فصل [في موضع إخراج الفدية]
قال المصنف رحمه الله: (وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم 1 إلا فدية الأذى واللبس والطيب ونحوها إذا وجد سببها في الحل فيفرقها حيث وجد سببها.
ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأما الصيام فيجزئه بكل مكان).
أما كون الهدي والإطعام غير ما استثني لمساكين الحرم فلقوله سبحانه: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ [المائدة: 95]، وقوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: 33].
والمراد بمساكين الحرم أهله ومن كان وارداً إليه كالحاج: فأما أهله فلا إشكال فيهم، وأما الوارد فلأنه قد حل فيه أشبه أهله.
ويشترط فيه أن يكون المدفوع إليه ممن يجوز دفع الزكاة إليه؛ لأن ذلك حق واجب فلم يجز دفعه إلى غير من يجوز دفع الزكاة إليه كالزكاة.
وأما كون فدية الأذى واللبس ونحوها كالتقليم والطيب تخرج حيث وجد سببها حلاً كان أو حرماً فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية 2 ولم يأمره ببعثها إلى الحرم.
و«لأن الحسين بن علي رضي الله عنهما حلق رأسه على الوجع ونحر عنه جزوراً بالسُّقْيَا» 3 رواه الأثرم.
ولم يعرف لهم مخالف فكان كالإجماع.
وأما كون دم الإحصار حيث أحصر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما أحصروا بالحديبية ذبحوا بها البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» 1.
ولأنه موضع تحلله فكان موضع ذبحه كالحرم.
وأما إجزاء الصيام بكل مكان فلأن الصيام لا يتعدى نفعه إلى أحد فلا معنى لتخصيصه بمكان، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «الدم والطعام بمكة والصوم حيث شاء» 2.
قال: (وكل دم ذكرناه يجزئ فيه شاة أو سُبُع بدنة، ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة).
أما إجزاء الشاة فلأنه إذا أجزأ سبع البدنة وهو بعض دم فلأن تجزئ الشاة وهي دم كامل بطريق الأولى.
وأما إجزاء سبع البدنة فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة» 3.
وأما إجزاء البقرة عمن وجبت عليه بدنة فلأن تكملة حديث جابر رضي الله عنه: «أنه قيل له: والبقرة فقال: وهل البقرة إلا من البدن» 4.
ولأنها تقوم مقامها في الإجزاء عن سبعة في الأضحية فكذلك هاهنا.
باب جزاء الصيد
جزاء الصيد واجب لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
قال المصنف رحمه الله: (وهو ضربان:
أحدهما: له مِثْل من النَّعم فيجب فيه مثله.
وهو نوعان:
أحدهما: قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت).
أما كون جزاء الصيد ضربين فلأن منه ما هو مثلي ومن ما لا مثل له.
أما وجوب المثل فيما له مثل؛ فلقوله تعالى: ﴿فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
وأما تنويع ما لَه مِثْل نوعين فلأنه منه ما قضت الصحابة فيه بالمثل ومنه ما لم تقض فيه بذلك.
وأما وجوب ما قضت به الصحابة فيما قضت به فلأنهم أعرف بمواقع الخطاب وأقرب إلى الصواب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» 1.
وقال: «اقتدوا باللّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر» 2.
قال: (ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقرته والأيل والثيتل والوعل بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الغزال والثعلب عنز، وفي الوبر والضب جدي، وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر، وفي الأرنب عناق، وفي الحمام وهو كلما عب وهدر شاة.
وقال الكسائي: كل مطوق حمام).
أما وجوب البدنة في النعامة فـ «لأن عثمان وعلياً وزيداً وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم قضوا فيها ببدنة» 1.
وأما وجوب البقرة في حمار الوحش فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى فيه ببقرة» 2.
ولأنه شبيهٌ بها.
وأما وجوبها في بقرة الوحش فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه قضى فيها ببقرة» 3.
وأما وجوبها في الإبل فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فيه بقرة» 4.
وأما وجوبها في الثيتل والوعل فبالقياس على الأيل.
وأما وجوب الكبش في الضبع فـ «لأن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قضيا فيه بذلك» 5.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بذلك 6 رواه أبو داود.
وأما وجوب العنز في الغزال فـ «لأن ابن عباس رضي الله عنهما قضى فيه بعنز» 1.
ولأن فيه شبهاً به لأن العنز أجرد الشعر متقلص الذنب وذلك صفة الغزال.
وأما وجوبها في الثعلب فلأنه كالغزال.
وعن الإمام أحمد رحمه الله: فيه شاة لأنه أعظم من الغزال.
وعنه لا جزاء فيما لا يؤكل فيُخَرّج منه أنه لا جزاء فيه لأنه لا يؤكل على المشهور في المذهب.
وأما وجوب الجدي في الوبر 2.
وأما وجوبه في الضب فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى في الضب بجدي» 3 رواه الشافعي.
وأما وجوب الجفرة في اليربوع فـ «لأن عمر وابن مسعود قضيا فيه بذلك» 4.
وأما قول المصنف رحمه الله: لها أربعة أشهر فبيان لمقدار عمر الجفرة.
وأما وجوب العناق في الأرنب فـ «لأن عمر رضي الله عنه قضى فيه بذلك» 5.
وأما وجوب الشاة في الحمام فـ «لأن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم بشاة» 1 وحمام غير الحرم مثل حمام الحرم.
وأما المراد بالحمام فروي عن الإمام رحمه الله: كل طير عب الماء.
فيدخل في هذا الفواخت والوارشين والقمري والقطاة لأن كل واحد من هذه يعب الماء.
ويعضده تسمية العرب ذلك حماماً.
وروي عن الكسائي: كل مطوق حمام.
فعلى هذا يكون الحجل من الحمام لأنه مطوق.
قال: (النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما).
أما الرجوع فيما لم تقض الصحابة فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة فلقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 95]، والمراد منهما أن يحكما فيه بأشبه الأشياء به من النَّعَم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قضوا بالمثل لا بالقيمة.
ويشترط أن يكونا من أهل الخبرة لأنهما لا يتمكنان من الحكم بالمثل إلا بالخبرة.
وأما جواز كون القاتل أحدهما فلأن الله تعالى قال: ﴿ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 95] والقاتل من عُدولنا.
وروى الشافعي بإسناده عن طارق بن شهاب قال: «خرجنا حجاجاً فأوطأ رجل منا يقال [له] أربد ضباً ففرز ظهره، فقدمنا على عمر فسأله أربد.
فقال له: احكم يا أربد فيه، قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين! وأعلم.
فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم
ولم آمرك أن تزكيني.
فقال أربد: أرى فيه جَدْياً.
قد جمع الماء والشجر.
قال عمر: ذلك فيه» 1 فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل.
و«أمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم» 2.
ولأنه مال يخرج في حق الله تعالى فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً كالزكاة.
قال: (ويجب في كل واحد من الصغير والكبير والصحيح والمعيب مثله، إلا الماخض تفدى بقيمة مثلها.
وقال أبو الخطاب: يجب فيها مثلها).
أما وجوب الكبير في الكبير والصغير في الصغير والصحيح في الصحيح والمعيب في المعيب فلأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] ومَثَل الكبير كبير، والصغير صغير، والصحيح صحيح، والمعيب معيب.
ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر والصحة والعيب دليله البهيمة.
وأما الماخض ففيها وجهان:
أحدهما: تفدى بقيمة مثلها قاله القاضي لأن قيمة المثل أكثر من قيمة لحمه.
والثاني: يجب مثلها قاله أبو الخطاب لقوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
ولأن إيجاب القيمة عدول عن المثل مع إمكانه وذلك خلاف المنصوص.
قال: (ويجوز فداء أعور من عين بأعور من أخرى، وفداء الذكر بالأنثى، وفي فدائها به وجهان).
أما جواز فداء أعور من عين بأعور من أخرى فلأن ذلك اختلاف يسير.
وأما جواز فداء الذكر بالأنثى فلأنها أطيب لحماً منه فهي راجحة أو مساوية.
وأما فداء الأنثى بالذكر ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن لحمه أوفر ولحمها أطيب فيتساويان.
والثاني: لا يجوز قياساً على الزكاة.
فصل [في جزاء ملا مثل له]
قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: ما لا مثل له وهو سائر الطير، إلا ما كان أكبر من الحمام فهل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين).
أما وجوب القيمة فيما لا مِثل له وليس أكبر من الحمام فلأن الأصل وجوب القيمة بدليل سائر المضمونات.
تُرك ذلك فيما له مثل لقضاء الصحابة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وتعتبر القيمة موضع إتلافه كما لو أتلف مال آدمي.
وأما ما كان أكبر من الحمام ففيه وجهان:
أحدهما: تجب قيمته لما ذكرنا من مقتضى الدليل.
والثاني: 1 شاة على الوجه 2 فلأنها تجب في الحمام فلأن تجب فيما هو أكبر منه بطريق الأولى.
والمعنى بما هو أكبر من الحمام الحباري والكركي والحجل والإوز والكبير من طير الماء وما أشبه ذلك.
وقد روي عن ابن عباس وجابر وعطاء رضي الله عنهم: «أنهم قالوا في
الحجلة والقطاة والحباري: شاة شاة.
وزاد عطاء: في الكركي والكروان وابن الماء ودجاجة الحبش والحرب: شاة شاة» 1.
قال: (ومن أتلف جزءاً من صيد فعليه ما نقص من قيمته أو قيمة مثله إن كان مثلياً، وإن نَفّر صيداً فتلف بشيء ضمنه).
أما كون الجزء من الصيد إذا أُتْلف فيه ما نقص من قيمته إن لم يكن مثلياً فلأن الكل لو أُتْلف ولم يكن مثلياً وجبت فيه قيمته فكذلك الجزء.
وأما كونه فيه ما نقص من قيمة مثله إن كان مثلياً فلأن مقتضى الدليل إيجاب جزء من المثل كإيجاب جزء من القيمة بإتلاف جزء مما ليس بمثلي تُرك العمل به لأنه يؤدي إلى التشقيص فيجب أن يعدل إلى قيمة الجزء من المثل لأنها بدله.
فإن قيل: ما مثال نقصان القيمة ونقصان قيمة المثل؟
قيل: أما الأول فمثاله: أن يقوّم الصيد سليماً ثم يقوم مجنياً عليه فيجب ما بينهما.
فلو كانت قيمته سليماً عشرة ومجنيّا عليه ثمانية فالواجب درهمان.
وأما الثاني فمثاله: أن يقوّم المثل سليماً ثم يقوّم وبه تلك الجناية فيجب مثل ما بين ذلك.
فلو كانت قيمة مثله سليماً عشرة ومجنياً عليه ستة فالواجب عليه أربعة.
فإن قيل: أي فرق بين ما نقص من قيمته وبين ما نقص من قيمة مثله؟
قيل: الفرق بينهما أن المثل قد ينقص شيئاً لا ينقص الصيد بقدره وذلك أنه لو جنى على نعامة قيمتها صحيحة عشرون ومقطوعة يدها خمسة عشر فالنقصان هنا خمسة فإذا نظرت إلى مثلها كانت بدنة قيمتها سليمة مثلاً مائة ومقطوعة يدها خمسون فالنقصان
هنا خمسون فلو اعتبر نفس الصيد كان الواجب عليه خمسة وإن اعتبر المثل كان الواجب عليه خمسين.
وأما ضمان ما نفّره فتلف بشيء فـ «لأن عمر رضي الله عنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فخاف أن يبول عليه فأطاره فانتهزته حية.
فقال: أنا أطرته فسأل من معه فحكم عليه عثمان ونافع بن عبدالحارث بشاة» 1.
قال: (وإن جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه.
وكذلك إن وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته.
وإن اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه).
أما وجوب ما نقصه الجرح إذا جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلأنه نقص حصل بفعله فوجب أن يضمنه كسائر مواضع الضمان.
وفي اقتصار المصنف رحمه الله على وجوب ما نقصه الجرح إشعار بأنه لا يجب ضمان جميعه وهو صحيح لأنه لا يعلم حصول التلف بفعله فلم يضمنه كما لو رمى سهماً إلى الصيد ولم يعلم هل وقع فيه أم لا.
وأما كون ما وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته كما لو جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلما ذكر من التعليل قبل.
وأما وجوب ضمان جميعه إذا اندمل غير ممتنع فلأنه عطله فصار بمنزلة المتلَف.
قال: (وإن نتف ريشه فعاد فلا شيء عليه.
وقيل: عليه قيمة الريش).
أما عدم وجوب شيء بنتف الريش العائد على المذهب فلأن النقص زال أشبه ما لو اندمل الجرح.
وأما وجوب قيمة الريش على وجه فلأن الثاني غير الأول.
قال: (وكلَّ ما قتل صيداً حكم عليه.
وإن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد.
وعنه: على كل واحد جزاء.
وعنه: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة).
أما الحكم على قاتل الصيد بالجزاء كلما قتل فلما تقدم في قوله: وإن قتل صيداً بعد صيد في فصل "من كرر محظوراً" 1 لأنه قد ذكر ثَمّ فلا حاجة إلى إعادته.
وأما إذا اشترك جماعة في قتل صيد ففيه ثلاث روايات:
إحداها: يجب عليهم كلهم جزاء واحد لأن الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] فلو تعدد الجزاء لِتَعَدُّدِ القاتل لكان ذلك زائداً على المثل وهو خلاف النص.
ويلزم من كون الجزاء في المثل واحداً كون القيمة والصوم كذلك لأنهما معطوفان عليه.
والثانية: يجب على كل واحد جزاء لأن ذلك كفارة يدخلها الصوم فوجب تعدده ككفارة قتل الآدمي.
والثالثة: إن كفروا بالمال فكفارة واحدة وإن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة لأن الصوم كفارة فوجب أن يكمل في حق الفاعل ككفارة قتل الآدمي بخلاف المال فإنه ليس بكفارة وإنما هو بدل متلف فوجب أن لا يكمل كالدية.
والأولى أصح؛ لما ذكر.
ولأنه يروى عن عمر وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم 2.
ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه فكان واحداً كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً.
وفارق هذا الكفارة في قتل الآدمي لأنها تختلف باختلاف المقتول فلا تتبعض بخلاف مسألتنا.
باب صيد الحرم ونباته
قال المصنف رحمه الله: (وهو حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئاً فعليه ما على المحرم في مثله).
أما حرمة صيد الحرم ونباته على الحلال والمحرم فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض.
فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها... مختصر» 1 متفق عليه.
وأما كون المتلِف لشيء من صيده عليه ما على المحرم في مثله فلأنهما لما استويا في التحريم وجب أن يستويا في الجزاء.
فعلى هذا إن كان الصيد مثلياً ضمنه بمثله وإلا بقيمته.
وقد تقدم ذلك مفصلاً في إتلاف المحرم 2.
قال: (وإن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين).
أما الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن المتلِف لذلك أتلف صيداً حرمياً فوجب أن يجب ضمانه عليه كما لو كان في الحرم.
ولأن صيد الحرم معصوم بمحله كحرمة الحرم فلا يختص تحريمه بمن في الحرم.
وأما عدم الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأن الأصل براءة الذمة وقد وقع التردد في وجوب الكفارة بذلك لأنه إذا نظر إلى ما تقدم اقتضى وجوب الكفارة، وإذا نظر إلى الفاعل اقتضى عدم الوجوب فوجب أن لا تجب الكفارة؛ لأن الأصل لا يزول بمتردد.
قال: (وإن قتل من الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه أو صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين).
أما عدم الضمان في جميع الصور المذكورة على الصحيح من المذهب فلأن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفر صيدها» 1 يدل على إباحة الصيد في غيرها وإذا كان مباحاً فلا يجب ضمانه كسائر المباحات.
ولأن جميع ما ذكر غير حَرَمِيٍّ فلم يضمنه كصيد السمام 2.
ولأنه صيد غير معصوم بالحرم والصائد له غير محرم فلم يحرم ولم يجب جزاء كما لو كانا في الحل.
ولأن الجزاء إنما يجب في صيد الحرم أو في الصيد في الإحرام وما ذُكر ليس بواحد منهما.
وأما وجوب الضمان في ذلك كله على روايةٍ فلأنه قريب من الحرم والغصن تابع للأصل فوجب الجزاء احتياطاً.
والأول أصح لما ذكر.
قال: (وإن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيداً في الحرم فعلى وجهين، وإن فعل ذلك بسهمه ضمنه).
أما الضمان إذا أرسل كلبه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه أرسل كلبه على صيد يباح إرساله عليه، ودخوله الحرم لم يكن عن اختياره؛ لأن الكلب له قصد واختيار ولهذا يسترسل بنفسه.
والثاني: عليه الجزاء وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه قتل صيداً حَرَمياً فوجب جزاؤه كالمجمع على وجوب الجزاء فيه.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني أن عدم الضمان منصوص الإمام أحمد.
وأما الضمان إذا فعل ذلك بسهمه فلأنه قتل صيداً حرمياً فلزمه ضمانه كما لو رمى حجراً فقتل صيداً.
يحققه أن الخطأ والعمد واحد في وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أن يكون واحداً منهما بخلاف مسألة الكلب على الصحيح لأن للكلب قصداً واختياراً بخلاف السهم فإنه لا قصد له ولا اختيار فانتسب الفعل إلى فاعله.
فصل [في شجر الحرم]
قال المصنف رحمه الله: (ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه، إلا اليابس والإذخر وما زرعه الآدمي، وفي جواز الرعي وجهان).
أما تحريم قلع شجر الحرم وحشيشه فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» 1.
وأما عدم تحريم قلع الإذخر فلأن العباس رضي الله عنه قال: «يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر» 2 متفق عليه.
وأما عدم تحريم قلع اليابس فلأنه بمنزلة الميت.
وأما ما زرعه الآدمي فيحتمل أن المصنف رحمه الله أراد به مثل البقول والزروع والرياحين وما أشبه ذلك وهو ظاهر كلامه لأن المفهوم من إطلاق الزرع ذلك دون ما غرس من الشجر وهذا مما لا خلاف في إباحته؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك فلو حرم لأدى إلى ضرر عظيم.
ويحتمل أنه أراد جميع ما ينبته الآدمي مما ذكر ومن الأشجار المغروسة بفعله وفي تحريم ذلك وجهان:
أحدهما: يحرم وفيه الجزاء.
قاله القاضي؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يعضد شجرها» 3.
والثاني: لا يحرم.
اختاره أبو الخطاب وابن عقيل؛ لأن الزرع خص من عموم الحديث لمعنى موجود في الشجر المغروس بفعل الآدمي فيلحق به ويقاس عليه.
ويعضد
هذا تخصيص التحريم بالوحشي من الحيوان دون الإنسي فكذلك يختص التحريم بغير ما ينبته الآدمي من الشجر.
وأما جواز الرعي ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما حرم إتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد.
والثاني: يجوز؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم ولم ينقل أنه كان تسد أفواهها.
ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر.
قال: (ومن قلعه ضَمِن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، فإن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين).
أما ضمان الشجرة الكبيرة والصغيرة بما ذكر فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة» 1.
ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه لحرمة الحرم فكان منه ما يضمن بمقدّر كالصيد.
وأما ضمان الحشيش بقيمته فلأن الأصل وجوب القيمة لما تقدم في الصيد تُرك ذلك في الشجرة الكبيرة والصغيرة لقضاء الصحابة رضوان الله عليهم فيبقى فيما عداهما على مقتضى الدليل.
وأما ضمان الغصن بما نقص فلأنه نقص بفعله فكان الواجب فيه ما نقصه كما لو جنى على مال آدمي فنقص.
وأما سقوط الضمان بالاستخلاف ففيه وجهان:
أحدهما: يسقط كما إذا جرح صيداً فاندمل وبرئ.
والثاني: لا يسقط؛ لأن الثاني غير الأول.
قال: (ومن قطع غصناً في الحل أصله في الحرم ضمنه وإن قطعه في الحرم أصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين).
أما ضمان ما أصله في الحرم وغصنه في الحل فلأن الغصن تابع للأصل والأصل يجب ضمانه لو قطعه فكذلك ما يتبعه.
وأما ضمان ما أصله في الحل وغصنه في الحرم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن لما ذكر قبل.
والثاني: يضمن؛ لأنه غصن في الحرم أشبه ما أصله فيه.
فصل [في صيد المدينة]
قال المصنف رحمه الله: (ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها ومن حشيشها للعلف).
أما تحريم صيد المدينة وشجرها وحشيشها غير ما استثني فلما روى أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرفَ على المدينة.
فقال: اللهم! إني أحرمُ ما بَينَ جَبَلَيْهَا مثلَ ما حرَّم إبراهيمُ مكة» 1.
وفي لفظ: «لا يقطع شجرها» 2 متفق عليه.
وروى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» 3 متفق عليه.
وأما عدم تحريم الرحل والعارضة والقائمة فلما روى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا فرخص لنا.
فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد رحمه الله.
وأما عدم تحريم الحشيش للعلف؛ فلأن في حديث علي رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره» 1.
ولأن المدينة يقرب منها شجر وزرع فلو منع من الاحتشاش مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة.
قال: (ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه، ولا جزاء في صيد المدينة، وعنه: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه).
أما كون من أدخل إلى المدينة صيداً له إمساكه فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يا أبا عمير! ما فعل النغير» 2. وهو طائر صغير حديث صحيح.
ولم ينكر عليه إمساكه فدل على جوازه.
وأما كونه له ذبحه فلأن كل موضع جاز فيه إمساك الصيد جاز ذبحه دليله الحل.
وأما صيد المدينة ففيه روايتان:
أحدهما: لا جزاء فيه؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء كصيد وُجّ.
والثانية: جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة كتحريم مكة فوجب الجزاء في صيدها على الجملة كمكة.
ولما روى عامر بن سعد «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع الشجر أو يخبطه فسلبه.
فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم [ما أخذ من غلامهم] فقال: معاذ الله أن أرد عليهم شيئاً نفّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم» 3 رواه مسلم.
وفي لفظ لأبي داود: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم وقال: من وجد أحداً يصيد فيه فله سلبه» 1.
قال: (وحد حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى).
أما كون حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير؛ فلما تقدم من حديث علي رضي الله عنه المتفق عليه 2.
وأما جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى» 3 رواه مسلم.
باب ذكر دخول مكة
قال المصنف رحمه الله: (يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة).
أما استحباب دخول مكة من أعلاها من ثنية كداء فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى» 1.
وروت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها» 2 متفق عليهما.
وأما استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذ فعل 3 رواه مسلم.
قال: (فإذا رأى البيت رفع وكبر وقال: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حَيِّنا ربنا بالسلام.
اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً.
الحمد لله رب
العالمين كثيراً كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال.
اللهم! إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك.
اللهم! تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
يرفع بذلك صوته).
أما استحباب رفع اليدين عند رؤية البيت فلما روى أبو بكر ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين» 1.
ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أُمر برفع اليدين عند الدعاء 2.
وأما استحباب التكبير عند رؤية البيت 3.
وأما استحباب قول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام فلما روى سعيد بن المسيب قال: «سمعت من عمر كلمة يقولها لما رأى البيت لم يسمعها غيري وهي: اللهم! أنت السلام... » 4.
وعن سعيد بن المسيب «أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام» 5.
وأما استحباب قول: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً إلى آخره فلما روى الشافعي في مسنده عن ابن جريج «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه
وقال: اللهم! زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وبراً» 1.
وذكر الأثرم ذلك وزاد فيه: «الحمد لله رب العالمين -إلى قوله-: لا إله إلا أنت».
وأما استحباب رفع الصوت بذلك فلأنه ذكر مشروع في الحج فاستحب رفع الصوت به كالتلبية.
قال: (ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً أو طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً، ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر).
أما استحباب الابتداء بالطواف فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت» 2 متفق عليه.
ولأن الطواف تحية المسجد فاستحب البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد.
وأما كون المعتمر يطوف لعمرته فلأن الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفسخ نسكهم إلى العمرة أمرهم أن يطوفوا للعمرة بدليل أنه أمرهم بالحل 3.
وأما كون غيره يطوف للقدوم فلأن الصحابة الذين كانوا مفردين وقارنين فعلوا ذلك.
ولأن وقت غير طواف العمرة لم يدخل بعدُ بخلاف طواف العمرة.
وأما استحباب الاضطباع بالرداء وجعل وسطه تحت العاتق الأيمن وطرفيه على العاتق الأيسر فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من
الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» 1 رواه أبو داود.
وروى أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أنه اضطبع ورمل وقال: ففيم الرمل ولِمَ نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ بل لن ندع شيئاً فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 2.
قال: (ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله، وإن شاء استلمه وقبل يده، وإن شاء أشار إليه ويقول: بسم الله والله أكبر إيماناً وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم كلما استلمه).
أما استحباب الابتداء في الطواف من الحجر الأسود فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به 3.
وأما محاذاته بجميع بدنه فليستوعب جميع البيت بالطواف.
وأما الخيرة بين استلامه وتقبيله وبين استلامه وتقبيل يده وبين الإشارة إليه فلأن الكل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الاستلام والتقبيل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه ويقبله لما روى ابن عمر قال: «استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً فإذا هو بعمر بن الخطاب فقال: يا عمر! هاهنا تُسكب العبرات» 4 رواه ابن ماجة.
وفي رواية: «بدأ بالحجر فاستلمه وقبله ثم التفت فإذا هو بعمر».
وأما استلامه وتقبيل يده فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه وقبل يده» 5 رواه مسلم.
وأما الإشارة إليه فلما روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر» 1.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الأقوال 2 الثلاثة متساوية لأن الخيرة هنا ليست خيرة في واجب.
وليس كذلك بل المستحب تقبيله فإن لم يمكنه فالمستحب استلامه وتقبيل يد نفسه فإن لم يمكنه فالمستحب الإشارة إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبله حين أمكنه في حديث عمر، واستلمه وقبل يد نفسه حيث لم يمكنه تقبيله ولا استلامه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «أنت رجل قوي فلا تزاحم الناس فتؤذي الضعيف ولكن إن وجدت مسلكاً فاستلمه وإلا فاستقبل وهلل وكبر» 3.
وأما استحباب قول: بسم الله إلى آخره كلما استلم الحجر فلأن عبدالله بن السائب روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند استلام الحجر 4.
قال: (ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فإذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده).
أما الأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك 5 وقال: «خذوا عني مناسككم» 6.
وأما استحباب استلام الركن اليماني فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني» 1.
وعن ابن عمر: «ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما، في شدة ولا رخاء» 2 رواهما مسلم.
ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم عليه السلام قاله ابن عمر فسن استلامه كالذي فيه الحجر.
وأما استحباب تقبيل يده بعد استلام الحجر فكما يفعل ذلك في الحجر الأسود.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقبل كالحجر الأسود؟
قيل: إنه لم ينقل ذلك من طريق صحيح.
قال: (ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأُوَل منها.
وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يَثِب وثباً، ويمشي أربعاً).
أما كون الطواف سبعاً يرمل في ثلاثة ويمشي أربعاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً» 3 متفق عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى فبيان لماهية الرمل.
وأما كونه لا يَثِب وثباً فلأن ذلك ليس بمشي فإذا فعله لم يكن إتياناً بالرمل المشروع.
قال: (وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إليهما ويقول كلما حاذى الحجر: الله أكبر ولا إله إلا الله، وبين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وفي سائر الطواف: اللهم! اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً.
رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأعز الأكرم.
ويدعو بما أحب).
أما استحباب استلام الحجر والركن اليماني أو الإشارة إليهما كلما حاذاهما: أما الاستلام فلأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة» 1 رواه أبو داود.
وعن نافع: كان ابن عمر يفعله 2.
وأما الإشارة فلأنها بدل عن الاستلام.
وأما استصحاب التكبير والتهليل كلما حاذى الحجر فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتى الحجر أشار إليه وكبر» 3.
وفي حديث عمر المتقدم: «وإلا فاستقبلْ وهلل وكبر» 4.
وأما استحباب قول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة... الآية﴾ [البقرة: 201] بين الركنين فلما روى عبدالله بن السائب رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك بين ركن بني جُمَح والركن الأسود» 5 رواه الإمام أحمد.
وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: «وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك.
فمن قال: اللهم! إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة... الآية﴾ [البقرة: 201] قالوا: آمين» 6.
وأما استحباب قول: اللهم! اجعله حجاً مبروراً... إلى الأكرم في بقية طوافه فلأن ذلك قولٌ لائقٌ بالمحل فاستحب ذكره كسائر الأدعية اللائقة بمحالها المنصوص على مشروعيتها فيها.
وأما دعاؤه بما أحب بعد ذلك فلأن ذلك موضع يستجاب فيه الدعاء غالباً والشخص قد تكون له حاجة أخروية أو دنيوية فإذا دعا بما أحب كان ذلك وسيلة إلى قضاء حاجته وبلوغ أمله.
قال: (وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع، وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع).
أما عدم استحباب الرمل والاضطباع في حق النساء فلأن ذلك شرع لإظهار الجلَد وليس مطلوباً من النساء.
ولأن النساء يقصد منهن الستر، وفي الرمل تعرض للانكشاف وفي الاضطباع تعرض للانكشاف.
وأما عدم استحباب ذلك في حق أهل مكة فلأن ذلك شرع لما ذكر، وليس مطلوباً من أهل مكة لأنهم مقيمون.
و«لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أحرم من مكة لم يرمل».
والمراد بأهل مكة: المقيم بها ومن أحرم بها حتى لو كان متمتعاً فأحرم بالحج منها ثم عاد وقلنا يُشرع له طواف القدوم لم يرمل كما ذكر في المغني.
وأما عدم استحبابهما في غير الطواف الأول فلأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يرملوا ولم يضطبعوا إلا في الطواف الأول فلم يسن الإتيان بغير ما فعلوه.
ولأن الطواف الأول إنما سن فيه ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو منتف هنا فينتفي الاستحباب لانتفاء المقتضي.
قال: (ومن طاف راكباً أو محمولاً أجزأه.
وعنه: لا يجزئه إلا لعذر، ولا يجزئ عن الحامل).
أما إجزاء طواف الراكب لعذر فلا خلاف فيه، وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» 1.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي.
فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» 2 متفق عليهما.
ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً والراكب طائف.
وأما إجزاء طواف المحمول لعذر فلأنه كالراكب معنى فكذا حكماً.
وأما طواف من ذكر لغير عذر ففيه روايتان:
أحدهما: يجزئ؛ لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكون الأمر بالطواف مطلقاً.
والثانية: لا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة» 3 والصلاة حاملا ومحمولاً لا تصح.
ولأن الطواف بالبيت عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكباً ولا محمولاً لغير [عذر] 4 كالصلاة.
وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فلا دليل فيه لأنه كان لعذر «لأنه روي أنه كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد.
حتى خرج العواتق من البيوت.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يُضْرَبُ الناسُ بين يَديه فلما كَثُروا عليه ركب» 5 رواه مسلم.
وأما عدم إجزاء ذلك عن الحامل فلأن الطواف عبادة أُدِّيَ بها فرض الله فلم [تكن] 1 فرضاً عن آخر كالصلاة.
ولأن الحامل له كالمحمول فلم يقع الطواف عن غيره كالراكب.
قال: (وإن طاف منكساً أو على جدار الحجر أو شاذروان الكعبة أو ترك شيئاً من الطواف وإن قلّ أو لم ينوه لم يجزئه، وإن طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً لم يجزئه.
وعنه: يجزئه ويجبره بدم).
أما عدم إجزاء الطواف المنكس وهو جعل الطائف البيت عن يمينه عكس ما تقدم من قوله: ويجعل البيت على يساره فـ «لأن جعل النبي صلى الله عليه وسلم البيت عن يساره» 2 على ما تقدم بيان لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: 29]، وفعله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان تعين فلا يجوز خلافه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني مناسككم» 3.
ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب فيها واجباً كالصلاة.
وأما عدم إجزائه على جدار الحِجْر وهو حائطه أو شاذروان الكعبة وهو: ما فضل من حائطه فلأن ذلك من البيت فإذا لم يطف بكل البيت لم يجزءه؛ لأن الطواف بجميعه واجب بدليل «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بجميعه» 4 وقال: «خذوا عني مناسككم» 5.
وأما عدم إجزائه إذا ترك شيئاً منه وإن قلّ مثل إن طاف خمساً أو ستاً أو نحو ذلك فلأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف سبعاً والقول فيه كما تقدم في جعل البيت عن يمينه.
وأما عدم إجزائه إذا لم ينو فلقوله: «إنما الأعمال بالنيات» 1 ولقوله: «لا عمل إلا بنية» 2.
ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة.
وأما من طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً ففيه روايتان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» 3 رواه الترمذي ورواه الأثرم بمعناه.
وروى أبو هريرة «أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» 4 متفق عليه.
ولأنه عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة.
والرواية الثانية: يجزئه ويجبره بدم؛ أما الإجزاء فلأن الطواف عبادة لا يشترط فيها الاستقبال فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف.
وأما جبر ذلك بدم فلأن ذلك إذا لم يكن شرطاً فلا أقل من أن يكون واجباً، وترك الواجب يجبر بدم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الإجزاء مع جبر الدم عامّ سواء أمكنه الطواف بعد طوافه على الصفة المتقدمة أو لا.
وقال في المغني: وعن أحمد رواية أن الطهارة ليست شرطاً فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان يمكنه وإن رجع جبره بدم.
وظاهره أن الطواف غير متطهر لا يجبره الدم مع إمكان إعادته.
قال: (وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه، وإن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى.
ويتخرج أن الموالاة سنة).
أما ابتداء الطواف إذا أحدث الطائف في أثنائه فلأنه عبادة شرطها الطهارة على الصحيح فأبطلها الحدث كالصلاة.
وحكم تعمد الحدث وسبقه في ذلك حكم الصلاة من بطلان وبناء.
وأما ابتداؤه إذا قطعه بفصل طويل فلأن الموالاة بين أجزائه شرط للصحة على المذهب «لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى بين طوافه» 1 وقال: «خذوا عني مناسككم» 2.
ولأنه صلاة فيشترط لها الموالاة كسائر الصلوات، أو نقول عبادة متعلقة بالبيت فاشترط لها الموالاة كالصلاة.
وأما بناؤه إذا قطعه بفعل يسير فلأن اليسير يسامح به في غير هذا الموضع فكذلك هاهنا.
ولأن في الاتصال مع ذلك مشقة عظيمة وضرراً عظيماً فوجب أن لا يشترط نفياً لذلك.
فإن قيل: بم يعرف الطويل من اليسير؟
قيل: يرجع في ذلك إلى العرف من غير تحديد بمدة كما رجع إلى العرف في الحِرْز والقبض.
وأما قطع الطواف وصلاة الصلاة التي أقيمت فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» 3.
وفي لفظ: «فلا صلاة إلا التي أقيمت» 1 والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر.
ولأنه قول ابن عمر وسالم ابنه وعطاء ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وأما قطعه وصلاته على الجنازة فلأن الجنازة صلاة تفوت بالتشاغل بالطواف وإذا قطع الطواف من أجل الصلاة التي أقيمت وهي لا تفوت بالتشاغل بالطواف فلأن يقطع بصلاة الجنازة وهي تفوت بالتشاغل بطريق الأولى.
وأما بناؤه في الموضعين على ما طاف فلأنه فعل فعلاً مشروعاً في أثناء الطواف فلم يقطعه كاليسير.
وأما تخريج مسنونية الموالاة فـ «لأن الحسن رضي الله عنه غشي عليه فلما أفاق أتمه».
ونقل المصنف رحمه الله في المغني والكافي عن أحمد رواية: أن الموالاة ليست بشرط مع العذر واستدل عليه بما ذكر عن الحسن.
قال: (ثم يصلي ركعتين.
والأفضل أن يكون خلف المقام يقرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1] بعد الفاتحة).
أما استحباب صلاة ركعتين بعد فراغه من الطواف فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما 2.
وأما أفضلية كونهما خلف المقام، والقراءة فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد الفاتحة فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً
وصلى خلف المقام ركعتين قرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾» 1 رواه مسلم.
وفي الأفضلية المذكورة تنبيه على جواز فعلهما في غير ذلك الموضع وبغير تلك القراءة وهو صحيح: أما الأول فـ «لأن عمر رضي الله عنه ركعهما بذي طوى» 2 رواه البخاري.
وأما الثاني؛ فلأن تعيين الفاتحة في الفريضة لا تجب.
فلأن لا تجب في ركعتي الطواف بطريق الأولى.
قال: (ثم يعود إلى الركن فيستلمه، ثم يخرج إلى الصفا من بابه.
ويسعى سبعاً يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويكبر ثلاثاً ويقول: الحمد لله على ما هدانا.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
ثم يلبي ويدعو بما أحب).
أما عود من فرغ من الطواف إلى الركن والمراد به الحَجَر الأسود -قاله المصنف في المغني- واستلامه وخروجه إلى الصفا من بابه وسعيه سبعاً وبداؤه بالصفا ورقيه عليه واستقباله القبلة وتكبيره وقول: الحمد لله... إلى وهزم الأحزاب وحده فلأن جابراً رضي الله عنه قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الطواف: «ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] نبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» 3.
وأما قوله: لا إله إلا الله... إلى ولو كره الكافرون فلما روي عن ابن عمر رضي الله عنه «أنه كان يدعو ويزيد: لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
ويدعو دعاء كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب».
وأما تلبيته بعد ذلك... 1.
قال: (ثم ينزل من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم فيسعى سعياً شديداً إلى العلم، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل عليها مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه يفعل ذلك سبعاً يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشوط).
أما نزوله إلى الصفا ومشيه إلى العلم وسعيه سعياً شديداً منه إلى العلم الآخر ومشيه من الثاني إلى المروة وفعله عليها مثل فعله على الصفا فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «ثم نزل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إلى المروة حتى إذا انصَبَّتْ قَدماه رملَ في بطن الوادي حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا» 2.
فإن قيل: ما العلمان؟
قيل: هما ميلان أخضران أحدهما: معلق في ركن المسجد، والآخر: بفناء المسجد وحذاء دار العباس.
وأما نزوله من المروة ومشيه في موضع مشيه وسعيه في موضع سعيه وفعله ذلك سبع مرات فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كذلك.
وقال: «خذوا عني مناسككم» 3.
وأما احتسابه بالذهاب سعية وبالرجوع سعية فلأنه لو كان الذهاب والرجوع سعية لتعين أن يكون آخر الطواف عند الصفا وقد جاء في الحديث: «فلما كان آخر طوافه على المروة» 4.
ولأنه كل مرة طائف بهما فينبغي أن يحسب ذلك مرة كما إذا طاف بجميع البيت فإنه يحتسب به مرة.
وأما افتتاحه بالصفا؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنى من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] بدأ بالصفا وقال: ابدأوا بما بدأ الله به» 1.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «قال الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: 158] فبدأ بالصفا وقال: اتبعوا القرآن فما بدأ به القرآن فابدأوا به».
وأما اختتامه بالمروة فلما تقدم من قوله: «فلما كان آخر طوافه على المروة» 2.
ولأنه يلزمه بالبداءة بالصفا والاعتداد بالذهاب مرة والرجوع مرة الاختتام بالمروة.
وأما عدم الاحتساب بالشوط إذا بدأ من المروة فلأن الشوط مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره فلم يحتسب به كالصلاة في الدار المغصوبة.
قال: (ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً.
وعنه: أن ذلك من شرائطه).
أما استحباب سعيه مستتراً متوالياً فلأن ذلك مختلف في وجوبه فاستحب فعله لما فيه من الخروج من العهدة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى كذلك وأدنى أحواله حمله على الاستحباب.
وأما اشتراط ذلك ففيه روايتان:
أحدهما: يشترط؛ لأنه أحد الطوافين فاشترط فيه ذلك كالطواف بالبيت.
والرواية الثانية: لا يشترط شيء من ذلك وهي المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة حين حاضت: «اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» 3.
ولأن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت فلم يشترط فيها شيء من ذلك كالوقوف بعرفة.
قال: (والمرأة لا ترقى ولا ترمل).
أما عدم استحباب الرقي للمرأة فلئلا تزاحم الرجال.
ولأن ترك ذلك أستر لها.
وأما عدم استحباب الرمل في السعي فلما تقدم من عدم استحبابه لها في الطواف.
قال: (وإذا فرغ من السعي فإن كان معتمراً قصّر من شعره وتحلل، إلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يُحل حتى يحج.
ومن كان متمتعاً قطع التلبية إذا وصل البيت).
أما جواز تقصير المعتمر غير سائق الهدي من شعره وتحلله بعد سعيه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر 1 سوى عمرته التي مع حجه وكان يحل إذا سعى.
وأما المتمتع فإن كان معه هدي لم يحل وإلا حل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل» 2 متفق عليه.
فإن قيل: لم قال المصنف رحمه الله قصر ولم يقل حلق؟
قيل: للتنبيه على أن المسنون التقصير لا الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حديث جابر فقال: «وليقصر» 3 والحكمة في ذلك توفير الحلق على الحج.
فإن قيل: لم قال: والمعتمر ثم استثنى المتمتع؟
قيل: لأن المعتمر أعم من المتمتع لأن المعتمر من أحرم بعمرة من الميقات ثم إن وجد فيه الشروط المتقدمة ذكرها في صفة التمتع فهو متمتع.
وأما قطع المتمتع التلبية إذا وصل البيت والمراد به إذا استلم الحجر الأسود فلأن ابن عباس رضي الله عنهما روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم» 2.
ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها والأخذ بالتحلل ينافيها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فيجب أن يقطع التلبية كما يقطع الحاج التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة؛ لأن التحلل يحصل بها.
وفي كلام المصنف رحمه الله نظر من وجهين:
أحدهما: أنه قال: ومن كان متمتعاً وكان الجيد أن يقول: ومن كان معتمراً لأن الحكم المذكور يستوي فيه المتمتع وغيره.
والثاني: أنه قال: قطَعَ التلبية إذا وصل البيت وكان الجيد أن يقول: قطع التلبية إذا استلم الركن كما قال الإمام أحمد رحمه الله.
وكأنه لما كان الوصول إلى البيت يتعقبه الطواف لأنه تحيته وكان استلام الركن أول ما يبدأ به في الطواف عبر بذلك عنه إلا أن فيه لبساً مع عدم الحاجة لا سيما على المتعلم.
باب صفة الحج
قال المصنف رحمه الله: (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة.
ومن حيث أحرم من الحرم جاز).
أما استحباب الإحرام لمن ذكر في يوم التروية فلأن جابراً رضي الله عنه قال: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج» 1.
وأما استحبابه من نفس مكة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى أَهْل مكة يهلون منها» 2.
و«كان عطاء يستلم الركن ثم ينطلق منه مهلاً بالحج».
وأما جوازه من أي موضع كان من الحرم فلأن في حديث جابر رضي الله عنه: «فأهللنا من الأبطح» 3. وهو موضع خارج نفس البلد داخل في الحرم.
قال: (ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف