الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 456-495

وأما كون إعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة لا تكره؛ فلعموم صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» 1. ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: أنه يكره إعادة الجماعة في المساجد الثلاثة.
ونص الإمام أحمد على كراهية ذلك في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأقصى في معناهما.
وإنما كره ذلك في الثلاثة لئلا يتقاعد الناس عن الحضور مع الإمام الراتب.
وتعظيماً لهذه المواضع.
ولا بد أن يلحظ في الكراهية المذكورة عدم العذر فلو تأخر رجل من غير قصد التأخير لغفلة أو نسيان أو عدم العلم بالوقت فقصد المسجد فوجد الإمام الراتب قد صلى فصلى معه رجل لم يكره؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما دخل الرجل المسجد بعد صلاته: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» 2. قال: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها.
وعنه يتمها).
أما كون الصلاة إذا أقيمت لا صلاة إلا المكتوبة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» 3 رواه مسلم.
ولأن الاشتغال بالفرض أولى وزمانه أشرف وأكثر ثواباً.

ولأن حضور الجماعة واجب فكذلك أجزاؤها.
وكما لا يجوز إخراج جزء منها عن الوقت مع الإمكان فكذلك في الجماعة الواجبة.
وأما كون المكتوبة إذا أقيمت وهو في نافلة يتمها إذا لم يخش فوات الجماعة؛ فلقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: 33].
وأما كونه يقطعها إذا خشي فوات الجماعة على المذهب؛ فلأنه انتقال إلى ما هو أفضل منها.
وأما كونه يتمها على روايةٍ؛ فلعموم النهي المتقدم.
فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه أراد فوات جميع الصلاة.
وقال صاحب النهاية فيها: المراد بالفوات فوات الركعة الأولى.
وكلٌّ متجه.
قال: (ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة.
ومن أدرك الركوع أدرك الركعة وأجزأته تكبيرة واحدة، والأفضل اثنتان).
أما كون من كبرّ قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ فلأن إدراك الجزء من العبادة بمنزلة إدراك الركعة.
دليله ما لو كبر ثم خرج الوقت.
ولأن المسافر لو اقتدى بمقيم في مثل ذلك لزمه الإتمام.
فكذا تحصل له فضيلة الجماعة.

ولا بد أن يُلحظ في إدراك فضيلة الجماعة بالتكبير قعود المكبر في التشهد الأخير مع الإمام؛ لأنه لو كبر وهو قائم ثم سلم الإمام لم يكن مدركاً فضيلة الجماعة.
كما لو كبر المأموم والإمام رافع ثم ركع المأموم فإنه لا يكون مدركاً للركعة.
وأما كون من أدرك الركوع أدرك الركعة؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أدركتم الإمام في السجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً.
ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه يجزئه تكبيرة واحدة عن تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع؛ فلأنه فِعْل زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهما.
ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد فأجزأ الأكبر عن الأصغر كطواف الزيارة عند الوداع فإنه مجزئ عنه وعن طواف الوداع.
وأما كون الأفضل اثنتين؛ فلأنه أتى بالذكر المشروع في الافتتاح والانحناء.
ولأنه اختلف في وجوب التكبير للانحناء فإذا أتى بتكبيرتين فقد خرج عن العهدة بيقين.
وكان أفضل لتيقن براءته.
قال: (وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته.
وما يقضيه أولها.
يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة).

أما كون ما يدرك المأموم المسبوق مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أولها؛ فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» 1 متفق عليه.
والقضاء: فعل ما فات والذي فات أول الصلاة.
وعن الإمام أحمد رحمة الله عليه أن ما يقضيه آخر صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» 2. والأول أصح لما ذكر.
ومعنى الحديث الثاني: فأتموا قضاء لما في ذلك من الجمع بين الحديثين.
وأما كونه يستفتح فيما يقضيه ويتعوذ ويقرأ السورة على القول بأنه أول صلاته؛ فلأن ذلك شأن أول الصلاة.
وعلى الرواية الأخرى لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يقرأ السورة لأن ذلك شأن آخر الصلاة.

قال: (ولا تجب القراءة على المأموم.
ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده.
فإن لم يسمعه لطرش فعلى وجهين.
وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟ على روايتين).

أما كون القراءة لا تجب على المأموم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» 1 [رواه الدارقطني] 2. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يكفيك قراءة الإمام خافتَ أو جهر» 3. ولأنه حال جهر الإمام مأمور بالإنصات وذلك ينافي وجوب القراءة عليه.
وأما كونه يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده؛ فلأن القراءة مشروعة في جميع الصلاة لأنها محل ذلك.
وإنما تُرك ذلك في حق المأموم فيما يجهر فيه إمامه لأنه يشوش عليه ويمنعه من سماع القراءة.
وهذا المعنى مفقود في هذه المواضع فيبقى على مقتضى الدليل.
ولأنه روي في بعض ألفاظ الحديث: «إذا أسررتُ بقرائتي فاقرؤا» 4. وأما كونه إذا لم يسمعه لطرش يستحب له القراءة على وجهٍ؛ فلأنه لا يسمع فلا يكون مأموراً بالإنصات فشرع له القراءة كالذي قبله.

وأما كونه يكره له على وجهٍ؛ فلما فيه من تشويش الصلاة على الإمام وعلى من يُنصت من بقية المأمومين.
وأما كونه يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام على روايةٍ؛ فلأن سماعه لقراءة الإمام قامت مقام قراءته بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإن الإمام يسر بهما فيسن قولهما للمأموم لئلا يترك الأصل وما قام مقامه.
وأما كونه يكره له ذلك على روايةٍ وهي الصحيحة؛ فلأن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة فإذا كره المتبوع كره التابع.
قال: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده.
فإن لم يفعل عمداً بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي).
أما كون من ركع أو سجد قبل إمامه عليه أن يرفع ليأتي به بعده؛ فلأن إتيانه بعده واجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا ركع فاركعوا.
وإذا سجد فاسجدوا» 1. أمر بذلك بعد فعل الإمام.
وأمره للوجوب.
ولا يمكن ذلك إلا بالرفع.
وكذلك قال المصنف رحمه الله: ليأتي به بعده.
والمراد بالبعدية هنا بعد شروع الإمام في الركن لا بعد فراغه منه.
وأما كونه إذا لم يرفع عمداً تبطل صلاته عند أصحابنا غير القاضي؛ فلأنه سابَقَ إمامه في الركوع والسجود 2 أشبه ما لو سابقه في السلام.

ولأنه متى فعل ذلك متعمداً فقد ارتكب النهي وخالف الأمر.
وذلك يقتضي الفساد.
ومقتضى هذا التعليل أنه متى سابقه عمداً في ركوع أو سجود أو رفع بطلت صلاته.
ونقله ابن عقيل رواية.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي: أنه ظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه لأنه قال: لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب.
إشارة منه إلى قوله عليه السلام: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» 1 متفق عليه.
وأما كونها لا تبطل عند القاضي؛ فلأنه شارك إمامه في الركن المقصود وإنما فارقه في الانحناء وليس بمقصود لأنه وسيلة إلى المقصود والاتفاق في المقصود مع الافتراق في الوسيلة لا يضر كما لو سابقه في الأقوال.
قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً فهل تبطل صلاته؟ على وجهين.
وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته.
وهل تبطل الركعة؟ على روايتين).
أما كون صلاة من ركع ورفع قبل إمامه مع علمه بكونه مبطلاً وعمده كذلك تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأنه سبق بركن كامل وهو معظم الركعة أشبه ما لو سبقه في السلام.
وأما كونها لا تبطل على وجهٍ فكما لو ركع أو رفع.

وأما كون صلاة من فعل ذلك مع جهله أو نسيانه لا تبطل؛ فلأن تحريمه بالصلاة صحيح ولم يوجد ما يبطله لأن فعل الجاهل والناسي يعذران فيه.
وأما كون الركعة تبطل على روايةٍ؛ فلأنه لم يجتمع مع إمامه في الركوع [أشبه ما لو أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع.
والثانية: لا تبطل لأنه معذور] 1 أشبه ما لو أحرم معه ثم ركع الإمام ورفع وهو قائم ظناً أن الإمام لم يركع بعد.
قال: (فإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت صلاته.
إلا الجاهل والناسي تصح صلاتهما وتبطل تلك الركعة).
أما كون صلاة غير الجاهل والناسي تبطل؛ فلأن ذلك مسابقة ومفارقة كثيرة.
وأما كون صلاة الجاهل والناسي تصح؛ فلصحة تحريمها وعذرهما.
وأما كون تلك الركعة تبطل؛ فلأنه لم يتابع إمامه في معظم الركعة.
ولأنه إذا سبق إمامه بالركوع وحدَه أبطل؛ لأنه عماد الركعة فهذا بطريق الأولى.

قال: (ويستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها.
وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية).
أما كون الإمام يستحب له التخفيف مع الإتمام؛ فلما روى أنس قال: «ما صليت خلف أحد أخف ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 1. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمّ أحدكم فليُخَفِّف.
فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» 2. ومعنى إتمام الصلاة: أن يفعل أدنى الكمال من التسبيح والقراءة وسائر أجزاء الصلاة.
وهذا التخفيف مختص بمن لا تُؤْثِر جماعته التطويل فإن آثرته استحب؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالستين إلى المائة» 3، و «بقاف» 4، و «بالروم» 5، و «بالمؤمنون (6») 7.6

وأما كونه يستحب له تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الثانية على النصف مما قرأ به في الركعة الأولى» 1. ولأنه إذا طول الأولى لحقه المأمومون ولم يفتهم من صلاة الجماعة شيء.
قال: (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين.
وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها.
وبيتها خير لها).
أما كون الإمام لا يستحب له انتظار الداخل في حال ركوعه في روايةٍ؛ فلأن انتظاره له يؤدي إلى التشريك في العبادة.
وأما كونه يستحب له في روايةٍ؛ فلما روى ابن أبي أوفى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم» 2 رواه أبو داود.
وروى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع سمع حساً خلفه لم يرفع حتى لا يسمع حساً».
ولأنه نفعٌ للداخل من غير مشقة فشرع كتخفيف الصلاة إذا سمع بكاء الصغير تخفيفاً على أمه.

ولا بد أن يلحظ في هذه الرواية عدم مشقة المأمومين فلو شق ذلك عليهم لم يستحب لما تقدم من قوله عليه السلام: «إذا أمَّ أحدكم فليخفّف فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة» 1. وأما كون المرأة إذا استأذنت إلى المسجد يكره منعها وبيتها خير لها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ وبيوتُهن خيرٌ لهن» 2 رواه الإمام أحمد.

فصل في الإمامة قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يَؤم القوم أقرؤهم.
ثم أفقههم.
ثم أسَنُّهم.
ثم أقدمهم هجرة.
ثم أشرفهم.
ثم أتقاهم.
ثم من تقع له القرعة).
أما كون السنة أن يؤم القوم أقرؤهم ثم أفقههم؛ فلما روى أبو مسعود البدري 1 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤم القوم أقرؤهم فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» 2. وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» 3 رواهما مسلم.
وأما كون السنة أن يؤمهم بعدَ ما ذكر أسنهم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه: «إذا حضرت الصلاة فأذنا وليؤمكما أكبركما» 4 متفق عليه.
وفي بعض الحديث: «وكانت قرائتهما متقاربة» 5. ولأن الكبير أخشع في صلاته وأقرب إلى إجابة الدعاء.
وقال ابن حامد: أولاهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أكبرهم سناً.

وظاهر كلام الإمام أحمد رحمة الله عليه أنهما إذا استويا في القراءة والفقه فأولاهما أقدمهما هجرة ثم أسنهما؛ لأن تكملة حديث أبي مسعود 1: «فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة.
فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً» 2. وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ما تقدم ذكره أقدمهم هجرة؛ فلما تقدم في حديث أبي مسعود 3. ومعنى الأقدم هجرة أن يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام.
وأما كون السنة أن يؤم القوم بعد ذلك أشرفهم؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش» 4. وقال صلى الله عليه وسلم: «قدموا قريشاً ولا تَقَدّموها» 5. وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك أتقاهم؛ فلأنه أقرب إلى الإجابة.
وقد جاء: «إذا أمَّ الرجلُ القومَ وفيهم من هو أفضلُ لم يزالوا في سِفَال» 6. ذكره الإمام أحمد رحمه الله في رسالته.
وأما كون السنة أن يؤمهم بعد ذلك من تقع له القرعة؛ فـ «لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أقرع بين الناس في التأذين حين تشاحوا فيه» 7 والإمامة مثله.

ولأن القرعة ترفع النزاع والتشاحن وتقطع الخصام.
قال: (وصاحب البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان).
أما كون صاحب البيت أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعضهم من في بيته ذا سلطان؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «صاحب الدار أحق بالدار» 1. وقوله: «لا يُؤَمَّنّ الرجل في بيته» 2. وأما كون إمام المسجد أحق من غيره بالإمامة إذا لم يكن بعض من في المسجد كذلك؛ فـ «لأن ابن عمر رضي الله عنها كان له مولى يصلي في مسجد.
فحضر ابن عمر.
فقيل له: تقدم.
فقدم مولاه.
وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك» 3. ولأن في تقديم غيره افتياتاً على من نصبه وكسراً لقلب 4 المولّى.
وأما كون السلطان أحق منهما؛ فلأن له ولاية عامة عليهما وعلى غيرهما.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّ عتبان بن مالك وأنساً في بيوتهما» 5. وذكر أبو الخطاب وجهاً أنهما أحق من السلطان لأن مرتبة السلطان لا تنقص بذلك وفيه جبر قلب صاحب 6 البيت والإمام الراتب.
وزيادة في شرفه.

قال: (والحر أولى من العبد.
والحاضر أولى من المسافر.
والبصير أولى من الأعمى في أحد الوجهين).
أما 1 كون الحر أولى من العبد؛ فلأن الحر أشرف منه وأكمل في أحكامه.
ويصلح لإمامة الجمعة 2 والعيد بخلاف العبد.
وقول المصنف رحمه الله: [أولى من العبد] 3؛ مشعر بصحة إمامة العبد وهو صحيح؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم» 4. و«لأن عائشة رضي الله عنها صلت خلفَ غلام لها» 5. و«صلى أبو سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد بأبي ذر وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم» 6 رواه صالح بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما في مسائله.
ولأنه أهلٌ للأذان فصلح أن يكون إماماً كالحر.
وأما كون الحاضر أولى من المسافر؛ فلأنه إذا أم حصل جميع الصلاة في جماعة بخلاف المسافر.
وأما كون البصير أولى من الأعمى في وجه؛ فلأنه أقدر على توقي النجاسات واستقبال القبلة باجتهاده.
وأما كونهما سواء في وجهٍ قاله القاضي؛ فلأن الأعمى أخشع من البصير فيكون ذلك مقابلاً لتوقي النجاسات.

قال: (وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين.
وفي إمامة أقطع اليدين وجهان).
أما كون إمامة الفاسق لا تصح على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ [السجدة: 18].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تَؤمن امرأة رجلاً.
ولا فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان أو يخاف سوطه» 1 [رواه ابن ماجة] 2. وفي لفظ: «ولا فاسق مؤمناً».
وقوله عليه السلام: «انتقدوا أئمتكم نقد الدينار».
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ فقال: صل الصلاة في وقتها.
فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» 3 رواه مسلم.
و«كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي وراء الحجاج» 4. «والحسن والحسين رضي الله عنهما يصليان وراء مروان» 5. وأما كون إمامة الأقلف لا تصح على روايةٍ؛ فلأنه حامل لنجاسة ظاهرة يمكنه إزالتها بإزالة المانع بالختان.
وأما كونها تصح على روايةٍ فلتعذر زوال النجاسة في الحال.
والختان مختلف في وجوبه فلم تكن إزالتها واجبة لا محالة.
وأما كون إمامة أقطع اليدين لا تصح في وجه فلإخلاله بعضو من أعضاء السجود.
وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه لا يخل بركن من أركان الصلاة.

وذكر المصنف رحمه الله في المغني هذين الوجهين روايتين.
والحكم في أقطع الرجلين أو إحداهما أو إحدى اليدين كالحكم في أقطع اليدين لاتحاد الكل في الإخلال بعضو وعدمه بما هو ركن.
قال: (ولا تصح الصلاة خلف كافر، ولا أخرس، ولا من به سلس البول، ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود).
أما كون الصلاة لا تصح خلف كافرٍ؛ فلأن الصلاة تفتقر إلى النية وكذا الوضوء.
والنية فيهما لا تصح من الكافر.
وسواء عَلم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها لأن أمارات الكفر لا تخفى غالباً فكأنه إذا لم يَعلم يعد مقصراً.
وأما كونها لا تصح خلف أخرس؛ فلأنه مأيوس من قرائته فقد فات ركن من أركان الصلاة على وجهٍ لا يرجى وجوده فلم تصح الصلاة خلفه كالعاجز عن الركوع والسجود.
فعلى هذا لا فرق بين كون المأموم أخرس أو ناطقاً لما ذكر من فوات الركن الذي هو القراءة.
وذكر المصنف رحمه الله في الكافي أنه يصح إمامة الأخرس بمثله لاستوائهما في فوات الركن.
أشبه إمامة الأمي بمثله.
وأما كونها لا تصح خلف من به سلس البول؛ فلأن في صلاته خللاً غير مجبور ببدل.
ولأنه محدث حامل للنجاسة أشبه ما لو صلى خلف محدث يعلم بحدثه.
فإن قيل: فلم صحت صلاته في نفسه؟ قيل: للضرورة.
وأما كونها لا تصح خلف عاجز عن الركوع والسجود والقعود؛ فلأنه أخل بركن لا يسامح به في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي.

قال: (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي المرجو زوال علته.
ويصلون وراءه جلوساً.
فإن صلوا قياماً صحت صلاتهم في أحد الوجهين.
وإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً).
أما كون صلاة القادر على القيام لا تصح خلف عاجز عنه غير إمام الحي المذكور؛ فلأنه عجز عن ركنٍ من أركان الصلاة فلم يصح الاقتداء به كالعاجز عن القراءة.
وأما كونها تصح خلف إمام الحي المذكور؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً مرتين أو ثلاثاً وصلى الناس خلفه» 1. وإنما اشترط في صحة صلاة القائم خلف العاجز عن القيام أن يكون العاجز إمام حي وأن تكون علته مرجوة الزوال لأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لما تقدم في صلاة القادر على الركوع خلف العاجز عنه.
تُرك العمل به فيما ذكر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وكان موصوفاً فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون من وراءه يصلون جلوساً إذا لم يبتدأهم الصلاة قائماً؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به.
فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً.
وإن صلى جالساً فلا تقوموا وهو جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها» 2 رواه مسلم.
ولقوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» 3 متفق عليه.
ولأنها حالة قعود للإمام فوجب متابعته كالتشهد.
وأما كون صلاتهم تصح إذا صلوا قياماً؛ [فلأن النبي صلى الله عليه وسلم] 4 لم يأمرهم بالإعادة.

وأما كونها لا تصح في وجهٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالجلوس» وأمره للوجوب.
و «نهى عن القيام» والنهي يقتضي الفساد.
وقيل: هذان الوجهان روايتان.
وأما كونهم يتمون خلفه قياماً إذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس؛ فـ «لأن أبا بكر ابتدأ بالصحابة الصلاة قائماً.
ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالساً.
وأتم من خلفه قياماً» 1. ولأن القيام هو الأصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها كمن شرع في صلاة وهو مقيم ثم خرجت به السفينة في أثناء الصلاة فلم يجز له القصر.
وفي هذا جمع بين أمره بالقعود وبين إقراره على تركه آخر أمره لأنا حملنا قوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» 2 ونحو ذلك على ما إذا ابتدأ الصلاة جالساً، وإقرارَه على القيام في آخر أمره على ما إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل؛ لأن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء صلاة أبي بكر كاعتلال أبي بكر رضي الله عنه.
ولا شبهة أن ذلك أولى من النسخ لا سيما مع ظهور الفرق بين ابتدائه الصلاة معتلاً وبين اعتلاله في أثنائها.
قال: (ولا تصح إمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى.
ولا إمامة الصبي لبالغ إلا في النفل على إحدى الروايتين).
أما كون إمامة المرأة للرجال لا تصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تؤمن امرأة رجلاً» 3. ولأن المرأة لا تُؤَذّن للرجال فلا تكون إمامةً لهم كالمجنون.

ونقل أبو الخطاب عن أصحابنا: أنه 1 يجوز أن تكون المرأة إمامة للرجال في التراويح خاصة؛ لما روى عبدالرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبدالله بن الحارث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذناً يُؤذن لها.
وأمرها أن تؤم أهل دارها» 2 رواه أبو داود.
وهذا عام في الرجال والنساء.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه لا يجوز أن تؤم في ذلك ولا في غيره.
وصرح به في المغني.
وأجاب عن حديث أم ورقة أن في روايةٍ الدارقطني «أن تؤم بنساء أهل دارها» 3. فيحمل المطلق على المقيد.
وذكر صاحب النهاية فيها «أن أم ورقة قالت: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم إني امرأة أصلي بأهل بيتي لأني أحفظ القرآن وهم لا يحفظون.
فقال: قدمي الرجال أمامك وقومي فصلي بهم من ورائهم.
وقومي مع النساء» وهذا تصريح بإمامة المرأة للرجل لا احتمال فيه ولا إطلاق.
فعلى قول المصنف رحمه الله لا كلام فيه 4، وعلى نقل أبي الخطاب: يشترط في المأموم أن يكون ممن يجوز له سماع كلامها.
ذكره صاحب النهاية فيها لأن المأموم إذا كان أجنبياً حرم عليه سماع كلامها.
والإمام لا مندوحة له عن الكلام إما في التكبير وإما في القراءة.
وأما كون إمامة المرأة 5 للخناثى لا تصح فلجواز أن يكونوا رجالاً وقد تقدم أنه لا يصح إمامة المرأة للرجال.
وأما كون إمامة الخنثى للرجال لا تصح؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً [وقد تقدم أنه لا يصح أن تكون المرأة إماماً للرجل.

وأما عدم جواز صلاة الخنثى بالخنثى؛ فلجواز كون الإمام امرأة والمأموم رجلاً] 1. وأما كون إمامة الصبي لبالغ في الفرض لا تصح؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا صبيانكم» 2. ولأن الإمامة حالُ كمال والصبي ليس من أهله أشبه المرأة.
بل آكد لأنه نقص يمنع التكليف وصحة الإقرار.
ولأن الإمام ضامن يتحمل عن المأمومين والصبي ليس من أهل الضمان.
وأما كونها تصح في النفل على روايةٍ؛ فلأنها نافلة في حقه فيقتدي به من هو متنفل مثله.
وأما كونها لا تصح على روايةٍ؛ فبالقياس على الفرض.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «كنا نأخذ الصبيان من الكُتّاب فيصلوا بنا التراويح.
ويعملوا 3 لنا الخشكنان».
ولأنها أخف حالاً من الفرض يسقط فيها بعض أركان الصلاة من استقبال القبلة والقيام.
وذكر أبو الخطاب في صحة إمامة الصبي في الفرض روايةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «يؤم القوم أقرؤهم.
قال عمرو بن سلمة: كنت أقرؤهم وكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين» 4 رواه أبو داود.
وهذا الحديث كان الإمام أحمد يضعفه.
قال الخطابي: وعلى تقدير صحته لا يصح الاحتجاج به إلا إذا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأقره [عليه.

ويمكن الجواب عنه بأن الظاهر من حاله أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عليه فأقره] 1. والعمل بالظاهر متعين.
قال: (ولا تصح إمامة محدِث ولا نجس يعلم ذلك.
فإن جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده).
أما كون إمامة المحدث والنجس العالمين بحالهما لا تصح؛ فلأن الطهارة من الحدث والنجس شرط لصحة الصلاة فضلاً عن الإمامة وهو مفقود هنا فلم يصح لفوات الشرط.
وأما كون المأموم تصح صلاته إذا جهل هو والإمام 2 إلى فراغ صلاته؛ فلما روى البراء بن عازب قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم» 3. وروى البراء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى الإمام بالقوم وهو على غير وضوء أجزأت صلاة القوم ويعيد» 4. وأما قول المصنف رحمه الله: وحده؛ ففيه تنبيه على أن صلاة الإمام لا تصح وهو صحيح.
صرح به في المغني وغيره.
ووجهه ما تقدم من الحديث في قوله: «وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم» وفي قوله: «ويعيد».

قال: (ولا تصح إمامة الأمي.
وهو: من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفاً لا يُدْغَم، أو يبدل حرفاً، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله.
فإن قدر على إصلاح ذلك لم تصح صلاته).
أما كون إمامة الأمي بالقارئ لا تصح؛ فلأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة أشبه إمامة القاعد بالقائم.
ولأن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم عندنا وعن المسبوق عند المخالف.
والأمي ليس أهلاً للتحمل.
وأما كون إمامة الأمي بمثله تصح؛ فلأنهما استويا فصح اقتداء أحدهما بالآخر كالمرأة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو من لا يحسن الفاتحة.. إلى آخره؛ فبيان للأمي شرعاً.
وأما في اللغة: فهو الباقي على أصل خلقته.
والمراد بمن لا يحسن الفاتحة من لا يحفظها، وبمن يدغم حرفاً لا يُدْغَم من يدغم حرفاً في غير مثله وغير ما يقاربه في المخرج، وبمن يبدل حرفاً بغيره من يبدل مثلاً القاف بالكاف فيقول: اهدنا الصراط المستكيم، وبمن يلحن لحناً يحيل المعنى [مثل أن يكسر الكاف في إياك، ويضم التاء من أنعمت.
وفي تقييد اللحن بتغيير المعنى] 1 دليل على أنه لو لحن لحناً لا يحيل المعنى لا يكون أمياً.
وهو صحيح وصرح به غير المصنف من أصحابنا لأن المعنى المقصود حاصل وإن أساء في العبادة.
ومن اللحن الذي لا يحيل المعنى فتح دال ﴿نعبد﴾ ونون ﴿نستعين﴾ [الفاتحة: 5] وهذه المسامحة مختصة بغير التعمد فإن تعمد ذلك لم تصح صلاته لأنه مستهزئ ومتعد 2. وأما كون صلاته في نفسه لا تصح إذا قدر على إصلاح الفاتحة؛ فلأنه ترك ركناً مع القدرة على الإتيان فلم تصح صلاته كما لو ترك الركوع والسجود عمداً.

قال: (وتكره إمامة اللحّان والفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف.
وأن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن، أو قوماً أكثرهم له كارهون).
أما كون إمامة اللحّان وهو كثير اللحن، والفأفاء وهو من يكرر الفاء، والتمتام وهو من يكرر التاء، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالبدوي الذي لا يفصح بالقاف تكره فلأن 1 في قراءتهم نقصاً عن حال الكمال بالنسبة إلى من لا يفعل ذلك فكره لتضمنها النقصان.
وقول المصنف رحمه الله: تكره؛ مشعر بصحة إمامتهم وهو صحيح؛ لأنهم يأتون بالحروف الواجبة، وإنما تزداد حركة أو فاء أو تاء وذلك غير مؤثر؛ كتكرير الآية.
وأما كون الإمام يكره له أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن؛ فلما فيه من الخلوة بالأجنبيات ومخالطة الوسواس.
ولو كانت الخلوة بامرأة واحدة حرمت الخلوة بها.
وأما كونه يكره له أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون؛ فلما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» 2 قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولو استوى الكاره والراضي فوجهان للتعارض.
ولو كانت الكراهة لأنه صاحب سنة أو نحو ذلك لم يكره؛ لأن الذنب لهم.
قال: (ولا بأس بإمامة ولد الزنا والجندي إذا سَلِم دينهما).
أما كون ولد الزنا لا بأس بإمامته إذا سَلِم دينه؛ فلما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤمكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا» 3. و«صلى التابعون خلف زياد بالبصرة» وهو ممن في نسبه نظر.

وأما كون الجندي لا بأس بإمامته إذا سلم دينه؛ فلدخوله في عموم الأدلة الدالة على صحة الإمامة.
ولأن كل واحد [من ولد الزنا] 1 والجندي حر عدل تقبل روايته فلم تكره الصلاة خلفه قياساً على غيره.
قال: (ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل.
ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في إحدى الروايتين.
والأخرى لا تصح فيهما).
أما كون ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها تصح؛ فلأن الاختلاف ليس في 2 النية ولا في التعيين ولكن في الوقت وذلك لا تتوقف صحة الصلاة عليه.
بدليل صحة صلاة من ظن خروج الوقت فصلى بنية القضاء ثم بان أن الوقت لم يخرج، وصحة صلاة من ظن بقاء الوقت فصلى بنية الأداء فبان أن الوقت قد خرج.
قال الخلال 3: يصح ائتمام من يؤدي بمن يقضي رواية واحدة لما ذكر.
وقال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما: تصح لما ذكر.
والثانية: لا تصح لنقصان القضاء عن الأداء.
فصحة الأداء خلفه نقص لرتبته.
ولأن صلاة الائتمام لا بد وأن تكون متضمنة لصلاة المأموم، والقضاء لا يتضمن الأداء.
ولا بد أن يلحظ في هذه المسألة اتحاد الصلاة كظهر خلف ظهر وعصر خلف عصر؛ لأن صلاة الظهر خلف عصر سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
ولأن الغرض هنا بيان أن اختلاف النية في القضاء والأداء لا يؤثر.
ولو قدر في المسألة أنها ظهر خلف عصر لكان الكلام في شيئين: أحدهما: اختلاف النية في القضاء والأداء.

وثانيهما: اختلافها في الظهرية والعصرية.
وأما كون ائتمام المفترض بالمتنفل يصح في روايةٍ؛ فبالقياس على المسألة المذكورة قبل.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ وهي الصحيحة في المذهب قاله ابن عقيل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» 1 ظاهره وإطلاقه يقتضي متابعته ظاهراً وباطناً فإذا اختلفت نيتهما 2 كان متابعاً من وجه دون وجه.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا على أئمتكم» 3. ولأن الفرض أكمل من النفل فإذا اقتدى المفترض بالمتنفل فقد أسقط فضيلة الفريضة حيث جعلها تبعاً لما هو دونها.
والأولى أصح عند المصنف رحمه الله «لأن معاذاً كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة» 4 متفق عليه.
والظاهر من حاله أنه لم يكن يترك الأداء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فجاز ائتمام المفترض بالمتنفل كالعكس.
وأما كون ائتمام من يصلي 5 الظهر بمن يصلي العصر يصح في روايةٍ ولا يصح في روايةٍ؛ فلأن الاختلاف في الصفة كالاختلاف في الموصوف فيجب أن تكون الصحة وعدمها كالذي تقدم.

فصل في الموقف قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام.
فإن [وقفوا] 1 قدامه لم تصح.
وإن وقفوا معه عن يمينه أو عن جانبه صح).
أما كون السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام؛ فلأن الصحابة رضي الله عنهم كذا كانوا يقفون خلف النبي صلى الله عليه وسلم.
نقله الخلف عن السلف.
وأما كونهم إذا وقفوا قُدّامه لا تصح صلاتهم؛ فلأنه ليس موقفاً لأحد من المأمومين بحال.
فلم تصح صلاتهم كما لو صلوا في بيوتهم بصلاة الإمام في المسجد.
ولأن الإمام متبوع ومقتدى به والمأموم متبع ومن تقدم إمامه ليس بمتبع.
وأما كونهم إذا وقفوا عن يمينه أو جانبيه تصح صلاتهم؛ فـ «لأن ابن مسعود رضي الله عنه صلى بين علقمة والأسود إماماً لهما.
فلما فرغ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل» 2 رواه أبو داود.
قال: (فإن كان واحداً وقف عن يمينه.
وإن وقف خلفه أو عن يساره لم يصح.
وإن أم امرأة وقفت خلفه).
أما كون الواحد يقف عن يمين الإمام؛ فلما روى ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل.
فقمت عن يساره فأخذ بذؤابة رأسي فأدارني عن يمينه» 3 متفق عليه.

وأما كون من وقف خلفه لا تصح صلاته؛ فلما روى وابصة بن معبد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد» 1 رواه أبو داود.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لفرد خلف الصف» 2 رواه الأثرم.
قال الإمام أحمد فيهما: هذا حديث حسن.
وأما كون من وقف عن يساره لا تصح صلاته؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابراً لما وقفا عن يساره» 3. ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدامه.
وأما كون من أمّ امرأة تقف خلفه؛ فلقوله عليه السلام: «أخروهن من حيث أخرهن الله» 4.

و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمّ امرأة وأنساً واليتيم فجعل أنساً واليتيم خلفه والمرأة خلفهما» 1. وروى أنس: «أنه أمَّهُ وامرأة عجوزاً -هي أمه أو خالته- فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» 2 رواه مسلم.
ولأنها ناقصة عن الرجال فناسب ذلك تأخيرها.
قال: (فإن اجتمع أنواع: يقدم الرجال.
ثم الصبيان.
ثم الخناثى.
ثم النساء.
وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم).
أما كون الرجال يتقدم على الصبيان؛ فلقوله عليه السلام: «ليليني أولو الأحلام والنهى» 3 رواه مسلم.
وأما كون الصبيان يتقدم على الخناثى؛ فلفضل الذكورية على الأنوثية والخنثى يحتمل كونه أنثى.
وأما كون الخناثى يتقدم على النساء؛ فلاحتمال كون الخنثى ذكراً.
وأما كونهم يفعل بهم في تقديمهم إلى الإمام إذا اجتمعت جنائزهم كذلك؛ فلأن الأموات كالأحياء في كثير من الأحكام فكذلك هاهنا.

فعلى هذا إذا اجتمع جنائز من أنواع كرجل وصبي وخنثى وامرأة قدم الرجل لأنه يقدم في الحياة فكذلك في الممات.
ولأن الرجل أكمل الأنواع لاجتماع الذكورية والتكليف فيه.
ثم الصبي: أما على الخنثى فلما ذكر، وأما على المرأة؛ فلأنه إذا قدم على الخنثى المقدم على المرأة؛ فلأن يقدم على المرأة بطريق الأولى.
و«لأن سعيد بن العاص صلى على أمِّ كُلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ابن الخطاب وخلفه ثمانون من الصحابة.
وروي: ثلاثون.
منهم: ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وقتادة فوضعوا الغلام مما يلي الإمام.
وقالوا: هذا السنة» 1 رواه النجاد.
ورواه النسائي.
ولفظه: عن عمار مولى الحارث بن نوفل قال: «شهدت جنازة امرأة وصبي.
فقدم الصبي مما يلي القوم.
ووضعت المرأة وراءه.
فصلي عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة.
فسألتهم.
فقالوا: السنة» 2. وذلك ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الخرقي: يقدم النساء على الصبيان لأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال في الجنازة: «يوضع الرجال والصبيان بعد النساء».
ولأن المرأة مكلفة فهي أكمل من الصبي وإنما قدم الصبي حياً خوف الفتنة.
ثم الخنثى لأنه يحتمل أنه ذكر.
قال: (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فَذٌّ.
وكذلك الصبي إلا في النافلة).
أما كون من لم يقف معه إلا كافر أو محدث يعلم حدثه فذاً؛ فلأن صلاة الكافر والمحدث العالم بحدثه باطلة فوجودها كعدمها.

فإن قيل: لو لم يعلم المحدث بحدثه كانت صلاته باطلة أيضاً مع أنه يصح أن يكون صفاً.
قيل: مقتضاه أنه لا يصح لكنه لما كان في هذه الحالة يصلح أن يكون إماماً عارض ذلك لأنه إذا صلح أن يكون إماماً؛ فلأن يصلح أن يكون صفاً بطريق الأولى.
وأما كون من لم يقف معه إلا امرأة فذاً؛ فلأن مصاففتها مبطلة على قولٍ.
ولأن موقف الرجل يقدم على موقف المرأة فإذا صاففها خالف موقفه.
ولأنها لا تصافف الإمام وكذلك المأموم.
وأما كون من لم يقف معه في الفرض إلا صبي فذاً؛ فلأنه لا تصح إمامته فيها أشبه المرأة [في الفرض] 1. على أن المنقول عن الإمام أحمد أنه سئل عن وقوف الصبي مع الرجل في الفرض فتوقف عن الجواب.
فذُكر له حديث أنس فقال: ذاك في التطوع.
لكن الأصحاب اختلفوا فذهب أكثرهم إلى أن الواقف معه يكون فذاً لما تقدم.
وقال ابن عقيل: تصح مصاففته في الفرض لأن صحة الإمامة لا تشترط لصحة المصاففة بدليل الفاسق والأمي مع القارئ، وبدليل العبد والمسافر في الجمعة، والمفترض مع المتنفل.
وهذا أصح عندي.
وصححه جدي في خلاصته وصاحب المستوعب فيه.
وقال فيه 2: لو اشترط في صحة المصاففة صحة الإمامة لما صحت مصاففة الأخرس ولا أعلم به قائلاً.
وأما كون من لم يقف معه في النافلة إلا صبي غير فذ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صف أنساً واليتيم وراءه» 3. واليتيم من لم يحتلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد احتلام» 4.

وعن الإمام أحمد أن الصبي لا يكون صفاً في النافلة قياساً على الفريضة.
والحديث يرده.
قال: (ومن جاء فوجد فُرجةً وقف فيها.
فإن لم يجد وقف عن يمين الإمام.
فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه).
أما كون من جاء فوجد فُرجة يقف فيها؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلون الصفوف» 1. والفُرجة: بضم الفاء هي الخلل في الصف.
وأما كون من لم يجد فرجة يقف عن يمين الإمام؛ فلأنه موقف الواحد.
وأما كون من لم يمكنه ذلك له أن ينبه من يقوم معه فلما في ذلك من حصول من يقف معه.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله: أنه ليس له أن يُحدث من يجذب إليه.
وصرح به أبو الخطاب.
وقال ابن عقيل: جوز أصحابنا جذبه.
والأول أصح؛ لما فيه من التصرف في الغير بغير إذنه.
قال المصنف في المغني: ولأصحابنا أن يقولوا ليس في جذبه برفق تصرف وإنما هو تنبيه إن خرج وإلا لم يكره.
ومثل هذا يسامح فيه أشبه السجود على ظهر الرجل في الزحام.
قال: (فإن صلى فذاً ركعة لم تصح.
وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام صحت صلاته.
وإن رفع ولم يسجد صحت.
وقيل إن علم النهي لم تصح، وإن فعله لغير عذر لم تصح).
أما كون من صلى ركعة كاملة فذاً لا تصح صلاته؛ فلما تقدم من حديث وابصة بن معبد 2. ومن قوله: «لا صلاة لفرد خلف الصف» 3.

ولأن الركعة في حكم الصلاة في الوتر والحنث في اليمين.
ولأن المصلي لها يكون مدركاً للجمعة وزمانها يطول بخلاف ما إذا صلى فذاً بعض ركعة.
وأما كون من ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام تصح صلاته؛ فلأنه أدرك في الصف ما تُدرك به الركعة.
وأما كون من فعل ذلك غير عالم بالنهي وقد رفع الإمام ولم يسجد تصح صلاته؛ فلأنه لم يصل معظم الركعة فذاً أشبه ما لو أدرك الركوع.
وأما كون من فعل ذلك عالماً بالنهي تصح صلاته على المذهب؛ فلما ذكر في غير العالم به.
وأما كونها لا تصح على قول؛ فلأنه إذا علم النهي فقد ارتكب المنهي عنه عمداً وفاعل ذلك لا يعذر والنهي يقتضي الفساد فلزم بطلان صلاته عملاً بالمقتضي السالم عن معارضة العذر.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن النهي مختص بما لو دخل في الصف بعد رفع الإمام رأسه.
وظاهر كلام صاحب 1 النهاية فيها أن النهي يعود إلى من ركع دون الصف ثم دخل الصف قبل رفع الإمام أو قبل سجوده.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أيكم ركع دون الصف ثم مشى» 2 إشارة إلى التعليل بذلك فيعم.
فإن قيل: النهي إلى ماذا يعود؟ قيل: على القول بالصحة يكون عائداً إلى التأخير، وعلى القول بالفساد يكون عائداً إلى مثل 3 فعل أبي بكرة من ركوعه قبل الصف ومشيته إليه.

وفي قوله: إن علم إشعار بأن الصلاة تصح مع الجهل وهو صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة بالإعادة.
وعن أحمد: لا تصح مع الجهل لأنه ركع فذاً فلم تصح كما لو لم يدخل في الصف.
وأما كون من ركع دون الصف ثم دخله لغير عذر مثل أن يكون غير خائف فوات الركعة أو عالماً بإطالة الإمام ونحو ذلك لا تصح صلاته؛ فلأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره.
وقيل: حكمه حكم من خاف الفوات لأن الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه.
قال: (وإذا كان المأموم يرى مَن وراء الإمام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف.
فإن لم ير من وراءه لم تصح.
وعنه تصح إذا كانا في المسجد).
أما كون المأموم إذا كان يرى مَن وراء الإمام تصح صلاته إذا اتصلت الصفوف؛ فلانتفاء عدم الرؤية وعدم الاتصال المفسدَين.
ولأن المأموم إذا كان شأنه ما ذكر أمكنه الاقتداء بإمامه من غير خلل فوجب أن تصح صلاته كمن صلى في الصف الأول.
ولا بد أن يلحظ أن اتصال الصفوف فيمن صلى معه في المسجد غير معتبر.
ذكره المصنف في المغني وغيره من الأصحاب.
قال أبو الحسن الآمدي: لا خلاف في المذهب أنه لا يعتبر اتصال الصفوف في المسجد.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر باشتراطه فيجب حمله على ما إذا صلى بصلاة الإمام خارج المسجد.
وإنما لم يعتبر الاتصال في المسجد؛ لأن المصلين فيه مع الاقتداء يُعدّون مجتمعين في البعد والقرب.

وإنما اعتبر الاتصال في خارج المسجد؛ لأن المكان ليس معداً للاجتماع فاشترط الاتصال ليحصل ذلك.
والاتصال مقدر بالعرف؛ لأنه لا توقيف فيه، وهو تارة يكون بين المأموم وبين إمامه وتارة بينه وبين من ورائه.
وأما كون من لم ير من وراء الإمام وهو متصل مع إمامه في المسجد لا تصح صلاته على روايةٍ فلقول عائشة رضي الله عنها لنساءٍ كُنّ في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب» فعللت النهي بالحجاب وهو موجود هنا.
ولأن المتابعة في الأفعال لا تمكن بمجرد التكبير لأنه قد يسهو ويسجد للتلاوة.
ولأن الرؤية معتبرة فيمن صلى خارج المسجد وفاقاً على الأصح فليكن هاهنا كذلك بالقياس عليه.
وأما كونها تصح على روايةٍ إذا سمع التكبير؛ فلأن المسجد موضع الجماعة فلا تضر عدم الرؤية مع سماع التكبير كمن صلى عن يمين المنبر.
والسهو وسجود التلاوة الأصل عدمهما.
فإن قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله اشتراط سماع التكبير.
قيل: اشترطه في المغني.
ولا بد منه لأنه إذا انتفت الرؤية والسماع لم تمكن المتابعة.
فإن قيل: الصحيح من الروايتين ماذا؟ قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا وفي المغني الأول.
وصرح صاحب النهاية في خلاصته بذلك.
وقال ابن عقيل: الأصح الصحة لما تقدم.
وأما كون من لم ير مَن وراء الإمام لا تصح صلاته إذا كان خارج المسجد والإمام فيه؛ فلما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
قال صاحب النهاية فيها: يشترط مشاهدة من وراء الإمام في حق من صلى خارج المسجد بغير خلاف في المذهب نعلمه.
ومراده الفرض لأن النفل اختلفت الرواية فيه لأنه سومح فيه ما لم يسامح في غيره.
قال القاضي أبو يعلى: الصحيح عندي المنع.

ونُقل عنه فيمن صلى الجمعة خارج المسجد وأبوابه مغلقة قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
فعلى هذا لا يعتبر في الجمعة مع عدم القدرة عليها لإفضاء الترك إلى تعطيلها بخلاف بقية الصلوات.
قال: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم.
فإن فعل وكان كثيراً فهل تصح صلاته؟ على وجهين).
أما كون الإمام لا يكون في وقوفه أعلى من المأموم فلما روي «أن عمار ابن ياسر رضي الله عنه كان بالمدائن.
فأقيمت الصلاة.
فتقدم عمار رضي الله عنه فقام على دكان، والناس أسفل منه 1. فتقدم حذيفة وأخذ بيده واتبعه عمار حتى أنزله.
فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أمّ الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يديّ» 2 رواه أبو داود.
وأما كونه إذا فعل ذلك وكان كثيراً تصح صلاته على وجهٍ؛ فلأن عماراً بنى على صلاته.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
قال ابن عقيل: أصح الوجهين البطلان.
واشترط المصنف رحمه الله الكثرة في العلو لأن العلو اليسير لا بأس به لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع بصره المنهي عنه.
والكثير مقدار قامة المأموم.
قاله صاحب النهاية فيها.
ووجهه أنه حينئذ يحتاج إلى الرفع المنهي عنه.

قال: (ويكره للإمام أن يصلي في طاق القبلة، أو أن يتطوع في موضع المكتوبة إلا من حاجة.
ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم).
أما كون الإمام يُكره له أن يصلي في طاق القبلة من غير حاجة؛ فلأنه يمنع من يقف عن يمينه ويساره مشاهدته والاقتداء به.
وأما كونه يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة من غير حاجة؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول» 1 رواه أبو داود.
وفي لفظ: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة بالناس حتى يتحول» 2. ولأن في تحويله من مكانه إعلاماً لمن أتى المسجد أنه قد صلى ولا يَنتظر ويطلب جماعة أخرى.
وأما كونه لا يكره له ذلك في المسألتين مع الحاجة؛ فلأن الحاجة قد تبيح المحظور؛ فلأن تزيل المكروه بطريق الأولى.
ومثال الحاجة في الأولى: أن يكون المسجد ضيقاً.
وفي الثانية: أن لا يجد له موضعاً يتحول إليه.
وأما كون المأمومين يكره لهم الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم؛ فلما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُطرد عنها طرداً» 3 رواه ابن ماجة.

وقول المصنف رحمه الله: إذا قطعت صفوفهم؛ تنبيه على اشتراط ذلك في الكراهة؛ لأن الكراهة إنما كانت من أجل القطع.
فلم يكن بد من اشتراطه.
وشرط بعض أصحابنا: أن يكون عرض السارية ثلاثة أذرع؛ لأن ذلك هو الذي يقطع الصف دون غيره.
ولو كان الصف صغيراً قدر ما بين الساريتين لم يكره؛ لأن الصف لا ينقطع بذلك.
قال: (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة.
فإن كان معه نساء لبث قليلاً لينصرف النساء.
وإذا صلت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف).
أما كون الإمام يكره له إطالة القعود على الصفة التي ذكرها المصنف رحمه الله؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام ومنك السلام تبارك يا ذا الجلال والإكرام» 1 رواه مسلم وابن ماجة.
ولأنه إذا بقي على حاله ربما سها فظن أنه لم يسلم أو ظن غيره أنه في الصلاة.
وأما كونه يلبث قليلاً إذا كان معه نساء لينصرفن؛ فلقول أم سلمة: «أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سَلَّمن من المكتوبة قُمْنَ، وثَبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء 2 الله، فإذا قام رسول الله قام الرجال.
قال الزهري: فنرى أن ذلك لكي يتقدم من ينصرف من النساء» 3. رواه البخاري.
ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء.

وأما كون المرأة تقوم وسط المأمومات إذا صلت بهن؛ فلأن ذلك يروى عن عائشة 1 وأم سلمة رضي الله عنهما 2. ولأن وقوفها وسطهن أستر لها أشبه إمام العراة.
وفي قوله: إذا صلت امرأة بنساء إشعار بأن النساء يصلين جماعة.
وقد صرح باستحباب ذلك المصنف وغيره؛ لما تقدم من حديث أم ورقة 3، ولفعل عائشة، وأم سلمة.

فصل [في أعذار ترك الجمعة والجماعة] قال المصنف: (ويعذر في ترك 1 الجمعة والجماعة المريض 2، ومن يدافع أحد الأخبثين، أو بحضرة طعام 3 هو محتاج إليه، والخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه، أو من فوات رفقته أو غلبة النعاس، أو الأذى بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة).
أما كون المريض يعذر في ترك الجمعة والجماعة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرض تخلف عن المسجد» 4. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر.
قالوا: وما العذر؟ يا رسول الله! قال: خوف أو مرض.
لم تقبل منه الصلاة التي صلى» 5 رواه أبو داود.
وأما كون من يدافع الأخبثين أو بحضرة طعام هو محتاج إليه يعذر في ذلك فلما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصلي أحدكم بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين» 6 متفق عليه.

جارٍ التحميل