاً أو هبط وادياً وفي دبر الصلوات المكتوبة وإقبال الليل والنهار وإذا التقت الرفاق.
ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تُسمع رفيقتها).
أما استحباب التلبية في المواضع المذكورة فلما روى جابر رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في حجه إذا لقي راكباً أو علا أكَمَة أو هبط وادياً وفي أدبار المكتوبة ومن آخر الليل» 1.
وقال إبراهيم النخعي: «كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا علا نشزاً وإذا هبط وادياً وإذا لقي راكباً وإذا استوت به راحلته» 2.
وأما عدم رفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تُسمع رفيقتها فلأن المرأة صوتها عورة فلم يشرع لها الرفع بها بغير ما ذكر ولذلك لم يشرع لها أذان ولا إقامة.
باب محظورات الإحرام
قال المصنف رحمه الله: (وهي تسعة: حلق الشعر وتقليم الأظافر فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم.
وعنه: لا يجب إلا في أربع فصاعداً.
وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام.
وعنه: قبضة.
وعنه: درهم).
أما كون محظورات الإحرام تسعة فلأنها حلق شعر وتقليم أظافر وتغطية رأس ولبس مخيط وخفين وطيب وإتلاف صيد وعقد نكاح وجماع ومباشرة دون الفرج وذلك تسعة.
وأما كون حلق الشعر من محظورات الإحرام فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: 196]. نص على حلق الرأس وسائر شعر البدن في معناه.
ولأن حلق الشعر يؤذن بالرفاهية وذلك ينافي الإحرام؛ لأن المحرم يكون أشعث أغبر.
وأما كون تقليم الأظافر من محظورات الإحرام فلأنه يحصل به الرفاهية أشبه حلق الشعر.
وأما وجوب الفدية بالحلق فلأن الله تعالى قال بعد قوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: 196] ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [البقرة: 196].
وفي حديث كعب بن عجرة: «احلق رأسك وأطعم ستة مساكين أو صم أو انسك شاة» 1.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله يشتمل على وجوب الدم.
قيل: في وجوبه عيناً مع العمد خلاف يأتي ذكره.
والصحيح أنه لا يجب عيناً بل الواجب أحد أمور: من دم وصوم ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين وسيأتي في باب الفدية 1. وكان الجيد أن يقول: فعليه الفدية ثم يكل التفصيل على باب الفدية.
وأما مقدار ما يجب به الفدية ففيه روايتان:
أحدهما: إذا حلق ثلاث شعرات؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق فجاز أن تتعلق به الفدية كالكل وكالربع عند أبي حنيفة.
والثانية: لا يجب إلا بأربع لأن الثالث آخر أجزاء القلة وآخر الشيء منه فلم يجب بالثلاث كالشعرة والشعرتين.
وأما ما يجب فيما دون ذلك ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: يجب في كل واحدة مُدّ من طعام لأن ذلك أقل ما يجب في فدية رمضان ونحو ذلك فكان واجباً في أقل الشعر.
والثانية: قبضة من ذلك لأنه لا تقدير له في الشرع فيجب المصير إليه لأنه اليقين.
والثالثة: درهم لأنه لما لم يمكن إيجاب جزء من الحيوان وجب المصير إلى القيمة وأقل ذلك مما يشاركه الشعر في الوحدة درهم.
وأما مقدار ما تجب به الفدية من تقليم الأظافر والواجب فيه فكما ذكر في الشعر اختلافاً وتعليلاً لأن أصل وجوب الفدية في ذلك مقاس على الحلق فكذا في مقدار ما يجب به وفي الواجب فيه.
قال رحمه الله: (وإن حلق رأسه بإذنه فالفدية عليه، وإن كان مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق، وإن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه).
أما وجوب الفدية على من حلق رأسه بإذنه فلأن ذلك بإذنه فكان بمنزلة مباشرته له.
وأما وجوب الفدية على الحالق إذا كان مَنْ حلق رأسه مكرهاً أو نائماً فلأنه أزال ما مُنع من إزالته لأجل الإحرام فكانت عليه فديته كما لو حلق المحرم بنفسه.
وأما عدم وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأس حلال فلأنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب بإتلافه جزاء كشعر بهيمة الأنعام.
قال رحمه الله: (وقطع الشعر ونتفه كحلقه، وشعر الرأس والبدن واحد، وعنه: لكل واحد حكم منفرد).
أما كون قطع الشعر ونتفه كحلقه فلاشتراك الكل في حصول الرفاهية بإزالته.
وأما شعر الرأس والبدن ففيهما روايتان:
أحدهما: أنهما واحد لأنه شعر من جنس واحد لم يختلف إلا موضعه أشبه ما على اللحية والإبط ونحوهما.
والثانية: لكل واحد حكم منفرد لأن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل بحلقه دون البدن.
فعلى الأولى لو حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرة أو شعرتين وجبت الفدية لأنه حلق ثلاثاً أو أربعاً، وعلى الثانية يجب في كل واحدة ما تقدم ذكره فيما لا تجب فيه الفدية.
قال رحمه الله: (وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه فقصه أو انكسر ظفره فقصه أو قلع جلداً عليه شعر فلا فدية عليه).
أما عدم وجوب الفدية بقلع الشعر وقصه كما ذكر فلأن الشعر آذاه فكان له رفع أذاه من غير فدية كالصيد الصائل عليه.
وأما عدم وجوبها بقص ما انكسر من ظفره فلأنه يؤذيه بقاؤه بسبب منه أشبه الشعر المؤذي.
وفارق هذا ما إذا حلق الشعر لقمل أو صداع أو نحو ذلك فإنه تجب الفدية لأن الأذى من غير الشعر.
وأما عدم وجوبها بقطع جلد عليه شعر فلأن الشعر زال تابعاً لغيره والتابع لا يُضمن كما لو قلع أشفار عيني إنسان فإنه لا يجب ضمان الأهداب.
فصل [في تغطية الرأس]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: تغطية الرأس فمتى غطاه بعمامة أو خرقة أو قرطاس فيه دواء أو غيره أو عَصَبه أو طيّنه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية.
وإن استظل بالمحمل ففيه روايتان).
أما كون تغطية الرأس من محظورات الإحرام فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرم عن لبس العمائم» 1.
و«قال في المحرم الذي وقصته ناقته: لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» 2 متفق عليه.
وأما وجوب الفدية إذا غطاه بشيء مما ذكره المصنف رحمه الله فلأنه فعل محرّماً في الإحرام يقصد به الترفه أشبه حلق الشعر.
وأما الاستظلال بالمحمل ففيه روايتان:
أحدهما: يحرم «لأن ابن عمر رضي الله عنهما رأى على رجل عوداً يستره من الشمس فنهاه عن ذلك» 3 رواه الأثرم.
فعلى هذا تجب به الفدية لوجود فعل محرّم في الإحرام مقصود به الرفاهية.
والرواية الثانية: لا يحرم لأن الحُجة في عدم الاستظلال قول ابن عمر وهو لا يرى ذلك حراماً.
ولأنه يجوز أن يستتر بثوب لما يأتي.
فعلى هذا لا فدية لانتفاء موجبها من فعل محرم موصوف بما تقدم.
قال: (وإن حمل على رأسه شيئاً أو نصب حياله ثوباً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت فلا شيء عليه).
أما عدم وجوب شيء في جميع ما ذكر فلأنه يباح فعله، والفدية لا تجب بفعل المباح: أما إباحة الحمْل على رأسه فلأنه لا يقصد به الترفه فأبيح كالأكل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
وأما إباحة نصب شيء حياله فلما روت أم الحصين قالت: «حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة» 1 رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بخيمة فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة من شعر بنَمِرَة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس» 2 مختصر.
رواه مسلم.
وأما إباحة الاستظلال بشجرة أو بيت فلأن ذلك في معنى الخيمة.
قال: (وفي تغطية الوجه روايتان).
أما جواز تغطية الوجه على روايةٍ فـ «لأن عثمان وسعداً وعبدالرحمن بن عوف وزيد بن ثابت أجازوه» 3.
وأما عدم جوازها على روايةٍ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في الميت المحرم: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» 4 متفق عليه.
فعلى الأولى: لا فدية عليه؛ لأنه مباح.
وعلى الثانية: عليه الفدية؛ لأنه فَعَل ما منع من فعله قصداً للترفه أشبه تغطية الرأس.
فصل [في لبس المخيط والخفين]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: لبس المخيط والخفين إلا أن لا يجد إزاراً فليلبس سراويل، أو نعلين فليلبس خفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه).
أما كون لبس المخيط من محظورات الإحرام فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف» 1 مختصر.
متفق عليه.
نص على هذه الأشياء وألحق العلماء بها ما في معناها من الجبة والدراعة ونحو ذلك.
وأما جواز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، والخفين إذا لم يجد نعلين فلأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم» 2 متفق عليه.
وأما عدم قطعهما فلأن عائشة رضي الله عنها روت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما» 3.
و «كان ابن عمر رضي الله عنهما يفتي بقطعهما حتى أُخبر بذلك فرجع» 1.
وروي أن علياً رضي الله عنه قال: «قطعُ الخفين فساد.
يَلبسهما كما هما» 2.
ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره أشبه السراويل.
ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر.
فإن لُبْس المقطوع مع القدرة على لبس النعلين كلبس الصحيح.
ولأنه إتلاف لماليته وقد «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال» 3.
قال المصنف رحمه الله في المغني: وقد روي عن أحمد رحمه الله قطعهما.
وهو أولى عملاً بالحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «وليقطعهما أسفل من الكعبين» 4 متفق عليه.
وخروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط.
وأما عدم وجوب الفدية في لبس ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ابن عباس رضي الله عنهما «جواز لبس السراويل والخفين إذا لم يجد إزاراً ولا نعلين» 5 ولم يذكر الفدية ولو وجبت لبينها؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.