قال رحمه الله: (ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إلا إزاره وهميانه الذي فيه نفقته إذا لم يثبت إلا بالعقْد).
أما كون المحرم لا يعقد عليه مِنْطقة.
وهي: شيء يشد به الوسط لوجع الظهر فلأنه يترفه بذلك أشبه اللباس.
ولا بد أن يلحظ في العقد المذكور عدم الحاجة إليه فإن كان بالمحرم حاجة إلى ذلك من وجع ظهر ونحوه جاز وعليه الفدية.
نص عليه.
أما الجواز فلمكان الحاجة.
وأما وجوب الفدية فلأنه نادر أشبه حلق الرأس لوجع الرأس.
وأما كونه لا يعقد عليه رداء ولا غيره غير ما استثني فلأن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لا تعقد عليك شيئاً» 1.
ولأنه يصير بالعقد كالمخيط.
وأما جواز عقد الإزار فلأنه يحتاج إلى عقده لستر عورته.
وأما جواز عقد الهميان الذي فيه نفقته فلقول عائشة رضي الله عنها: «أوثق عليك نفقتك» 2.
ولأنه مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم يثبت إلا بالعقد فاحتراز من أن يكون مما يمكن شده لا بالعقد مثل أن يُدخل بعضه في بعض فإن ذلك لا يجوز عقده حينئذ لعدم الحاجة إليه.
قال رحمه الله: (وإن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية.
وقال الخرقي: لا فدية عليه إلا أن يدخل يديه في كميه).
أما وجوب الفدية على من طرح على كتفيه قباء فأدخل يديه في كميه فلأنه لبس المخيط وذلك موجب للفدية لما تقدم.
وأما وجوبها على من فعل ذلك ولم يدخل يديه في كميه على قول غير الخرقي فلأنه لَبِسه على المعتاد في مثله أشبه لبس القميص.
ولأنه منهي عن لبسه لما روى ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى عن لبس الأقبية» 1 فيجب أن تجب به الفدية كلبس المخيط.
وأما عدم وجوبها على قول الخرقي فلأنه لا يحيط بالبدن فلا تلزمه الفدية كالقميص إذا اتشح به.
قال رحمه الله: (ويتقلد بالسيف عند الضرورة).
أما جواز ذلك عند الضرورة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح» 2 رواه أبو داود.
وقال: جلبان السلاح: القراب بما فيه.
وأما عدم جوازه عند عدم الضرورة فلأنه لبس أشبه لبس المخيط.
فصل [في الطيب]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: الطيب.
فيحرم عليه تطييب بدنه وثيابه وشم الأدهان المطيبة والادهان بها وشم الكافور والزعفران 1 والورس، والتبخر بالعود ونحوه، وأكل ما فيه طيب يظهر طعمه أو ريحه.
وإن مس من الطيب ما لا يعلق بيده فلا فدية فيه).
أما كون الطيب من محظورات الإحرام «فلقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته: لا تحنطوه» 2 متفق عليه.
وفي لفظٍ لمسلم: «لا تمسوه بطيب» 3.
وجه الحجة أنه منع المحرم الميت من الطيب مع أنه يستحب للميت فالمحرم الحي بطريق الأولى.
وفي حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» 4 متفق عليه.
فعلى هذا يحرم عليه استعماله في بدنه وثيابه.
ويحرم عليه شم كل دهن مطيب والادهان به؛ لأنه يحصل به ما يحصل بشم الطيب نفسه.
ويحرم عليه شم المسك والكافور والعنبر والورس لأنه هكذا يستعمل.
ويحرم عليه التبخر بالعود؛ لأن استعماله على وجه التطيب كذلك.
ويحرم عليه أكل ما فيه طيب يظهر طعمه لأن الطعم يستلزم الرائحة وذلك حرام لما يأتي، وما يظهر ريحه لأن المقصود الريح وهو حاصل.
وأما عدم وجوب الفدية بمس طيب لا يعلق بيده كمن مس مسكاً غير مسحوق أو قطعاً من كافور أو عنبر ونحو ذلك فلأنه غير مستعمل للطيب.
وقوله: ما لا يعلق بيده يدل مفهومه على أن ما يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق ونحو ذلك فيه الفدية وهو صحيح لأنه مستعمل للطيب.
قال رحمه الله: (وله شم العود والفواكه والشيح والخزامى.
وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان).
أما جواز شم العود للمحرم فلأنه لا يُتطيب به هكذا.
وأما جواز شم الفواكه والشيح والخزامى فلأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب.
وأما شم الريحان وما بعده ففيه روايتان:
أحدهما: يجوز؛ «لأن عثمان رضي الله عنه سئل عن المحرم يدخل البساتين ويشم الريحان فقال: نعم» 1.
ولأن الاعتبار يما يقصد منه الطيب، ولا نظر إلى الرائحة المستطابة دليله شم القرنفل والدارصيني فإنهما لما كان المقصود منهما التداوي لا التطيب لم يحرم استعمالهما.
ولأنه شيء لا يعلق باليد فلم يحرم استعمالها كالقطع من العنبر.
فعلى هذا لا فدية عليه؛ لأنه مباح الشم.
والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه شم يحصل به طيب وترفه فلم يبح كشم الغالية والمسك.
فعلى هذه عليه الفدية إذا فعل ذلك؛ لأنه فعلٌ محرم يقصد به الترفه أشبه الحلق.
وفرق المصنف رحمه الله في الكافي بين الريحان وبين الورد والبنفسج، وصحح كون الورد والبنفسج طيباً، وقاسه على الزعفران.
وأما الادهان بدهن غير مطيب كالشيرج والزيت ودهن اللبان ففيه روايتان:
أحدهما: يجوز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن في إحرامه بزيت غير مقتت» 1 أي غير مطيب رواه الإمام أحمد والأثرم في السنن.
ولأنه قول ابن عباس وابن عمر والأسود بن يزيد رضي الله عنهم.
والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر فمنع منه قياساً على المطيب.
وأما قول المصنف رحمه الله: في شعره مشعر بأنه لا يحرم عليه الادهان بذلك في بدنه وهو صحيح صرح به في المغني.
ونقل عن ابن المنذر أنه قال: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن.
وقال القاضي وغيره من الأصحاب: الخلاف جار في دهن البدن كدهن الرأس لأن البدن كالرأس في إزالة الشعث وتسكين الشعر.
قال رحمه الله: (وإن جلس عند العطار أو في موضع ليشم الطيب فشمه فعليه الفدية، وإلا فلا).
أما وجوب الفدية إذا جلس لقصد شم الطيب فشمه فلأنه شمه قاصداً مبتدءاً به في الإحرام فحرم عليه ووجبت الفدية كما لو باشره.
وأما عدم وجوبها إذا جلس لا لقصد ذلك فلأنه لا يمكن التحرز منه، وما هذا شأنه لا تجب به فدية.
فصل [في الصيد للمحرم]
(السادس: قتل صيد البر واصطياده.
وهو: ما كان وحشياً مأكولاً، أو متولداً منه ومن غيره.
فمن أتلفه أو تلف في يده أو أتلف جزءاً فعليه جزاؤه).
أما كون قتل صيد البر من محظورات الإحرام؛ فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: 95].
وأما كون اصطياده من محظورات الإحرام؛ فلقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: 96].
وأما كون الصيد ما كان وحشياً مأكولاً ومتولداً منه ومن غيره فلأن غير ذلك إما أهلي وإما محرم الأكل.
والأهلي ليس بصيد ولذلك يذبح في الهدايا والضحايا مع تحريم الصيد على المحرم، ومحرم الأكل يباح قتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل بعض غير المأكول بقوله: «خمس فواسق يقتلن في الحرم» 1.
وفي لفظ: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم جناح: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» 2 متفق عليه.
فيقاس عليه غيره مما لم يقم دليل على تحريم قتله.
فإن قيل: لم حرم قتل المتولد وهو غير مأكول؟
قيل: لأنه اجتمع فيه مبيح ومحرم فغلب جانب التحريم.
ولأنه حرم أكله تغليباً فكذلك قتله.
وأما وجوب الجزاء على من أتلف ذلك؛ فلقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95].
وأما وجوبه على من تلف في يده فلأنه تلف تحت يد عادِيَة أشبه ما لو تلف في يده العادية مال الآدمي.
وأما وجوب جزاء الجزء فلأن ما يضمن جملته يضمن أجزاؤه دليله مال الآدمي.
قال رحمه الله: (ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه مثل أن يعيره سكيناً إلا أن يكون القاتل محرماً فيكون جزاؤه بينهما).
أما وجوب الضمان في ذلك كله فلأن فعل جميع ذلك حرام لأنه وسيلة إلى حرام فكان حراماً كسائر الوسائل.
ولأن فعل كل واحد من ذلك يُحرّم الأكل لما يأتي، ولو لم يحرم فعله لما حرم الأكل كصيد المحرم الذي لا أثر للحلال فيه.
وأما كون الضمان في ذلك على الدالّ والمشير والمعين ومن له أثر في الذبح وحده إذا لم يكن القاتل محرماً فلأنه يختص بالحرمة لكون الحلال لا يحرم عليه قتل الصيد.
وأما كونه بينه وبين القاتل إذا كان محرماً فلأنهما يشتركان في التحريم فكذا في الجزاء.
قال رحمه الله: (ويحرم عليه الأكل من ذلك كله وأكل ما صيد لأجله.
ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك).
أما تحريم الأكل مما دل عليه أو أشار فلما روى أبو قتادة رضي الله عنه «أنه كان مع أصحاب له محرمين وهو لم يحرم.
فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلي.
فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أنّي أبصرته.
فركبت ونسيت السوط والرمح.
فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح.
فقالوا: والله! لا نعينك عليه.
فلما سألوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: هل منكم أحد أمره أن يَحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
قال: كلوا ما بقي من لحمها» 1 متفق عليه.
وأما تحريم أكل ما أعان عليه فلأن ذلك في معنى الإشارة فوجب أن يحرم لأن الاشتراك المعنوي يوجب الاشتراك الحكمي.
وأما تحريم أكل ما صيد لأجله وعدم تحريم غير ما صرح بتحريمه فلما روى جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم» 2 رواه الترمذي.
وقال: هذا أحسن حديث في الباب.
قال رحمه الله: (وإن أتلف بيض صيد أو نقله إلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته).
أما وجوب ضمان بيض الصيد بإتلافه فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه» 3 رواه ابن ماجة.
وأما وجوب ضمانه إذا فسد بنقله فلأنه تسبب في إتلافه، والتسبب في الإتلاف كالمباشرة.
وأما كون الضمان فيهما بالقيمة فلأنه لا مثل للبيض فتجب فيه القيمة كسائر ما لا مثل له.
فإن قيل: في الحديث المتقدم ثمنه.
قيل: المراد بالثمن ذلك، إذ غالب الأشياء يعدل ثمنها قيمتها.
قال رحمه الله: (ولا يملك الصيد بغير الإرث.
وقيل: لا يملكه به أيضاً).
أما كون الصيد لا يملكه المحرم بغير الإرث مثل أن يهدى إليه فيقبله أو يشتريه
أو يتهبه أو نحو ذلك فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه الصعب بن جثامة حماراً وحشياً فرده عليه.
وقال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» 1.
فإن قيل: الحديث المذكور في الهدية فلم عُدّي إلى غيرها؟
قيل: لمساواته لها معنى.
وأما ملكه بالإرث ففيه وجهان:
أحدهما: لا يمكله بالقياس على ما تقدم.
والثاني: يملكه.
وهو الصحيح لأنه يدخل في ملكه حكماً اختار ذلك أو كرهه ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون بخلاف بقية الأسباب.
قال رحمه الله: (وإن أمسك صيداً حتى تحلل ثم تلف أو ذبحه ضمنه وكان ميتة.
وقال أبو الخطاب: له أكله).
أما وجوب الضمان في الحالتين المذكورتين فلأنه تلف بسبب كان في إحرامه فضمنه كما لو جرحه فمات بعد حله.
وأما كونه ميتة على المذهب فلأنه صيد يلزمه ضمانه فلم يبح ذبحه كحال الإحرام.
وأما كون المحرم له أكله على قول أبي الخطاب فلأنه ذبحه حال حله فأبيح له كغيره.
قال رحمه الله: (وإن أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد لزمه إزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه.
فإن لم يفعل فتلف ضمنه.
وإن أرسله إنسان من يده قهراً فلا ضمان على المرسل).
أما لزوم إزالة يده المشاهدة إذا أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد فلأن في عدم إزالة يده إمساكاً للصيد فلم يجز كحالة الابتداء.
وأما عدم لزوم إزالة يده الحكمية فلأنها 1 فلم يلزم إزالتها كما لو لم يكن محرماً.
فإن قيل: ما المشاهدة وما الحكمية؟
قيل: اليد المشاهدة أن يكون في قبضته أو رَحْله أو خيمته أو قفصٍ معه أو مربوطاً معه، واليد الحكمية أن يكون له صيد في بلده أو يد نائبه في غير مكانه.
وأما وجوب الضمان إذا لم تَزُل يده فتلف فلأنه تلف تحت اليد العادِيَة فلزمه الضمان كمال الآدمي.
وأما عدم وجوبه على من أرسله من يده قهراً فلأنه فعل ما يلزمه فعله.
ولأن اليد يد زال حكمها وحرمتها.
قال رحمه الله: (وإن قتل صيداً صائلاً عليه دفعاً عن نفسه أو بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه لم يضمنه.
وقيل: يضمنه فيهما).
أما عدم وجوب الضمان على من قتل صيداً صائلاً عليه على الوجه الأول فلأنه ألجأه إلى قتله فلم يضمنه كالآدمي الصائل.
وأما عدم وجوب ضمانه إذا قتله بتخليصه فلأنه فعلٌ أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به كما لو داوى ولي الصبيِّ الصبيَّ فمات بذلك.
وأما وجوب ضمانه فيهما: أما في الأولى: فلأنه قتله لحاجة نفسه أشبه ما لو قتله للحاجة إلى أكله.
وأما في الثانية: فلعموم الآية.
ولأن غاية ما فيه أنه عدم القصد إلى قتله أشبه قتل الخطأ.
قال رحمه الله: (ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان إنسي ولا مٌحَرّم الأكل إلا القمل في رواية.
وأي شيء تصدّق به كان خيراً منه).
أما عدم تأثير الحرم والإحرام في تحريم الحيوان الإنسي كالبقر والغنم ونحو ذلك فلأن الله تعالى إنما حرم الصيد وليس هذا بصيد.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتقرب إلى الله تعالى بذبح ذلك في إحرامه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج» 1. يعني إسالة الدم بالنحر.
وأما عدم تأثيرهما في تحريم محرم الأكل غير القمل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح قتل ذلك بقوله: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» 2.
وقال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» 3 متفق عليه.
نص على الخمس الفواسق وقيس عليهن كل مؤذ.
وأما القمل ففيه روايتان:
أحدهما: لا تأثير لهما في قتله لأنه يحرم أكله ويؤذي أشبه البراغيث.
والثانية: يحرم قتله في الإحرام؛ لأنه يترفه بإزالته.
فعلى هذا فيه الجزاء وأي شيء تصدق به كان خيراً منه لأنه لم يرد فيه أثر.
قال رحمه الله: (ولا يحرم صيد البحر على المحرم.
وفي إباحته في الحرم روايتان).
أما عدم حرمة صيد البحر على المحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أُحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحُرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: 96].
وصيد البحر ما يعيش في الماء كالسمك والسرطان ونحو ذلك وسواء كان في الماء الملح أو العذب كالآبار والعيون لأن لفظ البحر يطلق على الكل قال الله سبحانه: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان: 53] فسمى العذب بحراً.
ولأن الله تعالى قابله بصيد البر فدل على أن ما ليس من صيد البر من صيد البحر.
وأما صيده من آبار الحرم ففيه روايتان:
أحدهما: يباح؛ لأنه لا يؤثر فيه الإحرام فكذلك الحرم.
والثانية: يحرم؛ لأنه صيد حرمي أشبه صيد الحرم.
قال رحمه الله: (ويُضمن الجراد بقيمته.
فإن انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان.
وعنه: لا ضمان في الجراد).
أما ضمان الجراد على المذهب فلما روي «أن ابن عمر رضي الله عنه أوجب فيه الجزاء» 1.
ولأنه طائر أشبه سائر الطيور.
وأما ما يُضمن به فنص الإمام أحمد رحمه الله على أنه يجب في الجرادة تمرة؛ لأنه يروى عن ابن عمر 2.
وقال بعض أصحابنا: يضمن بالقيمة؛ لأنه متلف غير مثلي فضُمن بالقيمة كسائر المتلفات التي لا مثل لها.
وقال القاضي أبو يعلى: ليس هذا منه -يعني من الإمام أحمد- تقديراً بل تقويماً.
وأما إذا انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففيه وجهان:
أحدهما: لا جزاء عليه؛ لأنه اضطره إلى إتلافه أشبه ما لو صال عليه.
والثاني: عليه الجزاء؛ لأنه أتلفه لمنفعته أشبه ما لو اضطر إلى أكله.
وأما عدم وجوب الضمان في الجراد على روايةٍ؛ فلأنه من صيد البحر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجراد من صيد البحر» 3.
وفي لفظ: «أنه سئل عنه فقال: إنما هو من البحر» 4 رواه أبو داود.
والأولى وجوب الضمان لأن أبا داود رضي الله عنه قال في الحديثين جميعاً: هما جميعاً وهم 1.
قال رحمه الله: (ومن اضطر إلى أكل الصيد أو احتاج إلى شيء من هذه المحظورات فله فعله وعليه الفداء).
أما كون المضطر له أكل ما اضطر إلى أكله فلمكان الضرورة.
وأما كون المحتاج إلى شيء من المحظورات المتقدم ذكرها له فعل ما احتاج إلى فعله فلأن كعب بن عجرة احتاج إلى الحلق فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم.
روي أنه قال: «لعلك يؤذيك هوامّ رأسك.
قال: نعم يا رسول الله! قال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمراً أو انسك شاة» 2 متفق عليه.
وأما وجوب الفداء في الصورتين: أما فيما إذا اضطر فلأن أكل الصيد إتلاف فوجب ضمانه كما لو اضطر إلى طعام الغير.
وأما وجوبه فيما إذا احتاج؛ فلما ذكر في حديث كعب.
فصل [في عقد النكاح للمحرم]
قال المصنف رحمه الله: (السابع: عقد النكاح لا يصح منه.
وفي الرجعة روايتان.
ولا فدية عليه في شيء منهما).
أما كون النكاح من محظورات الإحرام فلما روى عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب» 1 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولأن الإحرام يُحرّم الطيب فيحرم النكاح كالعدة.
فإن قيل: فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم» 2 متفق عليه.
قيل: ذلك معارض بما روى يزيد بإسناده عن ميمونة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً وماتت بسرف ودفناها في الظلة التي بنى بها فيها» 3 رواه أبو داود والأثرم والترمذي.
وبما روى أبو رافع رضي الله عنه قال: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما» 1 قال الترمذي: هذا حديث حسن.
بل ما ذكرنا راجح؛ لأن ميمونة رضي الله عنها أعلم بنفسها وأبا رافع أعلم من غيره؛ لأنه كان السفير بينهما.
ولأن ابن عباس رضي الله عنهما كان صغيراً وقد أُنكر هذا القول عليه.
ولأن ما ذكرنا اجتمع فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وما ذكر فيه فعله لا غير.
ثم يمكن حمل قول ابن عباس: «تزوجها محرماً» 2 على أنه تزوجها في الشهر الحرام كما قيل: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما.
وقيل: تزوجها حلالاً وظهر أمر تزويجها وهو محرم.
وأما الرجعة ففيها روايتان:
أحدهما: أنها كذلك لأنها عقدٌ وُضع لإباحة البضع أشبه النكاح.
والرواية الثانية: لا تحرم.
وهي الصحيحة في المذهب؛ لأن الرجعة إمساك الزوجة بدليل قوله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [الطلاق: 2].
ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود.
وأما عدم وجوب الفدية في شيء منهما فلأن ذلك عقد فسد للإحرام فلم يجب به فدية كشري الطيب.
فصل [في الجماع للمحرم]
قال المصنف رحمه الله: (الثامن: الجماع في الفرج قبلاً كان أو دبراً من آدمي أو غيره، فمتى فعل ذلك قبل التحلل الأول فسد نسكه عامداً كان أو ناسياً، وعليهما المضي في فاسده والقضاء على الفور من حيث أحرما أوّلاً).
أما كون الجماع من محظورات الإحرام فلقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: 197].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الرفث الجماع».
يدل عليه قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: 187] أي الجماع.
وأما التسوية في الوطء بين الدبر والقبل ومن الآدمي وغيره فلاشتراك ذلك كله في وجوب الغسل به.
ولأن الوطء في الدبر ولغير الآدمي حرام في غير الإحرام فلأن يحرم في الإحرام بطريق الأولى.
وأما فساد النسك بفعل ذلك قبل التحلل الأول فلما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان.
فقال: أفسدت حجك» 1.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبدالله بن عمرو 2. ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعاً.
وأما وجوب المضي في فاسده ووجوب القضاء على الفور فلأن تكملة حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال للسائل: «انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون
وحلوا إذا حلوا فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم» 1 وكذلك روي عن الصحابة المتقدم ذكرهم والحجة ما مر.
وأما وجوب الإحرام من الموضع الذي أحرما منه أولاً فلأن القضاء يحكي الأداء.
وأما تسوية عمد وطء المحرم بسهوه فلأن ابن عمر وابن عباس وعبدالله بن عمرو رضي الله عنهم لما قالوا للواطئ في إحرامه: «أفسدت حجك» لم يستفصلوه عن سهوه، ولو افترق الحال لوجب الاستفصال.
قال رحمه الله: (ونفقة المرأة في القضاء عليها إن طاوعت، وإن أكرهت فعلى الزوج).
أما وجوب نفقة المرأة في القضاء عليها إذا طاوعت فلأنها أفسدت حجها بالمجامعة فكانت النفقة عليها.
ولقول ابن عمر رضي الله عنهما: «واهديا هديا» أضاف الفعل إليهما فكان على كل واحد منهما هديه.
ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 2.
ولأنها بمطاوعتها أفسدت حجها فكانت النفقة عليها كالرجل المفسد لنسكه.
وأما وجوبها على الزوج إذا أكرهها فلأنه هو المفسد لحجها فكانت عليه نفقتها كنفقة حجه.
قال رحمه الله: (ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يحلا.
وهل هو واجب أو مستحب؟ على وجهين).
أما تفرقهما من الموضع المذكور فلأن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «ويتفرقان من حيث يحرمان ولا يجتمعان حتى يقضيا» 3.
وأما وجوب ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما ذكره حكماً للمجامع فكان واجباً كالقضاء.
والثاني: لا يجب؛ لأنه حج فلم يجب فيه مفارقة الزوجة كغير القضاء.
ولأن مقصود الفراق التحرز من إصابتها وهذا وهم لا يقتضي الوجوب.
فعلى هذا يكون مستحباً لأنه اختلف في وجوبه فأدنى أحواله أن يكون مستحباً.
فإن قيل: ما معنى التفرق؟
قيل: اجتناب الركوب معها على بعير واحد والجلوس معها في خباء، ولا بأس أن يكون قريباً منها يراعي أحوالها؛ لأنه محرمها.
قال: (وإن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه ويمضي إلى التنعيم فيُحرم ليطوف وهو محرم.
وهل تلزمه بدنة أو شاة؟ على روايتين).
أما عدم فساد حج من جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني فلأن الحج عبادة لها تحللان فوجود المفسد بعد أولهما لا يفسد كالصلاة.
وأما مضيه إلى التنعيم فلأن إحرامه فسد؛ لأنه وطء صادف إحراماً فأفسده كما قبل التحلل الأول، والطواف لا يصح إلا في إحرام صحيح؛ لأنه ركن فوجب أن يأتي به في إحرام صحيح كالوقوف.
واعلم أن المراد من فساد الإحرام بقيته لا فساد كله؛ لأنه لو فسد كله كان يلزم منه وقوع الوقوف في غير إحرام.
فعلى هذا يُحرم من الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله يقتضي أنه يحرم من التنعيم ولا بد؟
قيل: ليس مراده ذلك بدليل أنه قال في المغني قول الخرقي يحرم من التنعيم لم يذكر ليتعين الإحرام منه بل لأنه حِلّ فمن أي حِلٍّ أحرم جاز.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه إذا أحرم لا يجب عليه إلا الطواف لأنه اقتصر عليه.
وقال في المغني بعد ذكر الطواف: هذا ظاهر كلام الخرقي إلا أنه ضم إليه السعي إن لم يكن سعى.
وعلل الاقتصار على ذلك بأن الذي [بقي] 1 عليه بقية أفعال الحج.
ثم قال: والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة أنه يعتمر.
ثم قال: فيحتمل أنهم أرادوا الإحرام والطواف وسموه عمرة لأن ذلك جُلّ أفعال العمرة.
ويحتمل أنهم ألزموه جميع أفعال العمرة لأنه إحرام مستأنف فكان فيه سعي وتقصير كالعمرة المنفردة.
ثم قال: والأول أصح في المعنى.
وأما ما يلزمه ففيه روايتان:
أحدهما: بدنة؛ لأنه قول ابن عباس 2.
ولأنه وطء في الحج فوجبت به بدنة كما لو لم يتحلل.
والثانية: شاة؛ لأنه وطء لا يُفْسِد الحج أشبه الاستمتاع دون الفرج الخالي عن الإنزال.
ولأن الإحرام خَفّ بالتحلل الأول فينبغي أن يكون موجَبه دون موجَب الإحرام التام.
قال المصنف رحمه الله في المغني: هذا -يعني وجوب الشاة- ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي.
فصل [في المباشرة للمحرم]
قال المصنف رحمه الله: (التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوة، فإن فعل فأنزل فعليه بدنة.
وهل يفسد نسكه؟ على روايتين، وإن لم ينزل لم يفسد).
أما كون المباشرة من محظورات الإحرام فلأن ذلك وسيلة إلى الوطء وهو محرم، والوسيلة إلى المحرم تكون محرمة.
وأما وجوب البدنة إذا فعل ذلك فأنزل فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كالجماع في الفرج.
وأما فساد النسك بذلك ففيه روايتان:
أحدهما: لا يفسد؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلا يفسد به الحج كما لو لم ينزل.
والثانية: يفسد؛ لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الوطء في الفرج.
وصحح هذه الرواية صاحب النهاية في مختصره.
وأما عدم فساده إذا لم ينزل فلأنها مباشرة عريت عن إنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، أو مباشرةٌ لا توجب الاغتسال فلا يفسد بها الحج كاللمس.
فصل [في إحرام المرأة]
قال المصنف رحمه الله: (والمرأة إحرامها في وجهها.
ويحرم عليها ما يحرم على الرجل إلا في اللباس وتظليل المحمل).
أما كون إحرام المرأة في وجهها فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تتنقب المرأة الحرام» 1 رواه البخاري.
نهى المرأة عن النقاب فلو لم يحرم تغطية وجهها لما نهاها عنه.
فإن قيل: فلو احتاجت إلى ستر وجهها عند مرور الرجال قريباً منها؟
قيل: ترسل ثوباً من فوق رأسها على وجهها لما روت عائشة رضي الله عنها: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» 2 رواه أبو داود.
ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم على الإطلاق كالعورة من الرجل.
وأما كون المرأة يحرم عليها ما يحرم على الرجل غير اللباس وتظليل المحمل فلأن ذلك كله حرام على الرجل لإحرامه، وهو موجود في المرأة فيحرم عليها ذلك لوجود سببه.
وأما كونها لا يحرم عليها اللباس والتظليل فلأن المرأة عورة يحرم النظر إليها ويستحب لها المبالغة في الستر، وحرمة اللباس والتظليل يناقض ذلك بخلاف الرجل.
قال: (ولا تلبس القفازين والخلخال ونحوه، ولا تكتحل بالإثمد).
أما كون المرأة لا تلبس القفازين فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتنقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين» 1 رواه البخاري.
وفي لفظ: «نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب» 2.
فإن قيل: ما القفازان؟
قيل: شيء يعمل لليدين يدخلان فيه من الحر مثل ما يعمل للبُزاة.
وأما كونها لا تلبس الخلخال وما أشبهه كالسوار والدملج فلأن المحرمة كالمتوفى عنها زوجها في اجتناب الطيب.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن لبسه حرام لأنه عطفه على القفازين ولبسهما حرام فكذلك المعطوف عليهما.
قال المصنف رحمه الله في المغني بعد ذكر ذلك: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز لبسه.
وروي عن الإمام أحمد رحمه الله على أنه قال: المحرمة والمتوفى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة.
وظاهره تحريم الحلي المذكور.
وأما الكحل بالإثمد فليس حراماً بل مكروهاً صرح به المصنف رحمه الله في المغني والكافي.
والأصل فيه «قول عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لها: اشتكت عيني وأنا محرمة: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد أو الأسود.
أما إنه ليس حراماً ولكنه زينة فنحن نكرهه» 3.
وفي ذكر الإثمد دليل على عدم كراهة الاكتحال بغيره.
وصرح به المصنف في المغني.
والأصل فيه حديث عائشة المتقدم فإن فيه: «اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد» 4 مع أنها نفت الحرمة عن الإثمد فدل على أن غيره ليس بمكروه.
قال: (ويجوز لبس المعصفر والكحلي والخضاب بالحناء والنظر في المرآة لهما جميعاً).
أما جواز لبس المعصفر والكحلي فلقوله صلى الله عليه وسلم: «ولتلبس إحداكن ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو كحلي».
وأما الخضاب بالحناء فلأن عكرمة قال: «كانت عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم» 1.
وأما النظر في المرآة للرجل والمرأة فإن كان القصد بذلك إزالة شعث أو تسوية شعر أو شيئاً من الزينة كره لأنه زينة وقد روي: «إن المحرم الأشعث الأغبر».
وفي الحديث: «إن الله تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة فيقول: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين» 2.
وإن كان لغير ذلك جاز من غير كراهة.
أما الجواز فلأنه إذا جاز فيما تقدم فلأن يجوز في غيره بطريق الأولى.
وأما عدم الكراهية فلانتفاء موجبها المتقدم ذكره.
باب الفدية
قال المصنف رحمه الله: (وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما هو على التخيير، وهو نوعان:
أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة، وهي فدية حلق الرأس وتقليم الأظافر وتغطية الرأس واللبس والطيب.
وعنه: يجب الدم إلا أن يفعله لعذر فيخير).
أما كون فدية الحلق على التخيير مع العذر فلقوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: 196].
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة» 1 متفق عليه.
فإن قيل: الآية ليس فيها ذكر الحلق؟
قيل: هو محذوف تقديره فحلق ففدية، ونظيره قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 185] أي فأفطر فعدة.
وأما مع عدم العذر ففيه روايتان:
أحدهما: هي على التخيير لما تقدم.
والثانية: هي على الترتيب لأن الله تعالى خيره مع العذر فإذا زال العذر زال التخيير.
فعلى هذه يجب عليه الدم أولاً فإن لم يجد أطعم ستة مساكين.
وأما كون الفدية صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة فلما تقدم في حديث كعب بن عجرة.
وأما كون الواجب لكل مسكين مداً من البر أو نصف صاع من غيره فلأن البر أنفع من غيره.
ولأن الكفارات البر فيها على النصف من غيره فكذلك هاهنا.
وفي بعض ألفاظ حديث كعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر» 1.
وفي رواية أبي داود: «أطعم ستة مساكين فرَقاً من زبيب» 2. والفرَق ستة عشر رطلاً وهو ثلاثة آصع.
وأما كون فدية تقليم الأظفار وتغطية الرأس واللبس والطيب كفدية الحلق فلأن أصل الوجوب في ذلك كله ملحق بالحلق فكذلك في صفته.
قال: (الثاني: جزاء الصيد يخير فيه بين المثل أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً، وإن كان مما لا مِثْل له خُيّر بين الإطعام والصيام.
وعنه: أن جزاء الصيد على الترتيب، فيجب المثل فإن لم يجد 3 لزمه الإطعام فإن لم يجده صام).
أما كون جزاء الصيد على التخيير على المذهب فلأن الله عز وجل ذكر ذلك بلفظ "أو" المقتضية للتخيير فقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ [المائدة: 95].
ولأن جزاء الصيد كفارة فكانت على التخيير كفدية الأذى.
وأما ما يجب فيه فيُنظر في الصيد فإن كان مما له مثل خير فيه بين ثلاثة أشياء: المثل والإطعام والصيام؛ لأن ذلك هو المذكور في الآية، وإن كان مما لا مثل له خير بين شيئين: الإطعام والصيام؛ لأن التخيير إذا وقع بين أشياء فعدم واحد بقي بين الباقي.
فعلى هذا إن اختار الإطعام فيما له مِثْل قُوّم المثل لا الصيد لأن كل متلف له مثل إذا قوم لزمت قيمة مثله دليله مال الآدمي المثلي.
وإن اختار الصيام كان اليوم في مقابلة المد لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار.
وإن اختار الإطعام فيما لا مثل له قُوّم الصيد لأن كل متلف غير مثلي إذا قوم لزمت قيمته دليله مال الآدمي غير المثلي.
وإن اختار الصيام فعلى ما تقدم.
وأما كون جزاء الصيد على الترتيب على روايةٍ فلأن المتعة على الترتيب وهذا آكد منها فإنه يجب بفعل محظور.
والأصح أنها على التخيير؛ لأن دليل الترتيب قياس مع وجود النص.
فصل [في الفدية الواجبة بالترتيب]
قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: على الترتيب.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: دم المتعة والقران: فيجب الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإن صامها قبل ذلك أجزأه).
أما كون فدية التمتع على الترتيب فلقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196]. ذكره بلفظ الشرط وذلك شأن المرتَّب.
وأما كون فدية القران على الترتيب فلأن وجوبها ثابت بالقياس على فدية التمتع فكذلك صفتها.
وأما زمن الصيام فيها فعلى ضربين:
أحدهما: زمن فضيلة.
وثانيهما: زمن جواز.
وذلك في الثلاثة والسبعة.
أما زمن الفضيلة في الثلاثة فبعد إحرامه بالحج بحيث يكون آخرها يوم عرفة لأنه يكون آتيا بها في الحج.
وأما زمن الجواز فبعد إحرامه بالعمرة وقبل يوم عرفة لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز الصوم بعده كإحرام الحج.
ولأن الإحرام بالعمرة سبب الوجوب فجاز الصوم بعده وإن تخلف الوجوب كتقديم الزكاة بعد النصاب وقبل الحول، وكتقديم الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: 196].
قيل: قد قال بعض أهل العلم معناه في أشهر الحج.
وأما زمن الفضيلة في السبعة فإذا رجع إلى أهله؛ لقوله: ﴿إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» 1 متفق عليه.
ولما فيه من الخروج من الخلاف.
وأما زمن الجواز فظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله إذا رجع من الحج إلى مكة لأن كل صوم واجب جاز فعله في وطن فاعله جاز في غير وطنه كسائر الفروض.
ولأنه قيل في الآية أن المراد بقوله: ﴿إذا رجعتم﴾ [البقرة: 196] أي من الحج.
ولأن تأخير السبعة إنما كان رخصة فإذا قدم الصوم جاز كالمريض والمسافر إذا صاما رمضان.
قال: (فإن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى.
وعنه: لا يصومها، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم.
وعنه: إن ترك الصوم لعذر لم يلزمه إلا قضاؤه، وإن أخر الهدي 2 لغير عذر فعليه مع فعله دم.
وقال أبو الخطاب: إن أخر الهدي والصوم لعذر لم يلزمه قضاؤه، وإن أخر الهدي لغير عذر فهل يلزمه دم آخر؟ على روايتين.
قال: وعندي أنه لا يلزمه مع الصوم دم بحال).
أما جواز صوم أيام منى لمن أخر صوم الثلاثة إلى ذلك ففيه روايتان:
أحدهما: يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» 3 رواه البخاري.
وإطلاق الصحابي هذا اللفظ ينصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والرواية الثانية: لا يجوز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم ستة أيام ذكر منها أيام التشريق» 1.
ولأنها لا يجوز صومها نفلاً فلا يجوز فرضاً كالعيد.
والأولى أصح لأن دليلها خاص فيقدم على العام.
ولأن الله تعالى أمر بصيام الثلاثة في الحج ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام فيتعين الصوم فيها بأمر الله تعالى.
فعلى الرواية الأولى: لا شيء عليه لأنه لم يؤخر الصوم الواجب عن محله.
وعلى الثانية: ينظر فيه فإن كان التأخير لغير عذر وجب عليه مع فعله دم لأنه أخره عن وقته أشبه ما لو أخر رمي الجمار عن أيام التشريق، وإن أخّره لعذر ففيه روايتان:
أحدهما: يلزمه دم أيضاً لما ذكر.
والثانية: لا يلزمه لمكان العذر.
وقال أبو الخطاب رحمه الله: لا يلزمه دم بحال سواء أخّره لعذر أو لغيره لأنه صوم واجب يجب بفواته القضاء.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني قول أبي الخطاب رواية عن الإمام أحمد ثم قال فيها: وهو اختيار أبي الخطاب.
وأما إن أخّر الهدي وكان التأخير لعذر لم يلزمه شيء زائد على فعله لأنه تأخير لعذر فلم يلزمه غير فعله كسائر الهدايا الواجبة، وإن كان التأخير لغير عذر ففيه روايتان:
أحدهما: لا يلزمه شيء زائد كسائر الهدايا الواجبة.
والثانية: عليه دم آخر لأن الدم في المتعة نسك مؤقت فيلزم الدم بتأخيره عن وقته كرمي الجمار.
قال: (ولا يجب التتابع في الصيام، ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه إلا أن يشاء، وإن وجب ولم يشرع فيه فهل يلزمه الانتقال؟ على روايتين).
أما عدم وجوب التتابع في الصوم المتقدم ذكره فلأن الأمر ورد به مطلقاً وذلك لا يقتضي الجمع ولا التتابع.
ولأنه صوم واجب فلم يجب التتابع فيه كالقضاء.
وأما عدم لزوم الانتقال إلى الهدي إذا شرع في الصوم ثم قدر عليه فلأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي، فإذا وجد الهدي لم يلزمه الخروج إليه كما لو وجد الرقبة بعد الشروع في صوم الكفارة.
وأما إذا وجب ولم يشرع فيه ففيه روايتان:
أحدهما: لا يلزمه الانتقال إليه أيضاً لأن الصيام استقر في ذمته لوجوبه حال وجود السبب المتصل بشرطه وهو عدم الهدي.
والثانية: يلزمه لأنه وجد المبدل قبل الشروع في البدل أشبه ما لو وجده حالة الوجوب.
قال: (النوع الثاني: المحصر يلزمه الهدي، فإن لم يجده 1 صام عشرة أيام ثم حل).
أما كون فدية الإحصار على الترتيب فقياس على فدية التمتع.
وأما هيئتها فدمٌ ثم صيام عشرة أيام، أما الدم فلقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196].
وأما الانتقال إلى صيام عشرة أيام إذا لم يجد الهدي فلأنه دم واجب فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع.
وأما قول المصنف رحمه الله: "ثم حل" فإشارة إلى أنه لا يجوز له التحلل إلا إذا فعل الواجب عليه من دم أو صيام.
وسيذكر في بابه.
قال: (النوع الثالث: فدية الوطء يجب به بدنة، فإن لم يجدها صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع كدم المتعة لقضاء الصحابة به.
وقال القاضي: إن لم يجد البدنة أخرج بقرة فإن لم يجد فسبعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمتها طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما.
وظاهر كلام الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة فبأيّها كفّر أجزأه).
أما وجوب البدنة بالوطء فلأن ابن عباس رضي الله عنهما قال للواطئ: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 1.
وأما الانتقال إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب إذا لم يجد الهدي فـ «لأن العبادلة أفتوا بذلك لمن لم يجد الهدي» رواه الأثرم.
وأما الانتقال إلى البقرة على قولٍ فلأنها أقرب شبهاً بها.
وأما وجوب سَبْع من الغنم إذا لم يجد البقرة فلأن ذلك يجزئ عن سبعة أشبه البدنة.
وأما إخراجه بالقيمة طعاماً.
ومعناه: أنه يشتري بها ذلك ويتصدق، وصومه عن كل مد يوماً إذا لم يجد الإطعام فلأنها بدنة وجبت عليه لم يمكن أداء الواجب فوجب أن ينتقل إلى التقويم والشراء والتصدق ثم إلى الصوم المذكور كالبدنة الواجبة في فدية النعامة.
وأما الخيرة على ظاهر كلام الخرقي بين إخراج البدنة والبقرة وسَبْع من الغنم والإطعام والصوم فلأن بعضها قريب من بعض، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل عن البقرة: «وهل هي إلا من البدن» 2.
وقال صاحب النهاية فيها: منشأ الخلاف -يعني بين القاضي والخرقي- أن الوطء هل هو من قبيل الاستمتاعات أم من قبيل الاستهلاكات؟
فعلى هذا إن قيل أنه من قبيل الاستمتاع وجب أن يكون كفارته على التخيير لأن اللبس والطيب استمتاع، وهما على التخيير على الصحيح.
وإن قيل: أنه من قبيل الاستهلاكات وجب أن يكون على الترتيب على الصحيح.
فإن قيل: هي على الترتيب لم يجز أن يخرج واحد مما ذكر مع وجود الذي قبله.
وإن قيل: هي على التخيير فله التكفير بما شاء من الخمسة؛ لأن هذا شأن الواجب المخيرة.
إذا تم شرح كلام المصنف رحمه الله فاعلم أن الانتقال من البدنة إلى الصيام لم أجد به قولاً لأحمد ولا لأحد من الأصحاب وكأنه والله أعلم قد اختاره لما فيه من موافقة العبادلة إلا أن فيه نظراً نقلاً وأثراً.
أما النقل فهو أن المصنف رحمه الله قال في المغني في مسألة: وإن وطئ المحرم في الفرج فأنزل أو لم ينزل فسد حجهما وعليه بدنة ويجب على المجامع بدنة.
روي ذلك عن ابن عباس، فإن لم يجد فشاة.
وأيضاً فإنه هنا شبّه فدية الوطء بفدية المتعة، والشبه إنما يكون في ذات الواجب أو في نفس الانتقال.
ويرد على الأول أنه لا يجب فيها بدنة بل شاة وعلى الثاني أنه لا يجوز الانتقال في المتعة مع القدرة على الشاة.
وأما الأثر فإن المروي عن العبادلة أن من أفسد حجه أفتوه إذا لم يجد الهدي انتقل إلى صيام عشرة أيام ولا يلزم في حق من لم يجد بدنة أن يقال عنه لم يجد الهدي لأنه قد لا يجد بدنة ويجد بقرة أو شاة.
قال: (ويجب بالوطء في الفرج بدنة إن كان في الحج وشاة إن كان في العمرة.
ويجب على المرأة مثل ذلك إن كانت مطاوعة، وإن كانت مكرهة فلا فدية عليها.
وقيل: يلزمها كفارة يتحملها الزوج عنها).
أما وجوب البدنة بالوطء في الحج؛ فلأن ذلك يروى عن ابن عباس 1.
وأما وجوب شاة بالوطء في العمرة فلأن العمرة أحد النسكين فوجب أن يجب بالوطء فيه شيء كالآخر وإنما لم تجب البدنة لأن حكم العمرة أخف.
وأما وجوب مثل ذلك على المرأة إذا كانت مطاوعة فلأن الأصل مساواة الرجل المرأة ما لم يقم دليل على التخصيص.
ولأنه جاء في حديث ابن عباس: «اهد ناقة ولتهد ناقة» 1.
وأما عدم وجوب الفدية عليها إذا كانت مكرهة على المذهب فلقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 2.
وأما لزوم ذلك للمرأة على قولٍ فلحصول الوطء.
وأما كون الزوج يتحملها فلأنه سبب لأن لزمها ذلك فوجب أن يتحملها عنها.
فصل [في الدماء الواجبة للفوات]
قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثالث: الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو للمباشرة في غير الفرج، فما وجب منه بدنة فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج، وما عداه فقال القاضي: ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى).
أما كون حكم البدنة الواجبة بشيء مما ذكر حكم البدنة الواجبة في الوطء فلأنها بدنة وجبت بسببٍ في إحرامه أشبهت البدنة الواجبة في الوطء.
ومعنى قوله: حكمها حكم البدنة الواجبة في الوطء أنه يجب عليه بدنة فإن لم يجد انتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على المذهب، وعلى قول القاضي إن لم يجد البدنة ذبح بقرة، فإن لم يجد فسَبْعاً من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً.
وعلى ظاهر قول الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة كما خير فيها إذا كان سبب ذلك الوطء.
وأما كون حكم ما وجب لترك واجب كترك الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت بمنى لياليها، وطواف الوداع حكم دم المتعة فلأن دم المتعة وجب لترفهه بأحد السفرين فيقاس عليه كل دم واجب.
وأما كون حكم ما وجب للمباشرة كالقبلة واللمس والوطء في العمرة والوطء في الحج بعد الجمرة حكم فدية الأذى كالحلق وتقليم الأظافر فلأنه في معناه فيقاس عليه.
قال: (ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليد بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة.
وعنه: بدنة).
أما وجوب البدنة بالإنزال عن المباشرة دون الفرج فلأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة كما لو كان في الفرج.
وأما إذا لم ينزل ففيه روايتان:
أحدهما: عليه شاة لأنه هتك إحرامه بذلك الفعل فوجب عليه شاة كما لو تطيب.
والثانية: عليه بدنة لأنه استمتاع فأوجب بدنة كما لو أنزل.
قال: (وإن كرر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دم، هل هو بدنة أو شاة؟ على روايتين.
وإن مذى بذلك فعليه شاة، وإن فكر فأنزل فلا فدية عليه).
أما وجوب الدم على من كرر نظره فأنزل أو استمنى فلأنه هتك إحرامه بذلك أشبه ما لو أنزل بالمباشرة.
وأما ما هو فيه؟ روايتان:
أحدهما: أنه بدنة؛ لأنه يروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما 1.
والثانية: أنه شاة؛ لأنه إنزال بفعل محظور فوجبت به شاة كالإنزال باللمس.
ولأنه يروى عن ابن عباس أيضاً 2.
وأما وجوب الشاة على من مذى بما تقدم ذكره فلأن للمذي جزء من المني أشبه ما لو أمنى.
فإن قيل: هل يشمل ذلك المباشرة؟
قيل: لا؛ لأن المباشرة بدون إنزال مني أو مذي موجبة لبدنة أو شاة على ما ذكر من الاختلاف فلا حاجة إلى ذكر المذي في إيجاب الشاة لأنها أقل ما تجب بدونه.
وأما عدم وجوب الفدية على من فكر فأنزل فلأن الفكرة تعرض للمرء من غير إرادة ولا اختيار فلا يتعلق بها حكم كما لو فكر فأنزل وهو صائم.
فصل [فيمن كرر محظورا]
قال المصنف رحمه الله: (ومن كرر محظوراً من جنسٍ مثل: إن حلق ثم حلق، أو وطئ ثم وطئ قبل التكفير عن الأول فكفارة واحدة، وإن كفر عن الأول لزمته للثاني كفارة).
أما عدم لزوم التكفير بالثاني إذا لم يكفر عن الأول فلأنهما كفارتان فتداخلتا كالمهر والحد.
وأما لزوم كفارة ثانية إذا كفر عن الأول فلأنه حلقٌ أو وطءٌ صادف إحراماً فوجبت به كفارة ثانية كالأول.
قال رحمه الله: (وإن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما.
وعنه: عليه جزاء واحد).
أما تعدد الجزاء بتعدد قتل الصيد على الرواية الأولى فلأن جزاء الصيد كفارة عن قتل فاستوى فيها المبتدئ والعائد كقتل الآدمي.
وأما وجوب جزاء واحد وإن تعدد القتل على الرواية الثانية فلأن الله سبحانه قال: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: 95] ولم يوجب جزاء ثانياً.
ولأن جزاء الصيد كفارة فتتداخل كالحلق.
والرواية الأولى أصح لما تقدم.
وذكر العقوبة في الثاني لا يمنع الوجوب كما قال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: 275] وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى الله.
ولا يصح قياس جزاء الصيد على غيره لأن جزاءه مقدر به ويختلف بصغره وكبره.
ولو أتلف صيدين معاً وجب جزاؤهما معاً بخلاف غيره من المحظورات.
قال: (وإن فعل محظوراً من أجناس فعليه لكل واحد فداء.
وعنه: عليه فدية واحدة).
أما تعدد الفداء بتعدد جنس المحظورات كمن حلق وقلّم ولبس فلأن الصادر منه فعل محظورات من أجناس فلم تتداخل كالحدود المختلفة.
وأما وجوب فدية واحدة على الرواية الثانية فلأن ذلك فعل محظور فلم يتعدد كالجنس الواحد.
قال: (وإن حلق أو قلم أو وطئ أو قتل صيداً عامداً أو مخطئاً فعليه الكفارة.
وعنه: في الصيد لا كفارة إلا في العمد، ويخرج في الحلق مثله.
وإن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة فيه، وعنه: عليه الكفارة).
أما عدم الفرق بين العمد والخطأ في وجوب الكفارة على الصحيح من المذهب فيما إذا حلق أو قلم أو قتل فلأن الحلق والتقليم والقتل إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي.
وأما عدم الفرق بينهما إذا وطئ فلأنه معنى يتعلق به قضاء فاستوى عمده وسهوه كالفوات.
وأما عدم وجوب الكفارة فيما إذا قتل صيداً مخطئاً على روايةٍ فلأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [المائدة: 95] شرط التعمد فدل على أنه لا جزاء في الخطأ.
وأما تخريج مثل ذلك في الحلق فلأنه محرم بسبب في إحرامه أشبه الصيد.
ولم يذكر المصنف رحمه الله التخريج في التقليم والوطء وهما مثله لأن التقليم تبع له والوطء في معناه.
وأما وجوب الكفارة على من لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً ففيه روايتان:
أحدهما: لا تجب لما روى يعلى بن أمية رضي الله عنه «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه جبة وعليه أثر خلوق.
فقال: يا رسول الله! كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟
فقال: اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق» 1. أمره بالخلع والغسل ولم يأمره بفدية لجهله فيجب أن يكون الناسي كذلك لأنه في معناه.
والثانية: تجب عليه؛ لأنه فعلٌ حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق.
والأول المذهب للحديث المتقدم ذكره.
والفرق بين الحلق والتقليم والوطء والقتل وبين اللبس والطيب والتغطية أن الحالق والمقلم والواطئ والقاتل لا يمكنه تلافي ما فعل بخلاف اللابس والمتطيب والمغطي فإنه يمكنه ذلك بخلعه وإزالة الطيب.
قال: (ومن رفض إحرامه ثم فعل محظوراً فعليه فداؤه).
أما وجوب الفداء على من فعل محظوراً بعد رفضه إحرامه فلأنه فعل محظوراً في إحرامه؛ لأن الإحرام لا يفسد بالرفض؛ لأن الحج عبادة لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها بالرفض بخلاف سائر العبادات.
وأما المعنيّ برفض الإحرام فقطع بقية النسك.
قال: (ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إحرامه، وليس له لبس ثوب مطيب، وإن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه، فإن استدام لبسه فعليه الفدية).
أما إباحة استدامة الطيب في الإحرام إذا تطيب في بدنه قبل إحرامه فلما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يحل» 2. و «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم» 3.
وفي قول المصنف رضي الله عنه: ومن تطيب قبل إحرامه في بدنه إشعار بأنه لو تطيب قبل إحرامه في ثوبه لا يباح له ذلك وسيذكر حكمه بعدُ إن شاء الله تعالى.
وأما كون المحرم ليس له لبس ثوب مطيب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس» 1 متفق عليه.
وأما خلعه القميص من غير شق إذا أحرم وعليه ذلك فلما روى يعلى بن أمية «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تَضَمَّخ بطيب؟ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعةً ثم سكت فجاءه الوحي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما الطيب الذي بك فاغسله وأما الجبة التي عليك فانزعها... مختصر» 2 رواه مسلم.
ولأن في شق الثوب إضاعة ماليته و «قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال» 3.
وأما وجوب الفدية على من استدام لبس ذلك فلأن استدامة اللبس تسمى لبساً بدليل قولهم: لبست شهراً.
ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الجبة المُضَمّخَة بالطيب بنزعها.
وبوجوب الفدية يظهر أنه يحرم على من أحرم في ثوب مطيب استدامة ذلك لأن الفدية لا تجب في فعل مباح.
قال: (وإن لبس ثوباً كان مطيباً وانقطع ريح الطيب منه وكان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه فعليه الفدية).
أما وجوب الفدية على من لبس ثوباً شأنه ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأنه لبس ثوباً مطيباً فوجب عليه الفدية كالذي يظهر ريحه من غير رش.
وأما عدم وجوبها إذا انقطع ريح الطيب بحيث إذا رش فيه ماء لا يفوح له رائحة؛ فلأنه يَصدق عليه أنه غير مطيب الآن.
فوجب أن لا يلزمه فدية كالذي ما تطيب بالأصالة.