قال: (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين).
أما كون نية القضاء في الفائتة تشترط على وجهٍ فلتتميز.
وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأنه لو تحرى في الوقت فصلى فبان بعد الوقت أجزأته صلاته وفاقاً.
وهو قضاء لم ينوه.
وأما كون نية الفرضية في الفرض يشترط على وجهٍ وهو قول ابن حامد؛ فلأن الظهر مثلاً قد لا يكون فرضاً كظهر الصبي ومن أعاد الجماعة.
وأما كونها لا تشترط على وجهٍ؛ فلأن ظُهْر هذا لا يكون إلا فرضاً.
قال: (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام.
فإن تقدمت قبل ذلك بالزمن اليسير جاز).
أما كون المصلي يأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام؛ فلأنها أول الصلاة.
ومحل النية من كل عبادة أولها فكذا الصلاة.
وأما كون تقديمها قبل ذلك بالزمن اليسير يجوز؛ فلأنها عبادة يشترط لها النية فجاز تقديمها عليها كالصوم.
ولأن اشتراط المقارنة يشق وذلك منفي شرعاً.
قال: (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة.
فإن قطعها في أثنائها بطلت الصلاة.
وإن تردد في قطعها فعلى وجهين).
أما كون المصلي يجب عليه أن يستصحب حكم النية إلى آخر الصلاة؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب النية في كلها.
لكن لما شق ذلك وجب الاستصحاب.
ضرورة أنه لو لم يستصحب النية لم تكن بقية الصلاة صحيحة لأنها غير منوية قصداً ولا حكماً.
ولأن كل عبادة يشترط لها النية يشترط استصحابها.
دليله الصوم.
والمراد بالاستصحاب أنه إذا نوى العبادة لا ينوي قطعها بعد ذلك.
وأما كونه إذا قطع نية الصلاة في أثنائها تبطل؛ فلأن الاستصحاب شرط لما تقدم وقد فات فيلزم بطلان الصلاة.
ضرورة فوات الشيء لفوات شرطه.
ولأنه قطع نية الصلاة قبل إتمامها أشبه ما لو سلم ونوى به الخروج منها.
وأما كونه إذا تردد في قطعها تبطل صلاته على وجهٍ؛ فلأن التردد ينافي الجزم المشترط.
دليله المسلم إذا شك في الإسلام.
وأما كونها لا تبطل على وجهٍ؛ فلأنه لم يوجد قطع ولا تغيير.
قال: (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً.
وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً جاز.
ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفرداً فيريد الصلاة في جماعة).
أما كون من أحرم بفرض فبان قبل وقته انقلب نفلاً؛ فلأنه تعجيلٌ لعبادةٍ بدنية قبل وجوبها ووجود سببها وتحقق شرطها فلغت نية الفرضية.
وصار كما لو صام شعبان معتقداً أنه رمضان بنية الفرض.
وأما كون من أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً يجوز على المذهب؛ فلأن نية النفل تضمنتها نية الفرضية.
وأما كونه يحتمل أن لا يجوز مع عدم العذر؛ فلأنه ما نوى ذلك عند الإحرام، ولا تضمن انتقاله مصلحة فيكون فعله عبثاً وذلك منهي عنه.
وأما كونه يجوز مع العذر المذكور؛ فلأنه ينتقل إلى أفضل من حاله وذلك مطلوب في نظر الشرع.
قال: (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان).
أما كون الأولى تبطل؛ فلأنه قطع نيتها وأعرض عنها، واستدامة النية شرط لما تقدم.
وأما كون الثانية لا تصح؛ فلأن ابتداء النية وتعيينها لا بد منها ولم يوجد ذلك عند الإحرام.
وفي قول المصنف رحمه الله: بطلت الصلاتان؛ نظر، فإن الثانية لا توصف بالبطلان لكن توصف بعدم الصحة.
قال: (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما.
فإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لم يصح في أصح الروايتين.
وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي).
أما كون الجماعة من شرطها أن ينوي الإمام والمأموم حالهما؛ فلأن الجماعة إنما انعقدت بالنية فيعتبر وجودها منهما.
فلو نوى كل واحد الإمامة أو المأمومية لم يصح لعدم المأموم في الأولى والإمام في الثانية.
وأما كون من أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة وذلك شرط.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه يجوز أن يجعل نفسه إماماً لما يأتي فجاز أن يجعلها مأموماً بالقياس عليه.
وأما كونه إذا نوى الإمامة في النفل يصح؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي في التهجد فجاء ابن عباس فأحرم معه وصلى به النبي صلى الله عليه وسلم» 1 متفق عليه.
وأما كونه إذا نواها في الفرض لا يصح على المذهب؛ فلأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة.
أشبه ما لو أحرم في يوم الجمعة بعد الخطبة وكمال العدد ثم انفضوا فأحرم بالظهر ثم تكامل العدد وهو في الصلاة فنوى الجمعة.
وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الفرض في معنى النفل.
وأما كون ذلك أصح عند المصنف رحمه الله؛ فلأنه قد ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن ابتداء النية للإمامة ليست شرطاً في النفل وذلك مقتضٍ لعدم اشتراطها في الفرض؛ لأن الأصل أن ما ثبت في النفل يثبت في الفرض ما لم يقم دليل على تخصيصه، ولم يقم.
قال: (فإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر جاز.
وإن كان لغير عذر لم يجز في إحدى الروايتين).
أما كون من أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد في أثناء صلاته لعذر يجوز فـ «لأن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يأتي قومه فيصلي بهم.
فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة فصلى معه.
ثم انصرف إلى قومه فصلى بهم.
فافتتح سورة البقرة.
ففارقه رجل فأتم صلاته.
فقالوا له: نافقت! فقال: ما
نافقت.
ولكن لآتِيَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخْبِره.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وذكر ذلك له.
فقال صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ مرتين... مختصر» 1 متفق عليه.
ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة.
وفي بعض ألفاظه: «يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا» 2. إشارة إلى التعب والنصب.
والعذر المجوز هنا ما يجوز به ترك الجماعة.
وكعذر من يلحقه مشقة من كبر أو ضعف أو تعب أو [فوات رفقة و] 3 نحو ذلك.
وأما كونه إذا نوى ذلك لغير عذر لا يجوز في روايةٍ؛ فلقوله عليه السلام: «لا تختلفوا على أئمتكم» 4.
ولأنه ترك متابعة إمامه وانتقل من الأعلى إلى الأدنى لغير عذر.
أشبه ما لو نقلها إلى النفل أو ترك المتابعة من غير نية الانفراد.
وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فبالقياس على المنفرد.
قال: (وإن نوى الإمامة لاستخلاف الإمام له إذا سبقه الحدث صح في ظاهر المذهب).
أما كون ما ذكر يصح في ظاهر المذهب؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه لما طُعِن أخذ بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه واستخلفه فما عاب ذلك عائب» 5. وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم فيكون ذلك إجماعاً.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ - وقول المصنف رحمه الله: في ظاهر المذهب مشعر به؛ لأنه مشعر بالخلاف وخرج به في المغني ونقله عن الإمام أحمد رحمة الله عليه -؛ فلأن شرط صحة الصلاة فُقد في أثنائها فوجب بطلانها كما لو تعمد الحدث.
والأول هو المذهب؛ لما تقدم.
قال: (وإن سبق اثنان ببعض الصلاة فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما فعلى وجهين.
وإن كان لغير عذر لم يصح).
أما كون فعل ما ذكر لعذر يصح على وجهٍ؛ فلأن المأموم منتقل إلى مثل حاله، والإمام منتقل من كونه مأموماً لتكميل الصلاة في جماعة وذلك أفضل من الانفراد في حقهما.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن كل واحد منهما يثبت له حكم الانفراد بسلام إمامه فصار كالمنفرد ابتداء.
وأما كونه لغير عذر لا يصح؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يصح مطلقاً لإحداثه في أثناء صلاته ما لم يكن في أولها.
تُرك العمل به في موضع العذر على وجهٍ لمكان العذر فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.
قال: (وإن أحرم إماماً لغيبة إمام الحي.
ثم حضر في أثناء الصلاة.
فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته وصار الإمام مأموماً، فهل يصح؟ على وجهين).
أما كون ما ذكر يصح على وجهٍ؛ فلما روى سهل بن سعد قال: «ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.
فحانت الصلاة.
فصلى أبو بكر.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة.
فخلص حتى وقف في الصف وتقدم [النبي صلى الله عليه وسلم] 1 فصلى ثم انصرف» 2 متفق عليه.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه لا حاجة إلى ذلك.
وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون خاصاً به؛ لأن أحداً لا يساويه.
باب صفة الصلاة
قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يقوم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة.
ثم يسوي الإمام الصفوف).
أما كون السنة أن يقوم المصلي إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، لما روى ابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض» 1.
ولأن في ذلك تصديقاً للمؤذن.
وأما كون السنة أن يسوي الإمام الصفوف بعد ذلك؛ فلما روى أنس قال: «أقيمت الصلاة.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه.
فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا.
فإني أراكم وراء ظهري» 2 رواه البخاري.
وقال عليه السلام: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» 3 متفق عليه.
قال: (ثم يقول: الله أكبر لا يجزئه غيرها.
فإن لم يحسنها لزمه تعلمها.
فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته).
أما كون المصلي يقول: الله أكبر؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قام
إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه.
ثم قال: الله أكبر» 1 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
وأما كونه لا يجزئه غيرها؛ فلما روى رفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء 2 مواضعه.
ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر» 3.
و«قال صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر» 4 متفق عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر بذلك.
ولم ينقل عنه العدول إلى غيره حتى فارق الدنيا.
وقال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 5.
وأما كونه يلزمه تعلمها إذا لم يحسنها؛ فلأنها ركن من أركان الصلاة قادر عليه فلزمه تعلمه كالفاتحة.
وأما كونه يكبر بلغته إذا خشي فوات الوقت؛ فلأنه عجز عن اللفظ فلزمه الإتيان بمعناه كلفظة النكاح.
وقال بعض أصحابنا: لا يكبر بغير العربية كالقراءة.
فعلى هذا يكون حكمه حكم الأخرس.
قال: (ويجهر الإمام بالتكبير كله.
ويسر غيره به وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه).
أما كون الإمام يجهر بالتكبير كله؛ فلأن فيه إسماعاً لمن خلفه.
وذلك مطلوب لما فيه من متابعة المأمومين لإمامهم.
ولأنه ذكر مشروع في الصلاة فسن للإمام الجهر به كالقراءة.
وأما كون غيره وهو المأموم والمنفرد يسر به؛ فلأن الجهر في حق 1 الإمام شرع لما فيه من إبلاغ المأموم.
وهذا المعنى مفقود هنا.
ولأن جهر المأموم يشوش على الجماعة ويؤدي إلى اختلاط أصوات بعضهم ببعض وإحداث وسوسة لبعضهم.
وعدم ذلك كله مطلوب، فكذلك عدم ما يؤدي إليه.
ولا بد أن يلحظ في الحكم المذكور أنه مختص بعدم الحاجة مثل أن يكون صوت الإمام يسمعه كل المأمومين فإن كان بحيث يسمع بعضهم دون بعض فالمستحب لبعضهم أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع من خلفه؛ لما روى جابر قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه.
فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر لِيُسْمِعنا» 2 متفق عليه.
وأما كون غير الإمام يسر بالقراءة؛ فلأن جهر الإمام بذلك لإسماع المأموم وذلك مفقود في حق غيره.
ولأن جهر المأموم يؤدي إلى المحذور المتقدم ذكره في الجهر بالتكبير ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي أُنَازَعُ القُرآن» 3.
ولا بد أن يلحظ في مسنونية إسرار المأموم بالقراءة أن لا يكون ذلك في حال جهر الإمام؛ لأن حال جهره لا يسن للمأموم الإسرار لأنه يسن له الإنصات.
والجمع بين مسنونية الإسرار والإنصات متناقض.
وأما قول المصنف رحمه الله: بقدر ما يُسْمع نفسه؛ فليس بقيد في مسنونية ذلك؛ لأنه لو رفع صوته بحيث يسمع من يليه فقط لكان ذلك مسراً آتياً بالمقصود.
بل مراده أنه لا يجزئه أقل من ذلك في موضع يجب عليه القراءة.
صرح به في المغني وعلله بأنه لا يكون كلاماً بدون الصوت.
والصوت ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه.
فإن قيل: هلا حمل قوله ويسر غيره به على أن ذلك هو الواجب لا المسنون.
ويكون قوله بقدر ما يسمع نفسه على ظاهره.
قيل: منع منه وجهان:
أحدهما: أنه عطفه على ويجهر الإمام وذلك مسنون فليكن هذا مثله.
والثاني: أن الإسرار إلى هذه الغاية ليس واجباً؛ لأنه لو أتى بما فوق ذلك جاز حتى لو جهر به لكان آتياً بالواجب.
قال: (ويرفع يديه مع ابتداء التكبير.
ممدودة الأصابع.
مضموماً بعضها إلى بعض إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه).
أما كون المصلي يرفع يديه مع ابتداء التكبير؛ [فلما روى أبو داود بإسناده عن عبدالجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني بعض أهل بيتي عن أبي أنه حدثهم «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير» 1 رواه أحمد] 2.
ولأن 3 ابتداء التكبير أول الشروع في العبادة والرفع أول هيئاتها.
ولأن الرفع هيئة للتكبير فينبغي أن يكون ابتداؤها مع ابتدائه وانتهاؤها مع انتهائه.
وأما كون يديه ممدودة الأصابع؛ فلأن أبا هريرة روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الصلاة رفع يديه مَداً» 4 رواه الترمذي.
وأما كون الأصابع مضموماً بعضها إلى بعض؛ فلأن ذلك أصل خلقتها.
وأما كونُ رافعِ يديه مخيراً في رفعهما إلى حذو منكبيه؛ فلما روى ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه» 1 متفق عليه.
وأما رفعهما إلى فروع أذنيه؛ فلأن وائل بن حجر ومالك بن الحويرث روياه 2. رواه مسلم.
فإن قيل: أيها أولى؟
قيل: الرفع إلى حذو المنكبين؛ لأن رواته أكثر وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى.
ويجعلهما تحت سرته).
أما كون المصلي يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد» 3.
وأما كونه يجعلهما تحت سرته؛ فلأن علياً قال: «من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة» 4 رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن أحمد أنه يجعلهما تحت صدره؛ [لأن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فوضع يديه على صدره] 5 إحداهما 6 على الأخرى» 7.
وعن أحمد يخير في ذلك؛ لأن كلاً فيه حديث.
قال: (وينظر إلى موضع سجوده.
ثم يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
أما كون المصلي ينظر إلى موضع سجوده؛ فلما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده».
ولأنه أبلغ في الخشوع فكان أولى.
وأما كونه يقول: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك؛ فلما روى عمر بن الخطاب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر.
وقال: سبحانك اللهم! وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» 1 رواه الدارقطني.
وروت عائشة نحوه 2. رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.
وروى أبو سعيد الخدري نحوه 3. أخرجه النسائي والترمذي.
وأما كونه يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: 98].
[وعن ابن المنذر رضي الله عنه قال: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»] 4.
وقال المصنف رحمه الله في المغني يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» 1 رواه الترمذي.
ثم قال: هذا -يعني حديث أبي سعيد- أشهر حديث في الباب.
وقال: هو متضمن للزيادة والأخذ بالزيادة أولى.
قال: (ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
وليست من الفاتحة.
وعنه: أنها منها.
ولا يجهر بشيء من ذلك).
أما كون المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى نُعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قرأ بأم الكتاب.
وقال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم» 2 رواه النسائي.
وروى ابن المنذر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم» 3.
وأما كونها ليست من الفاتحة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي.
ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين.
قال الله تعالى: حمدني عبدي... الحديث» 4 رواه مسلم.
ولو كانت بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة لَعَدّها ولبدأ بها.
ولما تحقق التنصيف لأن آيات الثناء تكون أربعاً ونصفاً وآيات الدعاء اثنتين ونصفاً.
وعلى أنها ليست آية يتحقق ذلك.
وأما كونها منها على روايةٍ؛ فلما روي عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعدها آية» 5.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم الكتاب.
وإنها السبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها» 1.
ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أثبتوها في أول كل سورة في المصاحف إلا براءة.
ولم يُثبت بين الدفتين سوى القرآن.
وأما كونه لا يجهر بشيء من ذلك أي من الاستفتاح والتعوذ وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم: أما الاستفتاح والتعوذ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بشيء من ذلك وإنما «جهر عمر بالاستفتاح ليعلم الناس» 2.
وأما بسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما روى أنس قال: «صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين.
لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءةٍ ولا آخرها» 3 رواه مسلم.
وفي المتفق عليه لأنس: «فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» 4.
وفي المسند: «كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» 5.
وفي لفظ لابن شاهين: «فكلهم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم».
وفي لفظ آخر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبا بكر وعمر».
قال: (ثم يقرأ الفاتحة.
وفيها إحدى عشْرة تشديدة.
فإن ترك ترتيبها أو تشديدة منها أو قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل لزمه استئنافها).
أما كون المصلي يقرأ الفاتحة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها».
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 6.
وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 1 متفق عليه.
وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 2. رواه الدارقطني.
وقال: إسناده صحيح.
وأما كون الفاتحة فيها إحدى عشرة تشديدة فبالنقل عن أئمة القراءة.
وهذا على الرواية الصحيحة.
وعلى أن البسملة منها فيها أربع عشْرة تشديدة.
وأما كون من ترك ترتيبها يلزمه استئنافها؛ فلأن القرآن معجز والإعجاز متعلق بالنظم والترتيب.
ولأنه عليه السلام قال: «صلوا كما عُلِّمْتم» 3.
ولأنها ركن فلم يجز تنكيسها كتكبيرة الإحرام.
وأما كون من ترك تشديدة منها يلزمه استئنافها؛ فلأن الحرف المشدد بحرفين.
ومن ترك حرفاً من الفاتحة لم يقرأ الفاتحة لأن المركب ينعدم بعدم جزء من أجزائه.
وقال القاضي في الجامع: إن الصلاة لا تبطل بترك تشديدة لأنها غير ثابتة في المصحف وإنما هي صفة للحرف ويسمى تاركها قارئاً بخلاف الحرف.
ولا يختلف المذهب في أنه إذا لينها ولم يحققها على الكمال لم يُعد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى.
وأما كون من قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل يلزمه استئنافها؛ فلأنه يعد معرضاً عن الفاتحة بذلك.
واعلم أن تحقيق الكلام في قطع الفاتحة على أضرب:
أحدها: قطعٌ بذكر مشروع.
كالمأموم يشرع في القراءة لبعده عن إمامه فيفرغ الإمام من الفاتحة فيسمع المأموم في أثناء قراءته آمين فيؤمن.
وكمن سمع آية رحمة فسأل.
أو انتهى الإمام إلى سجدة فسجد المأموم في أثناء قراءته.
أو كمن غلط فخرج منها إلى غيرها أو فتح على إمامه فهذا كله لا يبطل الفاتحة؛ لأنه لا يعد معرضاً عنها.
الثاني: قطعٌ بذكرٍ غير مشروع كالتهليل والتسبيح وقراءةٍ في أثناء الفاتحة.
فقال القاضي: قليل ذلك وكثيره مبطل.
والصحيح أن الكثير مبطل لما ذكره المصنف رحمه الله لأنه بذلك يعد معرضاً.
دون القليل.
والثالث: قطعٌ بسكوت طويل غير مشروع.
فهذا مبطل لما ذكر.
وسواء كان باختيارٍ أو مانع من غفلة أو أرتج عليه: فإن كان يسيراً جرت به العادة لم يقطع قراءتها سواء نوى قطعها أو لم ينو؛ لأنه يسير فعفي عنه.
وقال القاضي: يكون قطعاً مع النية لتحقق الإعراض.
ولو نوى قطع القراءة حال قراءته لم تنقطع لأن فعله مخالف لنيته.
الرابعة: قطعٌ بسكوت طويل مشروع كالمأموم يَشرع في القراءة.
ثم يسمع قراءة الإمام فينصت.
ثم يتمها بعد فراغ إمامه.
فهذا لا يقطع الفاتحة لأنه مشروع فلم يقطع كالذكر.
ويتخرج على هذا من سكت لمانع من غفلة أو أرتج عليه لمكان العذر.
قال: (فإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾.
قال: آمين.
يجهر بها الإمام والمأموم في صلاة الجهر).
أما كون المصلي يقول: آمين عقيب ﴿ولا الضالين﴾؛ فلأن ذلك مشروع في حق الإمام والمأموم والمنفرد.
أما في حق الإمام؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: 7] فقال: آمين.
مد بها صوته» 1 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما في حق المأموم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمّن الإمام فأمنوا.
فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له» 2 متفق عليه.
وأما في حق المنفرد؛ فلأنه لا بد من إعطائه حكم أحدهما.
وأما كونه يجهر بذلك في صلاة الجهر؛ فلأنه مشروع لكل من يُشرع له الجهر فيها «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من قراءة أم الكتاب رفع صوته وقال: آمين» 1 رواه الدارقطني.
وقال: إسناد حسن.
و«كان عليه السلام إذا أمَّنَ أمَّنَ مَن خَلفه حتى كأن للمسجد ضَجَّة» 2.
وروي: «لجة» 3.
ولأن التأمين تابع للقراءة فيسن الجهر به كالقراءة.
وآمين تمد وتقصر.
ومعناه: اللهم! استجب لي.
قاله الحسن.
وقيل: هو اسم من أسماء الله عز وجل.
قال: (فإن لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها قرأ قدرها في عدد الحروف.
وقيل: في عدد الآيات من غيرها.
فإن لم يحسن إلا آية واحدة كررها بقدرها).
أما كون المصلي يقرأ قدر الفاتحة في عدد الحروف إذا لم يحسنها وضاق الوقت عن تعلمها على الأول؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات» 4.
ولأن ذلك بمثابة الآيات في منع المحدث من اللمس.
وأما كونه يقرأ قدرها في عدد الآيات على قولٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبعاً» 1.
وقال الله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: 87].
فعلى الأول لو قرأ أقل من سبع آيات عدد حروف ذلك عدد حروف الفاتحة أجزأ؛ لحصول ما وجب اعتباره.
وعلى الثاني لو قرأ سبع آيات لا تبلغ حروفها حروف الفاتحة أجزأ أيضاً؛ لما تقدم.
وقيل: يعتبر عدد الآي.
وفي اعتبار الحروف مع ذلك وجهان توجيههما ما تقدم.
وفي قول المصنف رحمه الله: قرأ؛ إشعار بأن المصلي إذا كان يحسن غير الفاتحة من القرآن لا يجزئه إلا قرآن.
وهو صحيح؛ لما روى رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر.
فإن كان معك قرآن فاقرأ به.
وإلا فاحمد الله وكبره وهلله» 2 رواه الترمذي.
ولأن القرآن من جنس الفاتحة فكان أولى من الذِّكر.
وأما كونه إذا لم يحسن إلا آية يكررها بقدرها؛ فلأنها أولى من غيرها.
فإن قيل: ما مراد المصنف رحمه الله من الآية؟
قيل: يحتمل أنه أراد من الفاتحة.
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يكررها.
ولا يقرؤها مرة ثم يعدل إلى قراءة غيرها لأن الآية منها أقرب شبهاً إلى بقية الفاتحة من غيرها.
وثانيهما: أنه يقرؤها مرة، ويعدل إلى غيرها؛ لأنه إذا قرأها مرة فقد أسقط فرضها فيجب أن لا يعيدها.
كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله فإنه يجب عليه استعماله، ويعدل إلى البدل في الباقي.
ويحتمل أنه أراد من غير الفاتحة وفيه وجهان:
أحدهما: أنه فيه الخلاف المتقدم.
والثاني: لا؛ لأن العدول إلى الذِّكر وجعله بدلاً إنما يتحقق عند العجز عن الإتيان بشيء من القرآن؛ لقوله: «فإن كان معك قرآن فاقرأ به» 1.
ولأن البدل في الصورة الأولى من جنس المبدل بخلاف الصورة الثانية.
قال: (فإن لم يحسن شيئاً من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى.
ولزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
أما كون من لم يحسن شيئاً من القرآن لا يجوز له أن يترجم عنه بلغة أخرى أي بلغة غير عربية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿بلسانٍ عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]. وقال: ﴿قرآناً عربياً﴾ [يوسف: 2].
ولأن القرآن معجزة لفظه ومعناه.
فإذا غُيِّر خرج عن نظمه ولم يكن قرآناً ولا مثله.
وأما كونه يلزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ [فـ «لأن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني فقال قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله] (2») 3 رواه أبو داود.
فإن قيل: لم اعتُبر فيمن لم يحسن الفاتحة المثلية في الآيات أو في الحروف ولم يعتبر ذلك هنا؟
قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذلك.2
ولأن هذا بدل من غير الجنس فلم تشترط المثلية كالتيمم.
بخلاف ما ذكر.
قال: (فإن لم يحسن إلا بعض ذلك كرره بقدره.
فإن لم يحسن شيئاً من الذكر وقف بقدر القراءة).
أما كون من لم يحسن إلا بعض ما ذُكر يكرره بقدر كله؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1.
وكما لو لم يحسن إلا آية واحدة.
وأما كون من لم يحسن شيئاً من الذكر يقف بقدر القراءة؛ فلأن الوقوف بقدر قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة وهو قادر عليه فلزمه كسائر الأركان.
قال: (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة: تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.
ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء).
أما كون المصلي يقرأ بعد الفاتحة سورة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل لما روى أبو قتادة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين.
وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة الكتاب وسورتين.
وفي الظهر في الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» 2 متفق عليه.
وأما كون السورة في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه؛ فـ «لأن عمر كتب إلى أبي موسى 3 أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل,
واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل» 1 رواه أبو حفص 2.
ولأن الصبح قصيرة ووقتها واسع فحسن تطويلها.
والمغربُ وقتها ضيق فحسن تقصيرها، وبقية الصلوات سعة الوقت يقتضي التطويل، وكمال عددها يقتضي التقصير فاقتضت التسوية بينهما التوسط.
وأما كون الإمام يجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء؛ فلأن على ذلك درج السلف والخلف فهو إجماع.
وقال عليه السلام: «صلاة النهار عجماء إلا الجمعة والعيدين» 3.
قال: (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته.
وعنه تصح).
أما كون صلاة من قرأ بما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأنه مأمور بقراءة القرآن في الصلاة.
والقرآن ما ثبت بطريق مقطوع به وهو التواتر.
وقراءةٌ ليست في مصحف عثمان -كقراءة ابن مسعود- ليست متواترة.
بل أجمعت الصحابة على خلاف ذلك.
وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها قراءة مأثورة.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد» 4 رواه البخاري 5.
وكان سعيد بن جبير يصلي بقراءة عبدالله.
قال: (ثم يرفع يديه.
ويركع مكبراً: فيضع يديه على ركبتيه، ويمد ظهره مستوياً، ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه).
أما كون المصلي يرفع يديه في الركوع؛ فلأن ابن عمر روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع» 1 متفق عليه.
وروى مالك بن الحويرث قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع» 2 متفق عليه.
وأما كونه يركع؛ فلقوله تعالى: ﴿اركعوا﴾ [الحج: 77]، و «قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: ثم اركع» 3.
وأما كونه يكبر حال ركوعه؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم.
ثم يكبر حين يركع... الحديث» 4 متفق عليه.
وأما كونه يضع يديه على ركبيته؛ فلأن ابن المنذر قال: «ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه في الركوع وفعله عمر وعلي وابن عمر».
وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: «ركعت فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي.
وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه.
وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» 5 متفق عليه.
وأما كونه يمد ظهره مستوياً؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لو كان على ظهره قدح ماء ما تحرك لاستواء ظهره» 1.
وأما كونه يجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه؛ فلأن أبا حميد الساعدي ذكر في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم «رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هَصَرَ ظهره» 2 أي جذبه إلى بطنه.
وفي لفظ: «ثم اعتدل فلم يصوب ولم يُقْنِع» 3.
وقالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك» 4 رواه مسلم.
وأما كونه يجافي مرفقيه عن جنبيه؛ فلما روى أبو حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابضهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه» 5.
قال: (وقدر الإجزاء الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه).
أما كون قدر الإجزاء الانحناء المذكور؛ فلأنه لا يسمى راكعاً بدون ذلك.
والمراد بمس ركبتيه مس يديه ركبتيه.
ويجب بحيث يمكنه مسهما براحتيه ولا يكتفي برؤوس أصابعه.
قال صاحب النهاية فيها في: فصلٌ في الركوع: وله صنفان واجب ومستحب فالواجب الانحناء إلى أن يبلغ راحتاه إلى ركبتيه.
فإذا فعل ذلك واطمأن أجزأ وإن لم يضعهما على ركبتيه.
وفي حديث المسيء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك» 1.
قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً.
وهو أدنى الكمال).
أما كون المصلي يقول سبحان ربي العظيم؛ فلما روى عقبة بن عامر: «لما نزلت: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: 74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم» 2 رواه الإمام أحمد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم» 3 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما كون ذلك ثلاثاً وأنه أدنى الكمال؛ فلما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم.
وذلك أدناه» 4. أخرجه أبو داود.
والمراد أدنى الكمال لأنه لا يجوز أن يكون أدنى الواجب.
ضرورة أن الواجب مرة.
فلم يبقى إلا أدنى الكمال.
قال: (ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده.
ويرفع يديه.
فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
أما كون المصلي يرفع رأسه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» 1 رواه البخاري.
وأما كونه يقول: سمع الله لمن حمده حال رفعه؛ فلأن في حديث أبي هريرة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع.
ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» 2.
وأما كونه يرفع يديه في الرفع من الركوع فإن في حديث أبي حميد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» 3.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه.
وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك» 4.
وموضع الرفع للإمام إذا رفع رأسه.
يجعل ابتداء رفع اليدين مع ابتداء رفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده لأنه حين الانتقال فشرع فيه الرفع كحال الركوع.
قال أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه» 1.
وعن أحمد أنه لا يرفع حتى يستتم قائماً؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه» 2.
ولأنه رفع فلا يشرع في غير حال القيام كتكبيرة الإحرام والركوع.
والأول أولى؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر المتفق عليه يدل عليه لأن قوله: «وإذا رفع رأسه رفعهما» يقتضي المعية [كقوله: «وإذا كبر للركوع»] 3.
وأما المأموم فيبتدؤه عند رفع رأسه رواية واحدة.
وكذلك المنفرد إن لم يشرع له قول: ربنا ولك الحمد؛ لأنه ليس في حقهما ذكر بعد الاعتدال.
والرفع إنما جعل للذكر بخلاف الإمام فإن له ذكراً حال قيامه وذكراً وهو قائم.
وأما كونه إذا قام يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعدُ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ويأمر به فروى أبو هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» 4.
وعن أبي سعيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» 5 متفق عليهما.
قال: (فإن كان مأموماً لم يزد على ربنا ولك الحمد إلا عند أبي الخطاب).
أما كون المأموم لا يزيد على قول: ربنا ولك الحمد على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المأموم بالتحميد» 1 واقتصر عليه فلو كانت الزيادة على ذلك مشروعة لأمره به.
وأما كونه يزيد على ذلك عند أبي الخطاب والمراد قول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 2.
ولأنه ذكر مشروع للإمام فشرع للمأموم بالقياس عليه.
وأما التسميع فقال المصنف رحمه الله في المغني: لا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع له لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم! ربنا ولك الحمد» 3. ولو كان مشروعاً لأمره به.
ولأن الفاء للتعقيب فيقتضي أن يلي قول الإمام: سمع الله لمن حمده قول المأموم: ربنا ولك الحمد.
وذلك يمنعه من قول: سمع الله لمن حمده.
قال: (ثم يكبر ويخر ساجداً ولا يرفع يديه، فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه.
ويكون على أطراف أصابعه).
أما كون المصلي يكبر للسجود؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 4.
وأما كونه يخر ساجداً؛ فلقوله تعالى: ﴿واسجدوا﴾ [الحج: 77].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخر ساجداً» 5، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 6.
وأما كونه يرفع يديه حال سجوده؛ فلأن ابن عمر قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
وكان لا يفعل ذلك في السجود» 1 متفق عليه.
وأما كونه يضع ركبتيه قبل يديه إذا سجد؛ فلما روى وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه.
وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» 2 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: هذا حديث حسن غريب.
وعن أحمد أنه يضع يديه قبل ركبتيه؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه.
ولا ينزل كما ينزل البعير» 3 رواه النسائي.
والأول أصح.
قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أصح من حديث أبي هريرة وبتقدير مساواته له في الصحة هو منسوخ؛ لما روي عن أبي سعيد: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين [فأمرنا بوضع الركبتين] 4 قبل اليدين» 5.
وأما كونه يضع جبهته وأنفه بعد ذلك؛ فلما روى أبو حميد الساعدي قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض» 1. رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث صحيح.
وأما كونه يكون على أطراف أصابعه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت بالسجود على سبعة أعظم.
وذكر من ذلك: أطراف القدمين» 2.
قال: (والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف على إحدى الروايتين).
أما كون السجود على هذه الأعضاء غير الأنف واجباً؛ فلما روى ابن عباس قال: «أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين» 3.
وفي لفظ آخر: «أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم» 4 متفق عليهما.
والأمر للوجوب.
وأما كون السجود على الأنف واجباً على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرت بالسجود على سبعة أعظم: الجبهة وأشار بيده إلى أنفه» 5.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أهله
تصلي ولا تضع أنفها بالأرض.
فقال: يا هذه! ضعي أنفك بالأرض.
فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في الصلاة» 1 رواه الدارقطني.
وأما كونه غير واجب على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسجود على سبعة أعظم ليس فيها الأنف» 2. رواه تمام في فوائده.
والأولى هي الصحيحة في المذهب؛ لما تقدم.
قال: (ولا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين).
أما كون المصلي لا يجب عليه مباشرة المصلى بالقدمين؛ فللإجماع على صحة صلاة لابس الخفين.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالركبتين؛ فلأنهما متصلتان 3 بالعورة.
وعورةٌ عند قوم فلا يليق كشفهما فضلاً عن وجوبه.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته باليدين؛ فلما روى ابن ماجة عن ثابت بن صامت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه من برد الحصى» 4. وفي لفظ: «فلم يخرج يديه من ثوبيه» 5.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالجبهة على روايةٍ؛ فبالقياس على سائر الأعضاء.
فعلى هذا لو سجد على كور عمامته أو كمه أو ذيله صحت صلاته لما تقدم.
وروى أنس قال: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» 6 رواه البخاري.
وقال الحسن: «كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه» 1.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سجد على كَوْر العمامة» 2. رواه ابن أبي حاتم من طرق كلها ضعيفة.
وأما كونه يجب عليه مباشرته بها على روايةٍ؛ فلما روي عن حباب قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا فلم يُشْكِنا» 3. رواه مسلم.
ولأنه 4 سجد على ما هو حامل له أشبه إذا سجد على يديه.
والأولى أصح.
والجواب عن الحديث أنه قيل: إنهم طلبوا تسقيف المسجد فلم يجبهم، أو أنهم طلبوا منه الرخصة لهم في ترك السجود عليها ولذلك لم يعمل به في الأكف.
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً).
أما كون المصلي يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويأمر به».
قال أحمد في رسالته: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفدت» 1. وذلك لشدة مبالغته في رفع عضديه.
ورواه أبو داود أيضاً.
وفي حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد جافى عضديه عن جنبيه» 2.
وفي لفظ للبخاري: «فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما» 3.
وأما كونه يضع يديه حذو منكبيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه حذاء منكبيه» 4 رواه أبو داود.
فإن قيل: ما صفة وضعهما؟
قيل: أن يضع راحتيه على الأرض معتمداً عليهما منشورة مضمومة الأصابع.
بخلاف وضع ذلك على الركبتين لوجهين:
الأول: أنه في الركوع بالتفريق يتمكن فيأمن السقوط، وفي السجود لا يحتاج إلى ذلك.
الثاني: أنه إذا ضمها في السجود استقبل بها القبلة بخلاف ما لو فرقها، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة فرقها أو ضمها.
وأما كونه يفرق بين ركبتيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرج بين فخذيه» 5 رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ فلما روى عقبة بن عامر قال: «لما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: 1] قال -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-: اجعلوها في سجودكم» 6 رواه أبو داود.
وروى حذيفة بن اليمان «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» 1 رواه الأثرم وأبو داود.
ولم يقل: ثلاث مرات.
قال: (ثم يرفع رأسه مكبراً.
ويجلس مفترشاً: يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.
ثم يقول: رب اغفر لي ثلاثاً).
أما كون المصلي يرفع رأسه من السجود إلى الجلوس؛ فلأن الجلوس واجب لما يأتي ولا يمكن ذلك إلا بالرفع.
وأما كونه يكبر في حال رفعه؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 2.
وأما كونه يجلس بعد رفع رأسه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم اجلس حتى تطمئن جالساً» 3 رواه البخاري.
وأما كون جلوسه مفترشاً.
ومعناه: أن يثني رجله اليسرى ويبسطها ويجلس عليها وينصب اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الأرض؛ فلأن في حديث أبي حميد: «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها» 4.
وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» 5 رواه مسلم.
وأما كونه يقول: رب اغفر لي ثلاثاً فقياساً على سائر الأذكار.
وقال الخرقي: يقولها مرتين لما روى حذيفة «أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي» 6 رواه النسائي.
قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى.
ثم يرفع رأسه مكبراً ويقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد بالأرض.
وعنه: أنه يجلس جلسة الاستراحة على قدميه وإليتيه ثم ينهض).
أما كون المصلي يسجد الثانية كالأولى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذلك 1.
وأما كونه يرفع رأسه من السجود إلى القيام؛ فلأن القيام إلى الثانية متعين ولا يمكن إلا بالرفع.
وأما كونه يكبر في حال الرفع؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع وخفض» 2.
وأما كونه يقوم إلى الثانية من غير جلوس على المذهب؛ فلأن وائل بن حجر قال: «كان يعني النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً» 3.
ولأنه قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف.
وأما كونه يجلس جلسة الاستراحة على روايةٍ؛ فلما روى مالك بن الحويرث «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» 4. قال البخاري: وذكره أبو حميد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو حديث حسن.
وأما كون جلوسه على هذه الرواية على قدميه وإليتيه مفضياً بهما إلى الأرض؛ فلأنه لو جلس مفترشاً لم يأمن السهو.
والأول أصح.
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا.
وقال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم 5.
وقيل: اختلاف الروايتين يرجع إلى اختلاف حالتين فحيث قال: يجلس إذا كان المصلي ضعيفاً.
وحيث قال: لا يجلس أراد إذا كان قوياً.
وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن لا يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه ولا يعتمد بالأرض؛ فلأن الاعتماد على الأرض يلزم منه رفع الركبتين قبل اليدين وذلك خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأن وائل بن حجر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه إذا قام من غير جلوس وكان ممن يشق عليه الاعتماد على ركبتيه يعتمد بالأرض؛ فلقول علي رضي الله عنه: «إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع» 2 رواه الأثرم.
قال: (ثم يصلي الثانية كذلك إلا في تكبيرة الإحرام والاستفتاح.
وفي الاستعاذة روايتان).
أما كون المصلي يصلي الثانية كالأولى فيما عدا المستثنى؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» 3.
وأما كونه لا يكبر تكبيرة الإحرام ولا يستفتح؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت» 4 رواه مسلم.
ولأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح يرادان لافتتاح الصلاة وذلك مفقود في الثانية.
وأما كونه لا يستعيذ على روايةٍ؛ فلما تقدم.
وأما كونه يستعيذ على روايةٍ؛ فلقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: 98].
والأولى أصح 1؛ لما ذكر من الحديث.
ولأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة.
ولهذا اعتبر الترتيب في الركعتين، وكره التنكيس فيهما.
قال: (ثم يجلس مفترشاً.
ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً.
ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى).
أما كون المصلي يجلس مفترشاً؛ فلأن في حديث أبي حميد: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على 2 مقعدته» 3 رواه البخاري.
وأما كونه يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة في تشهده مراراً ويبسط اليسرى على فخذه اليسرى؛ فلما روى وائل بن حجر «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن.
ثم عقد من أصابعه الخنصر والتي تليها.
وحلق حلقة بأصبعه الوسطى على الإبهام.
ورفع السبابة يشير بها.
ووضع مرفقه الأيسر على فخذه الأيسر» 4.
قال: (ثم يتشهد فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
هذا التشهد الأول).
أما كون المصلي يتشهد كما قال المصنف رحمه الله؛ فلما روى ابن مسعود قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته.
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» 1 متفق عليه.
قال الترمذي: هذا أصح حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد.
فلذلك اختاره الإمام أحمد.
فإن قيل: ما يجب من ذلك؟
قيل: قال ابن حامد: رأيت جماعة من أصحابنا يقولون: لو ترك واواً أو حرفاً أعاد الصلاة.
وقد روي عن الإمام أحمد: أنه إذا قال: وأن محمداً عبده ورسوله ولم يذكر وأشهد قال: أرجو أن يجزئه.
فعلى هذا لو ترك لفظاً لا يَسقط المعنى بتركه تصح صلاته.
وقد قال أحمد: إن تشهد بغير تشهد ابن مسعود مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كتشهد ابن عباس وغيره جاز.
قال القاضي: ومقتضى هذا أنه متى أخل بلفظة ساقطة في بعض التشهدات صح تشهده.
فعلى هذا يجوز أن يقال: أقل ما يجزئ في التشهد: التحيات لله.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والشهادتان بالله ورسوله.
لأن ذلك لم يسقط شيء منه في جميع ألفاظ الحديث.
وما زاد سقط في بعض دون بعض.
وأما قول المصنف رحمه الله: هذا التشهد الأول؛ فمعناه أنه لا يزيد على هذا في التشهد الأول؛ لما روى ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في الركعتين كأنما يجلس على الرَّضْف (2») 3 رواه أبو داود.2
ولو شرع فيه أكثر من ذلك ما كان الأمر كذلك.
قال: (ثم يقول: اللهم! صل على محمد 1 وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد [وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد] 2. وإن شاء قال: كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم).
أما كون المصلي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه مأمور به وسيأتي بعدُ صفته.
وأما كونه يصلي عليه بما شاء من القول الأول والثاني؛ فلأن كلاً مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الأول؛ فلما روى كعب بن عجرة قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال قولوا: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» 3 متفق عليه.
وأما الثاني؛ فلأن الترمذي روى في حديث كعب بن عجرة وصححه وقال فيه: «اللهم! صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» 4.
قال: (ويستحب أن يتعوذ فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
وإن دعا بما ورد في الأخبار فلا بأس).
أما كون المصلي يستحب له أن يتعوذ فيقول ما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: عذابِ النار، وعذابِ القبر، وفتنةِ المحيا والممات، وفتنةِ المسيح الدجال» 1 متفق عليه 2.
وأما كونه لا بأس أن يتعوذ بما ورد في الأخبار؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» 3.
خرج من ذلك غيرُ [ما في] 4 الأخبار لما يأتي فيبقى ما 5 في الأخبار على مقتضاه.
والمراد بما ورد في الأخبار ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة أو عن التابعين لا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ لأن عموم قوله: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» 6 وعموم قوله: «ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه» 7 يوجب دخول ما ورد عن الصحابة والتابعين.
ولذلك ذهب الإمام أحمد إلى حديث ابن مسعود في الدعاء بعد التشهد وهو موقوف عليه.
وهو ما روى عمير بن سعد قال: سمعت عبدالله يقول: «إذا جلس أحدكم في صلاته ذكر التشهد.
ثم ليقل: اللهم! إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم.
وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم.
اللهم! إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبادك
الصالحون ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة... الآية﴾ [البقرة: 201] ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيآتنا -إلى قوله-: إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: 193 - 194]» 1.
وكلام المصنف رحمه الله: مشعر بأنه لا يدعو بغير ما ورد من الأخبار المذكورة وهو صحيح.
فعلى هذا لا يدعو بملاذّ الدنيا.
مثل أن يقول: اللهم! ارزقني زوجة حسناء وطعاماً طيباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» 2 رواه مسلم.
قال: (ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله.
وعن يساره كذلك.
فإن لم يقل ورحمة الله لم يجزئه.
وقال القاضي: يجزئه.
ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة).
أما كون المصلي يسلم عن يمينه على الصفة المذكورة وعن يساره كذلك؛
فلما روى ابن مسعود وابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله» 3 رواه مسلم.
وأما كونه إذا لم يقل ورحمة الله لا يجزئه على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.
وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» 4.
ولأنه سلام شرع فيه ذكر الرحمة فلم يجزئه بدونها كالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد.
وأما كونه يجزئه على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحليلها التسليم» 1. وهو حاصل بدون ذكر الرحمة.
وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «السلام عليكم».
وأما قول المصنف رحمه الله: ونص عليه أحمد في صلاة الجنازة؛ فتأنيس لقول القاضي من حيث إنها صلاة مفروضة ونص الإمام فيها على الاقتصار على السلام من غير ذكر الرحمة.
قال: (وينوي بسلامه الخروج من الصلاة.
فإن لم ينو جاز.
وقال ابن حامد: تبطل صلاته).
أما كون المصلي ينوي بسلامه الخروج من الصلاة؛ فلتكون النية شاملة لطرفي الصلاة.
وأما كونه إذا لم ينو ذلك يجوز على المذهب؛ فلأن نية الصلاة قد شملت جميعها والسلام من جملتها.
ولأنها عبادة فلم تجب النية للخروج منها كسائر العبادات.
وأما كون صلاته تبطل على قول ابن حامد؛ فلأن السلام أحد طرفي الصلاة فلم تصح مع عدم النية فيه كالآخر.
قال: (وإن كان في مغرب أو رباعية نهض مكبراً إذا فرغ من التشهد الأول.
وصلى الثالثة والرابعة مثل الثانية إلا أنه لا يجهر ولا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة).
أما كون المصلي ينهض مكبراً إذا فرغ فيما ذكر؛ فلما تقدم في القيام إلى الثانية.
وأما كونه يصلي الثالثة والرابعة مثل الثانية في غير المستثنى؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» 2.