الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 252-255

قال: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين).
أما كون وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت لا يباح على روايةٍ؛ فلأن الوطء في الحيض إنما منع منه لكونه أذى وهو موجود هاهنا.
وأما كونه يباح على روايةٍ فـ «لأن حمنة كان يجامعها زوجها وهي مستحاضة» 1 رواه أبو داود.
وكذلك روي عن أم حبيبة 2. ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأحكام فكذلك في هذا.
وتقيد المصنف رحمه الله الخلاف بغير خوف العنت مشعر بأنه إذا خاف العنت أبيح له الوطء بلا خلاف في المذهب.
وهو صحيح؛ لأن عدم جوازه مع خوفه العنت مفضٍ إلى وقوعه في الزنا وذلك محذور.
ولأن بعض الأشياء محرم الفعل وخوف العنت يبيحه.
دليله تزوج الأمة فكذلك يجب أن يكون هاهنا.

فصل [في النفاس] قال المصنف رحمه الله: (وأكثر النفاس أربعون يومًا.
ولا حد لأقله.
أيَّ وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي.
ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين).
أما كون أكثر النفاس أربعين يومًا فلما روت أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يومًا أو أربعين ليلة.
وكنا نطلي وجوهنا بالوَرْسِ من الكلف» 1 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي.
والأحاديث في هذا ضعيفة.
أثبتها ما ذكر هنا.
وينبغي أن يجعل مستند هذا الحكم ما وجد في أعصار المتقدمين.
وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» 2. وأما كونه لا حد لأقله؛ فلأنه لم يرد في الشرع تحديده فرجع فيه إلى العرف وقد وجد قليل وكثير.
وقد روي «أن امرأة ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تر دمًا فسميت ذات الجفاف» وروي «ذات الجفوف» 3 رواه أبو داود.

وأما كون النفساء طاهرًا أيَّ وقت رأت الطهر فلانقطاع دم النفاس.
وكما لو انقطع دم الحائض في عادتها.
وأما كونها تغتسل عند رؤيتها الطهر فللحكم بانقضاء نِفاسها.
وأما كونها تصلي فلما ذكر.
وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا طهرت المرأة حين تضع صلت».
وقال علي رضي الله عنه: «لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي» 1. وأما كونها يستحب أن لا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين؛ فلأنه لا يأمن عود الدم في الوطء أو بعده فيكون واطئًا في نفاس.
فإن قيل: إذا لم يستحب فهل يكره؟ قيل: روايتان: إحداهما: يكره؛ لذلك.
و«لأن عثمان بن أبي العاص أتته امرأته قبل الأربعين.
فقال: لا تقربيني حتى تتمي الأربعين» 2. والثانية: لا يكره لأنها حُكم بطهارتها فلم يكره قياسًا على سائر الطاهرات.
قال: (فإن 3 انقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها فهو نفاس.
وعنه أنه مشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض).
أما كون الدم المذكور نفاسًا على المذهب؛ فلأنه دم في زمن النفاس فكان نفاسًا كما لو اتصل.

وأما كونه مشكوكًا فيه على روايةٍ فلتعارض الأدلة في كونه نفاسًا أم لا.
وأما كون من انقطع دمها فيما ذكر ثم عاد فيه تصوم وتصلي على الرواية المذكورة؛ فلأن النفاس المشكوك فيه كالحيض المشكوك.
والحيض المشكوك فيه حكمه حكم الطهر والمرأة في حال طهرها تصوم وتصلي فكذلك هنا لأن حكمها حكمه.
ولأن وجوب العبادة في زمنها متيقن وقد شك في كون هذا الدم نفاسًا فلا تعدل عن اليقين بالشك.
وأما كونها تقضي الصوم المفروض؛ فلأنه يحتمل أن يكون نفاسًا فلا يصح الصوم فيه.
فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين الدم الزائد على الست أو السبع في حق الناسية إذ لا يجب عليها قضاء ما صامته فيه مع الشك.
قيل: الفرق بينهما أن غالب عادات النساء حيض ست أو سبع وما زاد نادر.
والغالب من النفاس أربعون يومًا وما نقص نادر.
ولأن الحيض يتكرر فيشق القضاء بخلاف النفاس.
قال: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس من الأول وآخره منه.
وعنه أنه من الأخير.
والأول أصح).
أما كون أول نفاس من ذلك من الأول؛ فلأنه دم يعقبه ولادة فكان أوله من الأول كما لو لم تأت بالآخر.
وأما كون آخره منه على روايةٍ فلما ذكر.
وأما كون آخره من الثاني على روايةٍ؛ فلأن كل واحد منهما سبب للمدة فلما اجتمعا اعتبر أوله من الأول وآخره من الأخير كما لو وطئت في العدة.
وأما كون الأول أصح؛ فلأن الولد الثاني تبع الأول فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله.

جارٍ التحميل