الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 536-575

وروى سويد بن غفلة قال 1: «صلى بنا معاوية الجمعة ضحى» 2 رواه الإمام أحمد.
ولأن يوم الجمعة يوم عيد فجازت في وقت العيد كالفطر والأضحى 3. وأما كون فعلها في الساعة السادسة يجوز على قول الخرقي دون ما تقدم ذكره؛ فلأن الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز التقديم مختصة بذلك.
منها: ما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس» 4 رواه مسلم.
وعن سهل بن سعد قال: «ما كنا نقيل ونتغدّى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 5 متفق عليه.
قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة ما بعد الزوال.
وعن سلمة قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فيء» 6 متفق عليه.
والمذهب 7 الأول لأن الأحاديث المذكورة تدل على جوازها قبل الزوال وإذا كان كذلك فقد خالفت الظهر فوجب أن يلتحق بالعيد بدليل ما تقدم من فعل الصحابة.
وأما كون آخره آخر وقت الظهر؛ فلأن الجمعة بدل منها أو واقعة موقعها فوجب أن يكون آخر وقتها آخر وقت الظهر لما بينهما من المشابهة.

قال: (فإن خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهراً.
وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة.
وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهراً أو يستأنفونها؟ على وجهين).
أما كون من خرج وقت الجمعة عليهم قبل فعلها يصلون ظهراً؛ فلأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 1 يدل بمفهومه على أن من لم يدرك ركعة لم يكن مدركاً للجمعة.
فمن لم يَشْرَع بالكلية بطريق الأولى.
وأما كونهم يتمونها جمعة إذا خرج وقد صلوا ركعة؛ فلأن الحديث المذكور قبلُ يدل بمنطوقه على ذلك.
وقياساً على المسبوق.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يشترط إيقاع جميع صلاة الجمعة في الوقت إلا السلام؛ لأن الوقت شرط فيعتبر في جميعها كالوضوء.
والأول أصح؛ للحديث.
ولقوله عليه السلام: «من أدرك من يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى» 2. وأما كونهم يتمونها ظهراً إذا خرج قبل ركعة على وجهٍ؛ فلأنهما صلاتا وقت فجاز بناء إحداهما على الأخرى كصلاة السفر مع الحضر.
وأما كونهم يستأنفونها على وجهٍ؛ فلأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان ليست إحداهما الأخرى ولا بعضها فلم تُبن إحداهما على الأخرى كالظهر والصبح.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بعدم إتمامها جمعة.
وهو قول أكثر الأصحاب لأن فوات الأكثر قائم مقام فوات الكل.

وقال القاضي وابن حامد: متى أحرم بها في الوقت يتمها جمعة قياساً على سائر الصلوات.
والأول أصح؛ لأن مفهوم الحديث المتقدم يدل عليه.
والفرق بين الجمعة وبين سائر الصلوات ثابت في كثير من الأحكام فيمتنع معه القياس.
قال: (الثاني: أن يكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها.
فلا تجوز إقامتها في غير ذلك).
أما كون ثاني شروط صحة الجمعة أن يكون بقرية يستوطنها ما ذُكر: أما كونها بقرية؛ فلأن ذلك شرط لوجوبها؛ فلأن يكون شرطاً لصحتها بطريق الأولى.
ولأن قبائل العرب كانت حول المدينة في الخيام وبيوت الشعر ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها.
والمراد بالقرية: الموضع المبني بما جرت به العادة قريةً كانت أو بلدة.
وإنما صرح المصنف رحمه الله بالقرية تنبيهاً على أن الجمعة يجوز إقامتها في القرى خلافاً لمن اشترط المصر.
ويدل على جوازها في القرى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة».
و«لأن أسعد بن زرارة جمع بهَزْمِ النبيت» 1. وهو موضع قريب من القرية؛ فلأن يجوز في نفس القرية بطريق الأولى.
ولأن القرية يستوطنها العدد المعتبر أشبهت المصر.
وأما كون القرية يستوطنها العدد المتقدم ذكره؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل مكة بإقامتها في عرفات.
لا يقال إنما لم يأمرهم لأنهم مسافرون لأن سفرهم دون مسافة

القصر.
وحكم ذلك حكم الإقامة.
وإذا امتنع نسبة عدم إقامتها إلى السفر لم يبق سوى الاستيطان بالموضع.
وأما كون العدد أربعين فلما يأتي في موضعه 1.

وأما كونهم من أهل وجوبها؛ فلما تقدم من أن من لم تجب عليه لغير عذر لا تنعقد به 2. وأما من كون إقامتها في غير ذلك لا يجوز؛ فلأن ما ذكر شرط في الإقامة وهو مفقود في غير ذلك فينتفي الجواز لانتفاء شرطه.
قال: (ويجوز إقامتها في الأبنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد.
وفيما قارب البنيان من الصحراء).
أما كون إقامة الجمعة في الأبنية المذكورة يجوز؛ فلأنها إما قرية وإما في معنى القرية.
وأما كون إقامتها فيما قارب البنيان من الصحراء يجوز؛ فلما روى كعب ابن مالك قال: «أسعد بن زرارة أول من جمّع بنا في هَزْم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات» 3. وذلك موضع قريب من البنيان.
ولأنه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع.

قال: (الثالث: حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب.
وعنه تنعقد بثلاثة.
فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً.
ويحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة أتموا ظهراً.
وإن نقصوا بعد ركعة أتموا جمعة).
أما كون ثالث شروط صحة الجمعة حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب فلما يأتي.
وأما كونها تنعقد بثلاثة على روايةٍ؛ فلأن ذلك أقلُّ الجمع.
وروي عن الإمام أحمد أنها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [«على الخمسين جمعة» 1. والصحيح في المذهب الأول؛ لما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال] 2: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة» 3 رواه الدارقطني.
وقول الصحابي ذلك ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأن أسعد بن زرارة لما جمّع كانوا أربعين.
وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا اجتمع أربعون رجلاً فعليهم الجمعة».
وأما كونهم إذا نقصوا عن العدد المشترط قبل إتمامها يستأنفون ظهراً؛ فلأن العدد المذكور شرطٌ فاعتبر في جميع الصلاة كالطهارة.
وأما كونه يحتمل أنهم إن نقصوا قبل ركعة يتمون ظهراً وإن نقصوا بعد ركعة يتمون جمعة؛ فلأن من أصلنا أن الجمعة تدرك بركعة 4. فإذا نقصوا وقد صلوا أقل من

ركعة لم يدركوا الجمعة فيتمون ظهراً.
وإن نقصوا وقد صلوا ركعة أدركوا الجمعة فيتمون جمعة كالمسبوق فيهما.
والأول أصح؛ لما تقدم ذكره.
والفرق بين هذه المسألة وبين المسبوق أن المسبوق أدرك ركعة من جمعة تمت شرائطها وصحت فجاز البناء عليها بخلاف هذه.
قال: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة.
ومن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي.
وقال أبو إسحاق بن شاقلاء: ينوي جمعة ويتمها ظهراً).
أما كون من أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة يتمها جمعة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 1. وأما كون من أدرك أقل من ذلك يتمها ظهراً؛ فلأن قوله عليه السلام: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة» 2 يدل بمفهومه على أنه لا يدركها بأقل من ذلك.
ولأنه روي في بعض الروايات: «من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى.
ومن أدرك دونها صلى أربعاً» 3. وعن الإمام أحمد: يتمها جمعة.
نقلها صاحب المستوعب لقوله عليه السلام: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 4. فوجب أن يقضي ما فاته لحصول ما أدركه.
ولأن إدراك آخر الصلاة كإدراك أولها.
دليله المسافر إذا اقتدى بمقيم.

والصحيح الأول؛ لما تقدم من الحديث.
ولقوله: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» 5 متفق عليه.

وأما قوله: «وما فاتكم فاقضوا» 1 فقد روي: «فأتموا» 2 فإما يتعارضان ويَسْقُطان وإما يحملان على حالتي: القضاء إذا أدركوا ركعة، والإتمام إذا أدركوا دونها.
وأما القياس على المسافر إذا اقتدى بمقيم فغير صحيح لأن إدراك المسافر إدراك التزام وإيجاب لأربع.
وإدراك المسبوق إدراك إسقاط لأربع.
ولأن العدد شرط في الجملة دون الإتمام.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي؛ فمعناه أن من لم يدرك الجمعة إنما يتمها ظهراً إذا نوى الظهر، فلو نوى الجمعة لم تصح صلاته في قول الخرقي؛ لأن النية قصد يتبع العلم ويوافق الفعل.
فالمصلي للظهر لا ينوي جمعة؛ لأنه ينوي غير ما يفعله.
وينوي جمعة ويتمها ظهراً في قول إسحاق بن شاقلاء لئلا تخالف نيته نية إمامه.
وقال بعض أصحابنا: لا يصليها مع الإمام لأنه إن نوى الظهر خالف نية إمامه وإن نوى جمعة وأتمها ظهراً فقد صحت له الظهر من غير نيتها.

قال: (ومن أحرم مع الإمام ثم زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله.
فإن لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الإمام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة).
أما كون من زُحم عن السجود سجد على ظهر إنسان أو رجله؛ فلقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: «إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» 1 رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور.
ولأن الزحام عذر فأباح التصرف في الغير فيما لا ضرر عليه لتأدية واجب عليه كالاستظلال والاستصباح.
وقال ابن عقيل: لا يسجد على ظهر غيره لأنه تصرف في الغير بغير إذنه.
ولأنه لا يجوز السجود على يد نفسه.
وظهر غيره ورجله بطريق الأولى.
بل يدني جبهته حتى يقارب موضع سجوده لأن ذلك الذي يمكنه.
وأما كون من لم يمكنه السجود كما تقدم ولم يخف فوات الثانية يسجد إذا زال الزحام؛ فلأنه أمكنه تحصيل كمال السجود فلزمه كما لو لم يُزحم.
فإن قيل: كيف يجوز له مفارقة الإمام؟ قيل: لا بأس بمفارقة الإمام صورةً مع كونه متابعه حكماً للعذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل من صلى معه صلاة عسفان كذلك.
وأما كونه يتابع إمامه إذا خاف فوات الثانية؛ فلقوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم» 2. وقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا» 3. وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه: يجب عليه أن يتشاغل بما فاته من السجود؛ لأن إمامه قد سجد فيجب عليه أن يسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا سجد فاسجدوا» 4.

والأول أصح؛ لئلا تكثر مفارقته للإمام.
ولأن الزحام عذر فيكون مسقطاً لمتابعته للإمام في السجود.
وأما كون ثانية الإمام تصير أولى المأموم؛ فلأن الأولى لم تحصل به.
وأما كونه يتمها جمعة؛ فلأن الجمعة تدرك بركعة وهي موجودة هاهنا.
قال: (فإن لم يتابعه عالماً بتحريم ذلك بطلت صلاته.
وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الإمام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلامه وصحت جمعته.
وعنه يتمها ظهراً).
أما كون صلاة المأموم تبطل إذا لم يتابع إمامه عالماً بتحريم مفارقته؛ فلأنه ترك متابعة إمامه عمداً.
ومتابعته واجبة لما تقدم من قوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم فإذا ركع فاركعوا... الحديث» 1. وترك الواجب عمداً يبطل الصلاة وفاقاً.
وأما كونها لا تبطل إذا ترك متابعة إمامه جهلاً بتحريمها؛ فلأن الجاهل معذور أشبه الساهي.
وأما كون جمعته تصح إذا سجد مع جهله ثم أتى بركعة بعد سلام إمامه على المذهب؛ فلأنه أتى بسجود معتد به.
وإذا اعتد له بذلك وهو حكم الإتمام فقد أدرك مع الإمام ركعة والجمعة تدرك بركعة.
وأما كونها لا تصح ويتم ما صلى ظهراً على روايةٍ؛ فلأنه لم يدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها لأن ما أتى به من السجود لم يتابع إمامه فيه حقيقة وإنما أتى به على وجهِ التدارك فلم يكن مدركاً للجمعة.
قال: (الرابع: أن يتقدمها خطبتان: من شرط صحتهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، وحضور

العدد المشترط.
وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ على روايتين).
أما كون رابع شروط صحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان: أما الخطبتان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: 9] أمر بالسعي إلى الذكر فيكون واجباً لأن ما ليس بواجب لا يكون السعي إليه واجباً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يقعد بينهما» 1 متفق عليه.
وقال الله تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: 158]. وقالت عائشة رضي الله عنها: «إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة».
وأما تقدم الخطبتين على الصلاة؛ فـ «لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب الخطبتين قبل الصلاة» 2. وقد أمرنا باتباعه.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 3. وأما كون الخطبتين من شرط صحتهما حمد الله إلى آخره: أما الحمد؛ فـ «لأن خُطب النبي صلى الله عليه وسلم لم تخل من تحميد».
ولقوله عليه السلام: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر» 4.

وأما الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الإنشراح: 4] أنه لا يذكر الله إلا ويذكر الرسول معه 1. فكل موضع شرع فيه ذكر الله شرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما قراءة آية؛ فلأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين والقراءة واجبة فيهما، فكذلك فيما أقيم مقامهما.
لا يقال: فيجب قراءة قرآن فيهما؛ لأن اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على غيرها يدل على عدم وجوبها.
وأما الوصية بتقوى الله عز وجل؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك في خطبته.
ولأن ذلك هو المقصود من الخطبة فلا يجوز الإخلال به.
وأما حضور العدد المشترط؛ فلأنه ذكرٌ اشترط للصلاة.
فاشترط له العدد كتكبير الإحرام.
وأما كون الطهارة تشترط للخطبتين على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع في صحة الصلاة.
فاشترط له الطهارة كتكبيرة الإحرام.
وأما كونها لا تشترط على روايةٍ؛ فلأنهما ذكران يتقدمان الصلاة فلم يكن من شرطها الطهارة كالأذان والإقامة.
وأما كون أن يتولاهما من يتولى الصلاة يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما أقيمتا مقام ركعتين فكما لا يجوز أن يصلي إمامان صلاة واحدة فكذلك الخطبتان والصلاة.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة أشبها الأذان والإقامة.
وهذا الخلاف فيما إذا لم يكن عذر فإن كان لعذر مثل أن يسبق الخطيب الحدث فهو 2 مبني على جواز الاستخلاف.
وظاهر المذهب جوازه لأنه إذا جاز في صلب الصلاة ففي هذه الصورة أولى.

قال: (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال.
ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم.
ثم يجلس إلى فراغ الأذان.
يجلس بين الخطبتين.
ويخطب قائماً.
ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه.
ويقصر الخطبة.
ويدعو للمسلمين).
أما كون الخطبتين من سننهما أن يخطب على منبر إن كان أو على موضع عال إن لم يكن منبراً: أما المنبر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبر.
قال سهل ابن سعد: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة سماها سهل: أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس» 1 متفق عليه.
ورواه أبو داود.
وأما الموضع العالي إن لم يكن منبر؛ فلأن ذلك في معنى المنبر لاشتراكهما في المبالغة في الإعلام.
وأما كونهما من سننهما يسلم الإمام على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم» 2 رواه ابن ماجة.
وأما كونهما من سننهما أن يجلس إلى فراغ الأذان؛ فلأن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن... مختصر» 3 رواه أبو داود.
ولأن في جلوسه استراحة له من تعب الصعود وبذلك يتمكن من الكلام التمكن التام.
وأما كونهما من سننهما أن يجلس بين الخطبتين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس بينهما.
روى ابن عمر «أنه كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس» 4 متفق عليه.

وإنما لم يجب لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم لم يجلسوا منهم المغيرة وأبيّ بن كعب.
وروي عن أبي إسحاق قال: «رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ».
وذكر ابن عقيل في التذكرة رواية في وجوب الجلسة المذكورة لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمرنا باتباعه.
والأول أصح؛ لما ذكر.
ولأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالأولى.
وأما كونهما من سننهما أن يخطب قائماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً» 1. وإنما لم يجب لأنه ذِكرٌ ليس من شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان.
وعن الإمام أحمد: يجب أن يخطب قائماً «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً».
وكذلك الخلفاء بعده.
وقال الله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: 155]. وأما كونهما من سننهما أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصاً؛ فلما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئاً [على] 2 سيف أو قوس أو عصا... مختصر» 3 رواه أبو داود.
ولأن ذلك أمكن له.

وأما كونهما من سننهما أن يقصد تلقاء وجهه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك 1. ولأنه أبلغ في إسماع الناس.
ولأنه إذا التفت إلى أحد جانبيه أعرض عمن في الجانب الآخر.
وأما كونهما من سننهما أن يُقَصّر الخطبة؛ فلما روى عمار قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه.
فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» 2 رواه مسلم.
وأما كونهما من سننهما أن يدعو للمسلمين؛ فلأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى.
فإن قيل: الدعاء للسلطان ما حكمه؟ قيل: يسن لأن صلاحه صلاح المسلمين.
و«لأن أبا موسى الأشعري كان إذا خطب يدعو لعمر».
وقال القاضي: لا يستحب؛ لأنه لم ينقل عن السلف.
قال: (ولا يشترط إذن الإمام.
وعنه يشترط).
أما كون إذن الإمام لا يشترط لصحة الجمعة على روايةٍ فـ «لأن علياً رضي الله عنه صلى بالناس وعثمان رضي الله عنه محصور» 3. ولأنها من فرائض الأعيان فلم يعتبر لها إذن الإمام كالظهر.

وأما كونه يشترط على روايةٍ؛ فلأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة التي لا تحصل بالواحد فافتقرت إلى إذن الإمام كالجهاد.

فصل قال المصنف رحمه الله: (وصلاة الجمعة ركعتان.
يجهر فيهما بالقراءة.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين).
أما كون صلاة الجمعة ركعتين فقال ابن المنذر: أجمع المسلمون على ذلك.
نقله الخلف عن السلف.
وقال عمر رضي الله عنه: «صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد خاب من افترى» 1 رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وأما كونها يجهر فيهما بالقراءة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر فيهما».
نقله الخلف عن السلف.
و«لأن الصحابة رووا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة الجمعة والمنافقين» 2. وذلك دليل السماع.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين».
وأما كون الأولى يستحب أن يَقرأ فيها بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين؛ فـ «لأن أبا هريرة صلى الجمعة فقرأ بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة المنافقين.
وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأهما في الجمعة» 3 رواه مسلم.

وقال المصنف في المغني: وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن «لأن الضحاك ابن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة قال: بـ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: 1]» 1 أخرجه مسلم.
وقال: وإن قرأ في الأولى بسبح كان حسناً لأن سمرة بن جندب روى «أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: 1]» 2 رواه أبو داود والنسائي.
قال: (وتجوز إقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة.
ولا يجوز مع عدمها.
فإن فعلوا فجمعة الإمام هي الصحيحة.
فإن استوتا فالثانية باطلة.
فإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا معاً).
أما كون الجمعة تجوز إقامتها في موضعين من البلد للحاجة؛ مثل: أن يكون البلد كبيراً؛ كبغداد وأصبهان ونحوهما، أو يكون المسجد ضيقاً، أو يخاف الفتنة كالتي بين القبائل؛ فلأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة.
فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة؛ كصلاة العيد.
وقد ثبت «أن علياً كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويخلّف على ضعفةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم» 3.

ولأنها لو لم تجز إلا في موضع واحد لأدى إلى تعطيلها في حق كثير من الخلق لأن وجوبها على أهل البلد العظيم لا يتقيد بسماع ولا بفرسخ فالبعيد يعجز عن قطع المسافة البعيدة ويصير من يخاف الفتنة معذوراً ومع ضيق المكان تقام الصلاة في الشوارع إلى حد يتعذر البلاغ معه 1 لاختلاف الأصوات.
ولأن إقامتها في البلاد الكبار في موضعين مع عدم الإنكار يصير كالإجماع على جواز ذلك.
وعن الإمام أحمد: لا تقام إلا في موضع واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقمها إلا في موضع واحد.
وكذلك الخلفاء بعده.
والأول أصح لما ذكر.
وإنما لم يقمها النبي صلى الله عليه وسلم لعدم الحاجة.
ولأن أحداً لم يكن ليترك الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم ويصلي خلف غيره.
وأما كونها لا تجوز إقامتها في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأنه لا حاجة.
والعبادات المغلب فيها 2 الاتباع ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين بعده فعلها في موضعين.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام» 3. خص منه إذا كان لحاجة فيبقى فيما عداه حجة.
ولأن المقصود من الجمعة إقامة الشعائر وتعظيم الإسلام والتفريق من غير حاجة يخل بذلك.
وأما كون جمعة الإمام هي الصحيحة إذا صلي في موضعين مع عدم الحاجة؛ فلأن في الحكم بصحة غيرها افتياتاً على الإمام وتفويتاً لجمعته.
ولأن ذلك يفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم أمكنهم ذلك.

وقيل: بل السابقة هي الصحيحة لأنها لم تتقدمها ما يفسدها.
وبعدما وقعت صحيحة لا تفسد بما بعدها.
والسبق معتبر بالإحرام لأنه متى 1 أحرم حرم الاستفتاح بغيرها للغنى عنها.
وأما كون الثانية باطلة إذا استويا.
والمعنيّ بالاستواء هنا أن تكون كل واحدة منهما بإذن الإمام.؛ فلأن الاستغناء حصل بالأولى مع أن الثانية لا مزية لها.
وأما كونهما يبطلان معاً إذا وقعتا معاً أو جهلت الأولى؛ فلأنه لا يمكن تصحيحهما ولا تتعين إحداهما بالصحة فبطلتا كما لو جمع بين أختين.
قال: (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد وصلى ظهراً جاز إلا الإمام).
أما كون المأموم إذا اجتزأ فيما ذكر بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً يجوز؛ فلما روى زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم.
فصلى العيد ثم رخص في الجمعة.
فقال: من شاء أن يصلي فليصلي» 2 رواه أبو داود.
وأما كون الإمام إذا اجتزأ بالعيد عن الجمعة وصلى ظهراً لا يجوز؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان.
فمن شاء أجزأه عن الجمعة.
وإنا مُجَمِّعون» 3 رواه ابن ماجة.
ولأن الإمام لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من يريدها.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لا تجب على الإمام أيضاً «لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماماً» 4.

ولأن الجمعة إذا سقطت عن المأمومين سقطت عن الإمام كالسفر.
والأول أصح لما ذكر من الفرق.
قال: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان.
وأكثرها ست ركعات).
أما كون أقل السنة بعد الجمعة ركعتين؛ فلما روى ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» 1 متفق عليه.
ولو سن أقل من ذلك لفعله.
وأما كون أكثرها ست ركعات؛ فلأن ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم يتقدم فيصلي أربعاً» 2. وعن أبي 3 عبدالرحمن السلمي قال 4: «علمنا عبدالله بن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعاً.
فلما قدم عليّ علّمنا أن نصلي ستاً» 5.

ولأنها ظهرٌ مقصورة فينبغي أن يصلي بعدها شيئاً ليكون ذلك عن ركعتين قبلها وركعتين بعدها وركعتين تمامها.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: المختار أن يصلى أربعاً لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً» 1 رواه مسلم.
فإن قيل: لم يكون الأخذ بهذا الحديث أولى؟ قيل: لوجوه: أحدها: أنه أمر.
ودلالة الأمر على تأكيد الشيء أقوى من الفعل.
الثاني: أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم.
ودلالة الستِّ قول علي.
الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم معتضد بقول صحابي وهو ابن مسعود.

فصل [في مستحبات الجمعة] قال المصنف رحمه الله: (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها، والأفضل فعله عند مُضِيِّه إليها.
ويتنظف.
ويتطيب.
ويلبس أحسن ثيابه.
ويبكر إليها ماشياً.
ويدنو من الإمام.
ويشتغل بالصلاة والذكر.
ويقرأ سورة الكهف في يومها.
ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه).
أما كون مصلي الجمعة يستحب له أن يغتسل لها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى الجمعة فليغتسل» 1 متفق عليه.
وقد تقدم في الأغسال المستحبة عدم وجوبه والخلاف فيه 2. وأما كون الغسل في يوم الجمعة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة» 3 أضافه إلى اليوم واليوم من طلوع الفجر لأن ذلك هو اليوم الشرعي.
فعلى هذا من اغتسل بعد طلوع الفجر إلى أن يروح إلى الجمعة حصّل الفضيلة.
وإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يحصّل الفضيلة المذكورة.
وأما كون الأفضل في الغسل فعله عند مضيه إليها؛ فلأنه أبلغ في قطع الرائحة.
وأما كونه يستحب له أن يتنظف ويتطيب؛ فلما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسلُ رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر.
ويدهن من دهنه.
ويمس من طيب بيته.
ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين.
ثم يصلي ما كُتب

له.
ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» 1 رواه البخاري.
وأما كونه يستحب له أن يلبس أحسن ثيابه؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «ولبس أحسن ثيابه.
ثم جاء إلى المسجد» 2. وأما كونه يستحب له أن يبكر إليها فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة.
ومن راح في [الساعة] 3 الثانية فكأنما قرب بقرة.
ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً.
ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة... الحديث» 4. وأما كونه يستحب له أن يمشي ويدنو من الإمام؛ فلقوله عليه السلام: «من غسّل واغتسل.
وبكر وابتكر.
ومشى ولم يركب.
ودنا من الإمام واستمع.
ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها» 5 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يستحب له أن يشتغل بالصلاة والذكر؛ فلما في ذلك من تحصيل الأجر.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك كونه غير سامع للخطبة لأنه لو كان يسمعها لحرم عليه الكلام لما يأتي.
ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: إذا حضر قبل خطبة الإمام.
الثاني: أن يكون بعيداً منه بحيث لا يسمع الخطبة.

وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلته وُقي فتنة الدجال» 1. وأما كونه يستحب له أن يُكثر الدعاء في اليوم المذكور فلعله يوافق ساعة الإجابة فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه» 2 متفق عليه.
وأما كونه يستحب له أن يكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة» 3 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو يرى فرجة فيتخطى إليها.
وعنه يكره).
أما كون غير الإمام ومن يرى فرجة لا يتخطى رقاب الناس.
والمراد به أنه يكره له ذلك فلما في التخطي من سوء الأدب والتأذي.
وقد «رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له: اجلس فقد آنيت وآذيت» 4 رواه أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال 5: «لأن أصلي بحر رمضاء أحب إليّ من أن أتخطى رقاب الناس» 6.

وأما كون الإمام يتخطى رقاب الناس.
والمراد به أنه لا يكره له ذلك؛ فلأن مكانه متعين لا يمكنه الصلاة في غيره.
ولا يستحب له التبكير لأنه يُنتظر ولا يَنتظر.
وأما كون من يرى فرجة لا يكره له ذلك على روايةٍ؛ فلأن من قعد دونها بتأخره أسقط حقه من الاحترام وفوّت على نفسه الفضيلة فلا يفوتها على غيره.
وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ فلما فيه من الأذى لغيره.
وعن الإمام أحمد: إن تخطى الواحد والاثنين فلا بأس لأنه يسير.
وإن كثر كره لما فيه من الأذى الكثير.
قال: (ولا يقيم غيره فيجلس مكانه.
إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له.
وإن وجد مصلى مفروشاً فهل له رفعه؟ على وجهين).
أما كون المصلي لا يقيم غير صاحب له من مكانه فيجلس فيه؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُقيم الرجل يعني أخاه من مقعده ويجلس فيه» 1 متفق عليه.
وأما كونه له أن يقيم صاحباً له جلس في موضع يحفظه له فـ «لأن ابن سيرين كان يفعل ذلك».
ولأنه قعد فيه يحفظه له ولا يحصل ذلك إلا بإقامته.
وأما كون من 2 وجد مصلىً مفروشاً له رفعه على وجهٍ؛ فلأن المفروش لا حرمة له بنفسه والحاضر مسارع مبادر لفضيلة الصلاة فهو أولى من المتأخر.
وأما كونه ليس له رفعه؛ فلأنه كالنائب عنه.
ولأن في رفعه افتياتاً على صاحبه وتصرفاً في ملكه بغير إذنه.

قال: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به.
ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما).
أما كون من قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه أحق بموضعه من غيره؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به» 1 رواه مسلم.
وأما كون من دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما؛ فلما روى جابر بن عبدالله «أن سُليكاً الغطفاني دخل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال: قم فصل ركعتين تجوز فيهما» 2 متفق عليه.
قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه.
ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها.
وعنه يجوز فيها).
أما كون الكلام والإمام يخطب لا يجوز لغير الإمام وغير من كلمه على المذهب؛ فلقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: 204] قالت عائشة: «نزلت في الخطبة».
ولأن في الخطبة قرآناً.
ولما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلتَ لصاحبكَ يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصتْ فقد لغوت» 3 متفق عليه.
وكلام المصنف رحمه الله يشمل من سمع الخطبة ومن لم يسمع لعموم الحديث.
ولأن عثمان رضي الله عنه قال: «أنصتوا فإن حظَّ المنصتِ الذي لم يسمع كحظّ المنصتِ السامع» 4.

وأما كونه يجوز على روايةٍ فقياساً على الإمام وعلى من كلمه.
فإن قيل على الأول: لو سلم أحد على السامع ماذا يصنع؟ قيل: روي عن الإمام أحمد أنه يحرم الرد لما فيه من تفويت الإنصات.
ولأن المسلم أسقط حقه حيث سلم في موضع لا يرد عليه فيه.
أشبه ما لو سلم عليه في الصلاة.
وروي عنه أنه لا يحرم؛ لأن رد السلام واجب.
والخطبة لا تمنع الكلام الواجب بدليل ما لو رأى أعمى يتردى في بئر.
وحكم من يسمع همهمة الخطيب حكم من يسمع مفصلاً.
ومن لا يسمع شيئاً أصلاً يرد السلام.
ولو عطس إنسان فحكم التشميت حكم رد السلام.
وأما كونه يجوز للإمام ولمن كلمه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سُليكاً وكلمه هو ودخل وهو يخطب فقال: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم هلك الكراع هلك الشاء فادع الله تعالى أن يسقينا... وذكر الحديث» 1 متفق عليه.
وأما كونه قبل الخطبة وبعدها يجوز؛ فلما روى ثعلبة بن مالك «أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر.
فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين.
فإذا قامت الصلاة وبرك عمر تكلموا».

باب صلاة العيدين

سمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة.
وقيل: لأنه يعود فيه السرور.
وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وللأنصار يومان يلعبون فيهما.
فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال: إن الله قد أبدلكم خيراً منهما: العيدين الفطرَ والأضحى» 1. والأصل فيهما الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: 2].
قيل في التفسير: أنها صلاة العيد.
وأما السنة فقد ثبت بالتواتر «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيدين» 2. وأما الإجماع فأجمع المسلمون على مشروعيتهما في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي فرض على الكفاية.
إذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام).
أما كون صلاة العيد فرضاً على الكفاية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يداومون عليها.
ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرضاً على الكفاية كالجهاد.

وإنما لم تجب على الأعيان؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر للأعرابي خمس صلوات قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا» 1. وأما كون الإمام يقاتل أهل بلد اتفقوا على تركها؛ فلأنهم تركوا شيئاً من شعائر الإسلام الظاهرة فشرع للإمام أن يقاتلهم كتركهم الأذان.
قال: (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس.
وآخره إذا زالت.
فإن لم يَعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم).
أما كون أول وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس؛ فلما روى الحسن «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتم طلوعها.
وكان يفتتح الصلاة وقت حضوره».
وروي «أنه كان يصلي والشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال».
وأما كون آخره إذا زالت؛ فلأنها شاركت الضحى في أول وقتها فكذلك يجب أن تشاركها في آخره.
وأما كون الإمام يخرج من الغد ويصلي بالناس صلاة العيد إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال؛ فلما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن ركباً جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس.
فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» 2. رواه أبو داود.
قال: (ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر.
والأكل في الفطر قبل الصلاة.
والإمساك في الأضحى حتى يصلي.
والغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشياً على

أحسن هيئة إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه أو إماماً يتأخر إلى وقت الصلاة.
وإذا غدا من طريق رجع في أخرى).
أما كون تقديم الأضحى وتأخير الفطر يسن؛ فلما روى عمرو بن حزم «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم الأضحى ويؤخر الفطر» 1. ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها.
ولا تجوز الأضحية إلا بعد الصلاة ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية.
وأما كون الأكل في الفطر قبل الصلاة والإمساك في الأضحى حتى يصلي يسن؛ فلما روى بريدة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر.
ولا يَطعم يوم النحر حتى يصلي» 2 رواه الترمذي.
وأما كون الغسل يسن فلما ذكر في الأغسال المستحبة.
وأما كون التبكير إلى صلاة العيد لغير الإمام يسن فليحصل له الدنو من موضع الإمام وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه.
وأما كون المشي إليها يسن؛ فلأن علياً رضي الله قال: «من السنةِ أن تأتي العيدَ ماشياً» 3 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.

وأما كون حسن الهيئة لغير المعتكف يسن؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر ويعتم في العيدين والجمعة (1») 2 رواه ابن عبدالبر.
وأما كون المعتكف يسن له أن يخرج في ثياب اعتكافه؛ فلأن في ذلك إبقاء لأثر العبادة والنسك.
وأما كون الإمام يسن له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل.
ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر.
وأما كون الرجوع من طريق غير التي غدا منها يسن؛ فلأن جابراً قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق» 3 رواه البخاري.
قال: (وهل من شرطها الاستيطان، وإذن الإمام، والعدد المشترط للجمعة؟ على روايتين).
أما كون جميع ذلك من شرط صلاة العيد على روايةٍ؛ فلأنها صلاة بها خطبة راتبة.
أشبهت الجمعة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وافق العيد في حجه ولم يصل.
وأما كون شيء من ذلك ليس من شرطها على روايةٍ؛ فلأنها صلاة لم ينقل إليها شيء من فرض.
فلم يعتبر فيها شيء من ذلك، كسائر الصلوات.
ولأنها تقضى بغير خلاف في المذهب مع عدم هذه الشرائط وما صح في القضاء صح في الأداء.
فعلى هذا يجوز إقامتها بغير إذن الإمام ويجوز إقامتها للمسافرين كسائر الصلوات.
وإنما لم يقمها النبي صلى الله عليه وسلم في حجه؛ لأنه اشتغل عنها بالمناسك لأنها أهم لأنها فرض عين، وصلاة العيد سنة في حق المسافر.1

قال: (وتسن في الصحراء.
وتكره في الجامع إلا من عذر).
أما كون صلاة العيد تسن في الصحراء؛ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في الصحراء وكذلك الخلفاء بعده» 1. وأما كونها تكره في الجامع مع عدم العذر؛ فلأنه خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء بعده.
وأما كونها لا تكره في الجامع لعذر من مطر ونحوه؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد» 2 رواه أبو داود.
قال: (ويبدأ بالصلاة.
فيصلي ركعتين: يكبر في الأولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستاً.
وفي الثانية بعد القيام من السجود خمساً.
يرفع يديه مع كل تكبيرة.
ويقول: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً.
وإن أحب قال غير ذلك).
أما كون إمام صلاة العيد يبدأ بالصلاة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة وقت حضوره» 3. وأما كونه يصلي العيد ركعتين؛ فلما روى ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» 4 متفق عليه.

ولقول عمر رضي الله عنه: «صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد خاب من افترى» 1 رواه الإمام أحمد في المسند.
وأما كونه يكبر في الأولى ستاً وفي الثانية خمساً؛ فلما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع» 2 رواه أبو داود.
والسابعة في الأولى هي تكبيرة الإحرام وإنما جعلت من السبع لأنها في حال القيام بخلاف تكبيرة القيام فإنها قبله.
وأما كون تكبيرة الأولى بعد الاستفتاح؛ فلأن الاستفتاح يراد لابتداء الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات.
وأما كونه قبل التعوذ؛ فلما روى أبو سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ قبل القراءة» 3. ولأنه يراد للقراءة فينبغي أن تتعقبه القراءة.
وأما كون المصلي يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ فلما روى عمر «أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد» 4 رواه الأثرم.

وأما كونه يقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً؛ فلأنه متضمن حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين وذلك مطلوب لما روى عقبة بن عامر قال: «سألت عبدالله بن مسعود عما نقوله بعد تكبيرات العيد فقال: نحمد الله ونثني عليه ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم» 1. ولأنها تكبيرات في حال قيام فسن أن يتخللها ذكر؛ لأن المقصود يحصل منه.
وأما كونه يقول غير ذلك إذا أحب؛ فلأن الغرض الذكر بين التكبيرات لا ذكر مخصوص.
ولذلك لم يرد الشرع بذكر بعينه.
قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية.
ويجهر بالقراءة.
ويكون بعد التكبير في الركعتين.
وعنه يوالي بين القراءتين).
أما كون مصلي العيد يقرأ بعد الفاتحة في الأولى من صلاة العيدين بسبح والثانية الغاشية؛ فلما روى النعمان بن بشير قال 2: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية... مختصر» 3 رواه مسلم.

ولأن فيها حثاً على الصدقة في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى? وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: 14 - 15]. هكذا فسره سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز.
وأما كونها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن الذين نقلوا عنه أنه كان يقرأ بسورةِ كذا سمعوه يقرأ بذلك جهراً.
وأما كون قراءته بعد التكبير في الركعتين على المذهب؛ فلما روى كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة» 1 رواه الأثرم والترمذي.
وقال: هو حديث حسن.
وأما كونه يوالي بين القراءتين على روايةٍ؛ فلما روى أبو موسى «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين» 2 رواه أبو داود.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التكبير في العيد [سبعاً] قبل القراءة وخمساً بعد القراءة» 3 رواه الإمام أحمد.
قال: (فإذا سلم خطب خطبتين: يجلس بينهما.
يستفتح الأولى بتسع تكبيرات.
والثانية بسبع.
يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة.
ويبين لهم ما يخرجون.
ويرغبهم في الأضحية في الأضحى.
ويبين لهم حكم الأضحية).
أما كون الإمام المذكور يخطب خطبتين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وأما كونه يجلس بينهما؛ فلما روي عن جابر قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام» 4 رواه ابن ماجة.
ولأنهما كخطبتي الجمعة.

وأما كونه يكبر فيهما؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبير».
وأما كون التكبير تسعاً في الأولى وسبعاً في الثانية؛ فلما روى عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أنه قال: «من السنة أن يكبر في الأولى تسعاً وفي الثانية سبعاً» رواه سعيد.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه.
وأما كونه يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون.
ويرغبهم في الأضحية في الأضحى ويبين لهم حكم الأضحية فليعلم الجاهل ويذكر العالم.
قال: (والتكبيرات الزوائد والذكر بينهما والخطبتان سنة.
ولا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها في موضعها).
أما كون التكبيرات الزوائد والذكر بينهما سنة؛ فلأن ذلك ذكرٌ بعد تكبيرة الافتتاح وقبل القراءة فكان سنة لا واجباً كالاستفتاح.
وأما كون الخطبتين سنة؛ فلأن عبدالله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد.
فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس.
ومن أحب أن يذهب فليذهب» 1 رواه أبو داود وابن ماجة وهو مرسل.
ولو كانت الخطبة في العيد واجبة لوجب حضورها واستماعها كخطبة العيد.
وأما كون مصلي العيد لا يتنفل قبل الصلاة ولا بعدها؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» 2 متفق عليه.

وروي «أن علياً رضي الله عنه رأى قوماً يصلون قبل العيد.
فقال: ما كان هذا يُفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 1. وأما قول المصنف رحمه الله: في موضعها؛ فمعناه من موضع تقام فيه.
صرح به أبو الخطاب.
قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام صلى ما فاته على صفته.
وإن فاتته الصلاة استحب أن يقضيها على صفتها.
وعنه يقضيها أربعاً.
وعنه أنه مخير بين ركعتين وأربع).
أما كون من كبر قبل سلام الإمام يصلي ما فاته على صفته؛ فلأن صلاة العيد أصل بنفسها فتدرك بإدراك التشهد كسائر الصلوات.
ولعموم قوله عليه السلام: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 2. وأما كون من فاتته الصلاة يستحب له أن يقضيها؛ فليتدارك بذلك ما فاته.
وأما كونه يقضيها على صفتها أي على صفة أدائها على روايةٍ؛ فـ «لأن أنساً رضي الله عنه كان إذا لم يحضر العيد مع الناس جمع أهله وولده وصلى بهم ركعتين» 3. ولأنها صلاة يتوالى فيها التكبير حال القيام، فإذا فاتت قُضيت على صفتها كصلاة الجنازة على القبر.
ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات.
وأما كونه يقضيها أربعاً على روايةٍ؛ فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقضيها أربعاً» 4.

قال أحمد: ويقوي هذا عندي ما روي عن علي رضي الله «أنه كان يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في المسجد أربعاً» 1. ولأنها صلاة شرع لها الجمع والخطبة أشبهت صلاة الجمعة.
وأما كونه مخيراً بين ركعتين وأربع على روايةٍ؛ فلعموم أدلة الروايتين قبل.
قال: (ويسن التكبير في ليلتي العيدين وفي الأضحى.
يكبر عقيب كل فريضة في جماعة.
وعنه: أنه يكبر وإن كان وحده من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق إلا المحرم فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر).
أما كون التكبير يسن في ليلتي العيدين؛ فلقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: 185]. و«كان علي رضي الله عنه يكبر حتى يسمع أهل الطريق» 2. وأما كون التكبير في الأضحى لغير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ [فلما روى جابر رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة.
ثم أقبل علينا.
فقال: الله أكبر.
ومد التكبير إلى آخر أيام التشريق» 3. رواه الأثرم.
وقيل للإمام أحمد رحمه الله: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ ] 4 قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.
وأما كون المحرم يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق؛ فلأن المحرم قبل ذلك مشتغل بالتلبية.

وأما كون التكبير المسنون مختصاً بمن يصلي جماعة على المذهب فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يكبر إذا صلى 1 وحده».
وقال ابن عباس: «إنما التكبير على من صلى جماعة» رواه ابن المنذر.
ولأنه ذكر مختص بوقت العيد فاختص بالجماعة كالخطبة.
وأما كونه يسن عقيب الفريضة وإن صلى وحده على روايةٍ؛ فلأنه ذكر مشروع للمسبوق أشبه التسليمة الثانية.
قال: (وإن نسي التكبير قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد).
أما كون من نسي التكبير يقضيه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد؛ فلأن فيه استدراكاً لما فات وتحصيلاً للمصلحة المسنونة السالمة عن معارضة ما يأتي بعد.
وأما كونه لا يقضيه إذا أحدث؛ فلأن الحدث مبطل للصلاة فالتكبير التابع لها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يقضيه إذا خرج من المسجد؛ فلأن الفصل طال وهي سنة فات محلها.
ولأنه ذكر متصل بالصلاة فمنع الخروجُ من المسجد قضاءه كسجود السهو.
قال: (وفي التكبير عقيب صلاة العيد وجهان.
وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد).
أما كون التكبير عقيب صلاة العيد يسن في وجه.
قال ابن عقيل: الأشبه بالمذهب ذلك؛ فلأنها صلاة مفروضة مؤقتة أشبهت الصلاة المفروضة.
وأما كونه لا يسن في وجه قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه؛ فلأنها ليست فرض عين أشبهت سائر السنن.
وأما كون صفة التكبير كما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلأن جابراً روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر اثنتين».
ولأن ابن المنذر رواه عن عمر وابن مسعود.

باب صلاة الكسوف

الخسوف والكسوف واحد.
وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والصلاة لهما سنة.
والأصل فيهما قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: 37].
وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين.
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بفعله.
قال المصنف رحمه الله: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه).
أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة رضي الله عنها روت: «كُسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى» 1. وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى.
وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال: «كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا».
وفي روايةٍ وقال: «إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل».

جارٍ التحميل