وقال تعالى: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: 241]، وقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدةٍ تَعْتَدُّونها فمتعوهن﴾ [الأحزاب: 49].
وأما كونها يجب لها نصف مهر المثل على روايةٍ؛ فلأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول.
فيوجب نصفه بالطلاق قبله؛ كما لو سمى محرما.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين أوجب المتعة لمن لم يسم لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سمي لها.
وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.
بيان قسمته قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسِع قدره وعلى المُقْتِر قَدَرُه متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين? وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصفُ ما فرضتم﴾ [البقرة: 236 - 237].
فعلى هذه المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره؛ كقوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: 236]. وأعلاها خادم وأدناها كسوة؛ لأن ابن عباس قال: «أعلا المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة».
وقُيّدت الكسوة بما تجزئها في صلاتها؛ لأن ذلك أقلَّ الكسوة.
وعن الإمام أحمد: يرجع في تقديرها إلى الحاكم؛ لأنه أمرٌ لم يرد الشرع بتقديره.
وهو يحتاج إلى الاجتهاد.
فيجب الرجوع فيه إلى الحاكم؛ كسائر المجتهدات.
قال: (وإن دخل بها استقر مهر المثل.
وإن طلقها بعد ذلك فهل تجب المتعة؟ على روايتين.
أصحهما: لا تجب).
أما كون مهر المثل يجب إذا دخل بالمفوضة؛ فلأن الدخول يوجب استقرار المسمى.
فكذا مهر المثل؛ لاشتراكهما في المعنى الموجب للاستقرار.
وأما كون المتعة لا تجب إذا طلقها بعد ذلك على روايةٍ؛ فلأنه وجب لها مهر المثل.
فلم تجب لها المتعة؛ لأن المتعة كالبدل مع مهر المثل.
وأما كونها تجب على روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين﴾ [البقرة: 241].
والأول أصح؛ لأنه قد تقدم أن الله تعالى قسّم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن.
وذلك يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.
فصل [في مهر المثل]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ومهر المثل معتبر بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كأختها وعمتها وبنت أخيها وعمها.
وعنه: يعتبر جميع أقاربها؛ كأمها وخالتها).
أما كون مهر المثل معتبراً بمن يساويها من نساء عصباتها؛ كما مثل المصنف رحمه الله تعالى على المذهب؛ فلأنه قد روي في قصة بِرْوع «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل مهر نساء قومها» 1.
ولأن شرف المرأة معتبر في مهرها، وشرفها بعصباتها؛ لأنهم نساؤها.
وأما كونه يعتبر جميع أقاربها كأمها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن مطلق القرابة له أثر في الجملة.
ولأن أمها وخالتها يشملهم قول ابن مسعود: «لها مهرُ نسائها» 2.
والأول أولى؛ لما تقدم.
ولأن الأم قد تكون مولاة، وبنتها شريفة، وبالعكس.
وقول ابن مسعود مطلق فيقيد بقوله عليه السلام: «بمثل مهر نساء قومها» 3.
قال: (وتعتبر المساواة في المال والجمال والعقل والأدب والسن والبكارة والثيوبة والبلد.
فإن لم يكن من نسائها إلا دونها زيدت بقدر فضيلتها.
وإن لم يوجد إلا فوقها نقصت بقدر نقصها.
وإن كان عادتهم التخفيف على عشيرتهم دون غيرهم اعتبر ذلك.
وإن كان عادتهم التأجيل فُرض مؤجلاً في أحد الوجهين.
وإن لم يكن لها أقارب اعتبر بنساء بلدها ثم بأقرب النساء شبها بها).
أما كون المساواة تعتبر بما ذكر؛ فلأن مهر المثل بدل متلف فاعتبرت الصفات المقصودة فيه.
وكل صفة مما ذكر مقصودة.
فوجب اعتبارها.
وأما كون المفوضة إذا لم يكن من نسائها إلا دونها [زيدت بقدر فضيلتها؛ فلأن زيادة فضيلتها تقتضي زيادة في المهر] 1. فوجب أن يترتب عليها الزيادة بحسبها.
وأما كونها إذا لم يوجد من نسائها إلا فوقها تنقص بقدر نقصها؛ فلأن النقص له أثر في تنقيص المهر.
فوجب أن يترتب عليه النقص بحسبه.
وأما كون التخفيف المذكور يعتبر؛ فلأن العادة لها أثر في المقدار.
فكذا في التخفيف على العشيرة.
فإن قيل: مهر المثل بدل متلف.
فوجب أن يختلف باختلاف المتلف؛ كسائر المتلفات.
قيل: النكاح يخالف سائر المتلفات من حيث إن المقصود بها المالية خاصة.
فلم تختلف باختلاف المتلف.
والنكاح المقصود به أعيان الزوجين فاختلف باختلافهما.
ولأن سائر المتلفات لا تختلف باختلاف الفوائد والمهر يختلف باختلاف الفوائد.
وأما كون المهر يفرض مؤجلاً إذا كانت عادتهم التأجيل في وجهٍ؛ فلأن مهر مثلها مؤجل.
وأما كونه يفرض حالاًّ في وجهٍ؛ فلأنه بدل مثله.
فوجب أن يكون حالاًّ؛ كقِيَم سائر المتلفات.
وأما كون بنساء بلدها يعتبر إذا لم يكن لها أقارب؛ فلأن شبهها بهن أقرب من نساء سائر البلاد.
فوجب اعتباره؛ لأن له أثراً في الجملة.
وأما كون أقرب النساء شبهاً بها يعتبر بعد ذلك؛ فلأن القرب المذكور له أثر.
فوجب اعتباره عملاً بذلك الأثر.
فصل [في المهر في النكاح الفاسد]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأما النكاح الفاسد فإذا افترقا قبل الدخول بطلاق أو غيره: فلا مهر فيه.
وإن دخل بها استقر عليه المسمى.
وعنه: يجب مهر 1 المثل.
وهي أصح.
فلا يستقر بالخلوة.
وقال أصحابنا: يستقر).
أما كون النكاح الفاسد لا مهر فيه إذا افترق الزوجان قبل الدخول بطلاق أو غيره؛ فلأن المهر استدعى عقداً صحيحاً أو وطءاً، ولم يوجد واحد منهما.
وأما كون المسمى يستقر على الزوج إذا دخل بالزوجة في النكاح الفاسد على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل.
فإن دخل بها فلها المهرُ بما استحل من فرجها» 2. والألف واللام للعهد، والمعهود المسمى.
ولأن المهر يجب في مقابلة الوطء، وقد وجد.
وأما كون مهر المثل يجب على روايةٍ وهي أصح؛ فلأن العقد الفاسد وجوده كعدمه.
أشبه ما لو وطئها لا في عقد.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فلها المهر» لا يستلزم المسمى؛ لاحتمال إرادة مهر المثل.
وأما كون المهر لا يستقر بالخلوة عند المصنف؛ فلأن المهر في النكاح الفاسد إنما يوجبه الوطء لا العقد.
بدليل أنه لا يتنصف بالطلاق.
ولأن الخلوة هنا لا في نكاح صحيح.
أشبه الخلوة بالأجنبية.
وأما كونه يستقر على قول أصحابنا؛ فلأن الابتذال بالخلوة فيه كالابتذال بذلك في النكاح الصحيح.
فوجب أن يستقر به؛ كالصحيح.
قال: (ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا، ولا يجب معه أرش البكارة.
ويحتمل أن يجب للمكرهة).
أما كون المهر يجب للموطوءة بشبهةٍ والمكرهة على الزنا؛ فلأن الواطئ مستحل لفرج كل واحدٍ منهما.
فيجب لها المهر عليه؛ لقوله عليه السلام: «فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجها» 1.
فإن قيل: ما معنى قوله عليه السلام: «بما استحَلَّ من فَرجها»؟
فيل: الاستحلال الفعل في غير موضع الحِلّ.
ومنه قوله عليه السلام: «ما آمنَ بالقرآنِ من استحلَّ محارمُه» 2.
ولأن الموجب للمهر في النكاح الفاسد الوطء، وقد وجد هنا.
وفي قول المصنف رحمه الله: والمكرهة تنبيه على أن المطاوعة لا مهر لها.
وصرح به في الكافي؛ لأنها باذلة لما يوجب البدل لها 3. فلم يجب لها شيء؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
فإن قيل: المطاوعة إذا كانت أمة كالحرة؟.
قيل: لا؛ لأن المهر للسيد لا لها.
فلم يسقط بذلها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
وأما كونه لا يجب مع المهر في الصورتين المذكورتين أرش البكارة؛ فلأنه وطء ضُمِن بالمهر.
فلم يجب معه أرش؛ كالوطء في النكاح الصحيح.
وأما كونه يحتمل أن يجب للمكرهة مع المهر الأرش المتقدم ذكره؛ فلأنه إتلاف جزء.
فوجب عوضه؛ كما لو جرحها ثم وطئها.
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأن المهر بدل المنفعة المستوفاة بالوطء، وبدل المتلف لا يختلف بكونه في عقد فاسد وكونه تمحض عدواناً.
ولأن الأرش يدخل في المهر لكون الواجب لها مهر المثل، ومهر البكر يزيد على مهر الثيب ببكارتها.
فكانت الزيادة في المهر مقابلة لما أتلف من البكارة فلا يجب عوضها مرة ثانية.
قال: (وإذا دفع أجنبية فأذهب عذرتها فعليه أرش بكارتها.
وقال القاضي: يجب مهر المثل.
وإن فعل ذلك الزوج ثم طلق قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف المسمى).
أما كون من دفع أجنبية فأذهب بكارتها عليه أرش بكارتها على قول غير القاضي؛ فلأنه أتلف البكارة.
فلزمه أرشها؛ كما لو أتلف منها جزءاً لم يرد الشرع فيه بتقدير.
وأما كون مهر المثل يجب على قول القاضي؛ فلما روي «أن رجلاً كانت عنده يتيمة.
فخافت امرأته أن يتزوج بها.
فاستعانت بنسوة ضبطنها لها فأفسدت عذرتها وقالت لزوجها: فَجَرَت.
فأخبر علياً رضي الله عنه بذلك.
فأرسل إلى امرأته والنسوة.
فلما أتينه لم يلبثن أن اعترفن بما صنعن.
فقال للحسن بن علي: اقض فيها.
فقال: الحد على من قذفها، والمهر عليها وعلى الممسكات» 1.
ولأنه إتلاف يُستحق به مهر المثل في العقد.
فإذا أتلفه أجنبي وجب مهر المثل؛ كمنفعة البضع.
ونسب المصنف في المغني قول القاضي إلى الإمام أحمد فقال فيه: قال أحمد: لها صداق نسائها.
وكلامه فيه مشعر بترجيحه.
وأما كون الزوج إذا فعل ذلك ثم طلق قبل الدخول لا يكون عليه إلا نصف المسمى؛ فلأنها مطلقة قبل الدخول.
فلم يستحق أكثر من نصف المسمى؛ كسائر المطلقات قبل الدخول.
ولأنه أتلف ما استحق إتلافه بالعقد.
فلم يضمنه؛ كما لو أتلف عذرة أمته.
وقال في المغني: يتخرج أن يجب الصداق كاملاً؛ لأن أحمد رضي الله عنه قال: إن فعل ذلك أجنبي عليه الصداق.
ففيما يفعله الزوج أولى.
وتقريره: أن ما يجب الصداق به ابتداء أحق بتقديره.
ويتخرج من كلام أحمد وجوب أرش البكارة مع نصف المسمى إن قيل الواجب على الأجنبي أرشها لا مهر المثل؛ لأنه قاسه على الأجنبي فينبغي أن يعطى حكمه من حيث الإتلاف ويعاد عليه بنصف المسمى لكونه مُطَلِّقاً قبل الدخول.
قال: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها.
فإن تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع فهل لها ذلك؟ على وجهين).
أما كون المرأة لها منع نفسها حتى تقبض مهرها؛ فلأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع والامتناع من بذل الصداق.
فلا يمكن الرجوع في البضع.
وبه يظهر الفرق بين النكاح وبين البيع؛ لأن البائع إذا سلم المبيع أولاً فبتقدير تعذر الثمن يمكنه فسخ البيع والرجوع في عين المبيع.
ويشترط في المنع المذكور: أن يكون الصداق حالاًّ فإن كان مؤجلاً لم يملك المنع؛ لأن رضاها بتأجيله رضًى منها بتسليم نفسها قبل قبضه.
دليله تأجيل الثمن.
ولا فرق بين حلوله بعد تأجيله وبين عدم حلوله.
صرح به في المغني؛ لأن التسليم قد وجب عليها فاستقر قبل قبضه.
فلم يكن لها أن تمتنع منه.
وأما كونها إذا تبرعت بتسليم نفسها ثم أرادت المنع لها ذلك على وجهٍ وهو لابن حامد؛ فلأنه تسليم يوجبه عليها العقد.
فكان لها أن تمتنع منه قبل قبض صداقها؛ كما لو لم تتبرع بتسليم نفسها.
وأما كونها ليس لها ذلك على وجهٍ وهو لابن بطة وابن شاقلا؛ فلأن التسليم استقر به العوض برضى المُسَلِّم.
فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك؛ كما لو سلم البائع المبيع.
وفي هذا تنبيه على الفرق بين المتبرع بالتسليم وعدمه.
وهو قادح في صحة القياس المذكور قبل.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: تبرعت بتسليم نفسها: إشعارٌ بأنها لو أكرهت على التسليم كان لها الامتناع بعد ذلك.
وصرح به الشيخ في المغني.
وقاسه على المبيع المكره بائعه على تسليمه.
قال: (وإن أعسر بالمهر قبل الدخول فلها الفسخ.
وإن أعسر بعده فعلى وجهين.
ولا يجوز الفسخ 1 إلا بحكم حاكم).
أما كون المرأة لها الفسخ بإعسار الزوج بالمهر قبل الدخول؛ فلأنه تعذر وصولها إلى عوض العقد قبل تسليم المعوض.
فكان لها الفسخ؛ كما لو أعسر المشتري بالثمن قبل تسليم المبيع.
وأما كونها إذا أعسر بعده ففيه وجهان؛ فلأن ما تقدم من الخلاف في أنها هل لها منع نفسها بعد تسليمها حتى تقبض مهرها؟ يقتضي ذلك: فإن قيل: لها منع نفسها كان لها هنا الفسخ؛ لأنه حينئذ في معنى الفسخ قبل الدخول.
وإن قيل: ليس لها المنع لم يكن لها هنا الفسخ؛ كما لو أفلس بدين آخر لها.
وأما كون الفسخ لا يجوز إلا بحكم حاكمٍ؛ فلأنه فسخ مجتهد فيه.
أشبه الفسخ للاعسار بالنفقة ونحوه.
باب الوليمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهي: اسم لدعوة العرس خاصة.
وهي مستحبة).
أما قول المصنف رحمه الله تعالى: وهي اسم لدعوة العرس خاصة: فبيانٌ لمعنى الوليمة لغة.
قال ثعلب وغيره من أهل اللغة: الوليمة اسم للطعام في العرس خاصة.
لا تقع على غيره.
وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: الوليمة تقع على كل طعام لسرورٍ حادث؛ إلا أن استعمالها في العرس أكثر.
قال المصنف في المغني: وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة.
فإن قيل: أسماء بقية الدعوات ما هي؟
قيل: دعوة الختان تسمى العذيرة والأعذار، ودعوة الولادة تسمى الخرس والخرسة، ودعوة البناء تسمى الوكِيرة، ودعوة القدوم من الغيبة تسمى النقيعة.
قال الشاعر:
كل الطعام تشتهى ربيعة... الخرس والأعذار والنقيعة
ودعوة الصبي إذا حذق تسمى الحذاق.
ويعم الكل المأدبة؛ لأنها اسم لكل دعوة لها سبب أو لا سبب لها.
وصاحبها يسمى الآدب.
قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى... لا ترى الآدب فينا ينتقر
الجفلى: الدعوة العامة.
والنقرى: الدعوة الخاصة.
وأما كون الوليمة مستحبة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها عبدالرحمن بن عوف فقال: «أوْلم ولو بشاة» 1.
ولأنه عليه السلام فعلها.
قال أنس: «ما أولمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما أولمَ على زينب.
جعل يبعثني فأدعو له الناس.
فأطعَمَهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا» 2.
فإن قيل: قوله: «أولم»: أمر، والأمر للوجوب.
فيجب أن تكون واجبة.
ولأن الإجابة إليها واجبة.
فيجب أن تكون واجبة؟
قيل: أما الأمر فيجوز أن يراد به الاستحباب.
وقد قام دليلٌ على إرادته لأنه أمر في حديث عبدالرحمن بشاة.
ولو كان الأمر للوجوب لوجبت الشاة.
وذلك منتفٍ لوجهين:
أحدهما: الإجماع.
وثانيهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بحيْس» 3 متفق عليه.
و«أولم على بعض نسائهِ بمدَّين من شَعير» 4 رواه البخاري.
ولأن دعوة العرس طعام لسرور.
فلم تكن واجبة؛ كسائر الأطعمة.
ووجوب الإجابة لا يستلزم وجوب الفعل.
دليله السلام فإنه ليس بواجب وإجابته واجبة.
قال: (والإجابة إليها واجبة إذا عيّنه الداعي المسلم في اليوم الأول.
فإن دعاه الجفلى؛ كقوله: يا أيها الناس! تعالوا إلى الطعام، أو دعاه فيما بعد اليوم الأول، أو دعاه ذمّي: لم تجب الإجابة).
أما كون الإجابة إلى وليمة العرس واجبة في الجملة؛ فلأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُعيَ أحدكم إلى وليمةً فليأتها» 1. وفي لفظ: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم إليها» 2.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «شرُ الطعام طعامُ الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُتركُ الفقراء.
ومن لم يجب فقد عصَى الله ورسوله» 3.
[قال: (وسائر الدعوات والإجابة إليها مستحبة غير واجبة.
وإذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لم يفطر، وإن كان نفلاً أو كان مفطراً استحب الأكل.
وإن أحب دعا وانصرف).
أما كون سائر الدعوات والإجابة إليها غير واجبة؛ فلما روي عن عثمان بن أبي العاص: «أنه دعي إلى ختان فأبى أن يجيب.
وقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 4. رواه الإمام أحمد.
وما كونها تستحب فلقوله عليه السلام: «إذا دعي أحدكم فليجب عُرسا كان أو غير عرس» 5. رواه أبو داود.
ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييبه.
وأما كونه إذا حضر وهو صائم صوماً واجباً لا يفطر؛ فلأن] 6 الأكل غير واجب لما يأتي.
فلا يترك واجباً لأجل مستحب.
وأما كونه يستحب له الأكل إذا كان صائماً نفلاً؛ فلأن فيه إجابةً لأخيه المسلم، وإدخالَ السرور على قلبه.
وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعوة ومعه جماعة.
فاعتزل رجل من القوم ناحية.
فقال: إني صائم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعاكم أخوكم وتكلّف لكم.
كُلْ.
ثم صم يومًا مكانه إن شئت» 1.
وأما كونه إن أحب دعا وانصرف؛ فلأنه داخل في قوله عليه السلام: «فإن كان صائماً فليدْعُ» 2.
ولأن الأكل غير واجب لما يأتي.
فلم يجب أن يترك صومه وإن كان نفلاً.
فعلى هذا يستحب له أن يُعلم صاحب الدعوة بأنه صائم ليعلم عذره وتزول عنه التهمة في ترك الأكل.
وعن عبدالله: «إذا عُرضَ على أحدكم الطعامَ وهو صائم فليقل: إني صائم» 3.
وعن عثمان بن عفان: «أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم.
فقال: إني صائم ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو له بالبركة».
رواه أبو حفص.
وأما كونه استحب له الأكل إذا كان مفطراً؛ فلما تقدم في الصائم نفلاً.
ولأنه إذا استحب للصائم أن يفطر من أجل الأكل؛ فلأن يستحب للمفطر الأكل بطريق الأولى.
وإنما لم يَجب الأكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُعي أحدكم فليُجِب.
فإن شاءَ أكلَ وإن شاءَ ترك» 4. حديث صحيح.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «فإن كان مفطرًا فليطعَم» 1 يقتضي وجوب الأكل.
ولأن المقصود الأكل.
فيجب أن يكون واجباً.
قيل: أما الخبر فمحمول على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث لما فيه من الجمع الذي لا يمكن عكسه.
وأما كون المقصود الأكل فيبطل بالصائم فرضاً.
فإنه يجب عليه الإجابة مع أنه ممنوع من الأكل.
فعلى هذا المقصود الإجابة وقد وجدت من المفطر إن لم يأكل.
قال: (فإن دعاه اثنان أجاب أولهما.
فإن استويا أجاب أدينهما، ثم أقربهما جواراً).
أما كون من دعاه اثنان يجيب أولهما؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن سبقَ أحدهما فأجبِ الذي سبق... مختصر» 2 رواه أبو داود.
ولأن إجابته وجبت بدعوته.
فلم تزل بدعوة الثاني.
وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بأنه لا يجيب دعوة الثاني.
وهو صحيح.
لكن بشرط أن لا يتسع الوقت لإجابتهما؛ لأنه لو وجبت عليه إجابة الثاني مع عدم اتساع الزمن لأوجبنا عليه ما لا يمكنه فعله إلا يترك واجب مثله بل أرجح منه؛ لأن حق الأول سابق.
فإن اتسع الوقت لهما وجبت إجابتهما للنصوص المتقدمة السالمة عما ذكر قبل.
وأما كونه يجيب أدينهما مع تساويهما في الدعوة؛ مثل أن تتفق دعوتهما في وقت واحد؛ فلأن كثرة الدِّين لها أثر في التقديم.
دليله الإمامة.
وأما كونه يجيب أقربهما جواراً مع تساويهما في الدعوة والدِّين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتمعَ داعيان فأجبْ أقربَهما بابًا فإنَّ أقربَهما بابًا أقربَهما جوارًا» 1 رواه أبو داود.
وعن عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! إن لي جارين.
فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منكِ بابًا» 2 رواه البخاري.
فإن قيل: فإن كان أحدهما أقرب والآخر أدين.
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أنه يجيب الأدين؛ لأن الدين درجة رفيعة فكيف بالأدين.
وقال في المغني: يقدم أقربهما منه باباً فإن استويا فأدينهما.
وظاهره أنه يجيب الجار الأقرب دون غيره وإن كان أدين منه؛ لأن القرب في الجوار مأخوذ من الحديث، والكثرة في الدين مأخوذة من الأصول.
قال: (وإن علم أن في الدعوة منكراً كالزمر والخمر وأمكنه الإنكار حضر وأنكر، وإلا لم يحضر).
أما كون من ذكر يحضر وينكر إذا أمكنه الإنكار؛ فلأن فيه تحصيل فرضين فرض الإجابة وفرض إزالة المنكر.
وأما كونه لا يحضر إذا لم يمكنه الإنكار؛ فلأن عليه ضرراً في الحضور.
ولأنه يحرم عليه مشاهدة المنكر مع إمكان عدم مشاهدته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمر» 3. رواه أبو حفص.
ولأنه يشاهد المنكر من غير حاجة إليه.
فمنع منه؛ كما لو شاهده مع القدرة على إزالته.
فإن قيل: الحديث يدل على المنع من الحضور في موضع فيه محرم من غير تقييد بإمكان الإنكار.
قيل: ذلك مستثنى لدلالة الدليل عليه.
قال: (وإن حضر فشاهد المنكر أزاله وجلس.
فإن لم يقدر انصرف.
فإن علم به ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس).
أما كون من حضر فشاهد المنكر يزيله ويجلس؛ فلأن فيه جمعاً بين مصلحتي الإنكار، ومقصود الإجابة الشرعية.
وأما كونه ينصرف إذا لم يقدر على الإزالة؛ فلأن القعود مع مشاهدة المحرم حرام لما تقدم.
وأما الجلوس إذا علم به ولم يره ولم يسمعه؛ فلأن المحرم رؤية المنكر وسماعه ولم يوجد واحد منهما.
قال: (وإن شاهد ستوراً معلقة فيها صور الحيوان [لم يجلس إلا أن تزال.
وإن كانت مبسوطة أو على وسادة فلا بأس بها).
أما كون من شاهد ستوراً معلقة فيها صور الحيوان] 1 لم يجلس إذا لم تزل؛ فلأن ستر الجدران بذلك حرام؛ لما روت عائشة قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت سهوة بنمط فيه تصاوير.
فلما رآه قال: أتسترين بستر فيه تصاوير؟ فهتكه.
فجعلتُ منه منتبذتين.
فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على أحدهما» 2 رواه ابن عبدالبر.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام فقال: أتيتُكَ البارحةَ.
فلم يمنعني أن أكونَ دخلتُ إلا أنه كان على البابِ سترٌ فيه تماثيل.
وكان في البيتِ كلب» 3.
وقول المصنف رحمه الله: لم يجلس: ظاهرُه أنه ممنوع من الجلوس.
ودليله ظاهر؛ لأن الستر المتقدم منكر لما تقدم.
فيحرم على المشاهد له الجلوس؛ لما تقدم.
وقال في المغني: أما دخول منزل فيه صورة فليس بمحرم.
وإنما أبيح ترك الدعوة من أجله عقوبة للداعي بإسقاط حرمته لاتخاذه المنكر في داره.
فلا يجب على من رآه في منزل الداعي الخروج في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه فإنه قال في روايةِ الفضل بن زياد: إذا رأى صوراً على الستر لم يكن رآها حين دخل قال: هو أسهل من أن يكون على الجدار.
قيل له: فإن لم يره إلا عند وضع الخوان أيخرج؟ قال: لا تضيق علينا.
ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم.
يعني لا يخرج.
هذا لفظه.
واحتج على ذلك بـ «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ الكعبة فرأى فيها صورةَ إبراهيم وإسماعيل» 1.
وبأن علياً دخل ومعه جماعة من المسلمين الكنيسة لما عمل النصارى طعاماً لعمر حين قدم الشام فجعل علي ينظر إلى الصور.
وبأن دخول البيَع والكنائس غير حرام وفيها الصور.
فكذلك المنازل.
فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة» 2. وذلك مشعر بالتحريم.
ولأنه لو لم يكن محرمًا لما جاز ترك الإجابة الواجبة من أجله.
قيل: أما عدم دخول الملائكة فلا يوجب تحريم الدخول عليها.
بدليل أنها لا تدخل بيتاً فيه كلب.
ولا يحرم علينا دخوله، وأنها لا تصحب رفقة فيها جرس.
ولا يحرم علينا صحبتهم.
وأما ترك الإجابة الواجبة من أجله فقد تقدم أن ذلك إنما كان عقوبة للداعي لاتخاذه المنكر في داره.
ولأن فيه زجراً له عن فعله.
وفيما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني نظر؛ لأن التصوير في الحائط أو الستر إذا كان محرماً فأيُّ فرق بين مشاهدة ذلك وبين مشاهدة الخمر ونحوه؟.
وما ذكر من جواز دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وفيها صورة إبراهيم وإسماعيل، ودخول علي والمسلمين بيعة النصارى.
فيمكن الفرق بينه وبين الدار المصورة والستر المعلق المصور من حيث إن صاحب الدار معتقد حرمة ذلك ملتزم بحكم شرعنا المحرم له.
بخلاف الكنائس والبيع فإن أصحابها معتقدون حل ذلك غير ملتزمين بحكم شرعنا.
وهم مقرون على ذلك؛ لأنهم مقرون على كفرهم؛ فلأن يقروا على ذلك بطريق الأولى.
وأما كونه يجلس إذا أزيلت الستور المتقدم ذكرها؛ فلأن المحرم للجلوس مشاهدة ذلك.
فوجب أن ينتفي عند انتفائه.
وأما كونه لا بأس بالستور المتقدم ذكرها إذا كانت مبسوطة؛ فلأن فيه إهانة لها وابتذالاً.
ولأن تحريم تعليقها إنما كان لما فيه من التعظيم والإعزاز والتشبه بالأصنام التي تعبد وتتخذ آلهة.
وكل ذلك مفقود في البسط.
وأما كونه لا بأس بها إذا كانت على وسادة؛ فلأن عائشة قالت: «فجعلتُ منه -يعني من النمط الذي فيه تصاوير- منتبذتين.
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على أحدهما» 1. رواه ابن عبدالبر.
وفي حديث أبي هريرة المتقدم ذكره: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مُر بالستر فلتقطع منه وسادتان منبوذتان يوطآن.
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم» 2.
ولأن في ذلك إهانة.
أشبه البسط.
فإن قيل: الكلام في الجلوس لدعوة العرس فما بال المصنف لم يتعرض له في بسط ما فيه صورة حيوان وجعله على وسادة؟
قيل: قد تقدم أن المبيح لعدم الجلوس فعل صاحب الدعوة المحرم في داره فإذا تبين أن فعل ذلك ليس بمحرم علم انتفاء المبيح.
فيفهم منه الجلوس؛ لانتفاء المبيح لعدمه.
قال: (وإن ستر الحيطان بستورٍ لا صور فيها أو فيها صور غير الحيوان فهل تباح؟ على روايتين).
أما كون ما ذكر لا يباح على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن تستر الجدر» 1 رواه الخلال.
وعن عبدالله: «أن أبا أيوب قال له: يا عبدالله! تسترون الجدر؟ لا أطعم لكم طعامًا ولا أدخل لكم بيتًا» 2. رواه الأثرم.
وعن عبدالله بن يزيد الخطمي «أنه دعي إلى طعام.
فرأى البيتَ منجداً.
فقعد خارجاً وبكى.
فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد رقعَ بردةً له بقطعة أدم.
فقال: تطالعت عليكم الدنيا -ثلاثاً-.
فقال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم؛ كما تستر الكعبة.
قال عبدالله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم؛ كما تستر الكعبة».
وأما كون ذلك يباح على روايةٍ؛ فلأن ابن عمر فعله، وفُعل في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد رجّح المصنف في المغني هذه الرواية.
فإن قيل: الحرمة المذكورة مطلقة في كل حال أو يشترط في ذلك عدم الحاجة.
قيل: بل يشترط في ذلك عدم الحاجة.
فإن دعت الحاجة إليه من حرٍّ أو بردٍ فلا بأس به.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
وعلل بأنه استعمال في حاجة.
أشبه ستر الباب وما يلبسه على بدنه.
فعلى هذا يحمل كلام المصنف هنا على عدم الحاجة جمعاً بين نقليه في كتابيه.
وينبغي أن يلحظ إباحة عدم الإجابة والجلوس في الدعوة الواجبة إجابتها على الروايتين جميعاً؛ لأن المصنف قال في المغني: وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع وترك الإجابة.
وإذا كانت الكراهة عذراً فالحرمة بطريق الأولى.
قال: (ولا يباح الأكل بغير إذن.
والدعاء إلى الوليمة إذن فيه).
أما كون الأكل لا يباح بغير إذن؛ فلأن المأكول من مال الغير.
فلا يباح بغير إذنه؛ كلبس ثوبه وركوب دابته.
وأما كون الدعاء إلى الوليمة إذناً في الأكل؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعيَ أحدكم [إلى طعامٍ] فجاءَ مع الرسولِ فذلكَ إذنٌ له» 1 رواه أبو داود.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا دُعيتَ فقد أُذن لك».
رواه الإمام أحمد.
قال: (والنِّثار والتقاطه مكروه.
وعنه: لا يكره.
ومن حصل في حجره شيء منه فهو له).
أما كون النِّثار والتقاطه مكروهاً على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى عن النُّهبَى والمثلَة» 2.
ولأن فيه تزاحماً وقتالاً.
وربما أخذه من يكره صاحب النثار أخذه 1 لحرصه وشرهه ودناءة نفسه.
فإن قيل: ظاهر النهي التحريم.
فيجب أن يكون حراماً.
لا سيما وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلُّ النهبَى ولا المثلة» 2 رواه البخاري.
قيل: ذلك الإجماع فإنه لا خلاف في الإباحة ذكره المصنف في المغني.
ولأنه نوع إباحة لمال.
فلم يكن محرماً؛ كسائر الإباحات.
وأما كون ذلك لا يكره على روايةٍ؛ فلما روى عبدالله بن قرط قال: «قُرِّبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسُ بدناتٍ أو ست فطفِقْنَ يزدلِفْنَ إليه بأيتِهن يبدأُ.
فنحرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال كلمة لم أسمعها.
فسألتُ من قَرُبَ منه فقال: قال: من شاءَ اقتطَع» 3 رواه أبو داود.
وهذا جار مجرى النثار والتقاطه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه دُعيَ إلى وليمة رجل من الأنصار.
ثم أتوا بنهب فأنهبَ عليه.
قال الراوي: ونظرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزاحمُ الناسَ أو نحو ذلك.
قال: قلت: يا رسول الله! أوما نهيتنا عن النهبى؟ قال: نهيتكم عن نهبة العساكر».
ولأنه نوع إباحة.
أشبه إباحة الطعام.
وأما كون من حصل في حجره شيء منه فهو له؛ فلأنه مباح حصل في حجره.
فكان له؛ كما لو وثبت سمكة من البحر فوقعت في حجره.
قال: (ويستحب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف).
أما كون ما ذكر يستحب؛ فلما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصلُ ما بين الحلال والحرام الصوتُ والدفُ في النكاح» 1 رواه النسائي.
وقال عليه السلام: «أعلنُوا النكاح، واضربوا عليه بالغِربَال» 2 رواه ابن ماجة.
وأما كونه لا يجب؛ فلأن كثيراً من الصحابة تزوج وما فعله.
وعن عائشة «أنها زوجت يتيمة رجلاً من الأنصار.
فكانت عائشة رضي الله عنها فيمن أهداها إلى زوجها.
قالت: فلما رجعنا.
قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قُلتم يا عائشة؟ قالت: سلّمنا ودعونا بالبركة ثم انصرفنا.
فقال: إن الأنصارَ قوم فيهم غزَل.
ألا قلتم: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» 3 رواه ابن ماجة.
باب عشرة النساء
قال المصنف رحمه الله تعالى: (يلزم كل واحدٍ من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف.
وأن لا يمطله بحقه، ولا يظهر الكراهة لبذله).
أما كون كل واحدٍ من الزوجين يلزمه معاشرة الآخر بالمعروف؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: 19]، وقال: ﴿ولهن مِثْلُ الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: 228].
قال أبو زيد: تتقون الله فيهن؛ كما عليهن أن يتقين الله فيكم.
وأما كون كل واحدٍ منهما يلزمه أن لا يمطل الآخر بحقه؛ فلأن المطل بالحق مع القدرة عليه حرام.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الغني ظُلم» 1.
وأما كون كل واحدٍ منهما يلزمه أن لا يظهر الكراهة لبذله؛ فلأن ذلك من المعاشرة بالمعروف.
قال: (وإذا تم العقد وجب تسليم المرأة في بيت الزوج إذا طلبها وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها ولم تشترط دارها.
وإن سألت الإنظار أنظرت مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها.
وإن كانت أمة لم يجب تسليمها إلا بالليل).
أما كون تسليم المرأة يجب إذا تم العقد؛ فلأن بالعقد استحق الاستمتاع بها.
وذلك لا يحصل إلا بالتسليم.
وأما كونه في بيت الزوج؛ فلأن الحق له.
فملك تعيين موضعه.
وأما كونه يشترط لهذا الوجوب طلب الزوج لها؛ فلأن الحق له.
فلا يجب بدون الطلب.
وأما كونه يشترط له أن تكون حرة؛ فلأن الأمة لا يجب تسليمها مطلقاً بل ليلاً لأن النهار تكون في خدمة سيدها.
وأما كونه يشترط له أن تكون يمكن الاستمتاع بها؛ فلأن التسليم إنما وجب ضرورة استيفاء الاستمتاع الواجب.
فإذا لم يمكن الاستمتاع بها لم يكن واجباً.
والإمكان معتبر بتسع سنين نص عليه الإمام أحمد وذلك «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ بعائشة وهي ابنة تسع» 1.
وقال القاضي: هو معتبر بحالها واحتمالها؛ لأنها قد تكون كبيرة لا يمكنها وصغيرة يمكنها.
وحمل كلام الإمام على الغالب؛ لا أنه قصد التحديد لأن الإمكان قد يتخلف عن ذلك.
فكيف يجب التسليم؟ وحقيقة الإمكان منتفية.
وأما كونه يشترط له أن لا تشترط دارها؛ فلأن ذلك شرط لازم عندنا.
وأما كون المرأة تنظر مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها إذا سألت الإنظار؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
ولأن في قوله عليه السلام: «لا تطرقُوا النساءَ ليلاً حتى تَمْتشِطَ الشَّعِثَةُ وتستحِدَّ المغِيبَة» 2 تنبيهاً على الإمهال المذكور؛ لأنه إذا منع من الطروق وأمر بإمهالها لتصلح أمرها مع تقدم صحبته لها.
فلأن تمهل هذه بطريق الأولى.
فإن قيل: كم مقدار ذلك؟
قيل: قدره المصنف في المغني باليومين والثلاثة؛ لأن ما تحتاج إليه يمكن فعله في ذلك.
وأما كون الأمة لا يجب تسليمها إلا بالليل؛ فلأنها مملوكة.
عُقد على إحدى منفعتيها.
فلم يجب تسليمها في غير وقتها؛ كما لو أجرها لخدمة النهار.
فإنه لا يجب تسليمها بالليل.
قال: (وله الاستمتاع بها ما لم يشغلها عن الفرائض من غير إضرار بها.
وله السفر بها إلا أن تشترط بلدها).
أما كون الزوج له الاستمتاع بالزوجة ما لم يشغلها عن الفرائض ولم يضر بها؛ فلأن المقصود من النكاح الاستمتاع.
فإذا لم يشغلها عن الفرائض ولم يضر بها وجب عليها التمكين منه.
وقد نبه على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث حث على طاعة الزوج، وقد روي عنه أنه قال: «من باتتْ مهاجرةً فراشَ زوجها لعنتْها الملائكةُ حتى ترجع» 1 متفق عليه.
وأما كونه ليس له الاستمتاع بها إذا شغلها عن الفرائض؛ فلأن وقت ذلك مستثنى بأصل الشرع.
وأما كونه له السفر بها إذا لم تشترط بلدها؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر بنسائه» 2.
ولأن حاجته تدعو إلى الاستمتاع في السفر.
وهو حق عليها.
ولا يمكن إلا بالسفر معه.
فكان له عليها ذلك.
ضرورة تحصيل الاستمتاع الواجب.
فإن قيل: له السفر بها مطلقاً أم بشرط الأمن؟
قيل: بل بشرط الأمن؛ لأن في سفرها مع الخوف ضرراً عليها.
والضرر لا يزال بالضرر.
وأما كونه ليس له السفر بها إذا اشترطت بلدها؛ فلأن اشتراط ذلك يلزم الوفاء؛ لما تقدم في الشروط اللازمة 3.
قال: (ولا يجوز وطؤها في الحيض ولا في الدبر).
أما كون وطء المرأة في الحيض لا يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يَطْهُرن﴾ [البقرة: 222].
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفرَ بما أُنزلَ على محمد» 1 رواه الأثرم.
وأما كون وطئها في الدبر لا يجوز؛ فلما تقدم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يستحيي من الحق.
لا تأتوا النساء في أعجازهن» 2.
وعن أبي هريرة وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى رجلٍ جامع امرأةً في دبرها» 3. رواهما ابن ماجة.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: 223] يقتضي الخيرة في إتيانها في أي موضع شاء.
قيل: هو كذلك إلا الدبر؛ لما روى جابر قال: «كان اليهود يقولون: إذا جامعَ الرجلُ امرأته في فرجها من ورائها جاء الولدُ أحوَل.
فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [النساء: 223] أي: من بين يديها ومن خلفها.
غير أن لا يأتيها إلا في المأْتِي» 4.
وفي روايةٍ: «يأيتها مقبلةً ومدبرةً إذا كان ذلك في الفرج» 1.
فإن قيل: إذا كان الوطء فيه حراماً.
فهل يجب به الحد؛ كاللواط؟
قيل: لا؛ لأن الحد يُدرأ بالشبهة.
وهي موجودة هنا.
بخلاف وطء الأجنبية في دبرها فإنه يجب به حد اللواط؛ لأنه لا شبهة فيه.
قال: (ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن الأمة إلا بإذن سيدها).
أما كون الزوج لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ فلما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعزلَ عن الحرة إلا بإذنها» 2. رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ولأن لها في الولد حقاً وعليها في العزل ضرراً.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يكون استئذانها مستحباً؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال.
بدليل أنه يَخْرج به من الفيئة والعنة.
ثم قال: والأول أولى.
وأما كونه لا يعزل عن الأمة إلا بإذن سيدها؛ فلأن الولد حق له.
فاشترط إذنه.
ولم يذكر المصنف في المغني إذن السيد بحال.
قال: فأما زوجته الأمة فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها استدلالاً بمفهوم هذا الحديث.
يعني حديث الحرة.
وقال ابن عباس: «تُستأذنُ الحرةُ ولا تُستأذنُ الأمة».
ولأن عليه ضرراً في استرقاق ولده.
بخلاف الحرة.
ويحتمل أن لا يجوز إلا بإذنها؛ لأنها زوجة تملك المطالبة بالوطء في الفيئة والفسخ عند تعذره بالعنة وترك العزل من تمامه.
فلم يجز إلا بإذنها؛ كالحرة.
والمراد بقول المصنف هنا: ولا عن الأمة: الأمة المعقود عليها لا الأمة المملوكة للواطئ؛ لأنه قال في المغني: ويجوز العزل عن أمته بغير إذنها.
نص
عليه؛ لأنها لا حق لها في الوطء ولا في الولد ولذلك لم تملك المطالبة بالقسم ولا الفيئة.
فلأن لا تملك المنع من العزل بطريق الأولى.
قال: (وله إجبارها على الغسل من الحيض والجنابة والنجاسة واجتناب المحرمات، وأخذ الشعر الذي تعافه النفس؛ إلا الذمية فله إجبارها على غسل الحيض، وفي سائر الأشياء روايتان).
أما كون الزوج له إجبار زوجته المسلمة على جميع ما تقدم ذكره؛ فلأنه دائر بين واجب عليها وبين شيء يقف كمال الاستمتاع عليه.
وأما كونه له إجبار زوجته الذمية على غسل الحيض؛ فلأن حل الوطء موقوف عليه.
وأما كونه له إجبارها على سائر الأشياء في روايةٍ؛ فلأن كمال الاستمتاع يقف عليه.
إذ النفس تعاف وطء من عليها غسل، أو شربت مسكراً، أو لها شعر.
وأما كونه ليس له إجبارها على ذلك في روايةٍ؛ فلأن غسل الجنابة والنجاسة واجتناب المحارم عندنا غير واجب عليها وإزالة الشعر غير مشروع عندها.
وقال المصنف في المغني: شعر العانة إذا خرج عن العادة فله إجبارها على إزالته رواية واحدة.
فصل [في حقوق الزوجة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولها عليه: أن يبيت عندها ليلة من كل أربع ليال.
وإن كانت أمة فمن كل ثمان ليال.
وقال أصحابنا: من كل سبع.
وله الانفراد بنفسه فيما بقي).
أما كون الزوجة الحرة لها على زوجها أن يبيت عندها ليلة من كل أربع؛ «فلأن كعب بن سور كان جالسًا عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة.
فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيتُ رجلاً قط أفضل من زوجي.
والله! إنه ليبيتُ ليله قائمًا ويظلُ نهارهُ صائمًا.
فاستغفرَ لها وأثنى عليها واستحيت المرأةُ وقامت راجعة.
فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديتَ المرأة على زوجها.
فقال: وما ذاك؟ فقال: إنها جاءت تشكوه.
إذا كانت هذه حاله في العبادة متى يتفرغ لها.
فبعث عمر إلى زوجها.
وقال لكعب: اقض بينهما.
فإنك فهمتَ من أمرهما ما لم أفهم.
قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن.
فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة.
فقال عمر: والله! ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر.
اذهب فأنت قاضٍ على البصرة».
وفي روايةٍ: فقال عمر: «نعم القاضي أنت».
وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر.
فكانت إجماعًا.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن عمرو 1 بن العاص: «إن لزوجك عليك حقًا» 2.
ولأنه لو لم يكن لها عليه حق لكان له تخصيص إحدى زوجتيه؛ كالزيادة في النفقة على قدر الواجب.
وإذا ثبت وجوب الحق في الجملة وجب تقديره بما ذكر؛ لحكم كعب بن سور وتصويب عمر له.
وأما كون الزوجة الأمة لها على زوجها أن يبيت عندها ليلة من كل ثمان عند المصنف؛ فلأن الأمة على النصف من الحرة.
وأما كون ذلك من كل سبع عند أصحابنا؛ فلأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث حرائر فتبقى السابعة لها.
فإن قيل: من أين لك أن الليلة من الثمان اختيار المصنف؟
قيل: لأن في قوله: وقال أصحابنا إشعاراً بذلك.
وصرح به في المغني فقال بعد أن حكى أن لها ليلة من سبع: والذي يقوى عندي أن لها ليلة من ثمان لتكون على النصف مما للحرة.
فإن حق الحرة من كل ثمان ليلتان ليس لها أكثر من ذلك.
فلو كان للأمة ليلة من سبع لزاد على النصف ولم يكن للحرة ليلتان وللأمة ليلة.
ولأنه إذا كان تحته ثلاث حرائر وأمة.
فلم يرد أن يزيد لهن على الواجب فقسم بينهن سبعاً فماذا يصنع في الليلة الثامنة؟ إن أوجبنا عليه مبيتها عند الحرة فقد أوجبنا عليه زيادة على الواجب، وإن باتها عند الأمة جعلها كالحرة ولا سبيل إليه.
وعلى ما اخترته تكون هذه الليلة الثامنة له، إن أحب انفرد بها فيها وإن أحب بات عند الأولى مستأنفاً للقسم.
وأما كونه له الانفراد بنفسه فيما بقي؛ فلما تقدم من حديث كعب بن سور.
قال: (وعليه وطؤها في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر.
وإن سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه لزمه ذلك إن لم يكن عذر.
فإن أبى شيئاً من ذلك ولم يكن عذر فطلبت الفرقة فرّق بينهما.
وعنه: ما يدل أن الوطء غير واجب فيكون هذا كله غير واجب).
أما كون الزوج عليه وطء زوجته في كل أربعة أشهر مرة إن لم يكن عذر على المذهب؛ فلأنه لو لم يكن واجباً لم يصر باليمين على تركه واجباً؛ كسائر ما لا يجب.
ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما، وهو مفضٍ إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفع ذلك عن الرجل.
فيجب تعليله بذلك ويكون النكاح حقاً لهما.
ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل؛ كالأمة المملوكة له.
وإنما اشترط عليه كون المدة أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى قدر في حق المولي ذلك.
ولو وجب الوطء في أقل من ذلك لوجب على المولي في تلك المدة.
وإنما اشترط أن لا يكون عذر كمرض ونحوه لأن صاحب العذر معذور.
فلم يجب عليه من أجل عذره.
وأما كونه يلزمه القدوم إذا سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت ذلك ولم يكن عذر؛ فلما روى زيد بن أسلم قال: «بينما عمر بن الخطاب يحرس المدينة فمر بامرأة في بيتها وهي تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه... وطال عليّ أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا خشية الله وحده... لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عنها عمر.
فقيل له: فلانة.
زوجها غائب في سبيل الله.
فأرسل إليها امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها فأقفله.
ثم دخل على حفصة فقال: يا بنية! كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي عن هذا.
فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك.
فقالت: خمسة أشهر أو 1 ستة أشهر.
فوقّت للناس في مغازيهم ستة أشهر: يسيرون شهراً، ويقيمون أربعة أشهر، ويسيرون شهراً راجعين».
وفي قول المصنف: إن لم يكن عذر تنبيه على أن السفر إذا زاد على ستة أشهر وكان لعذرٍ لم يلزمه القدوم؛ لأن صاحب العذر يعذر من أجل عذره.
وأما كونه يفرّق بينهما إذا أبى الزوج شيئاً ولم يكن عذر فطلبت الفرقة؛ فلأنها تعذر عليها ما وجب لها مولياً.
فملك الفرقة به؛ كما لو كان زوجها مولياً فطلبت منه الوطء فأبى.
وأما كون الوطء غير واجب عليه على روايةٍ؛ فلأنه حق له فلا يكون واجباً عليه كسائر حقوقه.
وأما قول المصنف: فيكون هذا كله غير واجب: فالمراد به أنه إذا قيل الوطء لا لا يجب: لا يجب عليه القدوم من السفر وإن طال، ولا يفسخ النكاح بعدم قدومه؛ لأن جميع ذلك من موانع وجوب الوطء وقد انتفى.
قال: (ويستحب أن يقول عند الجماع: "بسم الله.
اللهم! جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني".
ولا يكثر الكلام حال الوطء.
ولا ينزع إذا فرغ قبلها حتى تفرغ).
أما كون الزوج يستحب له أن يقول عند الجماع: بسم الله.
اللهم! جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني؛ فلما روى ابن عباس قال: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: [بسم الله].
اللهم! جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا» 1 متفق عليه.
وقال عطاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ [النساء: 223]: هي التسمية عند الجماع.
وأما كون المجامع لا يكثر الكلام حال الوطء؛ فلما روى قبيصة بن ذؤيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء فإن منه يكون الخرس والفأفاء» 2. رواه أبو حفص العكبري.
والمراد بقوله: ولا يكثر: الكراهة.
صرح به في المغني، وعلله بما تقدم، وبأنه يكره الكلام حالة البول، وحالةُ الجماع في معناه وأولى بذلك منه.
وأما كونه لا ينزع إذا فرغ قبلها حتى تفرغ؛ فلما روى أنس بن مالك قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جامع الرجل أهله فليقصدها.
فإذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها» 1 رواه أبو حفص العكبري.
ولأن في ذلك ضررًا ومنعًا لها من قضاء شهوتها.
والمراد أيضاً بقوله: ولا ينزع... إلى آخره: أنه يكره له النزع قبل فراغها.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى في المغني.
قال: (وله الجمع بين وطء نسائه وإمائه بغسلٍ واحد.
ويستحب الوضوء عند معاودة الوطء).
أما كون الزوج له الجمع بين وطء نسائه وإمائه بغسلٍ واحدٍ؛ فلما روى أنس قال: «سكبتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم غُسلاً واحدًا في ليلةٍ واحدة» 2 رواه أبو حفص العكبري.
ولأن حدث الجنابة لا يمنع الوطء.
بدليل إتمام الجماع.
وأما كون الوضوء عند معاودة الوطء يستحب؛ فلما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جامعَ الرجلُ أول الليل ثم أرادَ أن يعودَ فليتوضأ» 3 رواه مسلم.
قال: (ولا يجوز له الجمع بين زوجتيه 1 في مسكنٍ واحدٍ إلا برضاهما.
ولا يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى أو غيرها.
ولا يحدّثها بما جرى بينهما).
أما كون الزوج لا يجوز له الجمع بين زوجتيه في مسكنٍ واحدٍ بغير رضاهما؛ فلأن في الجمع ضرراً بهما لما بينهما من العداوة والغَيْرة، والجمع يثير المخاصمة والمقاتلة.
وأما كونه له ذلك برضاهما؛ فلأن الحق لهما فإذا رضيتا بإسقاطه سقط.
وأما كونه لا يجوز له أن يجامع إحداهما بحيث تراه الأخرى؛ فلما ذكر قبل.
فإن قيل: هل يجوز ذلك مع الإذن كالجمع في المسكن الواحد؟
قيل: لا.
وكلام المصنف هنا مشعر به؛ لأنه استثنى ذلك في السكنى دون المجامعة.
وصرح به في المغني فقال: إن رضيتا بأن يجامع واحدة واحدة بحيث تراه الأخرى لم يجز؛ لأن فيه دناءة وسخفاً وسقوط مروءة.
وأما كونه لا يجوز له ذلك بحيث تراه غير الضرة؛ فلأن فيه ما ذكر من الدناءة والسخف وسقوط المروءة، وربما كان وسيلة إلى وقوع الرائية في الفاحشة؛ لأنها قد تثور شهوتها بذلك فيؤدي إلى المحذور المذكور.
وأما كونه لا يحدّث الضرة بما جرى بينهما؛ فلأن ذلك سبب لإثارة الغيرة وبغض إحداهما الأخرى.
قال: (وله منعها من الخروج عن منزله.
فإن مرض بعض محارمها أو مات استحب له أن يأذن لها في الخروج إليه).
أما كون الزوج له منع زوجته من الخروج عن منزله؛ فلما روى أنس «أن رجلاً سافرَ ومنع زوجته من الخروج عن منزله.
فمرضَ أبوها.
فاستأذنتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادةِ أبيها.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقي الله ولا تخالفي زوجك.
فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قد غفرتُ لها بطاعةِ زوجها».
رواه ابن بطة.
ولأن طاعة الزوج واجبة والعيادة وشبهها غير واجبة.
فلم يجز ترك الواجب لغير الواجب.
وأما كونه يستحب له أن يأذن لها في ذلك إذا مرض بعض محارمها أو مات؛ فلأن ذلك وسيلة إلى صلة الرحم.
ولأن في منعها القطيعة والحمل على مخالفة والديها إن كانا هما الممنوع من الخروج إليهما.
قال: (ولا تملك المرأة إجارة نفسها للرضاع والخدمة بغير إذن زوجها.
وله أن يمنعها من رضاع ولدها إلا أن يضطر إليها ويخشى عليه).
أما كون المرأة لا تملك إجارة نفسها لما تقدم ذكره بغير إذن زوجها؛ فلأن الزوج يملك الاستمتاع بها، وكونها تملك ذلك يؤدي إلى فوات حقه.
فلم تملكه؛ كما لا تملك منعه من الوطء.
وأما كون الزوج له أن يمنعها من رضاع ولدها إذا لم يضطر إليها ويخشى على الولد؛ فلأن إرضاع ولدها ليس بواجب عليها، وحق الزوج واجب عليها.
فجاز أن يمنع الواجب ما ليس بواجب.
وأما كونه ليس له ذلك إذا اضطر إليها وخشي على الولد؛ فلأنه حينئذ يتعين عليها إرضاعه ويترجح على حق الزوج.
فإنه إحياء نفس وذلك راجح للمصلحة في نظر الشارع.
وليس الاضطرار المذكور مختصاً بالولد بل لو فرض في غير الولد أنه لم توجد مرضعة سواها تعين عليها إرضاعه تقدماً على حق الزوج لما فيه من الإحياء المذكور.
فصل في القسم
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعلى الرجل أن يساويَ بين نسائه في القَسْم.
وعماد القسم الليل؛ إلا لمن معيشته بالليل كالحارس).
أما كون الرجل عليه أن يساوي بين نسائه في القَسْم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: 19].
وليس مع الميل معروف.
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» 1.
وعن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل.
ثم يقول: اللهم! هذا قسَمي فيما أملك فلا تلُمني فيما لا أملك» 2 رواهما أبو داود.
وأما كون عماد القسم الليل لغير من معيشته بالليل كالحارس؛ فلأن الليل للسكن والإيواء يأوي فيه الآدمي إلى منزله وينام في فراشه مع زوجته عادة.
والنهار للمعاش والكسب والاشتغال.
قال الله تعالى: ﴿وجعل الليل سكنا﴾ [الأنعام: 96]، وقال تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباسًا? وجعلنا النهار معاشًا﴾ [النبأ: 10 - 11]، وقال: ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله﴾ [القصص: 73].
أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار.
وأما كون عماد قَسْم من معيشته بالليل كالحارس ونحوه النهار؛ فلأن الليل في حقهم كالنهار في حق غيرهم.
قال: (وليس له البداءة بإحداهن ولا السفر بها إلا بقرعة.
فإذا بات عندها بقرعة أو غيرها لزمه المبيت عند الثانية).
أما كون الزوج ليس له البداءة بإحدى زوجاته ولا السفر بها بغير قرعة؛ فلأن فعل ذلك تفضيل لها والتسوية واجبة.
ولأنهن متساويات في الحق فوجب المصير إلى القرعة؛ لأنها المرجحة.
وفي الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفرَ ببعض نسائه أقرعَ بينهن» 1. ولو جاز ذلك بغير قرعة لفعله ولو مرة تبييناً للجواز.
وأما كونه يلزمه المبيت عند الثانية إذا بات عند غيرها بقرعة أو غيرها؛ فلأنه يجب عليه التسوية في القَسْم لما تقدم.
وقد حصل لغيرها مبيت ليلة فوجب المبيت عند الثانية لتحصل التسوية الواجبة.
قال: (وليس عليه التسوية بينهن في الوطء بل يستحب).
أما كون الزوج ليس عليه التسوية بين الزوجات في الوطء؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: 129]. قال أبو عبيدة السلماني: في الحب والجماع.
ولأن الجماع طريقه الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية في ذلك.
وأما كونه يستحب له التسوية إن أمكن؛ فلأنه أبلغ في العدل.
ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يسوي بين نسائه حتى في القُبَلْ».
وحكم الاستمتاع دون الفرج حكم الوطء؛ لأنه إذا لم يجب التسوية في الجماع ففي دواعيه أولى.
قال: (ويَقسم لزوجته الأمة ليلة والحرة ليلتين وإن كانت كتابية.
ويَقسم للحائض والنفساء والمريضة والمعيبة).
أما كون الرجل يقسم لزوجته الأمة ليلة والحرة ليلتين؛ فلما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين» 1. رواه الدارقطني.
ولأن الحرة يجب تسليمها ليلاً ونهارًا.
فكان حظها أكثر في الإيواء.
وأما قول المصنف: وإن كانت كتابية فتنبيه على أن الحرة الكتابية في القسم كالحرة المسلمة.
وصرح به في المغني فقال: والمسلمة والكتابية سواء في القسم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء.
ولأن القسم من حقوق الزوجية.
فاستوت فيه المسلمة والكتابية؛ كالنفقة والسكنى.
فإن قيل: فما الفرق بين الحرة والأمة؟
قيل: الأمة لا يتم تسليمها ولا يحصل لها الإيواء التام.
بخلاف الحرة.
وأما كونه يقسم للحائض والنفساء والمريضة والمعيبة؛ فلأن القصد الإيواء والسكن والأنس وحاجتهن داعية إلى ذلك.
قال: (فإن دخل في ليلتها إلى غيرها لم يجز إلا لحاجة داعية.
فإن لم يلبث عندها لم يقض.
وإن لبث أو جامع لزمه أن يقضي لها 2 مثل ذلك من حق الأخرى).
أما كون الزوج لا يجوز له الدخول إلى غير من الليلة لها إذا لم تكن حاجة داعية؛ فلأنه ترك الواجب عليه لا لحاجة.
وأما كونه يجوز له لحاجة داعية مثل: أن تكون ضرتها منزولاً بها فيريد أن يحضرها أو توصي إليه أو نحو ذلك مما لا بد منه عرفاً؛ فلأن ذلك حالة ضرورة وحاجة فأبيح به ترك الواجب إلى قضائه في وقت آخر.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: في ليلتها: مشعرٌ بأنه له فعل ذلك في نهارها الذي هو تبع لليلة وإن لم تكن الحاجة داعية.
وصرح به في المغني فقال: يجوز الدخول في النهار إلى المرأة في يوم غيرها لحاجة من دفع نفقة أو عيادة أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته أو زيارتها لبعد عهدهما ونحو ذلك؛ لما روت عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليَّ في يوم غيري فينال مني كل شيء إلا الجماع» 1.
وأما كونه لا يقضي إذا لم يلبث عندها؛ فلأنه لا فائدة فيه لقلته.
وأما كونه يلزمه أن يقضي لها مثل ذلك من حق الأخرى إذا لبث أو جامع؛ فلأن التسوية واجبة ولا يحصل إلا بذلك.
ولا فرق في القضاء المذكور وعدمه بين ما إذا كان ممنوعاً من الدخول؛ مثل: أن يدخل لغير حاجة، أو غير ممنوع؛ مثل: أن يدخل لحاجة؛ لأنه زمن مستحق للغير أو زمن لا يقضى لقلته.
فاستوى فيه صاحب الحاجة وغيره.
قال: (وإن أراد النقلة من بلدٍ إلى بلدٍ وأخذ إحداهن معه والأخرى مع غيره لم يجز إلا بقرعة.
ومتى سافر بها بقرعة لم يقض.
وإن كان بغير قرعة لزمه القضاء للأخرى).
أما كون الرجل لا يجوز له أخذ إحدى نسائه معه والأخرى مع غيره إذا أراد النقلة من بلدٍ إلى بلدٍ بغير قرعة؛ فلأن فعل ذلك ميل.
فلم يجز لما تقدم.
بخلاف فعله بقرعة.
وأما كونه لا يقضي إذا سافر بها بقرعة؛ فلأن عائشة ذكرت السفر بالقرعة ولم تذكر القضاء.