الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 544-583

وأما كونه يحلف المدعى عليه إذا سأله المدعي ذلك؛ فلأن اليمين طريق إلى تخليص حقه.
فلزم الحاكم إجابة المدعي إليه؛ كسماع البينة.
وأما كونه يخلي سبيله إذا أحلفه؛ فلأنه لم يتوجه عليه حق.
وأما كونه إذا أحلفه أو حلف هو من غير سؤال المدعي لا يُعتد بيمينه؛ فلأنه أتى باليمين في غير موضعها.
قال: (وإن نكل قضى عليه بالنكول.
نص عليه واختاره عامة شيوخنا فيقول له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً، فإن لم يحلف قضى عليه إذا سأله المدعي ذلك، وعند أبي الخطاب ترد اليمين على المدعي وقال: قد صوّبه أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي، فإن ردها حلف المدعي وحكم له.
وإن نكل أيضاً صرفهما).
أما كون الحاكم يقضي على المدعي بالنكول؛ فلأن اليمين لا ترد على المدعي؛ لما يأتي.
فيتعين القضاء بالنكول؛ لتعينه طريقاً إلى تخليص الحق، ودفعه إلى مستحقه.
ولأن النكول عن اليمين يدل على صدق المدعي؛ لأنه لو كان كاذباً لحلف المدعى عليه على نفي دعواه.
وأما كونه يقول للمدعى عليه: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك ثلاثاً؛ فلأن النكول ضعيف.
فوجب اعتضاده بالتكرار.
وأما كونه يقضي على الناكل بشرط سؤال المدعي القضاء على المدعى عليه؛ فلأن القضاء حق للمدعي لا يفعل إلا بسؤاله.
فإن قيل: يشترط في القضاء بالنكول شيء آخر.
قيل: نعم.
وذلك أن لا يقال برد اليمين على المدعي وذلك هو المنصوص عن الإمام أحمد.
والأصل فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 1. حصر اليمين في جانب المدعى عليه.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينةُ على المدعِي.
واليمين على المدعَى عليه» 1 جعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي.
وقال أبو الخطاب: ترد اليمين عليه؛ لما روى نافع عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ اليمينَ على طالبِ الحق» 2. فعلى هذا يقال للناكل: لك رد اليمين؛ لأنه موضع حاجة.
أشبه قوله: لك يمينه.
فإن ردها حلف المدعي وحكم له بالحق المدعى به؛ لأنه قد استكمل الشروط المعتبرة.
وإن نكل أيضاً صرفهما؛ لأنه لم يترجح أحدهما على صاحبه.
فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه.
قال: (فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس حتى يحتكما في مجلسٍ آخر.
وإن قال المدعي: لي بينة بعد قوله: ما لي بينة لم تسمع.
ذكره الخرقي.
ويحتمل أن تسمع).
أما كون الحاكم لا يسمع اليمين إذا بُذلت بعد النكول في المجلس المذكور؛ فلأن اليمين فعله وهو قادر عليها فامتناعه منها يجب أن يكون مسقطاً لها.
وأما كونه يسمعها في مجلسٍ آخر؛ فلأن الدعوى فيه تصير محاكمة أخرى.
وأما كونه لا يسمع البينة بعد قوله: ما لي بينة على ما ذكره الخرقي؛ فلأن سماع البينة يحقق كذبه.
فيعود الأمر على خلاف المقصود.
وأما كونه يحتمل أن يسمعها؛ فلأنه يحتمل أنه نفى أن تكون له البينة بناء على أنه ما علم ذلك، ولو صرح بذلك سُمعت؛ لما يأتي فكذلك هاهنا.

قال: (وإن قال: ما أعلم لي بينة.
ثم قال: قد علمت لي بينة سُمعت.
وإن قال شاهدان: نحن نشهد لك فقال: هذان بينتي سُمعت.
وإن قال: ما أريد أن تشهدا لي لم يُكلّف إقامة البينة).
أما كون بينة المدعي تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة ثم قال: قد علمت لي بينة؛ فلأن إقامته البينة لا يلزم منها كذبه؛ لأن علمه بها مع عدم علمه يتصور صدقه فيهما.
بخلاف ما تقدم.
وأما كونها تُسمع إذا قال: ما أعلم لي بينة فقال شاهدان: نحن نشهد بحقك؛ فلأن قول الشاهدين يجعل المدعي عالماً بأن له بينة فيصير بمنزلة ما لو قال: لا أعلم ثم قال: علمت بل أولى؛ لأنه هاهنا لا يُتهم.
بخلاف ما إذا قال: ما أعلم ثم قال: علمت.
وأما كون صاحب البينة لا يُكلَّف إقامة بينته إذا قال للشاهدين: ما أريد أن تشهدا لي؛ فلأن إقامتها حقٌ له، والإنسان لا يكلف أن يفعل حقه.
قال: (وإن قال: لي بينة وأريد يمينه: فإن كانت غائبة فله إحلافه.
وإن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين).
أما كون من ذكر له إحلافه مع غيبة البينة؛ فلأن ذلك تعين طريقاً إلى استخلاص حقٍّ ودفعه إلى مستحقه.
وأما كونه له ذلك مع حضور البينة على وجه؛ فلأنه أقرب لفصل الخصومة؛ لأن المدعى عليه ربما نكل.
فعجّل فصل الخصومة.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه؛ فلأن فصل الخصومة لإحضار البينة فلا حاجة إلى اليمين.
قال: (وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينته حُكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق).
أما كون الحاكم يحكم بالبينة فيما ذكر؛ فلأن حق المدعي ظهر بها.
وأما كون اليمين لا تكون مزيلة للحق؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «البينةُ الصادقةُ أحبُ إليّ من اليمين الفاجرة».
وظاهر البينة المذكورة الصدق فيلزم فجور اليمين المتقدمة فتكون البينة أولى منها.

ولأن اليمين لو أزالت الحق لاجترأ الفسقة على أخذ أموال الناس.
قال: (وإن سكت المدعى عليه فلم يُقر ولم يُنكر قال له القاضي: إن أجبتَ وإلا جعلتُكَ ناكلاً وقضيتُ عليك.
وقيل: يحبسه حتى يجيب).
أما كون القاضي يقول للمدعى عليه: إن أجبتَ وإلا جعلتكَ ناكلاً وقضيتُ عليك على المذهب؛ فلأنه لو نكل لقال له: إن حلفتَ وإلا قضيتُ عليك فكذا إذا سكت يقول له: إن أجبتَ وإلا جعلتك ناكلاً وقضيتُ عليك.
والجامع بينهما: أن كل واحد من القولين طريق إلى ظهور الحق وقد وجب أحدهما في موضعه فليجب الآخر في موضعه.
وأما كونه يحبسه حتى يجيب على قول؛ فلأن اليمين حقٌ عليه.
فإذا امتنع من فعلها وجب حبسه؛ كما لو أقر بمالٍ وامتنع من أدائه.
قال: (فإن قال: لي مخرجٌ مما ادعاه لم يكن مجيباً.
وإن قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه لم يلزم المدعي إنظاره).
أما كون المدعى عليه لا يكون مجيباً إذا قال: لي مخرجٌ مما ادعاه؛ فلأن الإجابة إما بالإقرار أو بالإنكار، ولم يوجد واحد منهما.
ولأنه لو جُعل ما ذكر إجابة لاتخذ المبطلة ذلك القول ذريعة إلى إسقاط اليمين عنهم، وأكل أموال الناس بالباطل.
وأما كون المدعي لا يلزمه إنظار المدعى عليه إذا قال: لي حسابٌ أريد أن أنظرَ فيه؛ فلأن في ذلك تأخيراً لحق الطالب له.
فلم يلزم به؛ لما فيه من تأخير حقه.
ولأنه لو لزم الإنظار بذلك لاتخذه الناس وسيلةً إلى تأخير الحق والمدافعة عنه.
وفي ذلك ضررٌ شديد.
قال: (وإن قال: قد قضيته أو أبرأني ولي بينة بالقضاء أو بالإبراء وسأل الإنظار أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته.
فإن عجز حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق).
أما كون مدعي القضاء أو الإبراء يُنظر ثلاثاً؛ فلأن بينته لا تتكامل في أقل من ذلك ظاهراً.

وأما كون مدعي الحق له ملازمته؛ فلأن جنبته أقوى منه.
ولأن حقه قد ثبت في الظاهر.
ودعوى الإبراء الأصل عدمها 1. وأما كون المدعي يحلف على نفي ما ادعى عليه من القضاء أو الإبراء إذا عجز المدعى عليه عن إقامة بينته؛ فلأنه مدعىً عليه بذلك، ومن ادُعي عليه بشيء ولا بينة عليه حلف على نفي ما ادعي عليه.
وأما كونه يستحق ما ادعى به بعد ذلك؛ فلأن المدعى عليه أقر بالمدعى به وادعى إسقاطه بالقضاء أو بالإبراء، ولم يظهر واحد منهما.
فوجب أن يستحق ما ادعاه عملاً بالمقتضي له السالم عن معارضة القضاء والإبراء.
قال: (فإن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره جُعل الخصم فيها.
وهل يحلف المدعى عليه؟ على وجهين).
أما كون المقر له يُجعل الخصم في العين المدعى بها؛ فلأنه بإقرار صاحب اليد أن العين له وهي محل الخصومة.
فتعين أن يكون المقر له الخصم فيها.
وأما كون المدعى عليه يحلف على وجه؛ فلأنه لو أقر لزمه غرامة بدل العين؛ كما لو قال من في يده شيء: هذا لزيد.
ثم قال: لعمرو.
ومن لزمته الغرامة عند الإقرار لزمته اليمين عند الإنكار.
وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن الخصومة انتقلت إلى غيره.
فوجب أن ينتقل اليمينُ إلى ذلك الغير.
قال: (فإن كان المقرُ له حاضراً مكلفاً سُئل.
فإن ادعاها لنفسه ولم تكن له بينة حلف وأخذها.
وإن أقر بها للمدعي سُلمت إليه.
وإن قال: ليست لي ولا أعلم لمن هي سُلمت إلى المدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر: لا تُسلم إليه إلا ببينة، ويجعلها الحاكم عند أمين).
أما كون المقر له يُسأل إذا كان حاضراً مكلفاً؛ فلأن الحال تختلف فإذا سُئل تبين المدعي من غيره.

وأما كونه يحلف إذا ادعى العين لنفسه ولم تكن له بينة؛ فلأنه كالمدعى عليه وقد أنكر فيجب أن يحلف؛ لقوله عليه السلام: «واليمينُ على من أنكر» 1. وأما كونه يأخذ العين المقر بها إذا حلف؛ فلأنه ظهر كونها له بإقرار مَن العين في يده واندفعت خصومة المدعي.
فوجب الأخذ عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا أقر له بها المقر له؛ فلأن اليد صارت للمقر له بإقرار صاحب اليد فإذا أقر بها المقر له للمدعي وجب تسليمها إليه؛ كما لو ادعى شخصٌ عيناً في يد شخصٍ فأقر بها له.
وأما كونها تسلم إليه إذا قال المقر له: ليست لي ولا أعلم لمن هي في وجه؛ فلأنه يدعيها وغيره لا يدعيها فالظاهر أنها له لسلامتها عن مدع.
ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قُضي بها للمدعي؛ فلأن يقضى بها له مع عدم ادعائه لها أولى.
وأما كونها لا تُسلم إليه إلا ببينة في وجه؛ فلأنه لم يثبت كونه مستحقها.
فعلى هذا يجعلها الحاكم عند أمين؛ لأن ذلك مال ضائع، والأموال الضائعة يحفظها الحاكم عند أمنائه.
قال: (وإن أقر بها لغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى.
ثم إن كان للمدعي بينة سُلمت إليه.
وهل يحلف؟ على وجهين.
وإن لم تكن له بينة حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده؛ إلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف.
وإن أقر بها لمجهول قيل له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً).
أما كون الدعوى تسقط عن المقر المذكور؛ فلأن الدعوى صارت على غيره.
وأما كون العين تسلم إلى المدعي إذا كانت له بينة؛ فلأن جانبه ترجح بالبينة.
وأما كون المدعي يحلف على وجه؛ فلأن الغائب والصبي والمجنون لا يقوم واحد منهم بالحجة فاحتاج إلى اليمين لتتأكد البينة.

وأما كونه لا يحلف على وجه؛ فلأن البينة وحدها كافية.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البينةُ على المدعِي واليمينُ على من أنكر» 1. فجعل البينة في جانب واليمين في الآخر.
وأما كون المدعى عليه يحلف أن العين لا يلزمه تسليمها إلى المدعي إذا لم يكن للمدعي بينة ولم يقم المدعى عليه بينة أن المدعى به لمن سمى؛ فلأنه لو أقر له لزمه الدفع، ومن لزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار.
وأما كونه تقر العين في يده؛ فلأن المدعي اندفعت دعواه إما باليمين فيما إذا حلف، أو بالبينة فيما إذا كانت بينة وغيره لا يدعيها.
فوجب بقاؤها على ما كان.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف أن إقرار العين في يد المدعى عليه فيما إذا لم يقم بينة أن المدعى به لمن سمى؛ لأنه قال: حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمها إليه وأقرت في يده إلا أن يقيم بينه أنها لمن سمى.
جعل الاستثناء بعد ذكر اليمين وإقرار العين، ومع البينة لا يمين فكذا الإقرار.
قيل: ليس مراده ذلك وفي كلامه ما يدل عليه وهو قوله: فلا يحلف؛ لأنه لو أراد ما ذكر لم يكن له حاجة إلى قوله: فلا يحلف.
وأما كونه لا يحلف إذا أقام بينة بما ذكر؛ فلأن البينة أظهرت المستحق فتعين توجه عدم الحلف إليه.
وأما كونه إذا أقر بها لمجهول يقال له: إما أن تعرّفه أو نجعلك ناكلاً؛ فلأن الإقرار بالمجهول لا يصح.
فيقال له ذلك ليعرّفه فتعلم صفة الحكم المعتبر شرعاً.
فإن قيل: فما حكمه؟

قيل: إن أصرّ على قوله قضي عليه بما ادعي عليه؛ لأنه في معنى من ادعي عليه فسكت؛ لأن الجواب إذا لم يكن صحيحاً كان وجوده بمنزلة عدمه.

فصل [في شروط صحة الدعوى] قال المصنف رحمه الله: (ولا تصح الدعوى إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعي؛ إلا في الوصية والإقرار فإنها تجوز بالمجهول.
فإن كان المدعَى عيناً حاضرة عيّنها.
وإن كانت غائبة ذكر صفاتها إن كانت تنضبط بها، والأولى ذكر قيمتها.
وإن كانت تالفةً من ذواتِ الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها.
وإن ذكر قيمتها كان أولى.
وإن لم تنضبط بالصفات فلا بد من ذكر قيمتها).
أما كون الدعوى لا تصح إلا محرّرة تحريراً يُعلم به المدعَى إذا كانت في غير الوصية والإقرار؛ فلأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعي عليه.
فإذا اعترف به ألزمه فإذا لم تكن الدعوى كذلك لم يكن إلزامه.
وأما كونها تجوز بالمجهول في الوصية والإقرار؛ فلأنهما يصحان بالمجهول، ولذلك لو وصى بشيء أو أقر بشيء صح.
وأما كون المدعي يُعيّن المدعى إذا كان عيناً حاضرة؛ فلأنه تتعين الدعوى فيه وينتفي فيه اللبس.
وأما كونه يذكر صفاتها إذا كانت غائبة وكانت مما تنضبط بها؛ فلأن التعيين لا يمكن والصفات المذكورة تقوم مقامه.
فوجب ذكرها؛ ليتميز المدعى به من غيره.
وأما كون الأولى ذكر قيمة العين؛ فلأن ذلك أضبط وأبلغ في تحرير الدعوى.
وأما كونه يذكر قدرها وجنسها وصفتها إذا كانت تالفةً وكانت من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون؛ فلأن التالف يجب مثله إن كان مثلياً.
فافتقر إلى ذكر قدره وجنسه وصفته؛ كما يفتقر إلى ذكر ذلك إذا أسلم فيه.

وأما كونه يذكر 1 قيمتها إذا كانت تالفةً وكانت لا تنضبط بالصفات؛ فلأن الدعوى لا يُعلم بها المدعى إلا بذلك.
قال: (وإن ادعى نكاحاً فلا بد من ذكر المرأة بعينها إن حضرت وإلا ذكر اسمها ونسبها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي مُرشدٍ وشاهدَيْ عدل ورضاها في الصحيح من المذهب.
وإن ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يُشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين).
أما كون من ادعى نكاحاً لا بد له من ذكر المرأة بعينها إن كانت حاضرة؛ فلما تقدم فيما إذا ادعى عيناً حاضرة.
وأما كونه يذكر اسمها ونسبها إن لم تكن حاضرة؛ فلأنها لا تتميز إلا بذلك، ولا طريق إلى معرفتها إلا به.
وأما كونه يذكر شرائط النكاح في الحضور والغيبة في الصحيح من المذهب؛ فلأن الناس اختلفوا فيه فمنهم من اشترط الولي والشهود، ومنهم من لم يشترط.
فلم يكن بد من ذكر ذلك حتى يعلم القاضي الحال على ما هي عليه.
وأما كونه لا يذكر ذلك في روايةٍ؛ فلأنه نوع ملك.
فلم يُشترط ذكر شرائطه؛ كما لو ادعى بيعاً أو عقداً غيره.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والفرق بين النكاح وبين البيع وغيره من العقود: أن الفروج يحتاط لها.
بخلاف غيرها.
وأما كون ذكر شروط البيع أو عقد غيره يُشترط في وجه؛ فلما ذكر في النكاح.
وأما كونه لا يُشترط في وجه؛ فلما بين النكاح وبين ما ذكر من الفرق المتقدم ذكره.

قال: (وإن ادعت المرأة نكاحاً على رجلٍ وادعت معه نفقةً أو مهراً سُمعت دعواها.
وإن لم تدع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين).
أما كون المرأة تُسمع دعواها إذا ادعت مع النكاح نفقةً أو مهراً؛ فلأنها دعوى مشتملة على استحقاق مالٍ.
فوجب أن تُسمع؛ كسائر الدعاوي المالية.
وأما كونها تُسمع إذا لم تدع سوى النكاح في وجه هو للقاضي؛ فلأن النكاح يتضمن حقوقاً لها.
أشبه ما إذا ادّعت مع النكاح مهراً.
وأما كونها لا تُسمع في وجه؛ فلأن النكاح لا يجوز بذله ولا يستحلف عليه.
فلم تسمع الدعوى له بمجرده.
قال: (وإن ادعى قتلَ موروثه ذكر القاتل وأنه انفرد به، أو شارك غيره، وأنه قتله عمداً أو خطأ أو شبه عمد، ويصفه.
وإن ادعى الإرث ذكر سببه).
أما كون من ادعى قتل موروثه يذكر ما ذكر؛ فلأن الحال تختلف باختلاف ذلك.
فلم يكن بد من ذكره؛ ليرتب الحاكم حكمه عليه.
وأما كون من ادعى الإرث يذكر سببه؛ فلما ذكر قبل.
قال: (وإن ادعى شيئاً محلّى قوّمه بغير جنس حليته.
فإن كان محلى بذهب وفضة قوّمه بما شاء منهما للحاجة).
أما كون من ادعى محلّى يقوّمه بغير جنس حليته؛ فلئلا يؤدي إلى الربا.
وأما كونه يقوّمه بما شاء من ذهب وفضة إذا كان محلى بهما؛ فلأن ذلك موضع حاجة إذ الثمينة منحصرة فيهما.

فصل [في شروط البينة] قال المصنف رحمه الله: (وتُعتبر في البينة العدالةُ ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي.
وعنه: تقبل شهادةُ كل مسلمٍ لم تظهر منه ريبةٌ.
اختارها الخرقي.
وإن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله.
والعمل على الأول).
أما كون العدالة تُعتبر في البينة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6].
والشهادة نبأ فيجب التثبت في شهادة غير العدل.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيهِ ولا محدودٍ في الإسلام» 1. ولأن دِين الفاسق لا يردعه عن ارتكاب محظورات الدين، ولا تحصل الثقة بخبره.
وأما كونها تُعتبر فيها ظاهراً وباطناً في اختيار من ذكر؛ فلأن العدالة شرط لما تقدم.
فيكون العلم بها شرطاً؛ كالإسلام.
وأما كون شهادة من ذكر تقبل في روايةٍ اختارها الخرقي؛ فلأن ظاهر حال المسلم العدالة، ولهذا قال عمر: «المسلمونَ عدولٌ بعضهُم على بعض» 2. وروي «أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدَ برؤيةِ الهلال.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

أتشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم.
فقال: أتشهد أني رسولُ الله؟ فقال: نعم.
فصامَ وأمرَ الناسَ بالصوم» 1. ولأن العدالة أمرٌ خفيٌ سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك: الإسلام.
فإذا وجد فليكتفَ به ما لم يقم دليل على خلافه.
فعلى هذه الرواية إن جُهل إسلامه رُجع إلى قوله؛ لأنه إن لم يكن مسلماً صار مسلماً بالاعتراف.
والأول المذهب؛ لما تقدم.
وأما دعوى أن ظاهر حال المسلم العدالة فممنوعة بل الظاهر عكس ذلك.
وأما قول عمر؛ فمعارَضٌ بما روي عنه «أنه أُتي بشاهدين، فقال لهما: لستُ أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما... الحديث».
وأما الأعرابي؛ فكان صحابياً، والصحابة كلهم عدول.
قال: (وإذا علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما؛ إلا أن يرتاب بهما فيفرقهما ويسأل كل واحد كيف تحملت الشهادة ومتى، وفي أيّ موضع.
وهل كنت وحدك أو أنت وصاحبك؟ فإن اختلفا لم يقبلهما.
وإن اتفقا وعظهُما وخوّفهما، فإن ثبتا حكم بهما إذا سأله المدعي).
أما كون الحاكم يعمل بعلمه في عدالة البينة؛ فلأنه لو لم يكتف بذلك لتسلسل؛ لأن المزكيين يحتاج إلى عدالتهما.
فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد إلى مزكيين ثم كل واحد ممن يزكيهما إلى مزكيين إلى ما لا نهاية له.
وأما كونه يحكم بشهادتهما؛ فلأن شروط الحكم قد وجدت.
وأما كونه يفرّق الشاهدين ويسأل كل واحدٍ منهما السؤال المذكور إذا ارتاب فيهما؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه «أن سبعة نفر خرجوا ففُقدَ واحدٌ

منهم فأتت زوجته علياً فدعا الستة فسأل واحداً منهم عنه فأنكر.
فقال: الله أكبر فظن الباقون أنه اعترف.
فاستدعاهم فاعترفوا.
فقال للأول: قد شهدوا عليكَ وأنا قاتلكَ فاعترفَ فقتلهم».
وأما كونه لا يقبل شهادتهما إذا اختلفا؛ فلأن شرط الحكم الإقامة على الشهادة إلى حين الحكم.
وأما كونه يَعِظُهُما ويخوِّفُهما إذا اتفقا؛ فلأن ذلك سبب لتوقفهما بتقدير كونهما شاهدي زور.
وأما كونه يحكم بشهادتهما إذا ثبتا وسأل المدعي الحكم؛ فلأن الشرط ثباتُ الشاهد على شهادته إلى حين الحكم، وطلب المدعي الحكم، وقد وجد ذلك كله.
قال: (وإن جرحهما المشهود عليه كلف البينة بالجرح.
فإن سألَ الإنظارَ أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته، فإن لم تقم بينة حكم عليه).
أما كون المشهود عليه يكلف إقامة البينة بالجرح إذا جرح الشاهدين؛ فلأنه ادعى دعوى توجب القدح في البينة وهو متهم فيه.
فلم يكن بد من تكليفه ذلك؛ لتحققه صدقه أو كذبه.
وأما كونه يُنظر ثلاثاً حتى يقيم البينة بالجرح إذا سأل الإنظار؛ فلأن تكليفه إقامتها في أقل من ذلك يشق ويضر.
وأما كون المدعي له ملازمة المدعى عليه؛ فلأن حقه قد توجه، والمدعى عليه يَدعي ما يُسقطه، والأصل عدمه.
وأما كون الحاكم يحكم على المدعى عليه إذا لم تقم بينة بالجرح؛ فلأن الحق قد وضح على وجه ولا إشكال فيه.
قال: (ولا يسمع الجرحُ إلا مُفسراً بما يقدح في العدالة إما أن يراه أو يستفيض عنه.
وعنه: أنه يكفي أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل).
أما كون الجرح لا يسمع إلا مُفسراً كما ذكر على المذهب؛ فلأن الناس يختلفون كاختلافهم في شارب النبيذ.
فوجب أن لا يسمع مجرداً؛ لئلا يُجرح الشاهد بما لا يراه القاضي جَرحاً.

وأما كونه يكفي فيه أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل على روايةٍ؛ فلأن العدالة تسمع مطلقاً فكذلك الجرح.
والأولة أولى.
والفرق بين الجرح وبين التعديل: أن التعديل يوافق الظاهر، والجرح ينقل عن الظاهر.
فلم يكن بد من معرفة الناقل؛ لئلا يعتقد نقله بما ليس بناقل.
قال: (وإن شهد عنده فاسقٌ يعرف حاله قال للمدعي: زدني شهوداً.
وإن جهل حاله طلب المدعي بتزكيته، ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدل رضي، ولا يحتاج أن يقول: عليّ ولي.
وإن عدله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى).
أما كون الحاكم يقول للمدعي: زدني شهوداً إذا كان يعرف الحاكم فِسقَ من شهد عنده؛ فلأن ذلك يحصل المقصود مع الستر على الشاهد.
وأما كونه يُطالب المدعي بتزكية شهوده إذا جهلَ حالههم؛ فلأن الحكم بشهادتهم متوقف على تزكيتهم لما تقدم من أن العلم بالعدالة شرط كذلك.
وأما كون التزكية يكفي فيها شاهدان يشهدان أنه عدلٌ رضي من غير حاجة إلى أن يقال: عليّ ولي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ [الطلاق: 2].
فإذا شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل في عموم الآية؛ لأنه إذا كان عدلاً لزم أن يكون له وعليه وعلى سائر الناس وفي كل شيء فلا يحتاج إلى ذكره.
وأما كون جرح الاثنين أولى من تعديل الاثنين؛ فلأن الجارح معه زيادة علم خَفيت على المعدل.
فوجب تقديمه؛ لأن التعديل يتضمن نفي الريب والمحارم، والجارح يثبت ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
ولأن الجارح يقول: رأيته يفعل كذا والمعدل مستنده أنه لم يره ويمكن صدقهما.
والجمع بين قوليهما بأن يكون الجارح رآه يفعل والمعدل لم يره.
إذا علم ذلك فظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الجرح إنما يقدم عند التساوي وليس كذلك بل لو كثر عدد المعدل فالجرح أولى؛ لما ذكر من الزيادة الحاصلة.

قال: (وإن سألَ المدعي حبسَ المشهودِ عليه حتى يزكي شهوده فهل يحبَس؟ على وجهين).
أما كون المشهود عليه يحبس فيما ذكر على وجه؛ فلأن جنبة المدعي ظهرت بإقامة البينة.
وأما كونه لا يحبس على وجه؛ فلأن الحبس عذاب والحق لم يثبت.
فلم يجز فعله بالنافي له السالم عن معارضة ثبوت الجرح.
قال: (وإن أقام شاهداً وسأل حبسه حتى يقيم الآخر حبسه إن كان في المال.
وإن كان في غيره فعلى وجهين).
أما كون من ذكر يحبس في المال؛ فلأن الشاهد وحده مع يمين المدعي كاف في ثبوته، واليمين إنما تتعين عند تعذر شاهدٍ آخر.
فلم يحصل التعذر بعد، وفي إطلاق المشهود عليه تضييع لحق من ظهر حقه.
وأما كونه هل يحبس في غيره؟ على وجهين؛ فلأن ذلك في معنى من أقيمت عليه بينة ولم تُزكَّ.
قال: (وإن حاكمَ إليه من لا يعرفُ لسانه تَرجمَ له من يعرفُ لسانه.
ولا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين.
وعنه: يقبل قول واحد).
أما كون من حاكم إليه من ذكر يُترجم له من يعرفُ لسان الخصم؛ فلأنه لا يعرف ما يترتب الحكم عليه إلا بذلك، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر زيدَ بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود.
قال: فكنتُ أكتبُ لهم إذا كتبَ لهم وأقرأُ لهم إذا كتبُوا» 1. وأما كونه لا يقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إلا قول عدلين على المذهب؛ فلأن ذلك إثبات شيء يبني الحاكم حكمه عليه.
فافتقر إلى ذلك؛ كسائر الحقوق.

وأما كونه يُقبل في كل واحدٍ من ذلك قولُ واحدٍ على روايةٍ؛ فلما تقدم في حديث زيد.
ولأنه خبر عن شيء فاكتفي فيه بواحد؛ كالرواية.
والأولى أولى؛ لما تقدم.
والرواية تخالف الشهادة فلا يصح قياسها عليها.
قال: (ومن ثبتتْ عدالتُه مرة فهل يحتاج إلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين).
أما كون من ذكر لا يحتاج إلى ذلك على وجه؛ فلأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فلا يزول حتى يثبت الجرح.
وأما كونه يحتاج إليه على وجه؛ فلأن العيب يحدُث، وقد تتغير حاله فيصير ذلك مانعاً من العلم بالعدالة.
فلم يجز له القبول مع فوات الشرط.

فصل [في الدعوى على الغائب] قال المصنف رحمه الله: (وإن ادعى على غائبٍ أو مستترٍ في البلد أو ميتٍ أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها.
وهل يحلف المدعي أنه لم يبرئ إليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين.
ثم إذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته).
أما كون الحاكم يسمع بينة المدعي على غائب؛ فلأن عدم سماعها يفضي إلى تأخير الحق مع إمكان استيفائه.
وأما كونه يُحكم بها؛ فلأن السماع من أجل الحكم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على أبي سفيان في حديث هند ولم يكن حاضراً 1. وأما كونه يسمع بينة المدعي على مستترٍ في البلد ويحكم بها؛ فلأن حضوره ممتنع.
أشبه الغائب.
وأما كونه يسمع بينة المدعي على ميتٍ أو صبي أو مجنون ويحكم بها؛ فلأن كل واحد ممن ذكر عاجز عن الجواب المقصود من الحضور.
فوجب أن يلحق بالغائب.
وأما كون المدعي يحلف أنه لم يبرئ من المدعى به ولا من شيء منه على روايةٍ؛ فلأن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق من ذكر؛ لأنه لا يعبر واحد منهما عن نفسه، ويجوز أن يكون المدعي قد استوفى ما قامت به البينة أو أبرأه منه.
فافتقر الحال إلى اليمين؛ ليندفع ذلك الجواز.
وأما كونه لا يحلف على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعى عليه 2.

ولأنه أقام بينة بحقه.
فلم يستحلف؛ كما لو أقامها على حاضرٍ مكلف.
وأما كون المحكوم عليه على حجته إذا زال المعارض فإنه لو كان حاضراً لكان على حجته.
فإذا زال المعارض عمن ذكر أشبه الحاضر المكلف.
قال: (وإن كان الخصم في البلد غائباً عن المجلس لم تُسمع البينة حتى يحضر.
فإن امتنع من الحضور سُمعت البينة وحُكم بها في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا تُسمع حتى يحضر.
فإن أبى بُعث إلى صاحب الشرطة ليحضره.
فإن تكرر منه الاستتار أُقعد على بابه من يضيّق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر).
أما كون الحاكم لا يسمع بينة المدعي على حاضرٍ قبل حضوره؛ فلأن حضوره ممكن.
فلم يجز الحكم عليه مع حضوره، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقض للأول حتى تسمع كلام الثاني» «1). وأما كونه تُسمع بينة المدعي على حاضرٍ يمتنع من الحضور في روايةٍ؛ فلأنه إذا سمعت البينة على غائب وحكم بها.
فلأن تسمع على الحاضر الممتنع بطريق الأولى.
ولأن 2 الحاضر الممتنع لا عذر له، وفي الحديث أن أبا موسى قال: «كانَ الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتعد الموعد فوفى أحدهما ولم يفِ الآخر قضَى للذي وفى منهما».
وأما كونه لا تسمع بينته عليه في روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «لا تقض للأول حتى تسمعَ كلامَ الثاني» 3. فعلى هذا يبعث من يحضره فإن لم يحضر معه بعث إلى صاحب الشرطة ليحضره.
فإن استتر أَقعد على بابه من يضيّق عليه.1

قال: (وإن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخٍ له غائب وله مال في يد فلان أو دينٌ عليه فأقر المدعى عليه أو ثبتت ببينة سُلم إلى المدعي نصيبه، وأخذ الحاكم نصيب الغائب فحفظه له.
ويحتمل أنه إذا كان المال دَيناً أن يُترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدُم).
أما كون نصيب المدعي يُسلم إليه؛ فلأن حقه ثبت، وذلك يوجب تسليم نصيبه إليه.
وأما كون الحاكم يأخذ نصيب الغائب؛ فلأنه ثبت حقه.
فتعين أخذه؛ ليحفظه له.
وأما كونه يحتمل أن يترك نصيبه إذا كان المال ديناً؛ فلأن أخذه يعرضه للتلف، وفي ذلك تفويتٌ لحقه بالكلية.
فلم يجز؛ كما لو تيقن تلفه بأخذه.
قال: (وإن ادعى إنسان أن الحاكمَ حكمَ له بحقٍ فصدقه قُبل قول الحاكم وحده.
وإن لم يذكر الحاكم ذلك فشهد عدلان أنه حكم له به: قُبل شهادتهما وأمضى القضاء.
وكذلك إن شهدا أن فلاناً وفلاناً شهدا عندكَ بكذا قُبل شهادتهما).
أما كون الحاكم يقبل قوله وحده إذا صدق المدعي في دعواه؛ فلأنه قولٌ صدر من حاكم في حال ولايته.
فوجب قبول قوله؛ كما لو أقرّ خصمه في مجلس الحكم فسأل المدعي الحاكم عن إقراره فقال: نعم.
فإن قيل: أليس قد قيل: لا يحكم الحاكم بعلمه؟ قيل: ليس هذا حكم بالعلم بل إمضاء لحكمه السابق.
وأما كونه يقبل شهادة العدلين أنه حكم للمدعي بدعواه ويمضي القضاء؛ فلأن العدلين لو شهدا عنده بحكم غيره قبل شهادتهما وأمضى القضاء فكذا إذا شهدا عنده بحكمه؛ لأنهما شهدا بحكم حاكم.
فإن قيل: لو نسي الشاهد شهادته فشهد عنده عدلان أنه شهد لم يكن له أن يشهد.
فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أن الحاكم يُمضي ما حكم به إذا ثبت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته.

وأما كونه يقبل شهادة من شهد عنده أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا وكذا؛ فلأنه في معنى قبول شهادتهما عنده أنه حكم.
قال: (وإن لم يشهد به أحدٌ لكن وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذُه؟ على روايتين).
أما كون الحاكم ينفذُ ذلك على روايةٍ؛ فلأنه متى كان كذلك لم يكن إلا صحيحاً.
وأما كونه لا ينفذُ على روايةٍ؛ فلأنه يحتمل أن يزور على خطه وعلى ختمه، ويشتبه عليه ذلك.
قال: (وكذلك الشاهد إذا رأى خطه في كتاب بشهادة ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين).
أما كون الشاهد له أن يشهد بذلك على روايةٍ كما أن للحاكم أن يحكم به على روايةٍ؛ فلأن الشاهد هنا بمنزلة الحاكم إذا رأى خطه تحت ختمه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلما ذكر في الحاكم من الاشتباه عليه.

فصل [فيمن قدر على أخذ حقه] قال المصنف رحمه الله: (ومن كان له على إنسانٍ حقٌ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز أن يأخذ قدر حقه نص عليه، واختاره عامة شيوخنا.
وذهب بعضهم من المحدثين إلى جواز ذلك، فإن قدرَ على جنس حقه أخذ بقدره، وإلا قوّمه وأخذ بقدره متحرياً للعدل في ذلك لحديث هند: «خُذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف» 1، ولقوله عليه السلام: «الرهنُ مركوبٌ ومحلوبٌ» (2». أما كون من ذكر إذا قدر على ما ذكر لا يجوز له أن يأخذ قدر حقه على المنصوص واختيار عامة الأصحاب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخنْ من خَانك» 3. والآخذ بقدر حقه من مال غيره بغير إذنه خائن له فيدخل في الحديث.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل مالُ امرئ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» 4. والمأخوذ على هذا الوجه ليس كذلك؛ لأن المأخوذ على هذا الوجه إن كان من جنس الحق فتعيينه بغير رضى صاحبه لا يجوز.
ضرورة أن التعيين إليه، وإن كان من غير جنسه كان معاوضة، والمعاوضة بغير رضى مالك العوض لا تجوز.2

وأما كونه يجوز له على قول بعض الأصحاب؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله من حديث هند، وحديث الرهن.
فعلى هذا يجب أن يتحرّى الآخذ العدل.
فإن كان المأخوذ من جنس الحق لا يزيد على ذلك، وإن كان من غير جنسه لا يزيد على حقه؛ لأن الزائد على ذلك لا مقابل له.
والأول أولى؛ لما تقدم.
وأما حديث هند فقد أشار الإمام أحمد إلى الفرق وهو أن حق الزوجة واجبٌ في كل وقت والمحاكمة في كل لحظة تشق.
بخلاف من له دينٌ.
وفرّق أبو بكر من أصحابنا بفرقٍ آخر وهو أن قيام الزوجية كقيام البينة.
ولأن المرأة لها من التبسط في ماله بحكم العادة ما يؤثر في أخذ الحق وبذل اليد فيه.
بخلاف الأجنبي.
قال: (وحكمُ الحاكمِ لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن.
وذكر ابن أبي موسى عنه روايةً: أنه يُزيل العقودَ والفسوخ).
أما كون حكمُ الحاكم لا يُزيل الشيء عن صفته في الباطن في غير العقود والفسوخ مثل: أن يشهد شاهدا زورٍ أن لفلان على آخر مائة فيحكُم الحاكم بذلك بناء على ما ظهر له من عدالتهما وما أشبهه بلا خلاف في المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم يكون ألحنَ بحجته من بعضٍ فأقضي له على نحوِ ما أسمع منه.
فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيهِ فكأنما أقطعُ له قطعةً من النار» 1. متفق عليه.
وأما كونه لا يُزيل في الباطن في العقود والفسوخ؛ مثل: أن يدّعي شخص نكاحاً أو بيعاً ويقيم شاهدَي زورٍ بذلك فيحكُم له الحاكم به ظناً منه أنهما عدلان، أو تدعي امرأة طلاقاً أو فسخ نكاح وتقيم بذلك شاهدي زورٍ فيحكُم

الحاكم بذلك وما أشبهه على المذهب؛ فلما تقدم من قوله عليه السلام: «فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه» 1. وأما كونه يُزيله على روايةٍ؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه «أن رجلاً ادعى على امرأةٍ نكاحًا فرُفعا إلى علي.
فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية.
فقالت: والله ما تزوجني يا أميرَ المؤمنين.
اعقِد بيننا عقدًا حتى أحل له.
فقال: شاهداكِ زوَّجاك».
فعلى هذا يحل لمدعي النكاح وطء المرأة المشهود عليها للحديث، ولمدعي البيع التصرف في العين المبيعة، ولمن علم كذبَ شهود الطلاق أن يتزوج بالمرأة؛ لأنه في معنى ما تقدم ذكره.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وحديث علي لا حجة فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه.

باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي

الأصل في كتاب القاضي إلى القاضي كالأصل في كتاب الأمير إلى الأمير.
والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إني أُلقي إليَّ كتابٌ كريمٌ? إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: 29 - 30]. وأما السنة؛ فهو «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف» 1. وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على قبول كتاب القاضي والأمير إلى مثليهما.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى قبوله.
فإن من له حق في بلد غيره لا يمكنه إثباته ومطالبته إلا بكتاب القاضي وذلك يقتضي وجوب قبوله.
قال المصنف رحمه الله: (يُقبل كتابُ القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد به المال؛ كالقرض والغصب والبيع والإجارة والرهن والصلح والوصية له والجناية الموجبة للمال.
ولا يقبل في حدٍّ لله تعالى.
وهل يقبل فيما عدا ذلك مثل: القصاص والنكاح والطلاق والخلع والعتق والنسب والكتابة والتوكيل والوصية إليه؟ على روايتين).
أما كون كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في المال وما قصد منه المال؛ فلأن ذلك في معنى الشهادة على الشهادة، وهي في المال وما قصد منه المال مقبولة فكذلك يجب أن تكون مقبولة فيما هو في معناها.
وأما كونه لا يقبل في كل حدٍّ لله تعالى؛ فلأن الحد لله تعالى مبني على الستر، والدرأ بالشبهات، والإسقاط بالرجوع فيها.

وأما كونه يقبل في القصاص وباقي الصور المذكورة على روايةٍ؛ فلأنه حق لا يدرأ بالشبهة.
أشبه المال.
وأما كونه لا يقبل على روايةٍ؛ فلأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين.
أشبه حد القذف.
قال: (فأما حد القذف فإن قلنا: هو لله تعالى فلا يقبل فيه.
وإن قلنا: لآدمي فهو كالقصاص).
أما كون القذف لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي إذا قيل: هو لله تعالى؛ فلما ذكر في كل حدٍّ لله تعالى.
وأما كونه كالقصاص إذا قيل: لآدمي؛ فلأنه حينئذ يساوي القصاص؛ لاشتراكهما في كون كل واحدٍ منهما حقاً لآدمي.
قال: (ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ومسافة القصر، ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة).
أما كون كتاب القاضي يجوز فيما حكم به؛ مثل: أن يحكم على رجلٍ بحق فيتغيب قبل إيفائه، أو تقوم بينة على غائب عند حاكمٍ فيسأله صاحب الحق الحكم عليه فيحكم عليه، أو ما أشبه ذلك؛ فلأن الحاجة داعية إليه.
وأما كون الواصل إليه ينفذه بَعُدت مسافته أو قربت؛ فلأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم.
وأما كونه يجوز فيما يثبت عنده؛ فلما تقدم من العلة المذكورة.
وأما كون الواصل إليه يحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة؛ فلأن ذلك نقل شهادة.
فوجب أن يُعتبر فيه ما يُعتبر في الشهادة.
قال: (ويجوز أن يكتبَ إلى قاضٍ مُعين وإلى من يصل إليه كتابي هذا 1 من قضاة المسلمين وحكامهم).

أما كون القاضي يجوز أن يكتب إلى مُعين فلا إشكال فيه، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر 1. وأما كونه يجوز أن يكتب إلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم؛ فلأن الكتاب المذكور كتابٌ واصلٌ إلى حاكم.
أشبه ما إذا كتب إلى معين.
قال: (ولا يقبلُ الكتابُ إلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب فيقرأه عليهما ثم يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ويدفعه إليهما، وإذا وصلا إلى المكتوب إليه دفعا إليه الكتاب وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه.
والاحتياط أن يشهدا بما فيه ويختمه.
ولا يشترط ختمه).
أما كون كتاب القاضي لا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به عدلان؛ فلأنه نقل حكمٍ أو نقل إثباتٍ.
فلم يكن فيه بد من شهادة عدلين؛ كالشهادة على الشهادة.
وأما كون القاضي يحضرهما فيقرأه عليهما؛ فلأن تحمل الشهادة بغير معرفة المشهود به غير جائز.
وقول المصنف رحمه الله: فيقرأه عليهما ليس بواجب في القبول بل قراءته هي الواجبة، سواء كانت من الحاكم أو غيره لكن الأولى أن يقرأه الحاكم؛ لأنه أبلغ، ولذلك ذكره المصنف رحمه الله.
وأما كونه يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان؛ فلأنه يحملهما الشهادة.
فوجب أن يعتبر فيه إشهاده؛ كالشهادة على الشهادة.
ويقوم مقام إشهاده بأن الكتابَ كتابه إشهادهما عليه بما في الكتاب.
فلو اقتصر على قوله: هذا كتابي إلى فلان لم يجز؛ لعدم الإشهاد المشترط.
وأما كونه يدفعه إليهما؛ فلأنه لو لم يدفعه إليهما لم يمكنهما الأداء إلا بناء على الخط، وهو غير جائز.

وأما كون الشاهدين إذا وصلا إلى المكتوب إليه يدفعان الكتاب ويقولان: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك؛ فلأن القبول متوقف على ذلك.
وأما كونهما يقولان: كتبه من عَمَلِه وأشهدنا عليه؛ فلأن الكتاب إنما يقبل من قاضٍ وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه.
وأما كون الاحتياط الإشهاد بما في الكتاب مع ختمه؛ فلأن ختم الكتاب أبلغ في المعنى.
وأما كون الكتاب لا يشترط ختمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتبَ كتاباً إلى قيصر ولم يختمه.
فقيل: إنه لا يقرأُ كتاباً غير مختوم فاتخذَ الخاتم» 1. قال: (وإن كتب كتاباً وأدرجه وختمه وقال: هذا كتابي إلى فلان اشهدا عليّ بما فيه لم يصح؛ لأن أحمد قال فيمن كتب وصية وختمها ثم أشهد على ما فيها: فلا حتى يُعلمه ما فيها.
ويتخرج الجواز لقوله: إذا وُجدت وصية الرجلِ مكتوبةً عند رأسه من غير أن يكون أشهدَ أو أعلمَ بها أحداً عند موته وعُرف خطه وكان مشهوراً فإنه ينفذ ما فيها.
وعلى هذا إذا عُرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله.
والعمل على الأول).
أما كون إشهاد القاضي على كتابه المختوم لا يصح؛ فلأن الشاهدين شهدا بالمجهول.
فلم تصح شهادتهما؛ كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالاً.
وأما قول المصنف رحمه الله: لأن أحمد؛ فتنبيه على جهة الأصل المستفاد منه الحكم المذكور.
وأما كون الجواز يتخرج على القول بالوصية المذكورة؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وأما كون المكتوب إليه على هذا إذا عرف خط القاضي الكاتب وختمه يجوز له قبوله؛ فلأن القبول هنا كتنفيذ الوصية المذكورة.
وأما كون العمل على الأول؛ فلأن الدليل الأول أولى فكان العمل به أولى.

قال: (وإذا وصل الكتاب فأحضر المكتوبُ إليه الخصم المحكوم عليه في الكتاب فقال: لستُ فلان ابن فلان فالقول قوله مع يمينه؛ إلا أن تقوم به بينة.
فإن ثبت أنه فلان ابن فلان ببينة أو إقرار فقال: المحكوم عليه غيري لم يقبل منه إلا ببينة تشهد أن في البلد من يساويه فيما سمي ووصف به فيتوقف حتى يعلم المحكوم عليه 1 منهما).
أما كون القول قول الخصم المحكوم عليه في الكتاب في قوله: لستُ فلان ابن فلان ما لم تقم به بينة؛ فلأن الأصل عدم تسميته بذلك.
ولأنه يُدعى عليه أن اسمه ذلك وهو يُنكره، والقول قول المنكر مع يمينه.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا قامت بينة بذلك؛ فلأن القول معارض بالبينة، وهي راجحة.
فوجب أن لا يقبل قوله؛ لكونه مرجوحاً بالنسبة إلى البينة.
وأما كونه لا يقبل قوله إذا ثبت أنه فلان ابن فلان فقال المحكوم عليه: غيري ولا بينة له تشهد بدعواه؛ فلأن الظاهر عدم المشاركة في الصفات والأسماء، والحكم قد توجه على من سُمي ووصف، والاسم والصفة موجودان فيه.
فلم يقبل قوله في نفي ذلك.
وأما كونه يقبل قوله إذا أقام بينة أن في البلد من يساويه فيما سمي ووصف؛ فلأن الحق يحتمل أن يكون على المشارك له.
وأما كون القاضي يتوقف حتى يعلم المحكوم عليه منهما؛ فلأنه شاكٌّ فيه.
قال: (وإن تغيرت حالُ القاضي الكاتب بعزلٍ أو موتٍ لم يقدح في كتابه.
وإن تغيرت بفسقٍ لم يقدح فيما حكم به، وبطل فيما ثبت عنده ليحكم به.
وإن تغيرت حال المكتوب إليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به).
أما كون تغيّر حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لا يقدح في كتابه؛ فلأن التعويل في الكتاب على الشاهدين وهما حيان.
فوجب أن يقبل الكتاب؛ كما لو لم يمت أو ينعزل.

ولأن الكتاب إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بالعزل والموت، وإن كان فيما ثبت عنده فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل.
وأما كون تغير حال القاضي الكاتب بفسقٍ لا يقدح فيما حكم به؛ فلأنه لو حكم بشيء ثم فسق لم يتغير حكمه فكذا إذا فسق القاضي الكاتب بعد أن كتب.
وأما كون كتابه يبطل فيما ثبت عنده ليحكم به؛ فلأن شرط الحكم بقاء الحاكم بصفة العدالة إلى حين الحكم ولم يوجد هنا.
بيان اشتراط ذلك في الحاكم أن الشاهد يشترط فيه ذلك.
فلأن يشترط في الحاكم بطريق الأولى.
وأما كون من قام مقام القاضي المكتوب إليه إذا تغيرت حاله يَقبل الكتاب ويعمل به؛ فلأن التعويل على شهادة الشاهدين وهما موجودان بشرطهما.
ويُحكى «أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتابًا فوصل إليه وقد عُزل وولي الحسن؛ فلما وصل الكتاب عمل به».

فصل [في كتابة محضر بالحكم] قال المصنف رحمه الله: (وإذا حكمَ عليه فقال له: اكتب لي إلى الحاكم الكاتب أنك حكمتَ عليّ حتى لا يحكم عليّ ثانياً لم يلزمه ذلك، ولكنه يكتبُ له محضراً بالقضية).
أما كون القاضي لا يلزمه أن يكتب إلى الحاكم الكاتب أنه حكم عليه؛ فلأن الحاكم إنما يكتب فيما ثبت عنده ليحكم غيره، أو فيما حكم به لينفذه، وكلاهما مفقود هنا.
وأما كونه يكتب له محضراً بالقضية؛ فلأنه إذا لم يكتب له ربما حكم عليه غيره ثانياً وفيه ضرر والضرر ينفى شرعاً.
قال: (وكل من ثبتَ له عند حاكمٍ حقٌ أو ثبتت براءته مثل إن أنكر وحلفه الحاكم فسأل الحاكم أن يكتبَ له محضراً بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمه إجابته.
وإن سأل من ثبت محضره عند الحاكم أن يسجل به فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إليه والأخرى يحبسها عنده.
والورق من بيت المال، فإن لم يكن فمن مال المكتوب له).
أما كون الحاكم يلزمه إجابة من سأله: أن يكتب له محضراً بما ثبت عنده من حق أو براءة؛ فلأنه حقه قد ثبت عنده، وربما تعذر عليه إثبات ذلك في وقت آخر.
فوجب أن يكتب له محضراً بيده عند طلبه؛ لتبقى حجته في يده.
وأما كون الحاكم يفعل ما سأله من ثبت محضره عنده من التسجيل به؛ فلأن المحضر بتسجيله يصير حجة لصاحبه فيلزم الحاكم أن يشهد عليه شاهدين أنه أقر له.
وأما كون السجل يجعل نسختين؛ فلأن صاحب المحضر يحتاج إلى نسخةٍ تكون بيده، وديوان الحكم يحتاج إلى أخرى تكون فيه حتى إن هلكت النسخة

التي في يد صاحب المحضر تبقى التي في ديوان الحكم، ولذلك قال المصنف رحمه الله: نسخة يدفعها إليه والأخرى يحبسها عنده.
وأما كون الورق من بيت المال؛ فلأن ذلك من المصالح.
وأما كونه من المكتوب له إذا لم يكن في بيت المال شيء؛ فلأنه الطالب لذلك؛ لأن معظم الحاجة له.
قال: (وصفة المحضر: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضيَ فلان بن فلان الفلاني قاضيَ عبدالله الإمام على كذا.
وإن كان نائبًا كتب: خليفة القاضي فلان قاضي عبدالله الإمام في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا مُدعٍ ذكر أنه فلان بن فلان وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان فادعى عليه كذا فأقر له أو فأنكر.
فقال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ فقال: نعم.
فأحضرَها وسأله سماعَها، فَفعل أو فأنكر ولم تقم له بينة، وسأل إحلافه فأحلفه.
وإن نكل عن اليمين ذكر ذلك وأنه حكم عليه بنكوله.
وإن رد اليمين عليه فحلّفه حكى ذلك، وسأله أن يكتب له محضرٍاً بما جرى فأجابه إليه في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويعلم في الإقرار والإحلاف جرى الأمر على ذلك.
وفي البينة: شهدا عندي بذلك).
أما قول المصنف رحمه الله: وصفة المحضر... إلى قوله: ويعلم؛ فبيان لصفة المحضر ليعلم الكاتبُ صفة المحضر المعتبرة فيه شرعاً، وكيف تكون الكتابة إذا كان المدعى عليه مقراً أو منكراً قامت عليه البينة، أو منكراً لم تقم عليه البينة فحلفه الحاكم، أو ناكلاً محكوماً عليه بنكوله، أو راداً لليمين على المدعي.
والغرض: تبيين الحال على ما هي عليه؛ ليكون المحضر وافياً بما جرى، محصّلاً لمقصوده، جامعاً للشرائط المعتبرة.
وأما كون القاضي يعلم في الإقرار والإحلاف جرى الأمر على ذلك؛ فلأن الإقرار والإحلاف أمرٌ جرى فالعلامة فيه بما ذكر تحقيق للقضية وإخبار عنها.
وأما كونه يعلم في البينة شهدا عندي بذلك؛ فلأن الواقع شهادة، والمخبر عنها بذلك صادق.

قال: (وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به.
وصفته أن يكتب: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان، ويذكر ما تقدم مَن حضره من الشهود أشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضرٍ من خصمين ويذكرهما إن كانا معروفين.
وإلا قال مدعٍ ومدعًى عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما: على الآخر معرفة فلان بن فلان.
ويذكر المشهود عليه وإقرارَه طوعًا في صحة منه وجوازِ أمرٍ بجميع ما سُمي ووُصِف في كتاب نسخته كذا 1. وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفًا بحرف، فإذا فرغ منه قال: وإن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك، والإشهاد به: الخصم المدعي، ويذكر اسمه ونسبه، ولم يدفعه الخصم الحاضر معه بحجة.
وجعل كل ذي حجةٍ على حجته، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه وحُكمه وإمضائه مَن حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه.
ويأمر بكتب هذا السجل نُسختين متساويتين تخلدُ نسخة منها ديوان الحكم وتدفع الأخرى إلى من كتبها له.
وكل واحدة منهما حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما.
وهذا يذكر ليخرج من الخلاف، ولو قال: أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر بمحضرٍ من الخصمين ساغ ذلك لجواز القضاء على الغائب).
أما قول المصنف رحمه الله: وأما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به؛ فبيان لمعناه.
وأما قوله: وصفته... إلى قوله: في اليوم المؤرخ في أعلاه؛ فبيان لصفة السجل ليعلم الكاتب الصفة المعتبرة فيه شرعاً.
وأما كون القاضي يأمر بكتب السجل؛ فلما ذكر فيمن ثبت محضره عند الحاكم فسأله أن يسجل به.
وأما كونه يأمر بكتب نُسختين متساويتين؛ فلأنهما اللتان تقوم إحداهما مقام الأخرى.
وأما كون كل واحدة حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما فظاهر؛ لتضمنهما ذلك.

وأما كون ذلك يُذكر؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من الخروج من الخلاف في القضاء على الغائب؛ لأنه لو لم يذكر الخصم وحضوره لتوهم متوهم أنه قضى على غائب فيتوقف فيه من لا يراه.
وأما كون القاضي لو قال: أنه ثبت عنده... إلى آخره يسوغ ذلك؛ فلما ذكر المصنف من جواز القضاء على الغائب أي: عندنا.
قال: (وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوعٍ أو شهرٍ على قلتها وكثرتها يضم بعضها إلى 1 بعض، ويكتب عليها: محاضرٍ وقت 2 كذا في سنة كذا).
أما كون المحاضر والسجلات يضم بعضها إلى بعض؛ فلأن إفراز كل واحدٍ يشق.
وأما كونها يكتب عليها ما ذكر؛ فلتتميز، وليكون إخراجها وقت الحاجة أسهل.

باب القسمة

الأصل في القسمة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمةٌ بينهم كلُّ شِرْبٍ محتضَر﴾ [القمر: 28].
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الشفعةُ فيما لم ينقسم، فإذا وَقَعَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ 1 الطرُق فلا شُفعة» 2. و«قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على ثمانية وعشرين سهمًا» (\ 3، و «كان يقسم الغنائم».
وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على جواز القسمة.
قال المصنف رحمه الله: (وقسمة الأملاك جائزة.
وهي نوعان: قسمة تراضٍ.
وهي: ما فيها ضرر، أو رد عوض من أحدهما كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصقة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين مفردة).
أما كون قسمة الأملاك جائزة؛ فلما تقدم من الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.
وأما كونها نوعين؛ فلأن منها: ما ينقسم عن تراضٍ، ومنها ما ينقسم عن إجبار.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهي؛ فإشارة إلى قسمة الأراضي.
والضرر يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: كالدور... إلى آخره؛ فبيان لأشياء لا ينقسم إلا قسمة تراض.

قال: (والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز).
أما كون قسمة الأرض المذكورة على الصفة المذكورة يجوز؛ فلأن الحق للشريكين.
فإذا تراضيا بقسمةٍ موصوفةٍ لم يكن لأحد الاعتراضُ عليهما.
وأما كون ما ذكر من البئر أو البناء لا يمكن قسمته بالأجزاء والتعديل؛ فلأنه إذا كان يمكن قسمته بالأجزاء؛ مثل: أن يكون البئر واسعاً يمكن أن يجعل نصفها لواحدٍ ونصفها للآخر ويجعل بينهما حاجز في أعلاه، أو البناء كبيراً يجعل لكل واحد منهما نصفه، أو بالتعديل مثل: أن يكون في أحد جانبي الأرض بئر تساوي مائة وفي جانبها الآخر بناء يساوي مائة تكون القسمة قسمة إجبار لا قسمة تراضٍ؛ لأنه يمكن أن يجعل البئر لأحد الشريكين مع نصف الأرض والبناء للآخر مع نصف الأرض.
قال: (وهذه جارية مجرى البيع، لا يجبرُ عليها الممتنع منها، ولا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع).
أما قول المصنف: وهذه؛ فإشارة إلى قسمة التراضي.
وأما كونها جارية مجرى البيع؛ فلأنها في معناه.
وأما كون الممتنع منها لا يجبر؛ فلأن فيها إما ضرر، وإما رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه: أما الأول؛ فلما فيه من الضرر.
وأما الثاني؛ فلأنه معاوضة، والمعاوضة لا يجبر عليها.
وأما كونها لا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع؛ فلأنها جارية مجراه.
فوجب أن لا يجوز فيها إلا ما يجوز فيه.
قال: (والضرر المانع من القسمة هو: نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلامه، أو لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي).
أما كون المانع من القسمة نقص القيمة في ظاهر كلام الإمام؛ فلأن نقصان القيمة ضرر فينتفي بقوله عليه السلام: «لا ضَررَ ولا إضرار» 1.

وأما كونه لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي؛ فلأن ذلك ضرر شديد مفضٍ إلى إضاعة المال فيكون منهياً عنه.
بخلاف نقصان القيمة فإن اعتباره يؤدي إلى بطلان القسمة غالباً.
فوجب أن لا يعتبر.
قال: (فإن كان الضرر على أحدهما دون الآخر؛ كرجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الآخر، فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر الآخر عليه.
وإن طلبه الآخر أجبر الأول.
وقال القاضي: إن طلبه الأول أجبر الآخر.
وإن طلبه المضرور لم يجبر الآخر).
أما كون الضرر إذا كان على أحد الشريكين كما مثل المصنف رحمه الله وطلب من لا يتضرر القسم لا يجبر الآخر على قول غير القاضي؛ فلأن في ذلك ضرراً عليه وذلك نُفي بقوله عليه السلام: «لا ضَررَ ولا إضرار» 1. وأما كونه يجبر على قوله؛ فلأن شريكه مالك طلب إفراز نصيبه الذي لا يستضر بتمييزه.
فوجب إجابته إلى ذلك؛ كما لو كانا لا يستضران بالقسم.
والأول أولى؛ لما تقدم.
والقياس على من لا يستضران به مُعارض بالقياس على من يستضران.
وأما كون من عليه الضرر إذا طلب يجبر الآخر عليه على ما تقدم؛ فلأن الشريك طلب دفع ضرر الشركة على وجه لا يضر بصاحبه.
فوجب أن يجبر على القسمة؛ كما لو لم يكن فيها ضرر.
وأما كونه لا يجبر؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال» 2. والمطلوب هنا يتضمن الإضاعة.

إذا تقرر مأخذ الوجهين فقال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أقيَس وأولى.
وأجاب عن الحديث المذكور بأنه مخصوص بما إذا اتفقا على القسمة فإنها تجوز برضى المستضر، وما ذكر في معناه.
فوجب إلحاقه به.
قال: (وإن كان بينهما عبيدٌ أو بهائمٌ أو ثيابٌ ونحوها فطلب أحدهما قسمها أعياناً بالقيمة لم يجبر الآخر عليه، وقال القاضي: يجبر).
أما كون قسم ما ذكر لا يجبر عليه على قول غير القاضي؛ فلأن الأعيان المذكورة لا يمكن قسم كل عينٍ منها.
فلم يجز قسمها أعياناً بالقيمة؛ كما لو كان بين شريكين داران فطلب أحدهما قسم الدارين أعياناً بالقيمة.
وأما كونه يجبر عليه على قوله؛ فلأن الأعيان المذكورة إذا لم يمكن قسم كل عين صارت جميعها كالدار الواحدة؛ لأن اختلاف قيمة الجنس الواحد ليس بأكثر اختلافاً من قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فإن أراضي القرية تختلف، وصدر الدار خير من غيره، والاختلاف المذكور لم يمنع الإجبار على القيمة فكذا الجنس الواحد.
وقد ظهر الفرق بين الأعيان المذكورة وبين الدار من حيث إن قسم كل عينٍ بما ذكر لا يمكن.
بخلاف الدارين فإن قسم كل واحدة ممكنة.
قال: (وإن كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه.
وإن استهدمَ لم يجبر على قسم عرصته.
وقال أصحابنا: إن طلب قسمه طولاً بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض أجبر الممتنع.
وإن طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين أجبر وإلا فلا).
أما كون الممتنع من قسم الحائط لا يجبر؛ فلأن في قسمه ضرراً وذلك مانع منه.
وأما كون الممتنع من قسم عرصته لا يجبر على قول غير أصحابنا؛ فلأنه موضع للحائط.
أشبه الحائط.
وأما كونه يجبر إذا طلب قسمه طولاً كما تقدم ذكره وكونه يجبر إذا طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين على قول أصحابنا؛ فلأن ذلك لا ضرر فيه البتة.

وأما كونه لا يجبر إذا كانت التسع ذلك على قول أصحابنا؛ فلما فيه من الضرر.
قال: (وإن كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لأحدهما العلو وللآخر السفل، أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها.
وإن تراضيا على قسمها كذلك وعلى قسم المنافع بالمهايأة جاز).
أما كون الممتنع من قسم الدار علواً لأحدهما وسفلاً للآخر لا يجبر؛ فلأن العلو والسفل يجري مجرى الدارين المتلاصقين؛ لأن كل واحدٍ مسكن منفرد.
وأما كون الممتنع من قسم المنافع لا يجبر؛ فلأن الأصل مشاع فلا يصح أن ينفرد بعض الشريكين ببعض المنفعة.
ضرورة أن المنفعة تابعة للأصل.
وأما كون قسم الدار على الوجه المذكور وقسم المنافع بالمهايأة يجوز مع التراضي؛ فلأن الحق لهما فإذا رضيا به جاز.
قال: (وإن كان بينهما أرضٌ ذاتُ زرعٍ فطلب أحدهما قسمها دون الزرع قسمت.
وإن طلب قسمها مع الزرع أو قسم الزرع مفرداً لم يجبر الآخر.
فإن تراضوا عليه والزرع قصيلٌ أو قطنٌ جاز.
وإن كان بذراً أو سنابلَ قد اشتدّ حبُّها فهل يجوز؟ على وجهين.
وقال القاضي: يجوز في السنابل، ولا يجوز في البذر).
أما كون الأرض ذات الزرع تقسم دون زرعها إذا طلب ذلك أحد الشريكين؛ فلأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار، والقماش يمنع القسم فكذلك الزرع.
فعلى هذا إذا قسمت بقي الزرع بينهما مشتركاً؛ لأن قسم الأرض بمنزلة ما لو باع أرضاً فيها زرع، وذلك يبقى إلى الحصاد لبائعه فكذلك الزرع في الأرض المقسومة يبقى على الإشاعة إلى حصاد.
وأما كون الممتنع من قسم الأرض مع الزرع لا يجبر؛ فلأن الزرع وحده لا يجبر على قسمه فكذا قسم الأرض مع الزرع؛ لأنها مشتملة على ما لا يجوز قسمه.

وقال المصنف رحمه الله في المغني: يجبر الممتنع؛ لأن الزرع كالشجر في الأرض، ولو كان لها شجر قسمت مع شجرها فكذلك هاهنا ولم يحك خلاف ذلك.
وأما كون الممتنع من قسم الزرع وحده لا يجبر؛ فلأن القسم لا بد فيه من تعديل المقسوم، وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن؛ لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة.
وأما كونهم إذا تراضوا على قسم الأرض مع زرعها والزرع قصيلٌ أو قطنٌ يجوز؛ فلأن ذلك يُنتفع به في الحال على وجه لا جهالة فيه.
فإذا وقع التراضي بقسمه جاز؛ كبيعه.
وأما كونه إذا كان بذراً أو سنابل قد اشتد حبها لا يجوز في وجه: أما في البذر؛ فلجهالته.
وأما في السنابل؛ فلأنه بيع بعضه ببعض مع عدم العلم بالتساوي، والجهل بالتساوي؛ كالعلم بالتفاضل.
وأما كونه يجوز فيهما في وجه؛ فلأن ذلك يدخل تبعاً.
فلم يعتبر العلم به في القسم؛ كالجهل بالأساسات.
وأما كونه يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر في وجه للقاضي؛ فلأن مافي السنابل يؤكل لا ما في البذر.
قال: (وإن كان بينهما نهرٌ أو قناةٌ أو عينٌ ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشترطا عند استخراج ذلك.
فإن اتفقا على قسمه بالمهايأة جاز.
وإن أرادا قسم ذلك بنصب خشبةٍ أو حجرٍ مستو في مصدم الماء فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز.
فإن أراد أحدهما أن يسقي بنصيبه أرضاً ليس لها رسمُ شربٍ من هذا النهر جاز.
ويحتمل أن لا يجوز.
ويجيءُ على أصلنا: أن الماء لا يملك، وينتفع كل واحد منهما على قدر حاجته).
أما كون الماء بين من استخرجه على ما وقع الاشتراط فيه عند الاستخراج؛ فلأن الماء من المباح فإن اتفق المستخرجان على قدر معلوم وجب اتباعه.
دليله ما

جارٍ التحميل